‏إظهار الرسائل ذات التسميات العمل الخيري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العمل الخيري. إظهار كافة الرسائل

يونيو 28, 2024

نحو"مسؤولية مجتمعية" فاعلة

في حديثه الرائع عن "المسؤولية الاجتماعية" للشركات، أشار أ.محمد بن عبدالعزيز السرحان  في كتابه "وقفات إدارية" إلى أهمية اضطلاع القطاع الخاص بدوره تجاه المجتمع، ذلك الدور المنسي عند الكثير من الشركات عموماً، والكبرى منها على وجه الخصوص.

والحقيقة أن المتأمل في دور عدد من الشركات العالمية تجاه مجتمعاتها، بل وتجاه العالم بأسره، يدرك أن هناك نماذج متميزة جديرة بالاحتذاء، وأن ما تصنعه "المسؤولية المجتمعية" من نجاحات يدفعنا للتداعي لمناقشة هذا الملف، وإعادة النظر فيه، وترتيب أوراقه، وحشد الطاقات والموارد من أجل إيجاده، وصولاً إلى "قطاع مسؤولية مجتمعية" فاعل ومؤثر ومنافس.

وليست المسؤولية المجتمعية تبرعاً مقطوعاً تقوم به الشركة في حال حدوث الأزمات أو الكوارث، ولا تجاوباً مع طلبات الدعم التي تصل إليها من هنا وهناك، كما أنها ليست أعمالاً خيرية أو تبرعات فردية يقوم بها الموظفون أو الملاك حينما يرغبون.

إن "المسؤولية المجتمعية" مسار تأثير استراتيجي في قضايا المجتمع، يستهدف تأثيرات بعيدة المدى، ويحتاج إلى موارد مالية منتظمة، وكبيرة، بما يمكّن من بناء الخطط والاستراتيجيات، ويعين على قياس الأثر.

ولكي تنجح المسؤولية المجتمعية في الشركات وتظهر آثارها، ويتحقق المقصود منها، فإن الحاجة ماسة لعدد من الخطوات.

فأولها : موافقة أعلى سلطة في الشركة على تخصيص نسبة مئوية محددة من الأرباح السنوية للشركة لتكون موجهة نحو المسؤولية المجتمعية، وحينها لا يكون الأمر مرتبطاً بقناعات شخصية لبعض الأعضاء أو المديرين، بل نظاماً يتم العمل به في كل الظروف، كما أن تخصيص تلك المبالغ عند صدور القوائم المالية للشركة، يدفع الشركة لتخصيص حساب بنكي مستقل يضمن دفع المسؤولين إلى تنفيذ البرامج المخطط لها.

وأما الثانية، فأن تحدد الشركات مجال تركيزها وتأثيرها المنشود، وتختار القضايا التي ستعمل عليها، والتي يمكن أن تكون ضمن طبيعة ونطاق عمل الشركة وحدود عملها، ويمكن أن تكون خارجة عن اختصاصها التجاري، فيمكن أن تختار الشركات الطبية بالإضافة إلى دورها اليومي الذي تقوم به، أن نتوجه نحو حل بعض المشكلات الصحية الكبرى أو التخفيف منها أو اكتشافها، أو الضخ باتجاه إيجاد تشريعات تحقق حلاً مستداماً يكفل تحقيق ذلك، ويمكن لشركات الكهرباء أن توجد الأدوات المناسبة والحلول التقنية التي تساهم في جعل منازل الفقراء أكثر توفيراً للطاقة، بتأمين بعض المستلزمات، أو تقديم التوعية والإرشادات المناسبة التي تصب في نهاية المطاف في التخفيف من أعباء فواتير الخدمة على تلك الفئة المحتاجة، وعلى هذا يمكن القياس في الشركات الزراعية، والبنوك، وشركات الاتصالات، والنفط وغيرها، ومما يميز هذا النوع من التوجه أنه يمكّن الشركة من العمل في مجال اختصاصها، ويساعد على الاستفادة من موارد الشركة، وطاقاتها البشرية وخبرتها العريقة، وشراكاتها، في تحقيق تلك المسؤولية.

وفي الوقت ذاته يمكن للشركات أن تختار قضايا أخرى – ولو كانت بعيدة عن اختصاصها – لكنها ترى أنها القضايا الأكثر إيلاماً ، أو الأشد حاجة، أو الأنسب للتدخل والمعالجة، فتقرر الشركة أن تكون مساهمتها  - مثلاً – في تحسين جودة الحياة في المناطق التي تعمل فيها، بإنشاء الحدائق، ومضامير المشي، والمعارض العلمية والثقافية، أو تهتم بمنطقة محددة وتسعى لتقديم نموذج يحتذى في مجال من مجالات الاحتياج، أو تعتني بفئة من المعاقين وتعمل على خدمتهم، وتقديم الحلول لهم، والمساعدة في بناء المنظمات التي تخدمهم، والتشريعات التي تخفف عنهم، ويمكن للشركة أن تهتم بالمحافظة عل البيئة، وحلول التدوير للمخلفات، ونشر الوعي في المجتمع، وخدمة الفئات الهشة، او القطاعات التي لا تلقى العناية الكبرى من القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الثالث.

وأما الخطوة الثالثة، فأن تكون تقارير المسؤولية المجتمعية جزءاً لا يتجزأ من العمل، ويتم نشر هذه التقارير الإعلامية ضمن تقرير الشركة السنوي، وتنشر على مواقع الشركة على الإنترنت، وشبكات التواصل، مع الحرص على مشاركة الملاك، وأعضاء مجالس الإدارة، وفريق العمل، ومسئولي القطاع الحكومي في الاطلاع على تلك التقارير، بما يعني تقدير تلك الجهود، ومعرفتها، دون مبالغة أو تضخيم، حيث لا تصنف أعمال المسؤولية المجتمعية ضمن أعمال "الإحسان الفردي" التي يحرص أصحابها على إخفائها فلا تعمل شمال المرء ما تنفق يمينه. 

ولعلي أشير هنا إلى ذريعة يتحدث بها البعض بوصفها سبباً في منع قيام الشركات بدورها تجاه المسؤولية المجتمعية، وهي: انشغال الإدارات التنفيذية في الشركات بالعمل الفني التخصصي للشركة، وعدم وجود أقسام أو موارد بشرية مؤهله في مجال المسؤولية المجتمعية، وأرى أنه لا يلزم إطلاقاً أن يكون لدى كل شركة من الشركات قسماً متخصصاً في ذلك، ولا أن توظف فريق عمل داخلي لهذه المهمة، فهو انشغال بموضوع خارج تخصصها – غالباً – .

و الحل المنطقي والأكثر فعالية وواقعية يكمن في "التعهيد" للغير، فتتعاقد الشركات مع بيوت خبرة متخصصة - ربحية كانت أو غير ربحية-، تستهدف بكل وضوح تحقيق الأثر الفاعل في المجتمع، وتقوم بإجراء الدراسات الكافية لاحتياجات المجتمع، لتحديد الفرص الأولى بالعناية وفق كل مجال، وتعرض تلك الفرص على الشركات بكل شفافية ووضوح، محددة فيها تكلفة المشروع الفعلية، ونسبة الأرباح المنطقية التي يأخذها بيت الخبرة مقابل دوره في بناء المشروع، ومتابعة تنفيذه، ويمكن أن يشترط على بيت الخبرة أن لا يقوم بنفسه بالتنفيذ على الإطلاق ليمارس دوره الحقيقي في القياس والمتابعة والتوجيه.    

  إن وجود بيوت الخبرة هذه، والتزامها بالتميز والجودة في عملها، وقوة المتابعة، واحترافية التقارير، من شأنها أن تدفع الشركات للانطلاق في مسيرة المسؤولية المجتمعية بشكل أكبر، وهي خطوة فعلية في تذليل الصعوبات، وإزالة العقبات، وتحقيق النجاحات، بما يفتح الباب لكثير من الشركات للتحرك الإيجابي في هذا المجال بسبب "عدوى النجاح".

وكلّي أمل بمستقبل مشرق لقطاع المسؤولية المجتمعية في وطني، ليكون أنموذجاً يحتذى إقليمياً وعالمياً، فنحن أهل الإحسان من قبل ومن بعد، ووطننا جدير بهذا التميز الذي يستحقه، خصوصاً حين ندرك أن رؤية السعودية 2030 حرصت على ان تدفع المجتمع نحو النجاح في أكثر من مجال، وجعلت من ضمن أهدافها الاستراتيجية: ( تعزيز قيام الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية)..

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

22 ذو الحجة 1445 هـ

الرياض حرسها الله


مايو 27, 2024

العدالة في تقديم الخدمات للفقراء

يقوم الأفراد، ورجال الأعمال، والمؤسسات والجمعيات الخيرية، والجهات الحكومية في بلادنا المباركة بجهود كبيرة، وأعمال ومشروعات كثيرة، من أجل تخفيف الفقر، وتحسين أوضاع الفقراء، وتتنوع هذه الجهود وتتوزع جغرافياً ونوعياً لتشمل شريحة كبيرة من هؤلاء المحتاجين.

وهي أعمال مباركة تستحق أن تذكر فتشكر، وهي من أبواب الخير والإحسان التي بها تعظم الحسنات، وتندفع بها المصائب والبليّات، كما قال صلى الله عليه وسلم (صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ)، وحديث (إنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعفائِكُم).
وحديثي هنا ليس عن أبواب الخير الكثيرة التي يمكن العمل عليها في مجال تخفيف الفقر ومساعدة المحتاجين، فذلك باب واسع ومتنوع، والناس في ذلك عاملون، وإنما أريد الحديث هنا عن أهمية السعي (المتوازن) لتقديم تلك الخدمات بشكل يضمن العدالة وحسن التوزيع للمال الخيري على المحتاجين إليه.

ودافعي لذلك ما أراه من تفاوت كبير في المشروعات الموجهة لهذه الشريحة المحتاجة، حيث يعمل بعضها في مجال الضروريات، ويعمل الآخر في مجال التحسينات والكماليات التي لا أولوية لها، رغم وجود المحتاجين حاجة ماسة لما هو أهم.

والذي يحدث من جراء عدم الاتزان هذا، أن يطال بعض الأفراد ألوان من الإحسان التكميلي، ويفتقر آخرون إلى أهم الأساسيات.

وفي حديث مع أحد المعنيين بترميم منازل الفقراء -على سبيل المثال-، كان السؤال الموجه إليه: لماذا يتم تحسين المنزل بهذه الصورة المتكاملة، فيتم إعادة تبليط كامل المنزل، ويتم إعادة دهاناته من الداخل والخارج ، وتغيير كامل إضاءاته وأبوابه حتى يغدو جديداً فعلياً، بينما تبقى بيوت فقراء آخرين لا يحميهم السقف المؤقت من المطر، ولا تعمل لديهم الكهرباء إلا في غرفة أو غرفتين، بل هي لا تعمل إطلاقاً عند آخرين، ويعاني فقراء آخرين من عدم توافر المياه الصالحة للشرب!، فكيف تقدّم خدمة متكاملة لأقوام، ويحرم منها آخرون؟
وكان رد القائم على العمل بأن مهمتنا هي السعي لتوفير الحياة الكريمة اللائقة لهؤلاء المحتاجين، وهو هدف رائع ونبيل، غير أن توفير ذلك للبعض، وإبقاء البعض بحالة مأساوية ليس تصرفاً رشيدا – على الأقل من وجهة نظري- فالجميع من أهل الاحتياج.

وهنا أتساءل:
أليس من الأولى أن يتم تقديم الخدمات على المستوى (المتوسط) لجميع الشريحة المستهدفة، بدلاً من أن يطال بعضهم مستويات (رائعة) من الخدمة، ويبقى آخرون بانتظار توفر الدعم الكافي لتقديم تلك الخدمة الرائعة التي قد تأتي، وقد لا تأتي.

إن من المفترض أن يكون تقديم الخدمات وفق أهمية الخدمة لا اكتمال الخدمات، كأن يتم التأكد من وصول المياه الصالحة للشرب للجميع، ثم حماية منازل جميع الفقراء من المطر والغبار، ثم التأكد من وصول الكهرباء وتوفير الأجهزة الرئيسية للجميع، ثم صلاحية دورات المياه للاستخدام الصحي، وهكذا.

والترتيب المشار إليه غير مقصود بذاته، لكنني عنيت أن يوجد ما يشابه المعايير المتفق عليها والمرتبة وفق الأهمية لتحقيق جودة الحياة، بحيث تحرص الجمعية على الوفاء بكل معيار على حدة لجميع المستفيدين قبل الانتقال للخدمة والمعيار الذي يليه، بما يضمن تحسين المستوى المعيشي، وجودة الحياة بشكل تدريجي ومتوازن لجميع الشريحة المستهدفة.

وفي ظني أن ذلك الترتيب والمعايرة أمر جليل، وهو عمل وفق الأولويات، كما أنه يحقق المصلحة للفقير، وللمتبرع، وللقائم على العمل في الجمعية الخيرية، وللمجتمع برمته، وهو محتاج لنفر من المختصين والباحثين الذين يمكنهم التوصل بعد التشاور والاستماع لأهل الخبرة من الوصول إلى تلك الأولويات.

سائلاً الله تعالى أن يدلنا على الصواب، ويجعلنا موفقين مسددين، وأن يصلح لنا النوايا والعمل.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
ذو القعدة 1445هـ

مايو 07, 2024

قوة الأدوات البسيطة

يتوقع البعض أن إحداث التغيير الشخصي أو المجتمعي مشروط ومرتبط -دوماً- بالإمكانيات الضخمة، والأدوات الكبيرة، بل وربما التكلفة العالية، والعدد الكبير من الناس..  

وأنا -وإن كنت لا أقلل من تأثير تلك الأمور في ما يتعلق بالتغيير- أعتقد بأننا نستخدم هذا الأمروهذه الحجة في الكثير من الأحيان باعتباره (حيلة نفسية) حيث توهمنا بأن الأمور أكبر من قدراتنا، وأنها تحتاج إلى أضعاف مقدراتنا، الأمر الذي يصيبنا بالعجز والإحباط، فنبرر لأنفسنا السلبية، وترك العمل، ونعتاد القبول بأقل النتائج، تحت ذريعة أننا لا نملك ما يكفي لإطلاق التغييرات الكبرى، في أنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا، فننكص، ونتخاذل، وربما تواصينا بذلك، وجعلناه جزءاً من أدبياتنا المتداولة في مجالسنا.

وحين نتكلم عن إصلاح المجتمع وتوجيهه – على سبيل المثال- في أي جانب من الجوانب(الاجتماعية، أو الصحية، أو النفسية، أو التعليمية،أو غيرها ) فيجب أن لا نتوقع أن يكون ذلك محصوراً في المشاريع المكلّفة بالضرورة، بل قد يكون باستغلال وتوظيف أيسر الأشياء وأصغرها وأكثرها اعتياداً.

ولكي أضع مثالاً عملياً، فإنني أشير إلى (خطبة الجمعة) والتي ينبغي التساؤل عن الكيفية الصحيحة  لتفعيلها لتكون أكثر فاعلية، وتأثيراً، وخدمة للمصلين فيما يحتاجون إليه، ودلالتهم على الخير، وبيان أوجهه، حيث يمكنها أن تُّحدث أعظم الأثر في الوعي ونشر المعرفة،  إذ أن في هذا الحديث الأسبوعي المنتظم (خطبة الجمعة) من المزايا ما ليس في غيرها من التقنيات الحديثة، والأساليب العصرية، فهي رغم اعتيادنا عليها تتميز بمزايا: أولها الاستمرارية، ولا يمكن أن تتوقف لتغير التقنيات أو تطور الوسائل، أو غيرها، وهي - ثانياً - مما يجب على الجميع حضوره، والإنصات للخطيب، ويحرم على الجميع الحديث أو العبث أثناء وقت الخطبة، وهي مميزات لا تتوفر لأي وسيلة إعلامية أخرى مهما عظمت وكبرت!، كما أنها من الشعائر التي تلتزم بها أكثر المجتمعات المسلمة، وتهتم بها، حتى وإن قَصَرَت في أركان وشعائر أخرى.

إن التأمل في سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدرك أنه لم تكن لديهم وسائل استثنائية، غير أنهم يبذلون غاية في الوسع في حدود الممكن، وقد قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) وقال (ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى أسواق قريش وتجمعاتها لينشر دعوته في العالمين، حسب المتاح والممكن، وبدأ بالنطاق الأيسر والمتاح ( وأنذر عشيرتك الأقربين).

وما أريد أن أصل إليه هنا هو أن المطلوب من كل واحد منا أن يقوم بما يمكنه في خدمة مجتمعه، ودينه، ونفسه، وأن يسعى بالوسائل المتاحة، وبهذا يرفع الحرج والإثم عن نفسه، ويكون حينها من المصلحين (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

تأمل في واقعك القريب، وتأمل في قدراتك ومواهبك وإمكانياتك، ثم انطلق نحو تحقيق أهدافك السامية، وتوكل على الله، وإذا حسنت النوايا؛ حلت البركة، والنفع، والتأثير من حيث لا تحتسب.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

28 – 10 – 1445  هـ


يناير 15, 2024

بس شوي!


لم يكن القليل دوماً محل ذمّ أوتحقير أو استصغار، ولا معبراً عن الدون، فقد ورد الثناء على القليل وبيان أنه أمر محمود وممدوح، ذلك أن العمل الصالح (الدائم) محبوب لله تعالى وإن كان قليلاً، وحين سُئِلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ 
قالَ: (أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ) ، والمال القليل حين يتم إنفاقه بنية طيبة، يكون عظيماً عند الله، كما قال ﷺ ( سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها).

إن إشاعة عنوان هذه التدوينة (بس شوي)  يعني إشاعة الإحسان، والحث على ما تيسر منه، ويدفعنا لإعادة المراجعة لموقفنا من الكثير من الأعمال التي طالما احتقرناها، بحجة أنها (قليلة) أو (يسيرة)، ثم كانت نتيجة ذلك الاستصغار أن توقفنا عنها بالكلية.

(بس شوي)، تعني ألا نتوقف عن العمل اليسير انتظاراً للوقت والإمكانات التي تجعلنا قادرين على القيام بالعمل الكثير.

(بس شوي)، تعني أن نتبرع بالمتيسر من المال، وألا نحتقر هذا الإنفاق وإن قل مقداره فقد (سبق درهم مائة ألف).

(بس شوي)، تعني أن نقوم بالإحسان اليسير المتاح لنا، فنميط الأذى عن الطريق، وإن كان غصناً، أو حجراً، أو عائقاً، مستذكرين أن ذلك أحد شعب الإيمان، وحديث الرسول ﷺ (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له).

(بس شوي)، تدفعنا لمراجعة اهتمام النبي ﷺ بتلك  المرأة - التي لم تكن تقوم بعمل كبير في نظر الكثيرين، حيث كانت (تقمّ المسجد) أي تجمع القمامة وتخرجها من المسجد،  فَفَقَدَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقالوا: مَاتتَ، قالَ: أَفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قالَ: فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقالَ: دُلُّونِي علَى قَبْرِهاِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها.

(بس شوي)، تعني أن تفعل المعروف لكل أحد، ولو كان لقمة تضعها في فم جائع، أو شربة ماء تسقيها لعطشان، وفي الحديث (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)، وفي الحديث كذلك (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا)، وقال ﷺ   ( يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ) وهو عظم قليل اللحم.

(بس شوي)، تعني أن نفعل الخير حتى مع البهائم، ونتذكر حديث النبي ﷺ  (بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ).

(بس شوي)، تعني ألا نبخل على الناس باللطافة، و الابتسام عندما نلقاهم، فإن (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي تعداد النبي ﷺ  للصدقات قال: ﷺ: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ)

(بس شوي)، تعني أن نحفز المحسنين، وأن نبادر لتقديم الشكر لهم، والثناء عليهم بشتى الطرائق والسبل، ونبارك فعلهم، ففي الحديث (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).

(بس شوي)، تعني أن نسعى للالتزام بشيء من أذكار الصباح والمساء ولو قلّت عبارتها، وقصر وقتها، وشيء من التلاوة لكتاب الله، ولو كانت أحرفاً يسيرة، ففي الحديث (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ "الـم" حرفٌ ولكنْ "ألفٌ" حرفٌ و"لامٌ" حرفٌ و"ميمٌ" حرفٌ).

(بس شوي)، تعني أنه يمكننا أن نصلي صلاة الوتر ركعة واحدة ونكتفي بها، وأن نصلي الضحى ركعتين فحسب، فندرك أجر القيام وأجر الضحى.

(بس شوي)، تذكرنا أن المحافظة على الفرائض وحدها دون أي نوافل، تدخل الجنة، كما في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ  ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال ﷺ ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق).

(بس شوي)، تجعلنا نسعى لأن نضرب مع كل محسن بسهم، وفي كل مشروع خيري أو تطوعي بأي مساهمة ممكنة مالية كانت أو فكرية، أو في الدلالة عليه، فإن (الدال على الخير كفاعله).

(بس شوي)، تجعلنا مبادرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق المستطاع، وبأجمل كلمة، وألطف عبارة، ولا ننتظر استجابة أو قبولاً، بل نكتفي بمجرد البلاغ (معذرة إلى ربكم).

(بس شوي)، تجعلنا نتواصى في بيوتنا بالبر والتقوى، ولا نحتقر كلمة نقولها، أو موعظة نلقيها، ولو كان مستمعوها اثنان أو ثلاثة..

إنني هنا أوصي نفسي، وأوصيك أيها القارئ الكريم بأن تعوّد نفسك على بذل الإحسان اليسير، وفعل المعروف اليسير، والمساهمة بسهم في كل مشروع خيري تراه، أو إحسان إلى عباد الله، وان تشيع ذلك في كل مجتمع تعيش فيه، فالمجتمع المتكافل المتعاطف الباذل وفقاً لإمكانياته وفق المستطاع والمتاح هو مجتمع حيوي فاعل نشط مبارك.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

1 / 7 / 1445 هـ

ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

ديسمبر 05, 2023

الاستثمار في الأعمال الخيرية

       يحرص الكثير من المستثمرين الهادفين للربح المحض لتحديد شريحة المستهدفين لديه، وينتقيهم بعناية، وهو ما يعين على تحقيق المزيد من الأرباح نتيجة التخصص.
 وقد وجد بعض أولئك المستثمرين أن العمل مع الجمعيات الخيرية أو مع فاعلي الخير يحقق لهم بغيتهم ومقصودهم الربحي بامتياز، لأن ذلك القطاع بحاجة إلى شراء الكثير من المنتجات والخدمات .
وترى الكثير من أولئك يقدمون الخدمات للقطاع بسعر السوق أو زيادة، وبجودة السوق أو أقل، وهم في ترويجهم لمنتجاتهم وأعمالهم لا يكلّون من استخدام النصوص الشرعية لحث الناس على التعاقد معهم!.

        فتراهم يتحدثون عن فضل سقيا الماء وماورد فيه من الأجور، ويتحولون إلى واعظ في شأن السقيا، لا لشيء إلا لأنهم يبيعون كراتين المياه المعبأة، ويوصلونها للمساجد أو لغيرها من الأماكن التي يريدها المتبرعون أفراداً أو مؤسسات.

         وتراهم كذلك يتحدثون عن أهمية العناية بالعمال المساكين الذين يعانون من البرد الشديد القارس، لأنهم في الواقع يسوّقون للحقيبة التي أسموها (كسوة الشتاء)، والأمر نفسه يقال عن إطعام الطعام، وتوزيع السلال، والتمور..

        ولأن العمل تجاري صرف، فإنهم لا يقومون هم أو كثير ممن يتعامل معهم بالتدقيق في مجال جودة المنتج، وفائدته للمستفيد النهائي، ومدى الحاجة الفعلية إليه، والأمر نفسه يقال عن الكثير من الخدمات التي يحرصون على التكسّب من خلال بيعها باسم البحث عن الخير وابتغاء الأجر.

        ومن الطريف كذلك أن ترى ذلك المستثمرالتجاري يتحدث بين الحين والآخر عن دوره الكبير في (العمل الخيري)، وحرصه عليه، وإنجازاته في توزيع أكبر عدد ممكن من سلعته باسم (الخير).

      وربما سعى للحصول على المزيد من العقود باعتباره أولى من غيره، لأنه من (رجال العمل الخيري) – على حدّ زعمه- مع أنه في هذه الحالة ليس سوى أحد المستفيدين من العمل الخيري، المتكسّبين منه، وهو مقدم خدمة ليس غير، هدفه الرئيسي تحقيق الربح المالي، وتأتي باقي الأهداف الأخرى – إن وجدت – تبعاً لذلك الهدف.

       لذا تراه لا يتغاضى عن أي شيء من الأرباح لصالح العمل الخيري، ولا يقبل بتأخير شيء من الدفعات، بل ولا يكلف نفسه بذل مزيد من الخدمة من حيث النوع أو الكم أكثر مما هو متفق عليه، فضلاً عن أن يتبرع بجزء من موارده للمشروع الذي يقدّم المواعظ الناس بشأنه.

     إن قيام رجل الأعمال بتحديد مجال عمله في خدمة قطاع ما، لا يجعله بالضرورة من رجالات ذلك القطاع، ويجب ألا يعتبر جهده التجاري ذاك عملاً تطوعياً يفاخر به، بل هو عمل تجاري صرف، فالمقاول الذي جعل اختصاصه بناء المساجد، أو الشركة التي تخصصت في إنتاج البرمجيات التعليمية، أو إصدار المواد الإعلامية الهادفة، أو تجهيز الاستوديوهات للمؤسسات غير الربحية، كل أولئك (رجال أعمال) يبحثون عن الربح الخالص وقد وجدوه هناك.

         ومن الخطأ أن نتعامل معهم كما نتعامل مع منظمات القطاع الخيري، من حيث مبدأ التجاوز وعدم التدقيق، وقبول المتاح، واعتبارهم محتسبين في خدمة العمل، ذلك أن أولئك المستثمرين حينما يكون الأمر مرتبطاً بحقوقهم ومصالحهم -عند التعاقد- فإنك تراهم تجاريين جداً ، ودقيقين جداً، فإذا جاء وقت الاستلام منهم، ومراجعة أعمالهم، لبسوا لباس التطوع والعمل الخيري، مطالبين بالمراعاة والتسهيل.

        إنك حين تقدّم الخدمة بشكل تطوعي صرف  لا تبتغي منها جزاءا ولا شكورا، فإنه ينطبق عليك قول الله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل)، فعملك مشكور، وسعيك محمود، وبذلك للوسع كاف تماماً.

       أما حين تقدّم تلك الخدمة بمقابل مادي تكسب من خلاله، فإن الأمر مختلف كلياً، ويعتبر إخلالك بالعمل أو تقصيرك فيه مرتبطاً بأكل الأموال بالباطل.

        وما من شك أن احتساب الأجر في كل عمل يقوم به الإنسان أمر محمود، حتى ولو كان أمراً دنيوياً صرفاً، لكن ذلك شيء بين المرء وبين الله، لا يمكن الاطلاع عليه، ولا الاستيثاق منه، لأن محله القلب، ودعوى الاحتساب فيه غير كافية لقبول الإخلال بالأعمال والعقود، أو المطالبة بما هو غير مستحق، وخصوصاً حين يكون المال مال الله، ناتج عن تبرعات الناس وصدقاتهم، فإن التحرز فيه يجب أن يكون عالياً ، وأن يأخذ المرء فيه بالعزيمة لا بالرخصة، فـ (كل جسد نبت من سحت؛ فالنار أولى به).  

        وحديثي هذا عن المستثمرين هو حديث عن عدد غير قليل،  وإن كانت الوقائع تثبت قيام (بعض) أولئك، بإطلاق مشروعاتهم الخيرية الخاصة في مجال تخصصهم، وبذلهم في ذلك من مالهم الخاص، وهو أمر يذكر فيشكر.

        كما أنني لا أشك أن الكثير من الجمعيات العاملة في القطاع حريصة دوماً على الحصول على أفضل المنتجات، بأفضل الأسعار المتاحة، إدراكاً منهم للمسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه هذا المجال، وتجاه المستفيدين، وتجاه المتبرعين كذلك.

        جعلنا الله وإياكم من المباركين، ومن المتورعين عن أخذ ما فيه شبهة، فضلاً عما لا يحل، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

        دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

21 - 5 - 1445 هـ

الرياض (حرسها الله)

نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله


سبتمبر 02, 2023

المؤسسية المفترى عليها!

في استبانة تم تطبيقها على موظفي أحد المنظمات، تفاجأ المقيمون بتردد مصطلح (المؤسسية) في أكثر من موضع على لسان من أجابوا على الاستبيان، وحين بدأ الفريق في تحليل الإجابات، قرروا أهمية الالتقاء المباشر مع الموظفين واحداً بعد آخر، للتأكد من دقة الإجابات، والتحقق من النتائج التي تم التوصل إليها.

وتفاجأ أصحاب الدراسة بأن عدداً ممن طبق عليهم الاستبيان كانوا ينتقدون أموراً في منظمتهم، واصفين ما يقع بأنه يخالف العمل المؤسسي، ويطالبون بأمور، ويقولون بأن العمل المؤسسي يقتضيها، وهي إجابات متناقضة بين المجيبين، فما يعتبره الأول مؤسسياً يراه الآخر خلاف ذلك!

وطلب الفريق مؤهلات الموظفين وخبراتهم المؤسسية التي من خلالها باتوا يحكمون على الأعمال بأنها مؤسسية أو غير مؤسسية، وكانت دهشتهم كبيرة حين علموا بأن بعض هؤلاء حديث التخرج، وهو لم يلتحق بالعمل الوظيفي إلا قبل ثمانية أشهر، كما وجدوا أن أحدهم كان يحمل مؤهل المرحلة الثانوية، فهو يفتقر للأسس المعرفية التي تتيح له معرفة ما يتحدث عنه!، وكان بعض من أجابوا قد اعتبروا عملهم السابق، أياً كان هو المقياس الذي عليه تقاس المؤسسية وجوداً أو عدماً!

إن قراءة هذا المشهد الصغير توضح تماماً المشهد الأكبر حينما يتحدث الناس بما لا يعرفون، ويرون أن ترديد بعض الكلمات والمفردات  في حديثهم أو نقدهم، كالمؤسسية والحوكمة والاستراتيجية و الاستدامة، تجعل حديثهم يبدو أكثر نضجاً ومصداقية، مع أنهم في الحقيقة فارغون من الداخل، يحاولون أن يجعلوا من صنيعهم، أو يضفوا على رغباتهم شيئاً من هذه المصطلحات لترويجها، وبالمقابل، فإنهم مستعدون لوصف أي عمل لا يوافق أهواءهم بأنه يفتقر للمؤسسية، وينقض أبجديات الحوكمة!

وفي أحد المنظمات، حدثني قائد خبير- تم تعيينه في تلك المنظمة مؤخراً- حدثني وهو يشتكي من مصطلح (المؤسسية)، وقال لي بلهجة عامية : لا عادت ها المؤسسية! هل تعرف ماهي المؤسسية في منظمتنا؟ فأجبته بالنفي، وتساءلت : وماذا تعني لديكم؟ قال: المؤسسية وفق فهم فريق العمل: أن يملك الموظف الأدنى في التسلسل الإداري القرار، دون القائد، لأن اتخاذ القرار يسير من الأدنى إلى الأعلى، فإذا لم يوافق الموظف الأصغر على المشروع فإنه يملك حق حجبه ومنعه! أما القائد – بكل خبراته التراكمية وإحاطته بالمشهد بعمومه – فإنه غير مخوّل باتخاذ القرار، بل عليه الانتظار حتى يقرر ذلك الموظف قراره الحاسم!

وفي منظمة ثالثة، كان رئيس القسم يقوم بدراسة المشروعات الواردة مع موظفيه، ثم يرفع توصيته للمدير، فإذا ردّ المدير أحد المشروعات لعدم قناعته بالمبررات، أو لارتفاع التكاليف، أو لعدم الجدوى، أو لغيرها، وقف في وجهه رئيس القسم، قائلاً : كيف يتم ردّ الرأي الجماعي (رأي رئيس القسم وموظفيه) برأي الفرد (المدير)؟ وأين العمل المؤسسي؟ فكان المدير يرد عليه ببساطة قائلاً : مهمتي كمدير، هي اتخاذ القرار، و ليس أن أبصم على قرارات من دوني، ولو كانت هي مهمتي، هي قبول قراراتكم فإنه هذا يعني عدم الحاجة لوجودي أصلاً، لأن ما تقرره أنت فسوف يمضي، وهذا غير منطقي، وأنا في موقعي هذا فأنا قد وظفت فريق العمل لإعانتي على اتخاذ القرار، وليس لاتخاذ القرار نيابة عني، او بمعزل عني، فخرج رئيس القسم وهو يندب حظه على فقدان (المؤسسية)!.

إننا في حاجة لتحرير المصطلحات أولاً، ثم القياس للواقع من خلال منهجية دقيقة، وأدوات محكمة، ومؤشرات واضحة تحيط بالمعاني بشكل متوازن، أما أن نضع المعاني من خلال توقعاتنا القاصرة ثم ننطلق نحو إصدار الأحكام على الآخرين فذلك جهل مركب.  

ومن المهم في ختام حديثي هنا أن ندرك أن مشكلتنا تأتي غالباً من المتعالمين الذين يعرفون شيئاً يسيراً، ثم يبنون على تلك المعارف المحدودة مبانٍ شاهقة على غير أساس، تهوي مع أول نقاش علمي معهم، والذين يحاولون تقوية آرائهم واجتهاداتهم الفردية الخاصة ببعض المصطلحات من أجل الإلزام بها، واعتبار المخالف لهم جاهلاً بأسس العمل الإداري الرشيد!

أسأل الله أن يوفقنا دوماً للرشاد، وأن يصلح نوايانا، ويدلنا على الخير، دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


يونيو 13, 2023

الاقتباس الأعمى في العمل الخيري

في خضم السعي نحو تطوير العمل الخيري تشيع العديد من المصطلحات المستوردة والتي يحلو للكثيرين الحديث بها باعتبارها نجاحاً وتميزاً.

ولا شك أن الاستفادة من الحق حيثما وجده المرء يعدّ أمرا مطلوباً أياً كان القائل به.

غير أن بعض تلك الاقتباسات والنماذج تتسم بالخصوصية التي تتناسب مع مجتمعاتها، ولا تتناسب بالضرورة مع المجتمعات الأخرى، وحينها يكون الانشغال بها، والعمل من خلالها لونا من ألوان العبث لا التجديد والابتكار.

ففي مجتمع مسلم يقوم على الإعلاء من قيمة الإنسان، ويؤمن أهله بأولوية الإنسان، ويستشعرون أن كل ما في الكون مسخر لأجله، " ولقد كرمنا بني آدم"، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض" ، لا يمكن في مجتمع كهذا أن نرى انطلاق جمعيات تهتم بإيواء القطط الضالة التي لا تجد لها أسرة تأويها! في الوقت الذي لا يزال فيه أفراد من الآدميين لا يجدون الطعام أو أحد أبرز الاحتياجات الرئيسية.

فالقطط والكلاب في الأصل حيوانات يمكن لها العيش بشكل تلقائي دون تدخل البشر، فهي تحمل وتلد وتأكل وتموت في الشوارع والافنية والحدائق والأراضي الخالية، وهي بطبيعتها وما حباها الله من سمات قادرة على العيش في تلك الأجواء والأماكن دون الحاجة للتدخل البشري، وانما جاءت فكرة العناية المبالغ فيها بتلك الحيوانات من واقع مجتمع غربي يعلي من شأن القطط والكلاب، فاعتاد تربيتها في المنازل، وصارت جزءا من ثقافته، فخصص لها بيوتا وألعابا وأطعمة وعيادات، بل وفنادق!، و ربما مات الواحد منهم فأوصى بجل ثروته أو كلها لكلبه الوفي، وحرم ذريته وأهله من ذلك الميراث.

وفي ظني أن توجيه العناية للحيوانات- مع وجود آدميين في المجتمع ذاته أكثر حاجة – عبث بالأموال، وتصرف غير منطقي.

فندق مخصص للقطط
وثمة فرق شاسع بين أن يقوم أحد الأفراد بإطعام حيوان رآه جائعاً، او سقياه حين وجده يكاد يموت عطشا، فذلك إحسان في كبد رطبة، و"في كل كبد رطبة أجر" وهو أمر حسن.  وبين أن تخصص لها الجهود الجماعية المنظمة، وتنشأ الجمعيات والمباني وتجمع لها الأموال من المتبرعين الذين ينشدون الأجر، ويبحثون عن الاحتياجات الأولى بالرعاية، فذلك أمر آخر تماما، ولا أظنه يسوغ في مجتمعاتنا.

ولا يمكن اعتبار نشاط كهذا إلا لوناً من ألوان التقليد الأعمى، وهو يشبه من يبني بيتا في المملكة ثم يترك الفناء مكشوفا للناظرين والعابرين اقتباساً من منازل الغربيين التي رآها هناك، ذلك أن مفهوم الستر والحشمة وستر العورات و الخصوصية تختلف كليا بيننا وبينهم، فاقتباس كهذا ليس ممدوحاً ولا يدل على سعة المدارك ولا الابتكار بل هو دليل على قلة الوعي، وأن عقدة الخواجة تلازم الكثيرين حتى أصبحوا يرون أن مشابهة القوم بحد ذاته نجاحا كبيرا!.

وعوداً على بدء، فإنني أؤكد على أهمية اقتباس الأفكار الرائعة بعد التأكد من مناسبتها لنا، فالحق ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، لكنه اقتباس متبصّر واع .

دمتم بخير 

محمد بن سعد العوشن
الرياض - حرسها الله - 



#العمل_الخيري #القطاع_الثالث #ق3 #الابتكار #الإبداع #القطط #أفضل_الممارسات

أبريل 08, 2023

يالها من تجربة .. سر الدبابيس الملونة!

صورة دبابيس الملونة
دعيت ذات مرة إلى فعالية أقامتها إحدى الجمعيات المعنية بالفقير، وحين دخلت الجمعية مع جملة من الزوار الآخرين، وجدت أمراً عجيبا، حيث تم وضع خارطة داخل أحد مكاتب الجمعية، توضح النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه، وقد امتلأت تلك الخارطة بالنقاط الحمراء، والخضراء، والصفراء على هيئة دبابيس ملونة، فلم أكن لأتجاوز هذا الشكل غير المعتاد، وبادرت المشرف على الجمعية بالسؤال عن سر هذه النقاط الملونة، فأخبرني أنها أحد أسرار الجمعية، التي تعمل عليها بكل جدّ، وتترقب نتائجها، ثم ألمح إلى الإجابة قائلاً أن كل نقطة من النقاط تدل على مكان سكن أحد الأسر التابعة للجمعية، وأن اللون يدل على حال تلك الأسرة. واكتفى بذلك وأحجم عن الاستطراد.

وبعد جولة على مرافق الجمعية ومكاتبها، وأقسامها المختلفة، والاستماع إلى عرض رائع عن أنشطة الجمعية، اختتمنا الزيارة، وخرجنا منها بذات الحفاوة التي لقيناها عند دخولنا.

خرجنا من الجمعية، ولا زال سر الدبابيس الملونة قائما، ومر على ذلك الأمر ثلاث سنوات.

ثم التقيت بالمشرف على الجمعية مرة أخرى، وسألته مسترشداً : لو أن أحد المحسنين أراد أن يصنع أثراً بيناً مع الفقراء، ويحدث تغييراً حقيقياً فما تراه يصنع؟

فالتفت إليّ وقال : على الخبير وقعت، وإني سأحدثك وأخبرك بتجربتنا التي خضنا غمارها في الجمعية، و ساهمت فعلياً بنقل مئات الأسر من حالة الاحتياج إلى حالة الاكتفاء، نعم إنها مئات الأسر، وليست عينات مختارة.

أحياء مدينة الرياض
فأقبلت عليه إقبال المتعلم المستفيد، وطلبت منه أن يعجل عليّ بالسر الذي نقل به تلك الأسر، فأشار إلى مسارين اثنين، سأكتفي بالحديث عن أحدهما ألا وهو: "التعليم" لأبناء الأسر، حيث وجه جملة من جهود الجمعية في هذا الاتجاه، فطلب من الأمهات – والتي كان غالبهن بلا معيل – ترك الأعمال التي تأخذ أوقاتهن، وتعطيهن فتاتاً من المبالغ التي لا تسد احتياجهن، وقرر لكل واحدة منهن مكافأة ثابتة، شريطة أن يولين الأولاد اهتمامهن، ويضبطن سلوكياتهم، ويعتنين بالمستوى الدراسي لهم، وتابع معهن توفير متطلبات المدرسة، وتجهيزاتها، واستوثق من التحاق جميع الأبناء والبنات بالتعليم، وخصص مكافأة إضافية لكل أم يحصل أبناؤها على درجة (ممتاز)، ثم أقام برنامجاً تعليمياً وترفيهياً وتربوياً في أحد المدارس الأهلية في الحي ذاته، بحيث يحضر الأبناء عصراً ويمارسون شيئاً من الرياضة، ثم التعليم الجاد الخاص، ثم ينصرفون عشاءاً والنوم يداعب أعينهم، فلا يكادون يصلون إلى منازلهم إلا ويخلدون إلى النوم العميق، فلا مجال للسهر، ولا لرفقة السوء.

ومع عمل جاد ومستمر في تحسين مستوى تعليمهم، استطاع الأبناء من طلاب المرحلة الثانوية أن يتخرجوا منها بدرجات عالية، ثم الالتحاق بالجامعة، وهو الأمر الذي غيّر كثيراً من ثقتهم بأنفسهم، فارتفعت كثيراً، كما قدّم أولئك الأبناء لبقية إخوانهم نموذجاً وقدوة في الجدية والنجاح، ورأوا كيف أنهم استطاعوا تجاوز الكثير من العقبات وأن يكونوا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع الذين هم خارج نطاق الفقر، وأصبح الواحد منهم يرى نفسه على مسار النجاح، وأخذ عدد منهم يسعى بكل جدّ للعمل في وظيفة مسائية بعد الخروج من الجامعة، ومع هذا الشعور بالمسؤولية بات يساهم بشكل فاعل في تغيير حالة أسرته، ومع وصول عدد من الأبناء إلى الجامعة، تغيرت الكثير من الجوانب النفسية والثقافية لدى الأسرة، وتغيرت نظرتهم لأنفسهم، وباتوا يترقبون اليوم الذي يتجاوزون فيه وصف الفقر، ثم بدأت الأسر واحدة تلو الأخرى، تتقدم للجمعية طالبة شطبها من قوائم الاحتياج، والتوقف عن توزيع السلال الغذائية و الإعانات المختلفة عليها.

وشيئاً فشيئاً، أخذت أعداد الأسر التي كانت تعمل معها الجمعية في التناقص، كما انضمت أسر أخرى فقيرة للجمعية ممن انتقلوا إلى نطاقها الجغرافي، لتبدأ معها مسيرة التغيير الفعال، في نجاح يتبعه نجاح.

ثم عرّج صاحبي على تلك الدبابيس الملونة، مشيراً إلى أنها ترمز فعلاً إلى المستوى الذي تعيشه الأسرة، ومدى اقترابها من حالة الاكتفاء، وأن مؤشرات الأداء التي كانت تعمل عليها الجمعية لم تكن بعدد ما يتم توزيعه من إعانات، بل بمن يتم تعليمه من أبناء، ومن يتم توظيفه، ومن يتم تزويجه، ومن يتم إخراجه من حالة الفقر، وعلى تلك المؤشرات تتنافس الوحدات والأقسام المختلفة، كما أشار في ختام حديثه إلى الدور الرائد الذي كان يقوم به مجلس الإدارة في تفهم هذه المستهدفات ودعمها، وتخصيص الموارد المالية لها. 

خرجت من صاحبي وأنا في حالة من الدهشة والإعجاب، وأنا فرح غاية الفرح بذلك النموذج المميز، الذي لم يكن ليتم ويحقق آثاره الرائعة – بعد توفيق الله -  لولا وجود مثل هذا البطل، بهمته العالية، وعزيمته التي لا تلين، وإصراره على المضي قدماً وخوض تجربة جديدة في التعامل مع الفقر والفقير، متجاوزاً السائد من الممارسات، راسماً مساراً مختلفاً، مقدماً أنموذجاً يحسن به الاقتداء.

إن وجود أمثال هذه المبادرات التي تعمل بكل هدوء، ودون ضجيج، يجعلنا نطمئن، أن هذه البلاد ولاّدة معطاءة، وأننا بخير.  

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله


أبريل 05, 2023

المنظمات التي تبدو ناجحة!

إعجاب ولايك على شبكات التواصل
يتسامع الناس ويتناقلون الحديث عن هذه المنظمة أو تلك، واصفين إياها بالنجاح، والتميز، والتفوّق، ونحوها من الألفاظ المطلقة والعامة، وربما انطلقوا بعد ذلك إلى طرح الأسئلة حول سرّ تلك النجاحات، وعوامل تحققها.

والحقيقة أنه قبل السؤال عن أسرار النجاحات، فإننا بحاجة  - أولاً – للاستيثاق من هذا الحكم الأولي بالنجاح ابتداءاً، قبل أن نبدأ في دراسة مسبباته.

وهذا يعني أن نعود للمربع رقم واحد، ونسأل: هل هذه المنظمة ناجحة فعلاً؟ وما المعايير التي من خلالها تم إصدار هذا الحكم، وهل جاء اعتبارها ناجحة من خلال فحص فني دقيق، ومعايير محكّمة، مع وجود الشواهد المؤكدة لذلك، أم أننا تقبلنا تلك الأحكام بالتسليم انطلاقاً من بعض الانطباعات الشخصية، والإجابات العامة؟

والذي يدعوني لطرح هذه الأسئلة التي تتناول مدى وجود النجاح أصلاً، أن جملة من المنظمات التي تبدو ناجحة في عملها إنما بدت كذلك لا لنجاحها الفعلي على أرض الواقع، وإحداثها للأثر المنشود، وإنما بسبب جهد إعلامي دؤوب في بناء الصورة الذهنية، وإنفاق الكثير من المخصصات المالية التي تهدف للتلميع والظهور والإبراز الإعلامي، من خلال تقارير براقة، ومعرفات نشطة، وحملات ترويج، ومواد مرئية متقنة، وهي الأدوات التي من شأنها أن تجعل الصغير عظيما، والفاشل ناجحاً، والعكس.

أرقام متناثرة

كما أن الأرقام التي توصف بأنها (لا تكذب)، يمكن استعمالها في الخداع على نطاق واسع، بحيث تبدو الأرقام مقنعة جداً وتدعو للانبهار، وحين يتم تدقيقها ومراجعتها فإنها تتبخر كقطرات من الماء في شمس الظهيرة.

لذا فالمسألة الأولى، والمهمة هي: التأكد من وجود النجاح فعلياً، واستخدام الأدوات المحكمة للوصول إلى هذه النتيجة..

وهي كما يقول المثل : ثبّت العرش ثم انقش .

فحين نتحقق منها نأتي إلى السؤال - الذي يكون في محله حينئذ - من خلال بذل غاية الوسع في معرفة الأسباب التي أدت لذلك النجاح، وعدم الاعتماد على الانطباعات العجلى والسريعة، فإن الأحكام المبنية على مجرد الظنون والتوقعات ليست مما يمكن البناء عليه والاعتماد على نتائجه.

ولاشك أن تقييم المنظمات لمعرفة الناجح منها، والدراسة للأسباب من شأنها أن تنشر ثقافة التميز والنجاح، وتعطي خارطة طريق واضحة للراغبين في اللحاق بركب الناجحين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله

  #الإدارة #التطوير #المنظمات #النجاح #التميز #العمل_الخيري #العمل_غير_الربحي #القطاع_الثالث

مارس 21, 2023

ظاهرة الإذعان للسائد!

أيدي مقيّدة

في بحث ميداني معمّق أجراه عالم الأوبئة الاسكوتلندي "آرشي كوكرين" حول مدى أهمية بقاء المرضى في وحدات العناية بالشريان التاجي بالمستشفيات، والفرق بينها وبين وجود المريض فترة النقاهة في المنزل تحت رعاية منزلية طبية، وجد أن وحدات العناية بالمستشفيات أكثر خطورة على المريض، وأن البقاء في المنزل هو الأكثر أماناً، وهو ما يخالف السائد لدى كافة العاملين في الحقل الطبي!

وقد تحدث "كوكرين" عن جملة من الممارسات السائدة في الحقل الطبي  والتي اكتشف لاحقاً  - بعد الكثير من اللوم للمشككين - أن جملة من تلك المسلمات لدى الناس، بل وربما لدى المتخصصين: غير صحيحة!

وأياً كان موقفك من النتيجة التي توصل إليها كوكرين، فالأمر لا يهمّ، إذ العبرة هنا بالمثال الذي يؤكد على أن التسليم بالأساليب المعمول بها لمجرد أنها "سائدة ومتوارثة ومستمرة" غير صحيح، وأن التوقف عن اختبار الأدوات والأساليب ليس سلوكاً صحياً.

وفي الكثير من مجالات الحياة، اعتاد الناس على طرائق وآليات وأساليب للعمل، شاب عليها الصغير، وباتت في حكم المسلمات والقطعيات، للدرجة التي لم يصبح هناك من يعترض عليها، أو يشكك فيها، بل أصبح الحديث عنها بالتشكيك لون من ألوان النيل من المقدسات!.

وفي كتابه  (تكيّف)، أشار "تيم هارفرد" إلى نموذج آخر للفكرة ذاتها، وهي فكرة التسليم بالموجود، وأشار إلى أحد التطبيقات في العمل الإنساني بأفريقيا، حيث قامت إحدى الجهات غير الربحية بتطبيق أسلوب جديد لاستخراج الماء، ثم انتشر العمل به على نطاق واسع، وكانت خلاصته: أن يتم استخراج الماء من خلال مضخة مبنية على أسلوب اللعب، بحيث يدور الأطفال بشكل مستمر باسطوانة تحيط بالبئر "دوامة"، ويلهون بها، وتساهم كل دورة بهذه اللعبة في استخراج كمية من المياه من البئر، وأشار المؤلف إلى الرواج الإعلامي الكبير لهذه الفكرة، وأنها - من النظرة الأولى عن بعد - كانت فكرة رائعة من حيث الشكل العام، حيث تجمع بين إيجاد مكان للهو، مع تحقيق فائدة للمجتمع المحلي، وأكدت ذلك الصور الفوتوغرافية الملتقطة للأطفال وهم يلعبون ويتضاحكون، والماء يخرج من باطن الأرض، ولاعجب حينها أن يقوم البنك الدولي يمنح جائزة لهذه الفكرة المبتكرة؛ غير أنه حين قام باحثون استقصائيون بدراسة الفكرة، والالتقاء بالأهالي، و الأطفال في مواقع تركيب تلك المضخات، والاستماع إليهم، وجدوا أنها محل سخط وشكوى، وان تلك المضخات باتت نقطة ألم لهم، وأن هذه الفكرة ليس عملية مقارنة بالمضخة اليدوية الاعتيادية، ذلك أن تمضية الوقت الطويل في هذه اللعبة الدائرية غير محبب للأطفال، وهو لون من ألوان العمل الشاق، الذي يضطر الكبار لفعله لاستخراج الماء حيث لا يتاح الأطفال في كل وقت، ولا يمكن الاعتماد عليهم في مهمة حياتية كهذه! 

ولعل الخلاصة التي توصل إليها أولئك الباحثون، والتي نكررها هنا: يجب أن لا نسلم بصحة الأدوات والأساليب المستخدمة، ولا ننساق وراء التسويق الإعلامية لها، بل يكون الحس النقدي حاضراً ، وبشكل مستمر. 

وهو ما يدفعنا إلى دراسة مدى فاعلية الأساليب والأدوات والبرامج والمشاريع المنفذة في كل مجالات العمل الخيري لدينا، ودراسة كل مشروع اعتدنا على فعله، أو رأينا الآخرين يصنعونه، وذلك للتأكد من أننا على الطريق الصحيح، وأن هذا النشاط يحقق  - فعليا - الهدف من إطلاقه، وأنه ليس هناك خيارات أخرى أقل تكلفة أو أعظم أثراً او أقل سلبيات منه، نحن بحاجة إلى التأكد من كفاءة الإنفاق، وأن المال والوقت والجهد المبذول على هذا المشروع يستحق ذلك  أكثر، وهنا يجب أن نعتمد على معلومات حقيقية واستقصاء فعلي وتتبع، لا على مجرد الظنون، والقصص، والانطباعات الذهنية الأولية.

فنحن اليوم في مسعانا لتخفيف الفقر، وإغاثة الفقراء - على سبيل المثال - نمارس مجموعة من الأنشطة التي اعتدنا عليها ( سلال غذائية، ترميم منازل، سداد إيجارات، سداد فواتير، كسوة الشتاء، كسوة العيد، الحقيبة المدرسية، البطانيات، الأجهزة الكهربائية ...) دون ان نقيس مدى الحاجة الفعلية لتلك الأنشطة، ولا الأثر الناتج عنها، ولا رأي الفقير بشأنها، ولم نقم - في الكثير من الأحيان- بالسؤال عن البدائل الأكثر جدوى، أو الأقل تكلفة، أو الأكثر استدامة.

وفي السياق ذاته، هل كان لدورات اللغة الإنجليزية، و دورات الحاسب الآلي التي تقدمها الجمعيات لأبناء الأسر الفقيرة أثر كبير وفاعل، وهل غيّرت من مستوياتهم أو فرصهم الوظيفية؟ وهل كان امتلاك الجمعيات أصلاً لمراكز تدريبية يعدّ أمراً حسناً وإيجابياً؟ هل كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، أما أنها إنفاق للمال في غير وجهه؟

ليس لدي إجابة على هذه التساؤلات، ولم أتخذ موقفاً نهائياً منها، لكنني أرى إخضاع ( كل ) أعمالنا وأنشطتنا للمراجعة والقياس، وأن يكون ذلك من جهات مستقلة تماماً لا مصلحة لها في بقاء تلك الأنشطة أو زوالها، ومن شأن تلك التقييمات المستقلة والمحايدة أن تجوّد العمل، وتصوّبه، وتجعله أكثر كفاءة وفاعلية، وقد تكون نتائج تلك التقييمات أن نزيد من بعض الأنشطة، ونقلل من بعضها، وأن نعدل على بعضها، وأن نلغي البعض الآخر بكل شجاعة.

إن الإبقاء على الحلول المكررة، والسائدة لمجرد ذيوع العمل بها أمر غير مقبول، والتخوّف من التغيير، والخشية من ردّات الفعل من شانها أن تجعلنا نسخاً مكررة لأعمال لم يثبت جدواها بشكل فعلي.

ولأن أخذتنا الأمثلة إلى جمعيات البر، فإن الحديث ذاته يقال عن بقية الجمعيات، وبقية الأنشطة، في شتى المجالات، إذ أن إخضاعها للنقد والتقييم، وعدم التسليم بتلك الممارسات البشرية أمر مهم، خصوصاً حين ندرك – مع الوقت – أن جملة منها لم تكن أو لم تعد تجدي، وحينها نشعر بالأسى لتلك القدسية التي ألقيناها على تلك الأعمال بينما لم تكن تستحق ذلك..

ويجب ألا تكون الممارسة، او الذيوع والانتشار حجاباً عن التقييم والنقد البناء.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

20 / 3 / 2023  

(الرياض) حرسها الله




#تطوير #التطوير #العمل_الخيري #القطاع الثالث #غير_الربحي #الذات #التفكير #القراءة #كتاب

مارس 15, 2023

اندماج منصات التبرع الثلاث



بين فينة وأخرى، يتسامع الناس باندماجات واستحواذات في القطاع الخاص، تتعاظم الحصة السوقية بموجبها للشركة الدامجة، فتستحوذ بموجب ذلك على عدد أكبر من العملاء، والفروع، والأنشطة، ونقاط البيع، والتقنيات، والوصول.

ويفسّر الاندماج بأنه ( ضمّ منشأة أو أكثر إلى منشأة أخرى، مما يجعل الجميع منشأة واحدة، مما يؤدي إلى زوال الشخصية المعنوية للمنشأة أو المنشآت المنظمّة، وبالتالي تنتقل الأصول والحقوق إلى المنشأة الضامّة).

ولأن هذا البلد بلد معطاء، باذل للخير، حكومة وشعباً، فقد انطلقت جملة من منصات التبرع الإلكتروني الرسمية، لتغطي جزءاً من احتياجات المجتمع، وتسابق الناس للاستفادة منها للموثوقية العالية التي تحظى بها.

ويتداول الناس في المجالس اليوم حديثاً وإلماحات عن منصات التبرع الرسمية الرائعة (إحسان – تبرع – وقفي ) وأن هناك مشروعاً قيد الدراسة حول اندماج تلك المنصات كلها في منصة واحدة تحت إدارة واحدة، أياً كنت الجهة المشرفة على المنصة.

ولا شك أن للاندماج عموماً، وفي هذه الحالة خصوصاً فوائد ومزايا، غير أن له عيوباً ومثالب كذلك، والأمر نفسه يقال عن عدم الاندماج.

ومن هنا فإنني أتقدم بمقترح توفيقي يكفل جمع مزايا الخيارين معاً، ويقلل من العيوب قدر الإمكان، وهو مقترح يمكن عقد الورش ومجموعات التركيز المتخصصة لإنضاجه وتجلية تفاصيله.

والمقترح يقضي بأن تكون هناك منصّة واحد فعلاً للتبرع، بحيث يقصدها المتبرع، ولا يحتاج إلى التنقل بين تلك المنصات المختلفة، وفي الوقت ذاته تكون هذه المنصة الموحّدة ذات تبويبات رئيسة هي ذاتها مسميات المنصات المشار إليها سلفاً (إحسان – تبرع – وقفي)، وتتم إدارة كل تبويب من تبويبات المنصّة، ومتابعته، والتسويق له من قبل الجهة التي تدير تلك المنصة حالياً، ويسعى لاستكمال وتطوير العمل فيه..

وفي الوقت نفسه يكون هناك إدارة مركزية للمنصة، فيما يتعلق بالأمن السيبراني، وفي تسجيل وإدارة الجمعيات الخيرية الراغبة في عرض مشروعاتها على المنصة، وفي إدارة المتبرعين، وكبار المتبرعين، وإدارة المنصة بشكل عام.

وفي هذا الاجتماع تحت منصة واحدة تحقيق مجموعة من المصالح، والتي منها: سهولة الدخول والتبرع للمحسنين، ورؤية المتبرعين لكل الفرص المتاحة في شتى المجالات ولدى شتى الجهات.

كما أن من شأن التواجد في منصة واحدة أن ييسر ظهور مشاريع كل جمعية على حدة وإن تعددت مجالات عملها، فيكون الزائر على وعي بحجم وعدد ومبالغ المشاريع المعلنة والمدعومة للجهة الواحدة، مما يجعله يوجّه تبرّعه للجهات والمناطق الأقل دعماً والأكثر حاجة -إن شاء -.

ومن شأن التوحيد كذلك أن يكفّل وجود معايير موحّدة للجهات الراغبة في الانضمام إلى المنصّة مما يعني إمكانية رفع المعايير، وضبط الجودة، وسوف تقوم الجمعيات بالاستجابة لتلك المعايير لأنها تتيح لها الظهور والوصول للمتبرع بيسر وسهولة.

ومن المزايا في المنصة الموحّدة أنها تجعل عمليات التسويق والإعلان لها ذات جدوى أكبر، فبدلاً من بضع حملات تسويقية متفرّدة لكل منصّة، يكون التسويق جماعياً وتستفيد من الحملة كافة الجهات والمجالات.

وحديثي هنا كلّه عن المنصات الرسمية الثلاث، أما المتاجر الإلكترونية للجمعيات الخيرية، فإنني لا أرى أن يتم دمجها، ولا جمعها، بل تبقى مرتبطة بكل جهة خيرية، تستهدف شرائح من الداعمين، وفئات من المحتاجين لخدماتها.

وإنّي على ثقة بأن هذا الحل الوسيط لمنصات التبرعات الرسمية سيكون بين الرأي القائل بإغلاق المنصات، والرأي القائل بترك كل منصة تعمل بمفردها، وسيدعو هذا الحل - في الوقت ذاته -  للتنافس بين تبويبات المنصة، مما يساهم في زيادة حجم التبرعات النهائي.

أما منصّات التبرع المتخصصة كـ شفاء ، وجود، وأمثالها، فلست أرى دمجها مع أي منصة قائمة، فلكل منصة أسلوب عمل مختلف، ووجودها مستقلة أمر مهم يخدم القطاع، وسوف أتحدث عنها في تدوينة قادمة بإذن الله.

سائلاً الله تعالى أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري


مارس 06, 2023

دراسة الجدوى "الخيرية"

غلاف دراسة جدوى

يتوهم البعض أن المشروع "غير الربحي" يكتسب مشروعية إقامته من مجرد كونه "خيرياً" أي أنه لا يحقق أرباحاً للقائمين عليه، وأن كونه غير ربحي فحسب، كاف في إقامته، ودعمه، والتوقف عن نقده او الاعتراض على جدواه.

مع أن الواقع أن المشروع الخيري أو غير الربحي هو مشروع ذا مسئولية أكبر، فالمال فيه مال الله، وهو ناتج عن تبرعات المحسنين، والهدف منه مرضاة الله، وهي أمور تجعل من الجدير أن تتم دراسة جدواه بشكل مدقق وتفصيلي، ولأن كانت أرباح المشروعات التجارية هي أموال يجنيها أصحاب المشروع فتدخل إلى جيوبهم، فإن المشروع الخيري أرباحه هي المزيد من الحسنات المترتبة على بذل الجهد من جهة، وتحقق الثمار من جهة أخرى، إذا تم إحسان الاختيار للمشروع.

ومن هنا كان من المهم التحقق أولاً من طبيعة المشروع الذي نرغب في إطلاقه، خصوصاً حين تكون موارده المالية من أموال الآخرين الذين يريدون بإنفاقها ابتغاء ما عند الله، أما لو كان المال الذي يتم إنفاقه هو من مال صاحب المشروع الخاص فإن الأمر سيكون أيسر بكثير.

ولهذا يعدّ قيام المستثمر بماله الخاص بالدخول في ألوان من المغامرات التجارية، ودخوله في الاستثمارات الجريئة شأن يخصه، ويحق له الدخول في استثمارات مدروسة او غير مدروسة، أما المستثمر تجارياً بأموال الآخرين، فإنه الواجب عليه الحذر الشديد، والاتزان، والعمل بالاحتياط، والتوقف عن المغامرة بأموالهم، والأمر ذاته يقال عن إطلاق المشروعات غير الربحية بالمال الخاص أو مال الآخرين. 

وفحص المشروعات غير الربحية، والاستشارة فيها، وعرضها على أهل الاختصاص، وإنضاجها، ودراسة السوق والتجارب المشابهة، والاستيثاق من رغبات المستفيدين واحتياجهم، أمر في غاية الأهمية، كما أن الاقتصاد في الإنفاق، والبحث عن أساليب التوفير، وضبط المصروفات، وعدم التوسع فيها، كل ذلك أمر واجب.

وإنني هنا أدعو إلى التنادي من أجل وضع المعايير، والنقاط، والأسئلة والمرتكزات التي لابد من السؤال عنها، والتحقق منها بما يجلّي الصورة، ويوضح المشروعية، ويوصل إلى نموذج ميسّر يسهل على الراغبين في إطلاق مشروعاتهم غير الربحية إجراء ذلك التقييم الذاتي، والذي يتم بناء عليه اتخاذ القرار، بالإقدام عليه أو بالإحجام.

وما أجمل أن يتم اتخاذ القرار بإلغاء فكرة المشروع الذي تثبت الدراسة عدم جدواه، حتى وإن تم دفع التكاليف الأولية للدراسة، وإنفاق بعض الأموال في الدراسة والتصاميم، فالعودة من أول الطريق أنسب وأوفر.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


يناير 20, 2023

دورات المياه العمومية .. المشكلة والحل.


في مدينة ضخمة كالرياض، ومع هذه الاتساع الشاسع لنطاقها الجغرافي، وتكاثر الأحياء وتباعدها، وسلوك الناس للطرق السريعة والفرعية من أجل الانتقال من خلالها للعمل، و الدراسة، و التسوق، وخلافها، فإن أولئك المتنقلون يحتاجون وبشكل متكرر إلى (دورات المياه) كضرورة بشرية، ويقع الكثير منهم في الحرج الشديد حينذاك، ويزداد الحرج حين يكون ذلك الاحتياج من النساء، أو من مرضى السكري.
وذلك أنه لا تتوفر في الرياض -فضلاً عن بقية مدن المملكة الأخرى- مقرّات يمكن من خلالها قضاء الحاجة، ويسهل الوصول إليها باستثناء الدورات الموجودة في المرافق المختلفة التي يصعب الدخول إليها.

ولهذا يضطر الناس إلى الدخول محطات الوقود، لعلهم أن يجدوا فيها بغيتهم، ومع أنها لا تكون مهيأة غالباً، إلا أنه يغلب عليها أن تكون خاصة بالرجال، وربما يسلك أخرون مسلكاً مختلفاً حين يدخلون إلى المطاعم والمقاهي، لأجل دورات المياه، ويكون الدخول إليها محرجاً وغير مناسب، كما يضطر آخرون لقضاء الحاجة على جانب الطرقات، بشكل غير حضاري ولا مناسب، لكنها الضرورة وأحكامها.

وفي الكثير من دول العالم، تنتشر دورات المياه العمومية المفتوحة على مدار الساعة، فيسهل الوصول إليها، وتكون غالباً برسوم رمزية للقائم على نظافتها، فتحل للناس أزمات، وتخفف عنهم.

وأرى أننا في بلادنا المباركة لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنشاء دورات المياه العمومية لعابري الطرقات مجدداً، فالحل متاح ويسير، وهو لا يتطلب إنشاءً، بل إجراء تطويرات يسيرة يمكنها أن تغيّر الوضع القائم مئة وثمانون درجة، وتجعل هذه المشكلة شيئاً من التاريخ.

ويكمن الحل المقترح في (إعادة توظيف دورات المياه التابعة للجوامع)، وذلك باعتبارها مرافق عامة ووقفية مخصصة للعموم، بإتاحة واحدة منها – على الأقل - للرجال، وأخرى للنساء، ويلتزم عامل الجامع بجعلها مفتوحة طوال الوقت، أو على أقل تقدير من صلاة الفجر وحتى الحادية عشرة ليلاً، كما تكون العناية بتنظيفها جزءاً من مهماته اليومية.

ويأتي اقتراح الجوامع لكونها متوزعة على كافة الأحياء وبشكل منتظم، ولأنها تحتوي على عدد كبير من دورات المياه، كما يعمل في الجامع -غالباً - أكثر من عامل.

وقد يتطلب الأمر تعديلاً معمارياً يسيراً بفصل تلك الدورات، وفتحها على الشارع العام، ووضع علامة مميزة، تدل على أن هذه الدورات مفتوحة على مدار اليوم، كما أن من الممكن إضافة مواقع تلك الدورات العمومية المتاحة إلى خرائط جوجل ليتاح لكل متصفح العثور على أقرب دورات مياه من موقعه الحالي.

ونكون بهذا الحل المقترح قد ساهمنا وبشكل فعال في تحسين الخدمات المقدمة لسكان المدن، وزوارها، وفعّلنا دورات المياه في الجوامع بشكل أكبر، وقدّمنا نموذجاً حضارياً مميزا.

وهو حلّ أفترض أن يكون من خلال الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الشؤون الإسلامية، ويمكن للقطاع الخاص أو القطاع غير الربحي أن يساهم في هذه المبادرة، بأي تحسينات وتطويرات للخدمات المقدمة من خلالها أو المساهمة في التعديلات اليسيرة التي تحتاج إليها، وتقييم مستوى الخدمة من قبل العملاء.

ولست أشك أن مشروعاً كهذا سيكون مساهماً في برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030، و الذي نصّ في سياق شرح البرنامج على تطوير القطاع البلدي من خلال ( أنسنة المدن، وتحسين المشهد الحضري، والارتقاء بالخدمات المقدمة وذلك بهدف تأمين جودة حياة رفيعة لسكان وزوّار المملكة).

ويمكن -كذلك- أن يتم ذات الإجراء في الحدائق العامة التي هي منتشرة في الأحياء، مع أهمية العناية بصيانتها ونظافتها.

وكلّي أمل أن يرى هذا الاقتراح النور، وأن نرى الرياض سباقة إلى حل هذه المشكلة، لتواصل كونها رائدة المدن السعودية في سائر المجالات، وإلى ذلك الحين: ألقاكم على خير ،،،

محمد بن سعد العوشن

binoshan@gmail.com

الرياض – حرسها الله -


ديسمبر 23, 2022

نحو منصة موحّدة لتنسيق العمل الخيري

في جميع الأوقات، وفي كل مكان، يحتاج القطاع الخيري إلى التنسيق وصولاً إلى العمل المشترك.

وفي أوقات الأزمات مثل الحروب والأوبئة و الكوارث الطبيعية يكون التنسيق أولى وأهم وأوجب.

ذلك أن المتبرعين كثير، والمتطوعين بجهودهم كثير، والمحتاجين كثير..

وفي حال فقدان التنسيق والتكامل بينهم فإن الأمر سيؤدي إلى تفاوت كبير في تلبية احتياجات المستفيدين، حيث ستتكدس الإعانات والفرق التطوعية على أشخاص، أو جهات، أو مناطق ، وسينحسر الدعم المالي والبشري عن آخرين..

وربما كانت النتيجة أن أحدهم لا يجد قوت يومه من أي طعام كان، بينما يتاح لفقير آخر اختيارات متنوعة ومتعددة دون قيد.

كما يؤدي فقدان التنسيق إلى تكرار الجهود، فتتكاثر الأعمال مع إنتاجية أقل.

إن الانشغال بحد ذاته ليس مطلباً، ولا دليلاً على الصواب، غير أن  ترتيب الأولويات والانشغال بأهمها هو واجب الوقت، وهو الفعل الصحيح الذي تحمد عواقبه.

وقد رأيت واطلعت وسمعت عن التباين الواسع في طبيعة الخدمات المقدمة للفقراء - على سبيل المثال- في مناطق مختلفة، وذلك حسب الوفرة المادية للجهة، إذا ليس هناك حدّ أدنى ولا أعلى لما يمكن تقديمه لهم.

وبناء عليه فإن التفاوت كبير وقائم، وتبقى - من جراء ذلك - بعض الجمعيات دون داعم، تتعثر مشاريعها الأولية، لأن الدعم قد انصرف لجمعيات أخرى أكثر قدرة على التسويق لمشاريعها، مع قلة حاجتها لتلك الأموال، وكثرة مواردها المالية.

وأنا هنا  أدرك - يقينا - أن تلك الأموال التي يتم جمعها من المتبرعين بأي صورة من الصور، فإنها تصرف على الشريحة المستهدفة، بكل أمانة وصدق، ولا تلام الجمعية التي وصلت إليها التبرعات الوافرة في أن تنفقها على المحتاجين وتزيد من مستوى الخدمات المقدمة  لهم، إذ ليس لها أن تحيل شيئاً من تلك الموارد إلى جمعيات أخرى حتى وإن علمت مقدار حاجتها.

لكنني أزعم أن عدم وجود التنسيق بين مؤسسات العمل الخيري وجمعياته ولجانه أدى وسيؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، الذي يضر في نهاية المطاف بالشريحة المستهدفة.

وأدرك أن (وجود منصة موحدة) يتم فيها عرض المشاريع من الجمعيات، ويتم من خلالها كتابة الدعم، من شأنه أن يعطي الجميع تصوراً أدق عن حجم وعدد المشروعات، وطبيعتها، ومدى الحاجة لها، مع مقارنة آلية مع الجمعيات المشابهة داخل المنطقة وخارجها.

 ويمكن ان تحتوي المنصة على موازنة الجمعية للعام الحالي، ومصادر الدخل الثابت وغير الثابت لها، بالإضافة إلى ماتم صرفه في العام المنصرم، ليكون متخذ القرار بالتبرع ( فرداً كان أو جهة) على وعي تام بمسار عمل الجمعية وإنجازاتها.

وهذه المنصة المنشودة ليست أداة لحصر التبرعات أو محاصرتها، ولا التضييق على المتبرعين ولا على الجهات المتبرعة، ولا على الجهات الخيرية، وإنما تكون خطاً مسانداً اختيارياً ..

وإنني لأدرك أن التنسيق مهمة تكتنفها الكثير من الصعوبات دون ريب، لكن الحاجة إليه ماسة جداً، تتطلب منا أن نبذل الغالي والنفيس لأجله.

وإنني متشوّق لسماع ذلك الذي يعلّق الجرس، ويطلق صفارة البدء بعمل تنسيق جماعي مشترك يتبناه المانحون.

إلى ذلك الحين وأرجو أن يكون أقرب من القريب، دمتم بخير.


محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


نوفمبر 08, 2022

مفتي الحوكمة!

ثمة مصطلحات جميلة، وأنيقة، يتم استخدامها بشكل واسع، وتصبح أكليشة ثابتة، يتم الحديث عنها، والتمسّح بها، والانتساب إليها، وإصدار الأحكام على الناس بموجبها، كما يتم استخدامها كأداة للثناء والإطراء، وللتشويه والذمّ، ومن تلك المصطلحات الرائجة اليوم: مصطلح "الحوكمة".

وإذا أردنا أن نتعرف على معنى الحوكمة، فيمكننا أن تناول التعريف الوارد في لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية السعودية.

حيث نصّت اللائحة على تعريف حوكمة الشركات بأنها:

"قواعد لقيادة الشركة وتوجيهها، تشتمل على آليات لتنظيم العلاقات المختلفة بين مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والمساهمين وأصحاب المصالح، وذلك بوضع قواعد وإجراءات خاصة لتسهيل عملية اتخاذ القرارات وإضفاء طابع الشفافية والمصداقية عليها، بغرض حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، وتحقيق العدالة والتنافسية والشفافية في السوق وبيئة الأعمال".

وهي تعمل وفقاً لمبادئ رئيسية أربعة هي: الشفافية والمسؤولية والمساءلة والعدالة.

ويمكن القول بأن الشركات المساهمة المطروحة اليوم في سوق الأسهم السعودي تُعدّ من الجهات التي تعمل وفقاً لأعلى درجات الحوكمة، ويصعب المزايدة عليها، أو محاولة إظهار أن قطاعاً ما هو أكثر حوكمة منها، خصوصاً مع وجود الكثير من أصحاب المصالح الذين يهمهم أن يتم حماية استثماراتهم من أي تغوّل من مجالس الإدارة أو الإدارات التنفيذية.

ولهذا تقوم (هيئة السوق المالية) باعتبارها الجهة الرقابية والإشرافية المسؤولة عن تنظيم وتطوير السوق المالية بإصدار القوانين واللوائح والتعليمات اللازمة بهدف توفير المناخ الملائم لتحقيق الثقة والعدالة والكفاءة لإصدار الأوراق المالية وتوفير العدالة والإفصاح الكامل في الشركات المساهمة وحماية المستثمرين بسوق الأوراق المالية.

ولأن الحوكمة ممارسة إدارية فضلى على مستوى العالم كله، فثمة أنظمة ولوائح تضبط وتحدد أفضل الممارسات، والقواعد الرئيسة، يما يكفل حدوداً واضحة للعمل، ويمكن التحاكم إلى تلك التنظيمات لبيان الخطأ والصواب.

ومن خلال تعاملي مع عدد من القطاعات، والجهات والأفراد، فإنني لاحظت أن الحوكمة باتت كلأً مباحاً لكل أحد، ورأيت أفراداً -غير قليلين- قرأوا شيئاً يسيراً عن الحوكمة، أو حضروا دورة تدريبية فيها، أو وجدوا أنفسهم في وظيفة تقوم ببعض المهام الإشرافية، ثم توهّم هؤلاء وأولئك أنهم من الخبراء المميزين في مجال الحوكمة، وباتوا يصدرون فتاواهم وأحكامهم في شأن (الحوكمة) بلا علم ولاهدى، يصدرونها بكل ثقة، ودون أي تردد! 

وبمراجعة يسيرة للخبراء الفعليين في المجال، والعودة للمراجع والأدبيات الأصيلة، والجهات العريقة في مجال الحوكمة، فإنك تكتشف أن جملة من تلك الأحكام التي يصدرها متوهمو الخبرة : مجانبة  للصواب، وهي من كيس قائليها، جرّأهم عليها سكوت الكثيرين، وإخباتهم أمام أدعياء العلم.

إننا في حاجة لتجلية الكثير من أوهام الحوكمة، وتحديد المرجعيات الفعلية فيها، وعدم قبول إصدار الأحكام ممن لا يملك المعرفة الكافية والموثوقة، حتى وإن كان يحمل شهادة عليا في تخصصات إدارية أو قانونية أو علمية أخرى، وحتى لو أصبح في وظيفة تنفيذية أو قيادية تعتني بالحوكمة، فالتعيين هنا يعني أن يقود العملية إدارياً لا أن يتحول بمجرد القرار إلى مرجعية علمية في التخصص.

إن الحوكمة أداة مهمة في الضبط، والحماية من التجاوزات، وفصل السلطات داخل المنظمات، وهي – أي الحوكمة- أداة لتحسين الأداء لا للتعقيد والتضييق و المنع، وليست المهارة في أن نقول (لا) لكل تصرّف، تحت ذريعة الحوكمة المتوهمة، بل أن نقولها – فقط – حين تقع المخالفة الصريحة لتلك الأنظمة المعلنة والواضحة، وحين يكون الخلل وتعارض المصالح جلياً لا يقبل التأويل.

ولذا فإن الأصل أن تطلق أيدي الجهات - على اختلاف اختصاصاتها وأعمالها-  في وضع آليات وأدوات إجراءات العمل التي تراها مناسبة، مالم تخرق نصاً صريحاً واضحاً، فتخالف لوائح معتمدة من متخذ القرار، أو المسؤول عن التشريعات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

11 / 4 / 1444 هـ


سبتمبر 05, 2022

الشيخ عبدالمجيد و الرحيل المفاجئ!


مذ عرفته قبل ثلاثين عاماً، كان الشيخ الدكتور عبد المجيد الدهيشي أخاً لطيفاً، ومعلماً قديراً، ومربياً فاضلاً، كان طوال سنوات معرفتي له على منهج الوسطية المتزن، التزام بالشرع المطهر، ووقوفاً عند حدود الله، وتقديساً للنص الشرعي.

كان مذ عرفته متواضعاً ليّن الجانب، يحدثك بكل تواضع، ويصغي إليك بكل أدب، ينتقي ألفاظه بعناية بالغة، فلا تسمع منه - في كل أحواله- أي لفظ مشين، كان رحمه الله عفيف اللسان.

درس في كلية الشريعة، فكان نعم الطالب، وتخرج منها عام 1410 هـ ، وتعيّن ملازماً قضائياً بمحكمة الرياض، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، حتى انتهت سنوات الملازمة، فتعيّن قاضياً في سبت العلاية ، عاصمة بلقرن، ثم قاضياً بالمجمعة، ثم انتقل للعمل في وزارة العدل، ومجلس القضاء،..
فكان حيثما حلّ نعم القدوة والأسوة، كان يعمل في القضاء بكل نزاهة متحرياً العدل، مبتعداً عن مواضع الشبهات، ولم يكن قاضياً فحسب، بل كان مجدداً في عمله، وفي مكان التقاضي، وفي خدمة الناس، كما كان في كل بلد ينزل فيها يعمل مصلحاً اجتماعياً، ومرشداً دعوياً، وخطيباً مفوّها، ومدرساً للعلوم الشرعية في المساجد، وقائداً للعمل الخيري والتطوعي، يحفّز ، ويوجّه، وينفق من ماله ووقته وجهده.

كان الشيخ عبد المجيد بركة حيثما نزل، فآثاره الصالحة باقية، والناس تلهج بالثناء عليه، وتذكر إحسانه.

ورغم أنني انقطعت عنه سنين طويلة نظراً لتعيينه خارج الرياض، غير أنني كنت ألقاه كل بضع سنين، فإذا هو صاحبي الذي عهدته، لم يبدّل ولم يغيّر، كان على العهد الأول، فلم تأخذ السنين من حماسته الرصينة، ولا من فكره النيّر شيئاً، ولم تؤثر فيه المناصب العالية على الإطلاق.

وكان للشيخ بصمات واضحات في وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء، بالعمل على مجموعة غير قليلة من الدراسات، والأنظمة، واللوائح، والزيارات، والملتقيات المهمة والمؤثرة على الحالة القضائية في المملكة العربية السعودية، كما عمل الشيخ في محاكم الاستئناف بالمدينة المنورة ثم في مدينة الرياض، وقد أشار الشيخ إلى شيء من تلك الجهود المباركة في سيرته الماتعة الرائعة الموسومة بـ "في مدارج القضاء" والتي روى فيه حياته العملية في القضاء، ولم تكن رواية للأحداث فحسب بل كانت سيرة محشوّة بالفوائد، مملوءة بالدروس المستفادة، والمعاني الجميلة، والمعلومات الثرية جداً .

ومنذ تعيينه في قضاء الاستئناف، وحصوله على شيء من التفرغ في تلك المرحلة، وموضوع "التقاعد" يجول بخاطر الشيخ، فيقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى، حتى جاء موعد اتخاذ القرار في عام 1440 هـ بعد استخارة واستشارة متكررة، حيث تقدّم الشيخ على المجلس الأعلى للقضاء بطلب التقاعد المبكر، مبرراً ذلك بمضي ثلاثين عاماً من العمل في مجال القضاء بكل ما فيه من جهد وضغط وإرهاق، وبرغبته في الاستمرار في العمل الخيري الذي بات جزءاً لا يتجزأ من اهتمامات الشيخ وأولوياته، وخصوصاً في ظل صدور بعض التنظيمات الإدارية التي تحدّ من دور القضاة في الجمعيات الخيرية، وتمنع عضوية مجالس إدارتها من العاملين في سلك القضاء، كما أشار الشيخ إلى تبرير ثالث وهو رغبته في التفرغ لعدد من المشاريع العلمية ، التي تحتاج وقتاً أطول من أجل إنجازها، وقد رفض طلبه، لكنه أصرّ عليه، وسعى لتحصيله، فوافق المجلس في شهر صفر 1441 هـ على طلبه، وتم له ما أراد، وحصل على التقاعد، فانطلق الشيخ وعمل بكل جهده، بحيوية ونشاط وحماسة لم تفارقه منذ التحق بالعمل لأول مرّة، فإذا هو يتحدث عن الأوقاف، ولوائحها، وحوكمتها، وأنظمتها، ويواصل التحفيز عليها..

وقد طلبت منه ذات مرة أن نتفق على الأجرة التي يمكن منحها له مقابل خدماته الاستشارية لأحد الأوقاف، فرفض أن يأخذ أي مقابل على تلك الاستشارات التي يحتاجها الوقف، وتكرر معه الأمر أكثر من مرة، كان يحضر ويتفاعل، ويبدي رأيه بوضوح، مع أدب جمّ قل مثيله، ولطف في التعامل قل نظيره، وكانت سنوات التقاعد القصيرة تحكي مزيداً من العمل الدؤوب، والعمل الجاد لتحقيق الأهداف، حيث أمضى ثلاث سنوات في المجالات التي أحبّها وأرادها، فما إن اكتملت هذه السنوات بالتمام، حتى أصابه مرض مفاجئ، بعد عودته من مؤتمر الأوقاف بالمدينة المنورة، فأدخل على إثره العناية المركزة، بمستشفى الملك فيصل التخصصي، ولم يلبث فيه إلا أياماً قليلة، فكان الموت إليه أسبق، فأدركته الوفاة في يوم الأحد، الثامن من شهر صفر لعام 1444هـ، وصلّي عليه بعد العصر بجامع الجوهرة البابطين، ودفن بمقبرة شمال الرياض، وكانت الجموع التي حضرت للصلاة عليه في  الجامع ودفنه في المقبرة متأثرة غاية التأثر، مصدومة من هذا الفراق العاجل، تلحظ في عيونها دموع الفراق للحبيب، وتلهج ألسنتها بالدعاء له، مرددة : إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا عبدالمجيد لمحزونون.  


رحم الله الشيخ الدكتور أبا أيمن ، عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في مستقر رحمته، وألهم الجميع الصبر والرضا والسلوان، وأجارنا في مصيبتنا وأخلف علينا بخير منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد بن سعد العوشن

8 صــــفر 1444 هـ

نشرت التدوينة في صحيفة تواصل هــنــا