سبتمبر 20, 2018

تحويل استراتيجية عظيمة إلى أداء عظيم | ملخّص مقال

في الكثير من المنظمات والشركات – وخصوصاً في أوقات التحديات والتغيرات في السوق – تقرر الإدارات العليا إجراء تعديل في الاستراتيجية، وإحلال استراتيجية جديدة تتجاوب مع معطيات السوق وتغيراته، ويتم ضخ الكثير من الموارد لاستكمال بناء الاستراتيجية الجديدة الطموحة التي تعد بتحسينات كبيرة لموقع المنظمة، غير أنه وفي الكثير من الأحيان، يكون الأداء الفعلي بعد اكتمال تنفيذ الاستراتيجية هو 60% فقط مما هو مخطط له.
أجرت شركة مارا كون سوشيتس بالتعاون مع وحدة المعلومات الاقتصادية دراسة تتضمن عددا من كبار المسئولين التنفيذيين من (197) شركة في جميع أرجاء العالم تزيد مبيعات الواحدة منها عن (500) مليون دولار بهدف معرفة مدى نجاح هذه الشركات في ترجمة استراتيجياتها إلى أداء جيد ومدى فاعليتها في بلوغ مستويات الأداء المالي المتوقع في خططها الاستراتيجية.

وكانت النتيجة أنهم كانوا قلقين من الفروقات بين التخطيط والتنفيذ ولم يكونوا يعلمون هل الفجوة ناشئة عن ضعف التخطيط أو ضعف التنفيذ أو كليهما، أو لأسباب أخرى.

وقد أرشدت الدراسة إلى ما يأتي:
         أولا: قلما تتابع الشركات الأداء على أساس الخطط طويلة الأجل.
         ثانيا: قلما تتفق النتائج عن السنوات المتعددة مع التقديرات.
         ثالثا: فقدان قيمة كبيرة أثناء ترجمة الاستراتيجيات إلى عمل.
         رابعا: قلما تلاحظ الإدارة العليا اختناقات الأداء.
         خامسا: الفجوة ما بين الاستراتيجية والأداء تعزز ثقافة ضعف الأداء

كيفية جسر الهوة بين الاستراتيجية والأداء
لا بد من رفع معايير كل من التخطيط والتنفيذ في آن واحد، وتأسيس روابط واضحة بين الاثنين، وتتبع الشركات الناجحة سبع قواعد بسيطة وواضحة يمكنها أن تحول استراتيجية الشركة وقدراتها إلى نتائج ايجابية.

القاعدة الأولى: ابقها بسيطة واجعلها ملموسة:
الاستراتيجية في غالبية الشركات فكره على درجه عالية من التجريد وغالبا ما يخلط بينها وبين الرؤية والتطلعات.

القاعدة الثانية: نقاش الافتراضات لا التوقعات:
فوحدات العمل ترغب في تقليل التطلعات والنتائج التي يراد لها أن تتحقق، لكي تقل المحاسبة، وتعظم المكافأة على الإنجاز، بينما تقوم الإدارة العليا بالضغط من اجل الوصول إلى توقعات ابعد مدى (لإرضاء مجلس الإدارة والمساهمين)، ومن خلال التفاوض يتم الوصول لحلول وسطى هي أقل مما يمكن الحصول عليه.

القاعدة الثالثة: استخدم إطارا صارماً وتحدث بلغة مفهومة مشتركة:
إن المهم هو أن يحدد الإطار لغة حوار وتفاهم مشتركه بين مركز الشركة ووحدات عملها، تفهمها وتستخدمها الفرق المسئولة عن الاستراتيجية والتسويق والتمويل. فبدون إطار بالغ الدقة، لربط أداء الشركة في أسواق المنتجات، بأدائها المالي، مع مرور الزمن يكون من الصعوبة بمكان تأكد الإدارة العليا من أن التوقعات المالية التي تواكب الخطة الاستراتيجية لوحدة العمل ممكنه التحقيق بصوره معقولة وواقعية.

القاعدة الرابعة: ناقش نشر الموارد في وقت مبكر: 
بإمكان الشركات أن تعد توقعات أكثر واقعية وخططا أكثر قابليه للتنفيذ، وينبغي أن تركز هذه المناقشة على الإجراءات الواجب على الشركة اتخاذها من اجل تنفيذ استراتيجية كل وحدة عمل فيها. ويجب طرح الأسئلة الأكثر أهمية هنا، والتي تجعل الإجابة عنها التوقعات والخطط المواكبة لها أكثر جدوى.
القاعدة الخامسة: حدد الأولويات بوضوح:
ينبغي على المدراء أن يتخذوا وينفذوا الآلاف من القرارات التشغيلية من اجل الوصول إلى استراتيجية ناجحة. ولكن ليست كل هذه القرارات هي بنفس القدر من الأهمية. والشركات القائدة تحدد اولوياتها بوضوح لكي يكون كل مدير تنفيذي واعيا جدا بالاتجاه الذي ينبغي أن يوجه إليه جهوده.

القاعدة السادسة: ارصد الأداء باستمرار:
يدرك التنفيذيون الذين يتابعون المستجدات ما إذا كان المشروع يتطلب موارد كثيرة جدا، أو قليلة جدا أو بكميات تكاد تكفي لتوصيل البضائع. فهم يكتسبون هذه القدرة تدريجيا مع مرور الزمن وذلك عن طريق التجربة والخطأ. كما تتابع (الشركات العالية الأداء) الأداء على أساس الوقت الحقيقي، وتتسم الرقابة المستمرة على الأداء بأهمية خاصة في " القطاعات سريعة التقلب "حيث يمكن للأحداث الخارجة عن السيطرة أن تجعل الخطة غير ملائمه.

القاعدة السابعة: كافئ قدرات الأداء وطورها:
لا توجد أية عمليه في نهاية الأمر أكثر أهمية من الأشخاص الذين يعملون على تنفيذها. وجميع الشركات الناجحة ترى أن اختيار الإدارة وتنميتها كانت عاملا ضروريا من عوامل نجاحها، ورغم أن الارتقاء بقدرات القوى العاملة بالشركة يستغرق وقتاً طويلاً إلا أنه إذا تم بكفاءة فيمكن أن يحرك التخطيط والتنفيذ المتفوق لعشرات من السنين، ومثلها التأكد من مكافأة العاملين الموهوبين على أدائهم المتفوق وتسليم عجلة القيادة للأكثر خبرة وكفاية وتشجيع عمل الفريق والنزاهة.

إن لجسر الهوة بين الاستراتيجية والأداء ثمار وفيرة تتمثل بزيادة أداء غالبية الشركات ما بين 60% و 100% ولكنها من المؤكد أدنى من المنافع الحقيقية فالشركات التي توجد روابط وثيقة بين استراتيجياتها وخططها وأداؤها غالبا ما تواجه " أثرا ثقافيا مضاعفا" فبينما تتحول استراتيجيتها إلى أداء عظيم تتعزز ثقة قادتها بقدراتهم ورغبتهم في توسيع نطاق الالتزامات مما يولد روحا جديدة في الشركات، كما أن المكافآت تعزز السلوك المطلوب لتقدم الشركة.

يترتب على ذلك ظهور ثقافة الارتقاء في الأداء الذي يمنح الشركة ثقة المستثمرين ويرفع بالتالي أسعار أسهمها ويعزز مكانتها وشهرتها وقدرتها على منافسة الشركات الأخرى.

____________
أصل المقال للكاتب |  مايكل سي. مانكنز وريتشارد ستيل

سبتمبر 20, 2018

القابلية للاستفزاز


يعاني البعض من تحول حالته النفسية من حسن إلى سيئ بشكل سريع؛ وذلك بسبب تصرف لأحدهم، أو قول لإحداهن!
فتراه بعد أن كان مقبلاً بكل سرور ومرح، والابتسامة تعلو وجهه، وحيويته تلفت الأنظار؛ إذ به ينقلب رأساً على عقب، ويتحول من هذه الحال الرائعة إلى حال من الحزن والأسى، وتعلو مسحة الكدر على وجهه ظاهرة، فيخيّل إليك أن مصيبة كبرى قد نزلت به، أو أن فاجعة حلت بأهله أو بداره، وإذا بك تدرك أن شيئاً من ذلك لم يحدث! وأن هذا التحول والتغير كان بسبب تصرف خاطئ أو قول غير مناسب ألقاه أحدهم غير عابئ بصاحبنا، فأخذ الموضوع بشكل أكثر جدية، وأصابه الحزن والأسى من جراء ذلك.
ومثله حال الرجل المستقر المسترخي، الذي يسهل استفزازه بكلمة أو تصرف، فيخرج من جراء ذلك عن طوره وسكونه، فيقول قولاً غير متزن، وتنتفخ أوداجه، ويجري دم الغضب في عروقه، تحت ضغط الحالة التي تعرض لها.

وهؤلاء الذين يتغيرون بسرعة من جراء المتغيرات الخارجية يفتقدون غالباً السكون الداخلي، وتصبح حالتهم المزاجية مضطربة، ومرهونة بالآخرين حزناً وفرحاً.

وهذا في الحقيقة من أكبر الأخطاء؛ لأنك – والحالة هذه – تعطي الآخرين نفوذاً واسع النطاق، وإمساكاً بزمام حالتك النفسية – شعرت أو لم تشعر – وحين تفقد السيطرة، فيمكنك أن تقول أو تفعل ما تندم عليه بعد سكون العاصفة.

ورسالتي للواحد من هؤلاء دوماً وأبداً: حذارِ من أن تترك “حالتك النفسية” بيد أحد من الناس، فيثيرك، أو يرفع ضغطك، أو يغضبك، أو يحزنك بقوله أو بفعله، بل وطّن نفسك على جعل مفاتيح التحكم لديك داخلية لا خارجية.

وهذا الأمر ليس مجرد وصايا تنظيرية، ولكنها وصية عملية تطبيقية، تحتاج مجاهدة ومراساً في البداية، وسوف تحقق الانتصار في النهاية، فعن تجربة فعلية يمكنني أن أجزم لك وأقول: “حاول، وستُفلح”.

إن من النجاح – أيها القارئ الكريم – أن تتصرف بوعي تجاه الأحداث المختلفة، تتصرف كما تريد أن تفعل، وكما تريد أن تقول، لا كما يُراد لك، وأن تكون عصياً على الاستثارة، أبياً على الاستفزاز، مهما حاول الآخرون استثارتك، وهنا ستشعر بانتصار كبير للذات، واستقرار في الحالة النفسية، بل سيكون لديك من الثقة بنفسك ما يجعلك تضحك طويلاً على أولئك المتوهمين قدرتهم على استفزازك، وغالباً سيكون سلوكك هذا سبباً في عودة الاستفزاز إليهم، وتحول ذواتهم إلى حالة من الإحباط والحزن جراء الفشل المتكرر الذي باتوا يواجهونه حين يتعاملون معك.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا



سبتمبر 10, 2018

ترياق العلاقات

لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، يعيش مع الناس، ولا ينفك عنهم، فحياته في كل أجزائها مرتبطة بالآخرين؛ لذا كانت العناية بعلاقات المرء وصلاته أمراً في غاية الأهمية، الذي يخسر الناس، أقاربَ، وأصدقاءَ، وأهلاً، وعاملين معه ولديه، سيتعرض لمشكلات نفسية، ويعيش حينها في مرحلة الوحشة.
ولهذا كان جديراً بالمرء السعي – دوماً – للمحافظة على العلاقات المهمة، وعدم التفريط فيها.


وأحد عوامل إدامة تلك العلاقات والصداقات والصلات، أن تتفهم مبررات مواقف الآخرين ودوافعهم من كلامهم أو أفعالهم ومواقفهم، وتفهّمها لا يعني قبولها بطبيعة الحال، ولكنه يعني معرفة المبررات التي جعلتهم مدفوعين لاتخاذها؛ وبناء عليه فربما التمس المرء لهم مبرراً، وأدرك أنه لو كنت في مثل موقفهم لربما فعل نفس فعلهم، وبالجملة فتفهم مواقف الآخرين؛ مما يدفع للاعتدال في التعامل مع مواقفهم.

ومما يعين على استمرار العلاقات مع الناس، تجنّب ردّات الفعل غير المحسوبة، فلا تتصرف مسكوناً باللحظة دون تأمل في العواقب، فأنت – خصوصاً في العلاقات المهمة – تحتاج لحسابات أكثر دقة، وهل يوجب هذا التجاوز كل ردة الفعل هذه، وما نتيجة الغضب، وما أفضل تعامل معه؛ لأن الزجاج إذا انكسر، بات من الصعب جداً إصلاحه وإزالة آثار الكسر عنه.

ويجب على المرء في سياق المحافظة على صلاته أن لا يقطع العلاقة الطويلة لموقف منفرد، وأن يتجنب المؤاخذة بزلة القول أو الفعل من صديق مقرب، أو أخ حميم طالما كان الإحسان سلوكه ومنهجه.

فالعلاقات تبنى على التغاضي، والتجاوز، ولهذا قال الشاعر:

من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط

ومن بحث عن صديق أو قريب لا يخطئ، فقد ابتغى محالاً، وسعى في غير طائل.

وإنما العبرة في تعاملك مع الناس على “الغالب” من أحوالهم، فمن كثر خيره، ولطفه، وإحسانه، طويت تجاوزاته، وغمرتها حسناته، والعكس صحيح.

وفي هذا السياق جاء الحديث النبوي – وهو لا يتحدث عن الصداقة، ولكنه يصلح للاستشهاد به عنها من باب القياس – الذي ينهى الزوجة عن كفران العشير؛ أي جحود إحسان الزوج، حيث يقول صلى الله عليه وسلم عن بعض النساء: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط).

ومما يحافظ على العلاقات، ويجعل الآخرين يقدرونها معك، سلوكك مسلك التسامح والتغاضي والتغافل، وعدم التدقيق على كل صغيرة وكبيرة، وعدم الرد على كل خطأ؛ وهو مما يجعل الناس يدركون علو قدرك، وجودة العلاقة معك.

كما أن لزوم البهجة والسرور، والتبسم، والتفاؤل.. تعتبر مما يجذب الناس إليك، ويحببهم فيك، فالناس اليوم ليست بحاجة للمزيد من الأسى، بل هي أحوج ما تكون لمن يفتح لها آفاقاً من الأمل، ويجعلها تعيش الفكاهة والسرور، فكن كذلك باعتدال، أضمن لك علاقات ممتدة، مكاناً وزماناً.

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن حسنت أخلاقه، ورزق التغافل، واللطف، وتذكر المعروف، والوفاء لأهل الوفاء، والمحافظة على الود مع الأقارب والأصحاب دوماً وأبداً.

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

رابط المقال في صحيفة تواصل هــنــا

سبتمبر 02, 2018

الشعراء ومقاييس الجمال

بين فينة وأخرى اقرأ واستمع لقصائد الغزل المختلفة، التي لا تفتأ تتحدث عن أوصاف المحبوبة، وتقاسيم جسدها الفاتن، متناولة حالة العشق والتوهان التي أصيب بها الشاعر، فبات يتحدث عنها ويتحدث..
حتى أنه ليبدو للمستمع والقارئ أن ذلك الشاعر قد عثرعلى أجمل بنات حواء على الإطلاق، وأن الجمال كلّه قد اجتمع في محبوبته، فليس لها في الكون مثيل، ولم يأت الزمان بشبيه لها، وهذا الحديث – في الغالب – هو من قبيل المبالغات والتضخيم والتكبير الذي يمارسه الشاعر ليجعل القصيدة أكثر إثارة لأذهان المستمعين، وأقدر على جلب اهتمامهم واستماعهم وإعجابهم.
غير أن المشكلة التي أراها – من وجهة نظري – أن الشعراء بتلك الأوصاف والتفاصيل الجمالية التي يروونها في محبوباتهم، قد تسببوا – شعروا أم لم يشعروا – في رفع مقاييس الجمال لدى الناس، وزيادة متطلباتهم، وكلما استمع الواحد منهم لقصيدة هنا أو هناك، بدأ إن كان عازباً في رسم الصورة المتوقعة للزوجة، وإن كان متزوجاً فهو يأخذ في عقد المقارنات بين أوصاف تلك المعشوقة وزوجته! ولأن الشاعر حين يكتب قصيدته يكون في حالة من السكر بالمعشوق، ولأن من عادة الشعراء أن يبالغوا في الوصف والتشبيه؛ فإن الأوصاف المذكورة في قصائدهم لا تكون صحيحة غالباً.

ولهذا روي عن الملوح – والد قيس بن الملوح الشهير بـ مجنون ليلى – أنه لما رأى هيام ابنه الشديد، وقصائده المترعة بالعشق، في ليلى قال له: (ليت شِعرى؛ ما أراها ممن يوصفن بالجمال والحُسن، وقد بلغني أنها (فوهاء)، قصيرة، جاحظة العينين، شهلة، سمجة، فعد عن ذكرها، ولك في قومك من هو خير لك منها).

ولم يزد قيساً حين سمع هذا الوصف لمعشوقته إلا هياماً، حتى اعتبر تلك الأوصاف مما يميزها! بل ختم ذلك بقوله:

فدَقّ صِلابُ الصّخرِ رأسَك سَمداً * فإني إلى حين المماتِ خلِيلـــُها!

ومن المؤكد أن مقاييس الجمال مختلفة بين الناس، فما يراه البعض ميزة تفضيلية للمعشوقة، يعده آخرون عيباً يبغضها إليهم، ولولا اختلاف الناس في مشاربهم وتفضيلاتهم لبارت السلع – كما يقول المثل – وكما يقول الشاعر:

وللناس فيما يعشقون مذاهب

 فاختلاف هذه المذاقات هو رحمة للعالمين.

غير أنني أعتقد بأن إدمان الاستماع والقراءة لقصائد الغزل، والتمعن في معانيها، يساهم – بشكل أو بآخر – في اختلاف الذائقة الجمالية، والعيش في عالم من الخيالات والأحلام.

استمع لتلك القصائد، واطرب لها، وحين تنتقل إلى الواقع فكن واقعياً وتمتع بما أعطاك الله، واستشعر أن في زوجتك، أو مخطوبتك من مواصفات الجمال الخلقي والأخلاقي ما يجذبك، ويغنيك عن عقد المقارنات.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن


تم النشر في صحيفة تواصل هـــنا

أغسطس 21, 2018

انضمّ لركب الهاجرين!

كثيرون تشغلهم المجريات اليومية، وأحداث البلدان، ومتغيرات الوقائع السياسية والاقتصادية في العالم بأسره، فيمضي الواحد منهم كل يوم ساعات في تتبعها، وتأكيدها، والمقارنة بـين المصادر الإعلامية المختلفة، محاولاً الوصول إلى حقيقة الأمر، وطبيعة الحدث، ولكي يدرك ما الذي يجري على الأرض اليوم، وكأنما قد وكل إليه اتخاذ القرارات الأكثر أهمية لمستقبل البلاد والعباد، بينما هو الحقيقة لا يقدم في ذلك شيئاً ولا يؤخر، وليس بيده فكّ ولا ربط، فليس متخذاً للقرار، ولا مستشاراً لمتخذ القرار، ولا يسمع لخلاصة جهده أحد، وقصارى جهده الكبير ذلك، يكون بـمجرد “السواليف” في هذا المجلس أو ذاك، وقد يلقي لها الحاضرون بالاً وقد لا يفعلون!


إنه الانشغال الكبير بعديم التأثير، وإفناء الأوقات والجهود فيما لا طائل من ورائه، فليس في معرفة رؤساء الدول، وأحزابهم، ومعارضيهم، ووقائع بلدانهم، وتداعيات الأحداث المختلفة عليهم، ومواقفهم من الغير، ليس في ذلك كله ثمرة فعلية على المرء في دينه ولا دنياه، ولو أنه صرف ذلك الوقت الكثير في عمل دنيوي مثمر، أو تعلم مهارة نافعة، أو تعلم علم من العلوم المختلفة، أو في عمل صالح، لأحدث أثراً واضحاً، وحقق فائدة كبرى.

ولقد عرفت جملة من كبار السن الذين اتخذوا من سماع نشرات الأخبار في الـ بي بي سي عادة ثابتة، وكان جهاز الراديو رفيقهم في حلهم وترحالهم، يحفظون تفاصيل الأخبار، وأسماء المراسلين، ويعرفون المذيعين من أصواتهم، تقلقهم الأخبار وتقض مضاجعهم، وتصيبهم بالأسى والحزن، ومع ذلك هم مقيمون على هذه العادة عقوداً، ولم تنفعهم تلك المعرفة بشيء قط.

ولو راجعت مواقعك المفضلة، وحسابك في “تويتر” – على سبيل المثال – لوجدت نفسك متابعاً لعشرات المواقع الإخبارية والوكالات العالمية؛ مما يكدر نتاجها صفوك، ويذهب كلامها وقتك.

وما أجمل أن تحزم أمرك، وتحدد اهتماماتك، ثم تقوم بحذف كل تلك المصادر جملة وتفصيلاً، وتحجب عن ناظريك مواقع الأخبار.. غثّها وسمينها، محليها وعالميها، ثم تركّز في متابعاتك على مجال عملك أو هواياتك أو مهاراتك العملية، فتقرأ وتشاهد وتستمع، فإذا بالساعات تمضي في عمل مبارك، وإذا بك تقضي أطيب أوقاتك في أفضل أعمالك.

وحينها يحدث الأثر، ويعظم التأثير، فهلم إلى جملة الهاجرين لنشرات الأخبار، الذاهبين إلى حيث السكون والهدوء والاستقرار، وإلى العلم المفيد والعمل المؤثر.

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

تم النشر في صحيفة تواصل هـــنـــا

أغسطس 21, 2018

المهمة الكبيرة.. تنتظرنا!

في كل رحلة على متن الطائرة أحرص على أن يكون مقعدي بجوار النافذة؛ وذلك لأنه الموقع الأكثر هدوءاً والأبعد عن الحركة أثناء الرحلة، كما أنه يتيح لي إطلالة واسعة وجميلة على المناطق والمنازل والطرقات أحياناً..
وكلما سافرت بالطائرة خارج المملكة – خصوصاً حين تمر الطائرة ببلدان غير إسلامية – فإنني وأنا أرى هذه المسافات الشاسعة، أستشعر حجم التقصير الكبير الذي نقع فيه جميعاً بعدم قيامنا بنشر رسالة هذا الدين العظيم إلى العالمين.
وترى من خلال النافذة ألوف المنازل المتناثرة في كل مكان، يولد أهلها، ويتعلمون، ويعيشون، ويموتون، ولم يصل إليهم من نور الرسالة المحمدية شيء، وإن وصل، فليس سوى صورة مشوهة ومبدّلة ومبتسرة عن “الإسلام” وعن نبي “الإسلام”، وتقوم المنظمات الصهيونية، وأذرعتها الإعلامية بالكثير من الجهود الكبيرة والمستمرة لأجل هذا التشويه المتعمد.

ولهذا تعيش تلك المجتمعات الشرقية والغربية خواءً كبيراً، وفقداناً لبوصلة السعادة، وضياعاً غير محدود، وتتحول إلى ما يصدق فيه قول الله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)!

وهذا الضلال والضياع يشمل المعتقد، والأخلاق، والقيم، والسلوك، بل لا أبالغ إذا قلت بأنه يشمل كل مناحي حياتهم..

ومع أن في أيدينا كنزاً ثميناً، ولدينا نور من الحق مبين؛ فإننا في الكثير من الأحيان نقتصر في جهودنا على مخاطبة أنفسنا، ونتوقع أن الرسالة قد وصلت، وأن الحجة قد بلغت، مع أن الواقع يشهد بأن ذلك لم يحصل، وأن إعراض الأمم عن الإسلام إنما هو لعدم بلوغ الرسالة، فذلك هو السبب الرئيس في جهل العالم بالإسلام، ومعاداته له، رغم توفّر الوسائل الإعلامية غير المحدودة، والتقنيات المتطورة.

والحقيقة أننا إذا نظرنا إلى أعمالنا في مجال الدعوة للإسلام والتعريف، فسوف ندرك أنها محاولات صغيرة جداً إذا قارنها بالمهمة المطلوبة منّا، وحجم الشريحة المستهدفة.

بل وإن تلك المشروعات القائمة اليوم تعاني من المحدودية بشكل جلي، محدودية العدد، ومحدودية المحتوى، ومحدودية الانتشار، ومحدودية اللغات، ومحدودية الوصول، فضلاً عن قلة مواردها المالية التي تجعلها تعمل بأقل طاقة إنتاجية ممكنة.

لذا فما أجمل أن يبادر كل واحد منا إلى أن يسأل نفسه: (ما هو الدور الذي يمكنني تقديمه في إيصال رسالة الإسلام النقية للعالمين؟ وأين يمكنني أن أضع قدمي على هذا الطريق؟)

ولندرك أننا أمام مسؤولية كبرى، وجهد ضخم جداً يجب بذله لإصلاح العالم برمّته بعد أن عبثت فيه شياطين الإنس والجنّ، ذلك أن الانحرافات عن أمر الله باتت مما يولد عليه الصغير، ويشيب عليه الكبير، بل تحولت من كونها أفعالاً مخالفة للسائد، إلى أن أصبحت “حقوقاً”، و”بدهيات”، وبات هناك من انتدب نفسه للدفاع عن الرذيلة، وربما اعتبرت بعض تلك الصور جزءاً من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مع كونها انحرافاً واضحاً عن الفطرة السوية، والقيم الأخلاقية، وكافة الديانات السماوية.
فأين المبادرون؟
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

تم النشر في صحيفة تواصل هـــنـــا

أغسطس 21, 2018

«طلاب المنح» سفراء قوتنا الناعمة

لم تعد “القوة الفعلية” وحدها اليوم هي الوسيلة الأنجح في تحقيق الانتصارات وتجميع المناصرين، فمع التغيّر الكبير الذي حدث في مجال التعليم والإعلام والعلاقات والتقنية، تغيرت الوسائل كثيراً، وبات بإمكان دولة ما أن تحدث تغييراً كبيراً في دولة أخرى، فكرياً كان ذلك التغيير أو سياسياً أو اقتصادياً دون إراقة قطرة دم واحدة، ودون أن تكون حاضرة في المشهد أصلاً. وذلك من خلال ما اصطلح على تسميته بـ(القوة الناعمة)، التي هي على خلاف القوة الخشنة المتمثلة في التدخل العسكري بأنواعه.
 ويعتبر (التعليم) أحد أهم هذه الأدوات، وأعمقها تأثيراً واستدامة، حيث تقوم الدول التي ترغب في إحداث التغيير باستقطاب الطلاب من شتى دول العالم من أجل أن يتعلموا في جامعاتها، وينظروا في نموذجها الذي اختارته للعيش، ويقتنعوا بجدواه وفاعليته، ثم يذهبوا بعد ذلك لدولهم – وبدون توجيه مباشر لهم – ليكونوا سفراء غير رسميين، حاملين لروح البلد الذي تعلموا فيه، ناقلين له، ومعجبين به.

 لذا كانت وما زالت الدول الراغبة في التأثير تواصل الاهتمام بالمنح الطلابية التعليمية الخارجية، حيث تصنع تلك المنح الكثير، فيصبح للدولة أنصار في دول العالم، يقفون معها حين تتعرض للأذى، ويؤثّرون على القرار السياسي في بلدانهم لصالحها، وينشرون فكرها، وحين يصل أولئك الطلاب لمناصب كبرى في دولهم؛ فإنهم يحرصون على ردّ المعروف، والوفاء لمن أحسن إليهم وعلّمهم. وربما أصبح هؤلاء الطلاب أنصاراً للمنهج العقدي الذي تتبناه الدولة، فيغدو أتباعه – بعد مدّة – بالملايين، ويكون انتشاره ذائعاً في العالم كله؛ بفضل تلك القوة الناعمة.

غير أنه لكي تكون هذه القوة الناعمة مؤثرة فعلاً؛ فإن الحاجة ماسّة لـ (إتقان عملية الاختيار) للطلاب الممنوحين، من خلال أدوات ومقاييس وخبراء يمكنهم أن يصطفوا من عموم المتقدمين من يُتوسم فيهم النبوغ والتميز، ومن لديهم من السمات الشخصية والقيادية ما يؤهلهم للتأثير الإيجابي بعد عودتهم لبلدانهم، فيكون الواحد منهم بألف رجل.

أما حين تكون عملية الاختيار بسيطة وعشوائية، فمن المتوقع أن تذهب الجهود والأموال مع أشخاص بسطاء لا يمكن للواحد منهم التأثير على أهل بيته، فضلاً عن أن يعمّ تأثيره البلاد كلها.

ولأن بلادنا المباركة بمنهجها، وبموقعها، وبتأثيرها، وبوجود الحرمين فيها، وبكونها منطلق الرسالة المحمدية؛ لأنها تمتلك خصائص جذب رائعة لسائر الطلاب المسلمين في العالم كلّه، فقد كانت التوجيهات والموافقات تصدر للجامعات السعودية عموماً، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بالحرص على استقطاب طلاب المنح وتعليمهم.

 غير أن الملاحظ أن عملية الاختيار لا تتم – دوماً – وفق مقاييس دقيقة للسمات الشخصية، ولهذا يأتي طلاب مميزون، وطلاب ضعفاء، كما أن العناية بالطلاب بعد التحاقهم ليست بالمستوى الذي يتناسب مع أهمية الموضوع، فضلاً عن المعاناة الكبرى لطلاب المنح في الدراسات العليا الذين يواجهون مشاكل حقيقية فيما يتعلق بتأمين السكن لهم ولزوجاتهم، مع أنهم الأكثر تأثيراً حين يعودون لبلدانهم، وهم الذين يتوقع أن يترقوا في السلالم الوظيفية سريعاً.

 فما أحوجنا إلى قيام وزارة التعليم، والجهات ذات العلاقة – مشكورة – باعتماد مشاريع كبرى تستهدف العناية بهذه الفئة، وتلبية احتياجاتهم، وتذليل الصعوبات أمامهم، وتوثيق صلاتهم بالمؤثرين في مجتمعنا، وتقوية العلاقات معهم، وتطوير مهاراتهم، وإنشاء الروابط التي تجعل التأثير عليهم أكثر استدامة؛ من أجل أن نزيد من قوة بلادنا الناعمة، فيما يحقق المصلحة العامة، ويحقق مرضاة الله قبل ذلك وبعده.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

تم النشر في صحيفة تواصل هــنــا