‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات متنوّعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات متنوّعة. إظهار كافة الرسائل

سبتمبر 11, 2023

شـاهد على العصر

في حوار مع ذلك الضيف الذي ألِف المشاهدون وجهه، لحضوره في عدد من اللقاءات الذائعة الصيت، تحدّث الضيف عن وقت شبابه، مصدراً أحكامه الخاصة على المجتمع في ذلك الوقت، محاولاً إثبات صحة تلك الأحكام بكونه أحد الشهود على تلك المرحلة، حيث أتاح له بلوغه لهذا السنّ المرور على عدد من التغيرات المجتمعية، فهو "شاهد على العصر".

ولأن المحاور شاب في مقتبل العمر لم يعاصر تلك المرحلة الزمنية، ولم يعش في ذلك التاريخ – كما هو حال كثير من المشاهدين -، فإنهم جميعاً يتعاملون مع تلك الأحكام والتوصيفات باعتبارها أمراً مؤكداً وثابتاً، لكونها تأتي من أحد الشهود الذين عاشوا المرحلة وعاصروها، وهو أدرى بحال الناس آنذاك...

والحقيقة أننا نخفق كثيراً في أحكامنا الحالية التي نصدرها اليوم على حال المجتمع و أحداثه التي تقع بالقرب منا، فهي أحكام مشوبة بالكثير من النقص في المعلومات، والخطأ في الأحكام، والتحيّز المكاني والزماني والعرقي والديني، فضلاً عن ما يعتري المرء من أحوال نفسية وصحية واجتماعية تؤثر على صحة إصداره لتلك الأحكام ومنطقيتها، بالرغم من توفر الكثير من وسائل الإعلام، والنقل الحي للوقائع، والإتاحة الواسعة للمعلومات، لعل مما يؤكد تلك الأخطاء مع توافر المعلومات أنك ترى تناقضات صارخة بين مواقف الناس من الحدث ذاته، وروايتهم له، ويصدرون الكثير من الأحكام المتعارضة كلياً في توصيف الواقع الحالي!.

فإذا كان هذا حال الناس مع توافر كل هذا الكمّ من المعلومات والحقائق والإثباتات، والقدرة على الوصول والتواصل في وقتنا المعاصر، فكيف هو الحال في الحديث عن زمان سابق، قبل التقنية، ومع القصور الكبير – آنذاك - في مساحات الحركة، والعلاقات، والمعلومات.

ومن هنا فإن التسليم بأقوال أحدهم وتوصيفاته وأحكامه عن مجتمع ما سلباً أو إيجاباً، واعتبار تلك الأقوال صادقة لكونه عاصر تلك الأزمنة، هو محض خطأ، فهو ليس الناجي الوحيد الذي ينقل لنا ما حدث، بل هو واحد من ملايين الذين عاشوا في تلك الفترة، ولهم أحكام تختلف معه، وليس أحدهم أولى بالتصديق من الآخر.

وحين يتحدث الواحد منا عن تجربته الحياتية فإن من حقه أن يطلق عليها ما يشاء من أوصاف، ويعبر عن حالته النفسية آنذاك، وحكمه على نفسه مقبول إلى حد كبير..


 أما حين ينتقل للحديث عن الغير، وعن  المجتمع بعمومه، فالأمر هنا مختلف كلياً،
إذ يجب النظر إلى الكثير من العوامل المؤثرة على أحكامه التي يصدرها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: "الجهل" و "الفهم الخاطئ"، و"التحيّز"، و"الحالة الاجتماعية" ، و"الحالة المادية"، و"المواقف الخاصة"، فضلاً عن الطبيعة النفسية له، وسماته، وعلاقاته، ومكانته، ومنصبه، إذ هي عوامل يمكنها التأثير بشكل كبير على مصداقية الأحكام وسلامتها.

هذا فضلاً عن أن كل واحد منا حين يحاول استذكار مرحلة عمرية من حياته، بعد مرور السنين والأعوام، فإن الكثير من الوقائع، والأحداث، والتفاصيل تختفي من ذهنه، ولا يتبقى لديه منها سوى جملة من الأحداث المفردة، والوقائع المحدودة، والمشاعر الانتقائية التي ثبتت لأمر أو لآخر، والتي هي في الحقيقة ليست تمثل الواقع الفعلي الذي عاشه هو شخصياً، بل هي تمثل وقائع "مختارة" من الواقع، لا يمكن بموجبها إصدار تلك الأحكام العامة.

لذا لا عجب أن تجد في تعليقات بعض المشاهدين – ممن كانوا شهوداً على العصر كذلك – ردوداً على مقولات الضيف، تناقض كلامه تماماً، وتعتبر حديثه غير معبّر عنهم، ولا يمثل إلا نفسه، وقد كتب أحدهم معلقاً "إذا عانيت في زمانك، فنحن في عمرك، وعشنا أجمل حياتنا في ذلك الزمن"!

إنها اختصار لموقفين اثنين من زمان واحد، لأن كل واحد منهما ينظر بمنظاره، ويروي أحواله، وهي تؤكد ما بدأت به هذه التدوينة، أن لا ننساق وراء "شهود العصر" الذين لهم جميعاً -وبدون استثناء- دوافعهم، وظروفهم، وتفكيرهم المختلف عن الآخرين.

وفي السياق ذاته انظر للكتب التي تتحدث عن بعض الرموز التاريخية أمثال  (الحجاج بن يوسف، جمال الدين الأفغاني، جمال عبدالناصر،...) لتجد أن هناك من يعدّهم ملائكة، وهناك من يعدّهم شياطينا!.

وانظر كذلك لمرحلة الاحتلال الغربي للبلدان العربية على سبيل المثال، لتجد أن هناك من يعتبرها مرحلة ذهبية، ويطلق عليها لفظ "الاستعمار" المأخوذة من العمارة والبناء، بينما يطلق عليها آخرون لفظ "الاحتلال" بكل إسقاطاته السيئة، مع انهم جميعاً يتحدثون عن مرحلة واحدة، وبلد واحد!

وأنا هنا لست بصدد الاصطفاف مع أي من طرفي الخلاف في الحكم على مرحلة زمنية، أو شخصيات تاريخية،  لكنني أود ألا أسلّم عقلي لمن يحاول أن يجعل فهمه الشخصي للواقع من الثوابت التي يجب الأخذ بها، بحجة تلك المعاصرة والمعايشة.

ولست ألغي أهمية حديث من شهدوا العصر عن رواية مشاهداتهم، وحكاية ما عايشوه، فهي تبقى مصدراً لفهم التاريخ، ومدخلاً للإحاطة بالصورة، لكنها تعد جزءاً من معطيات كثيرة تشكل أدوات للفهم الحقيقي للتاريخ، لا يمكن الركون إليها والتسليم بها، خصوصاً مع ما يشوب تلك الشهادات من نقص البشر، واستيلاء المشاعر عليهم، ونقص الإحاطة، والتحيز، فنستمع إليهم، ونقيّم حديثهم، ونستوثق، لنصل في نهاية المطاف إلى تصور أقرب للحقيقة.

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

27 / 2 / 1445

(الرياض) حرسها الله

@bin_oshan




تدوينات ذات صلة 


فبراير 18, 2023

مبادرة توثيق الموفّقين

مع التقدّم التقني المذهل اليوم، وتوسّع مسارات توظيف التقنية في تيسير الخدمات، وتوثيقها، شهد المجتمع نقلات نوعية في الكثير من الخدمات، فأصبحت الكثير من العمليات البنكية، والعدلية، والوظيفية، والصحية، والأمنية، والتجارية تتم باستخدام التقنية، بما يحقق سرعة الإجراء، ودقته، وكفاءته، وسهولة المحاسبة والمتابعة له، فقد أصبح (النفاذ الوطني) مدخلاً مأموناً ومضموناً للولوج إلى الكثير من المنصات الرسمية.

ومن هنا تأتي مبادرة :  "توثيق الموفّقين" او "توثيق الخطابات" والتي أرى بأنها تأخرت كثيراً في الانطلاق، مع أن طبيعة العمل فيها تقتضي وضع الكثير من الضوابط والاحتياطات، وذلك لأمرين، أولهما : ارتباطها بمعلومات عائلية متسمة بالسرية والكتمان، وثانيهما: وجود التحويلات المالية بين العديد من الأطراف، مما يوجب المزيد من الرقابة والإشراف والتدقيق، حتى لا تكون هذه الخدمة بوضعها الحالي أداة لغسل الأموال.

وتقوم هذه المبادرة على "توثيق الموفّقين"، أي توثيق من يقومون بالتوفيق والدلالة  بين طالبي الزواج من الجنسين، وذلك بتسجيل بيانات كل من يرغب العمل في مجال التوفيق بين راغبي الزواج، ويكون ذلك وفق شروط ومحددات وضوابط، ومن خلال بيانات مكتملة عن الموفّق، وما يثبت شخصيته، وحسابه البنكي، واشتراط التسجيل في بوابة المشروع لدى الوزارة في كل من يمارس هذه الخدمة، بحيث يمكن للراغبين في التعامل معهم أو معهن أن يتأكد من وجود هذا المعرّف برقمه التسلسلي ضمن من تم توثيقهم لدى الوزارة، ويتحقق من سلامة البيانات المالية له.

كما أن المبادرة تقوم – في الوقت ذاته – بتقييد أي حوالات يتم تنفيذها من أجل ضبط العملية، وتوثيقها، وحماية حقوق الطرفين في حال وجود أي خلاف بينهما.

وحينها يمكن اعتبار كل معرّف أو رقم هاتفي يقدم هذه الخدمة دون ترخيص، ودون توثيق، فإنه يقوم بعمل غير مشروع، خصوصاً حين يكون ذلك بمقابل مادي.

لاشك أن تعدّد وسائل التوفيق بين راغبي الزواج، وتيسيرها، وتكثيرها هو أمر في غاية الأهمية، ذلك أن جزءاً غير قليل من العنوسة التي نشتكي منها اليوم ناشئ عن فقدان التواصل المجتمعي بين الناس، وتحولهم من العلاقات المجتمعية المتداخلة – سابقاً - إلى العوائل الصغيرة جداً – حالياً – والمنفصلة عن بعضها البعض رغم التجاور، فدور ( الموفّقين ) دور مهم، وهو دور أصيل، حتى وإن اكتنفت الممارسة العملية لهذا الدور – اليوم-  الكثير من الأخطاء والتجاوزات بسبب عدم التنظيم.

إن الحديث عن أهمية وجود (الموفّقين) لا يعني إطلاقاً أن يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن شاء ليعمل تحت اسم (خطابة)، فالمتصيدون بهذا الاسم كثير، هذا فضلاً عن أن معرف الخطابة ليس بالضرورة أن تديره امرأة تقوم بهذه الخدمة، فأحياناً تكون هذه المعرفات والهواتف وسيلة يسيرة لاصطياد الفتيات، والإيقاع بهن، وربما تكون وسيلة لابتزازهن، فضلا ً عن أن جملة من هذه المعرفات أصبحت وسيلة لأخذ الأموال بغير حق باستغلال حاجة الرجال والنساء للزواج، كما أنه تحت هذه المعرفات يتم الكذب بتزيين وتزوير معلومات  الرجل أو المرأة حيث يتم إضفاء الكثير من الصفات والمزايا والخصائص لضمان إجراء التحويل المالي، وذلك لأنهن – حتى الآن – بمأمن الإشراف والرقابة.

ولأن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مشكورة قد تمكنت من خلال الكثير من مبادراتها أن تضبط وتوثّق العديد من الإجراءات، لكونها الجهة المنظّمة لهذا القطاع (الاجتماعي)، فإنني أقترح عليها ان تطلق هذه المبادرة، والتي ستساهم – بإذن الله – في تقليص عدد المتلاعبين والمتلاعبات بمشاعر الراغبين في الزواج، وسيخفت بريق المخادعين، ويزهد الناس في كل من يعمل وهو غير موثّق رسمياً.

ويمكن للوزارة أن تطلق بوابة إلكترونية تتيح لكل من استخدم خدمات هؤلاء "الموفّقين" أن يقوم تقييم مستوى الخدمة المقدمة، ووضع درجات تعبر عن مستوى الموفّق، وتحديد مدى مصداقيته وحسن تعامله مع المستفيدين، مع الحرص على تطوير أداء هؤلاء الموفّقين، ومساندتهم، ووضع الضوابط لهم، ومراقبة أدائهم، وإعانتهم بالنماذج والبرامج المعينة، بما يحقق للوزارة مساهمة فاعلة في إتمام التوفيق، والتخفيف من العنوسة، من خلال عملية متكاملة موثوقة، ومتابعة مستمرة.

وأحسب أن الوزارة قادرة على ذلك، ولها تجارب متعددة في توثيق المواقع والمعرفات الإلكترونية للأسر المنتجة والأفراد الذين يتولون متاجر خاصة من خلال الإنترنت، فقدرة الوزارة على تكرار التجربة للخطابين والخطابات أمر مؤكد.

بل يمكن للوزارة أن تفرض رسوماً يسيرة للاشتراك في هذه الخدمة يقوم بدفعها الموفّق لضمان جديته، وضمان استدامة المشروع حتى لو قررت الوزارة- لاحقاً- التخلي عن دعمه مالياً.

أرجو أن يجد هذا الاقتراح أذناً صاغية في وزارتنا الموقّرة، وأن نسعد قريباً بإطلاق بوابة (توثيق الموفقين) والإلزام بها، وأن نرى ثمار ذلك على أرض الواقع خيراً وبركة.

وتقبلوا تحياتي ،،،

محمد بن سعد العوشن

كاتب مهتم بالعمل الخيري

binoshan@gmail.com 

28 / 11 / 2022م

يناير 20, 2023

دورات المياه العمومية .. المشكلة والحل.


في مدينة ضخمة كالرياض، ومع هذه الاتساع الشاسع لنطاقها الجغرافي، وتكاثر الأحياء وتباعدها، وسلوك الناس للطرق السريعة والفرعية من أجل الانتقال من خلالها للعمل، و الدراسة، و التسوق، وخلافها، فإن أولئك المتنقلون يحتاجون وبشكل متكرر إلى (دورات المياه) كضرورة بشرية، ويقع الكثير منهم في الحرج الشديد حينذاك، ويزداد الحرج حين يكون ذلك الاحتياج من النساء، أو من مرضى السكري.
وذلك أنه لا تتوفر في الرياض -فضلاً عن بقية مدن المملكة الأخرى- مقرّات يمكن من خلالها قضاء الحاجة، ويسهل الوصول إليها باستثناء الدورات الموجودة في المرافق المختلفة التي يصعب الدخول إليها.

ولهذا يضطر الناس إلى الدخول محطات الوقود، لعلهم أن يجدوا فيها بغيتهم، ومع أنها لا تكون مهيأة غالباً، إلا أنه يغلب عليها أن تكون خاصة بالرجال، وربما يسلك أخرون مسلكاً مختلفاً حين يدخلون إلى المطاعم والمقاهي، لأجل دورات المياه، ويكون الدخول إليها محرجاً وغير مناسب، كما يضطر آخرون لقضاء الحاجة على جانب الطرقات، بشكل غير حضاري ولا مناسب، لكنها الضرورة وأحكامها.

وفي الكثير من دول العالم، تنتشر دورات المياه العمومية المفتوحة على مدار الساعة، فيسهل الوصول إليها، وتكون غالباً برسوم رمزية للقائم على نظافتها، فتحل للناس أزمات، وتخفف عنهم.

وأرى أننا في بلادنا المباركة لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنشاء دورات المياه العمومية لعابري الطرقات مجدداً، فالحل متاح ويسير، وهو لا يتطلب إنشاءً، بل إجراء تطويرات يسيرة يمكنها أن تغيّر الوضع القائم مئة وثمانون درجة، وتجعل هذه المشكلة شيئاً من التاريخ.

ويكمن الحل المقترح في (إعادة توظيف دورات المياه التابعة للجوامع)، وذلك باعتبارها مرافق عامة ووقفية مخصصة للعموم، بإتاحة واحدة منها – على الأقل - للرجال، وأخرى للنساء، ويلتزم عامل الجامع بجعلها مفتوحة طوال الوقت، أو على أقل تقدير من صلاة الفجر وحتى الحادية عشرة ليلاً، كما تكون العناية بتنظيفها جزءاً من مهماته اليومية.

ويأتي اقتراح الجوامع لكونها متوزعة على كافة الأحياء وبشكل منتظم، ولأنها تحتوي على عدد كبير من دورات المياه، كما يعمل في الجامع -غالباً - أكثر من عامل.

وقد يتطلب الأمر تعديلاً معمارياً يسيراً بفصل تلك الدورات، وفتحها على الشارع العام، ووضع علامة مميزة، تدل على أن هذه الدورات مفتوحة على مدار اليوم، كما أن من الممكن إضافة مواقع تلك الدورات العمومية المتاحة إلى خرائط جوجل ليتاح لكل متصفح العثور على أقرب دورات مياه من موقعه الحالي.

ونكون بهذا الحل المقترح قد ساهمنا وبشكل فعال في تحسين الخدمات المقدمة لسكان المدن، وزوارها، وفعّلنا دورات المياه في الجوامع بشكل أكبر، وقدّمنا نموذجاً حضارياً مميزا.

وهو حلّ أفترض أن يكون من خلال الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الشؤون الإسلامية، ويمكن للقطاع الخاص أو القطاع غير الربحي أن يساهم في هذه المبادرة، بأي تحسينات وتطويرات للخدمات المقدمة من خلالها أو المساهمة في التعديلات اليسيرة التي تحتاج إليها، وتقييم مستوى الخدمة من قبل العملاء.

ولست أشك أن مشروعاً كهذا سيكون مساهماً في برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030، و الذي نصّ في سياق شرح البرنامج على تطوير القطاع البلدي من خلال ( أنسنة المدن، وتحسين المشهد الحضري، والارتقاء بالخدمات المقدمة وذلك بهدف تأمين جودة حياة رفيعة لسكان وزوّار المملكة).

ويمكن -كذلك- أن يتم ذات الإجراء في الحدائق العامة التي هي منتشرة في الأحياء، مع أهمية العناية بصيانتها ونظافتها.

وكلّي أمل أن يرى هذا الاقتراح النور، وأن نرى الرياض سباقة إلى حل هذه المشكلة، لتواصل كونها رائدة المدن السعودية في سائر المجالات، وإلى ذلك الحين: ألقاكم على خير ،،،

محمد بن سعد العوشن

binoshan@gmail.com

الرياض – حرسها الله -


سبتمبر 05, 2022

الشيخ عبدالمجيد و الرحيل المفاجئ!


مذ عرفته قبل ثلاثين عاماً، كان الشيخ الدكتور عبد المجيد الدهيشي أخاً لطيفاً، ومعلماً قديراً، ومربياً فاضلاً، كان طوال سنوات معرفتي له على منهج الوسطية المتزن، التزام بالشرع المطهر، ووقوفاً عند حدود الله، وتقديساً للنص الشرعي.

كان مذ عرفته متواضعاً ليّن الجانب، يحدثك بكل تواضع، ويصغي إليك بكل أدب، ينتقي ألفاظه بعناية بالغة، فلا تسمع منه - في كل أحواله- أي لفظ مشين، كان رحمه الله عفيف اللسان.

درس في كلية الشريعة، فكان نعم الطالب، وتخرج منها عام 1410 هـ ، وتعيّن ملازماً قضائياً بمحكمة الرياض، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، حتى انتهت سنوات الملازمة، فتعيّن قاضياً في سبت العلاية ، عاصمة بلقرن، ثم قاضياً بالمجمعة، ثم انتقل للعمل في وزارة العدل، ومجلس القضاء،..
فكان حيثما حلّ نعم القدوة والأسوة، كان يعمل في القضاء بكل نزاهة متحرياً العدل، مبتعداً عن مواضع الشبهات، ولم يكن قاضياً فحسب، بل كان مجدداً في عمله، وفي مكان التقاضي، وفي خدمة الناس، كما كان في كل بلد ينزل فيها يعمل مصلحاً اجتماعياً، ومرشداً دعوياً، وخطيباً مفوّها، ومدرساً للعلوم الشرعية في المساجد، وقائداً للعمل الخيري والتطوعي، يحفّز ، ويوجّه، وينفق من ماله ووقته وجهده.

كان الشيخ عبد المجيد بركة حيثما نزل، فآثاره الصالحة باقية، والناس تلهج بالثناء عليه، وتذكر إحسانه.

ورغم أنني انقطعت عنه سنين طويلة نظراً لتعيينه خارج الرياض، غير أنني كنت ألقاه كل بضع سنين، فإذا هو صاحبي الذي عهدته، لم يبدّل ولم يغيّر، كان على العهد الأول، فلم تأخذ السنين من حماسته الرصينة، ولا من فكره النيّر شيئاً، ولم تؤثر فيه المناصب العالية على الإطلاق.

وكان للشيخ بصمات واضحات في وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء، بالعمل على مجموعة غير قليلة من الدراسات، والأنظمة، واللوائح، والزيارات، والملتقيات المهمة والمؤثرة على الحالة القضائية في المملكة العربية السعودية، كما عمل الشيخ في محاكم الاستئناف بالمدينة المنورة ثم في مدينة الرياض، وقد أشار الشيخ إلى شيء من تلك الجهود المباركة في سيرته الماتعة الرائعة الموسومة بـ "في مدارج القضاء" والتي روى فيه حياته العملية في القضاء، ولم تكن رواية للأحداث فحسب بل كانت سيرة محشوّة بالفوائد، مملوءة بالدروس المستفادة، والمعاني الجميلة، والمعلومات الثرية جداً .

ومنذ تعيينه في قضاء الاستئناف، وحصوله على شيء من التفرغ في تلك المرحلة، وموضوع "التقاعد" يجول بخاطر الشيخ، فيقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى، حتى جاء موعد اتخاذ القرار في عام 1440 هـ بعد استخارة واستشارة متكررة، حيث تقدّم الشيخ على المجلس الأعلى للقضاء بطلب التقاعد المبكر، مبرراً ذلك بمضي ثلاثين عاماً من العمل في مجال القضاء بكل ما فيه من جهد وضغط وإرهاق، وبرغبته في الاستمرار في العمل الخيري الذي بات جزءاً لا يتجزأ من اهتمامات الشيخ وأولوياته، وخصوصاً في ظل صدور بعض التنظيمات الإدارية التي تحدّ من دور القضاة في الجمعيات الخيرية، وتمنع عضوية مجالس إدارتها من العاملين في سلك القضاء، كما أشار الشيخ إلى تبرير ثالث وهو رغبته في التفرغ لعدد من المشاريع العلمية ، التي تحتاج وقتاً أطول من أجل إنجازها، وقد رفض طلبه، لكنه أصرّ عليه، وسعى لتحصيله، فوافق المجلس في شهر صفر 1441 هـ على طلبه، وتم له ما أراد، وحصل على التقاعد، فانطلق الشيخ وعمل بكل جهده، بحيوية ونشاط وحماسة لم تفارقه منذ التحق بالعمل لأول مرّة، فإذا هو يتحدث عن الأوقاف، ولوائحها، وحوكمتها، وأنظمتها، ويواصل التحفيز عليها..

وقد طلبت منه ذات مرة أن نتفق على الأجرة التي يمكن منحها له مقابل خدماته الاستشارية لأحد الأوقاف، فرفض أن يأخذ أي مقابل على تلك الاستشارات التي يحتاجها الوقف، وتكرر معه الأمر أكثر من مرة، كان يحضر ويتفاعل، ويبدي رأيه بوضوح، مع أدب جمّ قل مثيله، ولطف في التعامل قل نظيره، وكانت سنوات التقاعد القصيرة تحكي مزيداً من العمل الدؤوب، والعمل الجاد لتحقيق الأهداف، حيث أمضى ثلاث سنوات في المجالات التي أحبّها وأرادها، فما إن اكتملت هذه السنوات بالتمام، حتى أصابه مرض مفاجئ، بعد عودته من مؤتمر الأوقاف بالمدينة المنورة، فأدخل على إثره العناية المركزة، بمستشفى الملك فيصل التخصصي، ولم يلبث فيه إلا أياماً قليلة، فكان الموت إليه أسبق، فأدركته الوفاة في يوم الأحد، الثامن من شهر صفر لعام 1444هـ، وصلّي عليه بعد العصر بجامع الجوهرة البابطين، ودفن بمقبرة شمال الرياض، وكانت الجموع التي حضرت للصلاة عليه في  الجامع ودفنه في المقبرة متأثرة غاية التأثر، مصدومة من هذا الفراق العاجل، تلحظ في عيونها دموع الفراق للحبيب، وتلهج ألسنتها بالدعاء له، مرددة : إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا عبدالمجيد لمحزونون.  


رحم الله الشيخ الدكتور أبا أيمن ، عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في مستقر رحمته، وألهم الجميع الصبر والرضا والسلوان، وأجارنا في مصيبتنا وأخلف علينا بخير منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد بن سعد العوشن

8 صــــفر 1444 هـ

نشرت التدوينة في صحيفة تواصل هــنــا


أغسطس 23, 2022

النوم المطمئنّ

يأتي وقت النوم في نهاية كل يوم ليكون أشبه بكشف الحساب لكل واحد منها عما فعله خلال تلك الأربع وعشرين ساعة الماضية، وما قصّر عن فعله في الوقت ذاته.

فحين يستلقي المرء على فراشه، ويأوي إلى سريره، ويضع رأسه على وسادة النوم، فيكون الجسد في مرحلة من الإرهاق قد خارت قواه، وانتهت طاقته، وحان وقت راحته وسكونه، حينها: يبدأ الدماغ في ممارسة المهمة الأخيرة قبل النوم، وهي المهمة الصعبة!

إنها مهمة الاسترجاع السريع لمشاهد وأحداث اليوم، وحين يبدأ الاستعراض السريع جداً، فإنه يتوقف فجأة عند بعض تلك المشاهد، فيعيد المشهد مرة واثنتين وثلاثاً، وربما استمرت إعادة التشغيل وكأن خللاً ما أصاب جهاز التسجيل فاستغرق في الإعادة وراء الإعادة..

هنا يأتي حديث النفس، ليكشف عن المخبوء، عن نقاط الألم والحسرة، عن مواضع الوجع، عن الأقوال والأفعال التي أوجعتك، ومرت سريعة وحاولت تناسيها في وقتها، لكنها جاءت في ختام اليوم متأبيّة على النسيان، ثم تأتي تلك الأقوال والأفعال التي أوجعت بها الآخرين، تأتيك لتسائلك عما حملك على ذلك، وكيف طاوعتك نفسك أن تصنعها، وتذكرك بأن أولئك الآخرين هم  الآن – مثلك – يستعدون للنوم، لولا ذلك الألم النفسي الذي يسيطر عليهم من جراء صنيعك.

ويأتيك في الوقت ذاته أفكار وتساؤلات عن حياتك، ووقتك، ومالك، وعملك، وأهلك، حسب آخرهم وروداً، أو ملاقاة..

ولذا فإن الذين ينامون سراعاً هم أولئك الذين يخلدون إلى فرشهم في نهاية اليوم وقد قاموا بمهامهم وأدوا واجباتهم، ولم يظلموا أحدًا، ولم يعتدوا على أحد، إنهم أهل “الإحسان”، ولذا لا عجب أن يكون نومهم نومًا عميقًا مطمئنًا، فـ (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟

ذلك أن أحد أهم أسباب التكدير الذي يحيط بالناس قبيل نومهم أن يشعروا في قرارة أنفسهم أنهم واقعون في الخطأ، موغلون في الذنب والتقصير تجاه الله تعالى أو تجاه أحد من خلقه، فتأتي النفس اللوامة وتكرر على صاحبها: لم فعلت هذا؟ لم ظلمت هذا؟ لم قلت هذا؟

ولذا فإن الحرص على تجنب المظالم، والسعي وراء اللقمة الحلال، وأداء الحقوق والواجبات، وصلة الرحم، والقيام بحق الله تعالى، من شأنه أن يرزق المرء السكينة والهدوء وراحة البال، ويجعل نومه هنيئاً مريحاً طيباً.

وإنني أدرك وأنا أقول هذا أن بعض ذلك الألم ربما يكون ألما يصيب “المظلوم” لا الظالم، و “المؤذى” لا “المؤذي”، والذي يمنعه الألم النفسي غالباً من الخلود إلى النوم، ويؤرقه التفكير في “الانتقام”، والدعاء المستمر على ظالمه، وتذهب عليه الأوقات في تضخيم الألم وتعظيمه، وتفاصيل الوجع، وجزئياته، والوصية لهذا وأمثاله: أن يسلك مسلك تسهيل الأمور، وتهوينها، والتماس الأعذار والتبريرات للطرف الآخر متى أمكن ذلك، وإحسان الظن بالمقاصد وإن لم تصب الوسائل، فإن ذهابك لفراشك وليس في قلبك غلّ على مسلم، مدعاة للسلامة النفسية والجسدية معاً، فسلامة الصدر، والعفو، والتسامح، كلها مبعدات للأرق، مذهبات للأفكار المزعجة التي تحول بينك وبين النوم المستغرق العميق اللذيذ، فطهر قلبك وابشر بالخير، وتيقن أن راحتك من أعظم ما يغيض عدوّك، وأن التجاهل، والعودة إلى اليوم التالي بكل نشاط وكأنك من النوع الذي لا يكسر، هو أفضل رسالة يمكنك إيصالها.

ولنكرر تلك الدعوات العظيمة التي يدعو بها المؤمنون ربهم :(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)

ولنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه ثلاث مِرَار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، وفي كل مرة يطلع لهم ذات الرجل، فأوى إليه أحد الصحابة لينظر في ما يعمل ليقتدي به، فلم يره يعمل كثير عملٍ، فسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.

وسوف تدرك حقيقة ما أقول عن تجرّبة العيش وفقًا لمبدأ (أداء الحقوق وترك المظالم والتغاضي عن الأخطاء)، في حجم السعادة والهناء، والهدوء والاسترخاء التي تشعر بها كل ليلة حين تأوي إلى فراشك، حيث المقياس الختامي لطبيعة يومك، وكيفية تعاملك مع أحداثه بحكمة واتزان.

متمنياً لكم أياماً سعيدة، وليالي هانئة، ونوماً عميقاً مشبعاً…

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

مايو 30, 2022

عن الشيخ سعود العوشن

هذه إجابات مختصرة عن بعض الأسئلة التي وصلتني عن العم سعود رحمه الله، الذي أمضى ربع قرن في الدعوة إلى الله تعالى في جنوب الفلبين.

*حدثنا عن تعليم الراحل وبداياته* 

تعلم العم سعود في الكتاتيب، ثم التحق بالمدارس، وكان طموحه دخول كلية الشريعة ولم يتيسر له ذلك، عمل في الأوقاف، واعتنى بالمساجد، ثم عمل في رئاسة الحرمين مدة، ثم استقال وتفرغ للعمل التجاري.

كان - منذ سنوات شبابه الأولى - أنموذجاً على الشاب الجادّ العصامي المنضبط الذي لا تعرف له صبوة، كما كان يقدر القيم الاجتماعية السائدة، ويلتزم بها، كما كان كريماً مضيافاً منذ عرفته.

*حدثنا عن قصه او موقف شهدته له*

قصصه كثيرة جداً ، ومنها أنه كان لا ينفك عن شراء الهدايا - خصوصاً للصغار- ويقوم بتوزيعها على بيوت العائلة وفقاً لعددهم، فلا تعجب إذا دخلت البيت ووجدت ثلاث دراجات، فسألت عنها، فقيل : من عمي سعود، فضلاً عن إهداء السجاد، والسواك، والكتب، وغيرها.

وكان حريصا على نصرة المظلوم فيكتب معه الخطابات للمسؤول، ويسعي - وفق استطاعته- أن يساعده للحصول على حقّه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وكان – رحمه الله – كريماً جواداً لا ينفكّ يدعو كل من لقي لتناول طعام الغداء أو العشاء، مع إصرار على إكرام الضيف دون إسراف ولا مخيلة.

وقد شهدته في أكثر من رمضان، في شدّة الحر، ووقت الظهيرة، وهو يذهب إلى سوق الجملة، فيملاً سيارته بالبضائع ويجلبها إلى محله التجاري، لم يمنعه الصيام ولا الحر من مواصلة التزاماته التي قطعها على نفسه.

كما كان – رحمه الله – يكره المظاهروالتفاخر، فقد اجتنب طوال عمره اقتناء أي سيارة فاخرة، رغم توفّر المال لديه، ورغم إنفاقه للكثير من الأموال على المحتاجين من الأقارب ومن غيرهم، وهو في هذه السمة يشابه صديقه الشيخ صالح الحصين – عليهما رحمة الله - .




* ما أبرز المواقف التي أثرت على الراحل غفر الله له*

كانت زيارته لجنوب الفلبين مع الشيخ محمد القعود رحمهما الله نقطة تحول في حياة العم، حيث قرر من تلك الرحلة أن يعطي اهتمامه وتركيزه ونشاطه نحو مسلمي جنوب الفلبين، مع التركيز على التعليم والتربية، والجديّة .

ومن تاريخ تلك الرحلة بات جنوب الفلبين جزءاً من حياة الراحل، يمضي فيه أشهراً من كل عام ، ويذهب إليه أكثر من مرة.


*كان محباً للخير فحدثنا عن ذلك بذكر موقف أو قصة* 

كان حريصاً على التواصل مع أسرته وعائلته الكبيرة الممتدة، يتصل بهم، ويدعوهم، ويزورهم، ويحضر مناسباتهم، ويقيم الولائم في أي مناسبة لأحدهم كزواج أو قدوم من سفر، ويحرص على عقد اللقاءات العائلية الشاملة في الأعياد وفي غيرها، ويحثنا جميعاً على الحضور، ويعاتب الغائبين برفق، ويتهلل وجهه مع كل برنامج تتم إقامته للعائلة، ولم يكن يتردد - رحمه الله - في تحمل أي تكاليف مالية لتلك الأنشطة.

كما كان العم – رحمه الله – حاضراً في المواقف التي تتطلب حضوره، فهو في المناسبات السعيدة والزواجات أول الحاضرين، وهو في المناسبات الحزينة كالعزاء أول الحاضرين وآخر المغادرين، يواسي، ويذكر محاسن الميت، ويروي فضائله، ويذكر الحضور بأهمية الاستعداد لها المصير المحتوم.

كما كان العم – رحمه الله - صاحب قيام وتلاوة وصلاة، فكان ينام بعد العشاء مباشرة، ويستيقظ في منتصف الليل فيصلي ويتلو ويقرأ ويكتب، وكان يتولى الأذان لصلاة الفجر في مسجدناً ويقرأ من القرآن حتى يتكامل المصلون، ثم يقيم الصلاة وربما صلى بالناس، وكان هذا ديدنه كل يوم عليه رحمة الله.


*نريد قصة تبين روحه الفكاهية الجميلة* 

كانت ابتسامة عمّي لا تفارقه رغم جديته وحزمه وعزمه، وكانت تروق له حكاية المواقف الطريفة، ويضحك حين تروى له ضحكاً طويلاً يسرّ به الراوي، ويأنس به.


*حدثنا عن مساهمته المجتمعية التي لم يسلط عليها الضوء.*

كان العم رحمه الله ممن أنشأ نادي العرض الرياضي بالقويعية - مسقط رأسه- وكان يرى أن وجود نادي رياضي قيمي له دور في المحافظة على الشباب من الانجراف وراء أي انحرافات تعرض لهم.

كما كان لديه تقدير كبير للغة العربية ، واهتمام بالخطابة، فكان لا يسمع بخطيب مميز في مدينة الرياض إلا ذهب للصلاة معه حتى لو بعدت المسافة، كما كان يقيم ويحث على إقامة مسابقات الخطابة لأشبال العائلة وشبابها.

كما كان من أوائل من قام بإنشاء الصناديق العائلية، حيث أنشأ صندوقاً ووضع نظامه وقواعده، وتولى – رحمه الله – رئاسة مجلس الصندوق طيلة حياته، وهو الصندوق الذي كان مساهماً رئيساً في تحفيز الشباب وتيسير زواجهم في الخمس وعشرين سنة الماضية.

*- كيف كانت علاقته مع اسرته وان كان هناك موقف بارز فنرجو ذكره* 

كان منزله مفتوحاً مغرب كل يوم لاستقبال الأقارب والجيران والأصحاب، وكانت جلسة المغرب معروفة للجميع، يقصدها القاصي والداني ليتحقق له من حضورها اللقاء بعدد غير قليل من أفراد العائلة، والأعمام.

كما كان في كل مرة يدعو الحاضرين لمشاركته طعام العشاء، وإن كان الضيف قليل الحضور، دعاه إلى وليمة مستقلة وأصرّ عليه.

كما كانت لديه مفكّرة ورقية صغيرة تحدد أسماء عدد من كبار السن، مع جدولة الزيارات لكل واحد من منهم ( كل أسبوع، كل شهر، كل ثلاثة أشهر) وكانت مفكّرة حقيقية، يلتزم بها، ويدعو سواه لمشاركته تلك الزيارت، داخل الرياض وخارجه.


*برز أسم الراحل وتميز في مجاله فحدثنا عن ذلك* 

بالإضافة إلى نشاطه التجاري المميز، الذي بناه مع أخيه سعد - حفظه الله- على الأمانة والصدق والرفق، فقد انطلق العم سعود في مسار العمل الدعوي بالفلبين، وأمضى فيه ربع قرن، في إصرار لا يتزعزع، وعزيمة وحماسة لا تخبو، فهو في يومه الأول، كما هو في يومه الأخير، حريص أشد الحرص، يكتب ويتصل ويرسل ويشتري، ويتفقد، ويفكّر ويبتكر.

بل إنه - حفظه الله - بعد أن استشرى به مرض السرطان، وكان يعطى أدوية تلطيفية فحسب، إذ لم يعد العلاج ممكناً، كان يستغل كل نشاط يراه في جسده، فيحجز ويسافر رغم تعبه، ويمضي أسابيع ثم يعود منهكاً قد هدّه المرض والتعب، وكلما وجد نشاطاً، انطلق مرة أخرى.


*إن وجدت صور لم تخرج للاعلام للمغفور له او منشورات عنه وتسمحون بنشرها فنرجو تزويدنا بها.* 

للعم سعود كتابات كثيرة، إذ لم تفارقه الأقلام والأوراق حيثما حل أو ارتحل، فهو يكتب لهذا المسئول أو ذاك، ملاحظاً أو مقترحاً أو منتقداً أو شاكراً، مع أدب جم، وحسن تلطف مع المرسل إليه.

كما أنه كتب عدداً من الكتيبات، عن العائلة والمتوفين من رموزها، وعن وصايا للبنت قبل زواجها، وعن موضوعات متفرقة أخرى، لكنها جميعاً لم تنشر إلا على نطاق عائلي محدود، وإنما طبع له كتاب واحد عن (الدعوة في الفلبين) نشرته أحد الدور الكويتية قبل ما يزيد عن خمس عشرة سنة.







أبريل 20, 2021

الاحتساب اللغوي

        حين تحدّث الفرنسي إيرنست أنطوان -نيابة عن التجار الأوروبيين- في قمة الاتحاد الأوروبي عام 2006 بالإنجليزية،  قاطعه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد أول جملة قائلاً: (لماذا تتكلم بالإنجليزية؟) فردّ عليه أنطوان قائلاً : (لأنها لغة التجارة)، فخرج شيراك مع وزير خارجيته وماليته من المؤتمر مغضبين، فلما  سأله الصحفيون عن سبب خروجه قال لهم: (إنما راعني أن أرى فرنسيا يتكلم بغير الفرنسية، فخرجت كي لا أستمع الى من لا يحترم لغته).

وفي السياق ذاته نص القانون الفرنسي الصادر عام 1794م على أن "اللغة الفرنسية" هي "الأمة الفرنسية"، وأنشأت الحكومة لجنة عليا، كانت مهمتها "تطهير" اللغة الفرنسية من المفردات الدخيلة، والرقابة على الإعلام والجهات المختلفة للتأكد من التزامها بالفرنسية بشكل دقيق.

        وأصدر مجلس الدوما الروسي قراراً يعتبر إتقان "اللغة الروسية" شرطاً للمواطنة، تخوفاً من تأثر الروس باللغات العالمية، كما حرصت الصين، واليابان على الاحتفاظ بلغاتهم وعدم التنازل عنها رغم كل الصعوبات التي تكتنفها، وكذلك فعلت بقية الدول الأوروبية، فلم يحاولوا استخدام اللغة الإنجليزية للتفاهم بينهم داخل الاتحاد الأوروبي رغم معرفة كثير منهم لها، بل استمر حديث كل أهل لغة بلغتهم، فكان المجلس سوقاً رائجاً للترجمة والمترجمين.

        وفي هذا الوقت الذي تتنادى فيه الأمم والشعوب للحفاظ على لغاتها، والتمسك بها، وحمايتها، فإن فئاماً غير قليلة من مجتمعاتنا العربية الأصيلة أخذت في التخلي عن لغتها العربية – شيئاً فشيئاً -  لصالح اللغة الإنجليزية، ولم يعد غريباً أن تكون اللافتات، والعروض التقديمية، والملتقيات، والمؤتمرات، ومعرّفات شبكات التواصل، والأفلام التعريفية، والمواقع الإلكترونية، والنشرات والقوائم، وبطاقات العمل، وسواها باللغة الإنجليزية أو بالفرنسية مع أنها تقدّم لجمهور "العرب" في مجتمع "العروبة"، ورغم كل ما تتمتع به لغتنا العربية من سعة المفردات، وثراء المعاني، وجمال الجرس وعذوبة الألفاظ، فضلاً عن الأصالة والعراقة التي لا تجدها في لغات العالم أجمع، غير أن عقدة "النقص" الملازمة تجعل المرء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويقبل بترك اللغة العربية للتحوّل إلى غيرها!

        بل بات مطلوباً من طالب الدراسات العليا – حتى في التخصصات العربية والإسلامية – أن يحصل على درجات مرتفعة في الاختبارات القياسية للغة الإنجليزية، في الوقت الذي لا يتم فيه السؤال عن إتقان الطالب للغته الأم، اللغة العربية! 

        وما من شك أن صيانة وحماية اللغة العربية، بوصفها أحد معالم الهوية المجتمعية، والعناية بالحفاظ عليها، والالتزام بها، والانضباط وفقاً لأسسها الأصيلة - كونها لغة القرآن والسنة - أمر في غاية الأهمية، وهو "فرض كفاية" يجب على المجتمع أن يتنادى إليه، مما يستدعي أن ينتدب أفراد منّا أنفسهم لهذه المهمة النبيلة، وأن نكون أحرص من بقية الناطقين باللغات المختلفة على التمسك بها والدفاع عنها، و "الاحتساب" في ذلك. 

        وأن نسعى لإنشاء المجالس واللجان الحكومية المتعددة، والتي تشرّع وتضبط وتحاسب، كما أن علينا المبادرة إلى إيجاد جهات غير ربحية، ومنظمات خيرية، وفرق تطوعية، تجعل رسالتها الوقوف على كل مخالفة، وإعلانها، وتنبيه المخالفين، بل والرفع بهم للجهات المعنية، وأن يتم تفعيل المجتمع برمّته للتطوع في هذه المهمة، فيكتبون ويرسلون ويتواصلون حينما يرون مظهراً من مظاهر تهميش "العربية"، فيكون الضغط المجتمعي بالإضافة إلى الضغط التشريعي والحكومي عاملان مهمان في الحفاظ على هوية المجتمع ووقايته من الذوبان في الآخر، وتلك رسالة عظيمة جديرة بالاهتمام.

        دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

9 / صفر / 1442 هـ

نوفمبر 04, 2020

80 يوماً في صحبة الحبيب ﷺ


تمر بنا منذ الطفولة - بحمد الله - جملة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، في المدرسة حين ندرس مواد العلوم الشرعية، وفي الجامعة في بعض المواد الشرعية، وفي المسجد حين يحّدثنا الإمام، أو يخطب بنا يوم الجمعة، وفي البرامج الإذاعية والتلفازية والمقاطع المختلفة، بالإضافة إلى اللوحات والكتب والصحف هنا وهناك.

ولذا لا عجب أن تكون جملة من تلك الأحاديث قد رسخت في أذهاننا، وحفظناها عن ظهر قلب، وباتت على ألسنتنا في مواضعها، وهذه محمدة وشرف عظيم أن يكون في جوف الواحد منا جملة من الآيات القرآنية من كلام رب العالمين، وجملة من أحاديث سيد المرسلين.

وفي يوم صيفي جميل، ومع انتهاء الحظر الكلي لجائحة كورونا دعاني أحد الزملاء للانضمام إلى برنامج متخصص لسماع و قراءة كتاب الجمع بين الصحيحين، والذي يشمل ما في صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وهما من أصح الكتب على الإطلاق، وذكر لي أن البرنامج يتيح خيارات متنوعة في السماع، من خلال التيلجرام، واليوتيوب، والساوند كلاود.

وأن مدة البرنامج ستكون ثمانون يوماً، حيث يتم وضع الورد المخصص لكل يوم، مع وضع يوم إجازة في كل أسبوع، لكسر الجمود، وإعطاء الفرصة للراحة وعدم الإملال.

وكنت أقول في نفسي: صحيح البخاري ومسلم موجودان في مكتبتي، وقد مرّ علي أثناء قراءاتي الشرعية الأكاديمية وغير الأكاديمية الكثير من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فما الجديد في هذا البرنامج؟ غير أنني استعنت بالله والتحقت، ومضيت مع صاحبي نتواصى كل يوم، ونخبر بعضنا بتحقيق الإنجاز، ثم بتنا نكتب لبعضنا عن أبرز مالفت انتباهنا في أحاديث اليوم، وكنت في كل يوم أتعجب وأنا أعيش مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ بدت لي الكثير من الأحاديث وكأنني أسمعها لأول مرة، كنت أعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السراء والضراء، في السفر وفي الإقامة، في السلم وفي الحرب، في الصحة والمرض، أعيش مع ذلك الرعيل الأول حياتهم، ومشاعرهم، وألفاظهم، وكل تفاصيلهم..

كانت أياماً من أجمل أيام العمر، ولا تعجب أن تبكي يوماً ، وتضحك بعده من جراء تلك المشاعر الجياشة التي ستشعر بها وأنت تطّلع على تلك الحياة العظيمة، وأولئك الرجال العظماء، ومسيرة سيد الخلق بكل حيثياتها.

وجاء اليوم الثمانين، لنختم تلك المسيرة الرائعة، وذلك البرنامج الرائع بحق، حيث تم اعتماد الإجازات العلمية للمشتركين الذين كانوا من كل أرجاء العالم بكل ألوانهم وجنسياتهم وأجناسهم، كانت مسيرة شارك فيها الرجال والنساء، الشباب والشيب، جمعهم حب المصطفى، والرغبة في الاستماع لأحاديثه، والاقتداء بهديه.

كانت تجربة مميزة بحق، تجربة علمية إيمانية رائعة، ألفت فيها السماع  في طريقي للعمل ذهاباً وإياباً ، وألفته في الأوقات المخصصة للمشي، حيث  أدركت بعدها كم كنت في غفلة طويلة عن استعراض هذين الجامعين وجردهما مرة بعد مرة.

ولذا فما ان انتهيت من تلك الرحلة الجميلة حتى حدثت بعض أهلي، وحثثتهم على إدراك الركب، وتعاقدت معهم على المسير، ثم  ها أنا اليوم في الورد  65 من الجمع بين الصحيحين، فلا تسل عن السعادة التي تحدوني وأنا أعيد السماع مرة أخرى.

ديسمبر 09, 2019

البوابة الشاملة للتعليم الشرعي


تزخر الشبكة العالمية اليوم بعدد غير قليل من المواقع التعليمية الشرعية، تختلف في أسلوب تعليمها، ومدته، وتخصصاته، وحين يرغب الواحد منا أن ييدأ مسار التعلم عن بعد فإنه يصاب بالحيرة والارتباك، فلا يدري من أي يبدأ ، ولا في أي موقع يتعلم، كما أنه لا يدري عن الفروق بين هذه المواقع والمزايا لكل واحد منها .
هل يمكن أن تقوم جهة خيرية أو غير ربحية أو تجارية بإطلاق بوابة للتعلم الشرعي، تستوعب كل هذا الشتات؟
لا من خلال الاندماج فهذا دونه خرط القتاد، ولكن من خلال الربط مع تلك المواقع وتحليلها، وتصنيفها وفقاً للتخصصات، وللمدة، ووضعها على شكل باقات، وتحديد الفئة المستهدفة من كل موقع، وأسلوب التعلم، وغيرها من نقاط الفرز .
بحيث يتاح للطالب أن يحدد متطلباته، وشروطه، فتخرج له النتائج الأقرب، كأن يحدد مثلاً برامج قصيرة ( أقل من شهر) أو برامج متوسطة (3 إلى 6 أشهر) وبرامج طويلة ( سنة أو أكثر)، فتخرج له جميع النتائج التي تتوافق مع شرطه.
ويمكن له أن يضيف شرطاً متعلقاً بالتخصص أو شرطاً متعلقاً بالتفاعل، أو غير ذلك.
بل أفترض أنه يمكن للزوار تقييم تلك المواقع من عدة جوانب، بحيث يتاح للطالب معرفة إيجابيات وسلبيات كل موقع قبل الدخول فيه.

وإنني لأعتبر موقع ( booking) أنموذجاً يمكن الاقتباس منه وصنع البوابة بشكل يحاكي جملة من خدماته.

كما يمكن للموقع المقترح أن يحدد للطالب مسار التعلم الأنسب وفقاً لمستواه، فيحيله إلى الموقع رقم 1 لدراسة المقرر الفلاني، ثم الموقع رقم 2 لدراسة مقرر أو اثنين، ثم ينقله للموقع 3 ليواصل التخصص في المقرر الفلاني.

إن هذا الدور في حقيقته يمكن أن يكون من باب الدلالة على الخير، فله أجر كل الدارسين من خلاله، كما أنه سيكشف نقاط الفراغ، ويسعى لإقناع أصحاب تلك الموقع لسدّها، ولا يقوم هو بدور الآخرين فيتحول إلى موقع تعليمي لأن ذلك يفقده دوره الرئيس ويجعله في سياق المنافسين.

قال رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْر مِثلُ أُجورِ منْ تَبِعهُ لاَ ينْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا) رواهُ مسلمٌ.

فمن يعلّق الجرس؟

ديسمبر 04, 2019

فتاة الأريكة .. ( محاولة قصصية)

أهداني الاديب الاريب احمد العساف كتابا عن فنون الكتابة وآلياتها ..فتحمّست 😆
وقبل هبوطي من الطائرة بعشرين دقيقة حاولت البدء بكتابة جزء من قصة قصيرة مختبراً نفسي ..
وأحببت أن أضع هذه التجربة بين أيديكم لتشاركوني في التقييم .
--------------
لم يكن صوت وقع الحذاء ليزعج احمد الذي استلقى على تلك الأريكة الفاخرة في ردهة المنزل قبل مايزيد عن الساعتين بعد إجهاد وتعب كبيرين لقيهما في هذا اليوم الصيفي الحار من شهر آب اغسطس..
غير أن تعثر صاحبة الحذاء وسقوطها على ارضية الممر المؤدي للردهة سقوطا مدويا هو الذي جعل احمد يستيقظ فزعا.
إذ لم يكن في الدار إلا هو..
فزوجته وأبناؤه سافروا قبل يومين في رحلة سياحية مع أخوالهم كما يصنعون كل عام، ولن يعودوا قبل عشرة ايام غالبا.

نهض احمد من الأريكة واقفا مفزوعاً .. وهو يردد "بسم الله الرحمن الرحيم ... اللهم اجعله خيرا"..

ثم خطى  بوجل وتردد وبطء نحو مصدر الصوت.. بعد ان لمس بيده مفتاح الإضاءة إذ كان الممر آنذاك مظلما ..
وتفاجأ احمد بفتاة تبدو في العشرينات من العمر تتأوه وتشير اليه باشارات غير مفهومة ..

كانت الفتاة بيضاء طويلة، ذات شعر أسود فاحم، لم يكن مرتبا وكانت ترتدي ملابس قصيرة بدا انها ملابس نوم غير ساترة.
تردد احمد في السير نحوها ولم يكن يدرك يقينا اهو في حلم أم في حقيقة ..

لكن آهات الألم المتتالية الصادرة عنها بصوت منخفض وبكاؤها الذي  تحاول إخفاءه ازال كل تردد لديه.

اقبل عليها وجلس على ركبتيه عند رأسها وهو لايدري ماذا يصنع، ثم مد يديه اليها لتمسك بهما وهو يقول عسى الامر خير .  انهضي ..حمدا لله على سلامتك.. ارجو ان تكوني طيبة ..

تشبثت بيديه وهي تسعى لرفع جسدها الذي ظهرت عليه آثار الإعياء ولاحظ أحمد بعض الخطوط الحمراء على كتفيها ووجهها وكأنما هي كدمات من جراء ضرب تعرضت له ..

رفعت جسدها شيئا فشيئا وهو يقف معها تدريجيا ثم سار بها عبر الممر إلى المكان الذي كان مستلقيا فيه.. سارت معه وهي تجر قدميها جرا وتستند على كتفه حينا وعلى الحائط حينا آخر وهي تردد بصوت ضعيف تخالطه الدموع.. سس سارة سارة !

لاحظ احمد ان قطرات من الدماء كانت على ملابسها..


توقفت هنا عن الاكمال
____________
كانت مجرّد تجربة، لم أتمها.


نوفمبر 28, 2019

الرحيل الصعب .. سعد العريفي "صديق أبي"

في يوم الخميس 1 / 4 / 1441هـ توفي العمّ  / سعد بن سعود أبومالك العريفي - رحمه الله -، وصلى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع الملك خالد، و دفن بمقبرة شمال الرياض.

وكان الفقيد / سعد  العريفي - رحمه الله - صاحبا لوالدي (سعد بن محمد العوشن) منذ الطفولة، فرّقتهما الظروف والأحوال وظيفياً وجغرافياً فترة من الزمن، وجمعتهما المحبة والصلة والقرابة.

كما كان الفقيد -رحمه الله- كريما مضيافا لا يملّ ولا يكلّ من التواصل والدعوة للولائم في مزرعته وبيته.
وقد ‏اعتاد والدي -حفظه الله- على لقاء أسبوعي في مزرعة الفقيد كل ثلاثاء، حيث كان الفقيد يتصل كل مرة للتأكيد والتأكد من حضور أبي، ولم يكن سعد العريفي يترك هذا الاتصال إطلاقا سواء كان والدي حاضرا او مسافرا.

‏وبعد أن أجهده المرض، وتكرر عليه التعب، واحتاج إلى مزيد من الاهتمام والقرب من المستشفيات، انتقل من مزرعته بجوار المزاحمية (جو) إلى منزله في حي الخزامى، ونقل معه وليمته الأسبوعية التي يجتمع فيها جملة من الأقارب والرفاق.

‏وكان حسّ الطرافة والظرافة ملازما للفقيد -رحمه الله- في كل حالاته، فكنا نزوره في المستشفى في بعض المرات التي دخل فيها، فيهش ويبش، ويضحك، ويذكرنا ببعض مواقفه الطريفة مع الوالد او مع بعض الأقارب، فنخرج وقد أنسنا بلقياه، مع التعب الذي يعاني منه.

وكان يختم كل اتصال او لقاء بالتأكيد علينا لحضور هذه الوليمة أو تلك من المناسبات التي سيقيمها بعد خروجه من المشفى بأيام.

كما كان الفقيد في شبابه موظفاً بالمنطقة الشرقية، وحين توفي والده، طلب من مديره أن يوافق على نقله للرياض ليرعى أمه، وإخوانه وأخواته، فإن تعذر ذلك فإنه يرغب في الاستقالة، فكان أن وافق على نقله للرياض، فقام على شؤون أمه وإخوانه خير قيام، واعتنى بهم، واشترى بيتاً أسكنهم فيه، وبذل في ذلك حتى تيسرت أمورهم واستقلوا عنه.

ثم سافر في رحلة لطلب لقمة العيش إلى المنطقة الجنوبية حيث عمل فيها سنين طويلة، ولم يعد للرياض إلا حين كبر سنه واحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام والقرب.

‏ولأن الجزاء من جنس العمل فقد رزق الله الفقيد - رحمه الله- بعدد من الأبناء البررة الذين لا تكاد تفتقدهم في مزرعته ومنزله، يرحبون بضيوفه، ويتفقدون احتياجاته، وينظرون فيما يسعده، ويسافرون به إلى الأماكن التي تدخل السرور إلى قلبه، بل ويتفقدون أصدقائه الذين يعلمون أنه يفرح بمجيئهم.

‏وفي أيامه الأحيرة زاد عليه الألم والوجع، وكان يعطى مسكناً ومنوماً لتخفيف الآلام، مع ذلك كان يوصي ابنه المرافق له ويقول (يا ولدي ..احسب لي صلواتي) حرصاً على أن لا تفوته أي صلاة.

 رحمك الله يا أباخالد، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، ورفع درجاتك في المهديين، و اخلفك في عقبك في الغابرين.

وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا سعد لمحزونون، ولا نقول إلا مايرضي ربنا..
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد بن سعد العوشن
الرياض 2 / 4 / 1441
@bin_oshan



تتمة ذات صلة : 
بقي أن أشير هنا إلى أن مبدأ هذه العلاقة بين سعد العريفي (أبوخالد) وسعد بن عوشن (أبوحسان)، وهو العلاقة الوثيقة جداً التي كانت تربط بين أمهاتهما نورة بنت سعد العريفي ، رفعة بنت إبراهيم العوشن، فقد كانتا متجاورتين في المسكن ونشأت بينهما صداقة قوية في عصر كانت الحاجة والفاقة فيه شديدة، وكانت كل واحدة منهما تفزع للأخرى في كل ما ينوبها.
وأنجبت كل واحدة منهن ولداً اسمه سعد، وكعادة القرى والريف، يتم إطلاق الألقاب على الأطفال للتمييز بينهم، فقامت جدتي رفعة - رحمها الله - بالتشكّي لصديقتها من اللقب الذي لحق بابنها (والدي) فقالت نورة العريفي ( والدة سعد ابومالك) : ابشري يارفعة، هذا اللقب سيكون لابني وليس لابنك وانا كفيلة بنقله عنه وتلبيسه لابني ، وفي اثناء لعب الصبيان بجوار بيتها خاطبتهم وقالت لهم : يا عيال .. سأعطيكم طعاماً تأكلونه، لكن ذلك مشروط بشرط، فقالوا : موافقون، فما هو؟ قالت أن تكفوا عن إطلاق هذا اللقب على ابن عوشن، وتطلقونه على ابني سعد ففرح الصبيان وطبقوا الشرط، فبقي اللقب مخصوصاً به حتى وفاته، بل انتقل إلى كل أحفاده الذين حملوا اسمه (سعد).
وكانت هاتان الصديقنات الحميمتان تتزاوران طيلة حياتهما رغم كبر سنهن وضعفهن ومرضهن.
وكانت هذه العلاقة سبباً في نشوء علاقة قوية بين كلتا العائلتين ولازالت العلاقة في قوة ومتانة وتوسع بحمد الله.

نوفمبر 26, 2019

ملاحظات مهمة .. لما قبل الحوكمة

تتحدث بعض التقارير عن “البنك الدولي” وأنه يعاني من “الفساد”، وفي الوقت الذي يطلب فيه البنك من حكومات العالم محاربة الفساد وترشيد الإنفاق، فإنه يمنح رواتب عالية (جداً) لموظفيه، بما تبدو معه أكثر حكومات العالم فساداً في حكم المتقشف، فيتقاضى رئيس “البنك الدولي” راتباً يبلغ 120% من راتب رئيس الولايات المتحدة، كما يمنح البنك لموظفيه بدلات سخية جداً، وإجازات سنوية طويلة جداً! وقريب من ذلك ما يقوم به “صندوق النقد الدولي” و”هيئة الأمم المتحدة” وعدد غير قليل من منظماتها، ففي كل بلد تحل فيه تلك المنظمات تتكشف الأمور عن حالات فساد واسع النطاق باسم العمل الإنساني.

كما أن حالات فساد واسعة النطاق تتم في البنوك المركزية في دول العالم!  مع أنها المؤسسات التي يفترض أن تكون الأكثر حوكمة، فمن فضيحة فساد بطلها محافظ البنك المركزي المصري، وتقرير يثبت إهدار ما يتجاوز 11 مليار جنيه بالبنك العربي الأفريقي والمصرف العربي الدولي، إلى خبر هروب المتهم الرئيسي في قضية فساد البنك المركزي الإيراني ” سالار أقاخاني” خارج البلاد، إلى خبر بعنوان عريض عن   17  شبهة فساد في عمل البنك المركزي العراقي، وقضايا تهريب مليارات الدولارات إلى خارج العراق، مروراً بخبر عن إيقاف خمسة من موظفي البنك المركزي التونسي، بشبهة فساد وتبييض أموال، والأخبار في هذا السياق أكثر من أن تحصر، إذ ما إن تموت قضية فساد حتى تنكشف أخرى.

ولسائل أن يسأل سؤالاً بريئاً: أين هي إجراءات الحوكمة التي تضبط العمل، وتضمن الوقاية من وقوع الفساد في “منظمات دولية” و”مؤسسات عابرة للقارات” و”مؤسسات مالية كبرى”؟ أين تأثير ذلك الضجيج باسم “الحوكمة”؟

إن  الحماية من الفساد– من وجهة نظري- يجب أن لا تعتمد على الإجراءات واللوائح والتنظيمات وحدها، بل يكون الأساس في ذلك هو اختيار “القوي الأمين” مع إيلاء الأمانة اهتماماً أكبر، على أن تكون التنظيمات واللوائح والأدوات أدوات تكميلية، ذلك أن الاكتفاء بالقوة والمعرفة والخبرة مع تقليل أهمية (الأمانة) و (الموثوقية) يسبب خللاً كبيراً في العمل.

وقد جاء القرآن واضحاً جلياً في إعطاء موضوع “الأمانة” أولوية عالية، واعتبرها أحد أهم عوامل الاختيار للولايات، لذا جاء في حال الفتاتين اللتين سقى لهما موسى عليه السلام، فحدّثتا والدهما فقالتا له: (… يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، وفي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وحديثه إلى عزيز مصر قائلاً: (… اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).

وحين  استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللُّتْبيَّة على صدقة، ثم قدم ومعه الأموال والأمتعة، أخذ يفرزها ويقول: (هذا لكم، وهذا أُهدي لي)، فقام النبي صلى الله عليه وسلم  فصعد المنبر ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي! فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرةً لها خوار أو شاةً تيعر) ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه وقال (ألا هل بلغت ) ثلاثاً.

ولم يكتفِ بذلك بل قال صلى الله عليه وسلم: (مَن استعملناه منكم على عمل، فكتَمَنا مخيطًا فما فَوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (هدايا العمال غلول).

فموضوع “الأمانة” كان ولا يزال مهماً جداً في عملية الاصطفاء والاختيار، إذ يتكئ المنهج الإسلامي على “الضمير” و”الذمة” وتحمّل المسؤولية، ويعوّل على المراقبة الذاتية في الكثير من أحكامه وتشريعاته، ويعتمد بشكل واسع على تحميل المرء المسئولية الكاملة عن أفعاله وتصرفاته، سواء علم بها الناس أم لم يعلموا.

وهذه المفاهيم الروحانية والإيمانية غائبة تماماً عن الثقافة الغربية الرأسمالية التي تعصف بالعالم اليوم، حيث الاعتماد على الأدوات والأنظمة واللوائح فحسب، وهي الأنظمة التي تعتمد بشكل كُلّي على الرقيب البشري والنظامي، فلا عجب أن يحدث هذا الخلل الكبير.

وليس عجيباً أن تغيب هذه المفاهيم الإيمانية عنهم، فيضطرون إلى اللجوء للمتاح من الأدوات التي قد تضبط الأداء، لكن العجب لا ينقضي ممن اختصهم الله بهذا الدين، وعلّمهم أن رقابة الله أعظم من كل رقابة، وأن مع المرء ملائكة تقيّد كل أقواله و أفعاله، وأن (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، ومع ذلك يتجاهلون ذلك الواعظ العظيم، ويتغافلون عن أهمية إحياء الضمائر، وتزكية النفوس، وتنمية وتعظيم الخوف من الله، باعتباره الوازع الحقيقي الذي يمنع من الوقوع في المخالفات، والتجاوزات والفساد حتى وإن وجد المرء ثغرة في النظام، أو غفلة من الرقيب، تتيح له السرقة، أو التجاوز.

ما أريد أن أؤكد عليه في نهاية حديثي هذا أنني لست أزهّد في أدوات الضبط والحوكمة والرقابة والشفافية، غير أنني ألوم الذين يبالغون في تضخيم هذه الأدوات، ويحسنون الظن بها، ويتوهمون بأنها – وحدها – كافية في تحقيق الضبط، فينقلونها كما هي، ويغفلون أن العامل الأكثر أهمية وتأثيراً وضماناً ليست الحوكمة، بل اختيار “القوي الأمين”.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

نوفمبر 26, 2019

اسأل دوماً عن موقف الرجل النبيل!

في صباح يوم صيفي جميل، وقع في يدي كتاب “الرجل النبيل” للشيخ علي الفيفي، حفظه الله، فبدأت أقرأ الكتاب، وإذ بي أشعر أني أنتقل من مكاني، وأعيش مع المصطفى ﷺ في أحواله المختلفة، في رضاه وغضبه، في شدته ولينه، في بيته و مجتمعه، وقد حلّقت مع تلك المواقف كثيراً، ثم تأملت حال المسلمين اليوم، ومدى قربهم وبعدهم من هديه، وأيهم أكثر شبهاً بفعاله ﷺ..

ذلك أن الإسلام كان –ولا يزال- نقياً طاهراً واضحاً رغم كل جهود التشويه والتلبيس، فالله تعالى قد أكمله للناس (اليوم أكملت لكم دينكم) وحفظ كتابه من التحريف كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) وأخبرنا ﷺ بأنه قد تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك (كتاب الله وسُنتي)، وبموجب ذلك فالدين واضح جلي لا يحتاج لمجادلات طويلة لإيضاحه متى صدقت النية في السؤال عن الحق والبحث عنه.


غير أن جملة من المنتسبين للإسلام اليوم قد انخرطوا في مناهج وسبل مختلفة منحرفة عما جاء به الدين، ولم يكتفوا بذلك، بل زعموا أن ما هم عليه من زيغ وضلال هو “الإسلام”، والإسلام من صنيعهم براء.

فاتخذ بعض أولئك من “الغلو والتشدد” منهاجاً، فضيّقوا الواسع، وحرّموا الحلال، وأخذوا الناس بالشدّة والقسوة، وزعموا أن هذا من قوة الإسلام وشدة بأسه.

ومن تأمل في أفعال أولئك، وأفعال “الرجل النبيل” ﷺ وأقواله وسيرته، سيدرك حجم انحرافهم وبعدهم عنها.

كما أن جملة من المنتسبين للإسلام قد اتخذوا من “الانحلال” والتفلُّت من شرائع الإسلام مسلكاً وسبيلاً، وزعموا أن هذا هو الإسلام ببساطته ويسره وسماحته..

ومن تأمل في أفعال أولئك، وأفعال “الرجل النبيل”  ﷺ وأقواله وسيرته، سيدرك حجم انحرافهم وضلالهم كذلك.

والحقيقة أن هؤلاء وأولئك كاذبون في نسبة أفعالهم الذميمة والمنحرفة إلى الإسلام، وهم مفترون على دين الله، قد لبّس عليهم الشيطان وأغواهم وأضلهم عن الصراط المستقيم، فتركوا منهاج المصطفى ﷺ وراءهم ظهرياً، واتخذوا من رغباتهم وميولهم ديناً لهم، فضلوا سواء السبيل.

إن مراجعة سيرة الرجل النبيل ﷺ والاقتداء به، واتخاذ أقواله وأفعاله منهاجاً، واعتبارها مقياساً للصواب والخطأ من شأنه أن يضبط مسيرتنا، ويعيد توجيه بوصلتنا الشخصية والمجتمعية، ولذا فواجبنا تجاه كل سلوك جديد، وأسلوب حادث، ونازلة مستجدة، وفي ظل التضليل الإعلامي الكبير الذي يغمر الأرض اليوم وفي ظل قيام المتطرفين من (المتشددين) و(المتحللين) بجهود كبيرة للترويج لباطلهم من خلال نسبة هذه المواقف والأفعال إلى الإسلام.

نحن بحاجة إلى أن نطرح هذا السؤال السهل اليسير، والعظبم في الوقت ذاته:

لو كان رسول الله ﷺ معنا اليوم، أكان يرضيه هذا الصنيع ( التشدد أو التفلّت)؟ أكان يشارك فيه؟ أكان يجيز للناس فعله؟ أكان يوصون الناس به؟ أكان يباركه؟

وإنني لأجزم أن الإجابة الصادقة على هذه التساؤلات ستكشف عن موقف الإسلام من هذه الأعمال بشكل واضح جليّ.

إن دين الإسلام الحق ليس مجرّد ادعاءات ومزاعم ومسميات وأشكال، ولكنه الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد التام لأمر الله، والرضوخ لحكم الله.
 إنه – في حقيقته – مخالفة النفس والهوى وقبول قول الله دون تردد (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا).
إنه تحكيم شرع الله المطهر، وزوال الحرج من النفوس تجاه أحكام شرع الله، وهو التسليم التام لهذه الأحكام الشرعية سواء رضي الناس عنها أم سخطوا، وهذه حقيقة “الإسلام” كما نزل على محمد، ذلك هو الإسلام، وذلك هو منهج الرجل النبيل ﷺ الذي أمرنا باتخاذه قدوة، وطلب منا أن نسير على خطاه، لأنه (لا ينطق عن الهوى)، جعلنا الله جميعاً من أتباعه.

دمتم بخير ،،،



محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 28, 2019

عن المؤتمرات .. مرة أخرى

تحدثت في مقالة سابقة عن الملتقيات والمؤتمرات التي ينفق عليها الكثير، وهي لا تحقق الكثير! وهو حديث ربما لم يرق للبعض، لكنها وجهة نظر أرى أن الأيام والليالي تزيدني قناعة ويقيناً.
ولأن أحد الشبهات التي تتردد على المسامع (أن من أهم فوائد المؤتمرات والملتقيات تكمن في اللقاءات الجانبية والتشبيك أثناء الانعقاد)..

فإنني أود الإشارة إلى أن هذه الفائدة (المزعومة) تحصل تبعاً لا استقلالاً، كما أنها فائدة تخضع لطبيعة الحضور ومدى قدرتهم وحرصهم على القيام بهذا النشاط الجانبي، فليست متحققة بالضرورة، كما أنها لو كانت هي الهدف الأهم فإنها لا تتطلب كل هذا الإنفاق الضخم من أجل تحقيقها.

فإذا كان الهدف من المؤتمر والملتقى أن يتم جمع المهتمين والعاملين في مجال ما من أجل الإثراء المتبادل، والحوار الثنائي، ومناقشة التجارب، فإن أسلوب عقد المؤتمرات بصورته الراهنة لا يخدم هذا الأمر، ولا يشجع عليه، وأحياناً لا يمكّن منه، فالجدول مزدحم بأوراق العمل المتكاثرة والمتتالية، وأوقات الراحة المحدودة في فترة المؤتمر، فضلاً عن عدم وجود القاعات والجلسات الصغيرة المجاورة التي يمكن الاستفادة منها في هذا الأمر، وعدم وجود قاعدة بيانات بالحضور ووسائل التواصل معهم مسبقاً ليتاح للمشاركين فعلاً سهولة التواصل والتشبيك، وهي تدل على أن التشبيك فائدة غير مقصودة أصلاً!

ومن هنا فإنني أدعو الجميع إلى إعادة المراجعة والتأمل والدراسة لمدى أهمية إقامة الملتقى والمؤتمر فعلياً قبل اتخاذ القرار بإطلاقه، إذ يجب أن يكون الهدف من المؤتمر واضحاً جلياً، وأن تكون الشريحة المستهدفة واضحة كذلك، وأن نتأكد أن هناك ثماراً كثيرة لا يمكن تحققها إلا بعقد المؤتمر، وأن يكون لدينا الجرأة والشجاعة على إيقاف وتأجيل أو اختصار أو إلغاء المؤتمر حين يبدو أن حجم ونوع الأوراق المطروحة لا ترقى إلى أن تقدّم شيئاً ذا بال.

وأخيراً فإن التقنيات الحديثة اليوم قد قلبت المعادلة، وغيّرت الأساليب، فجمع الناس من أماكن متفرقة وبلدان متنائية، وجلوسهم في قاعات واسعة، ووجود منصة يصعد عليها المتحدثون، والسفر لأجل الحضور بكل معاناته، وتكاليفه، بات أسلوباً تقليدياً قديماً، فالتقنية – اليوم- قد أتاحت أن يتواصل الناس بشكل مسموع ومرئي عن بعد، وأن يتمكن مقدمو أوراق العمل من الحديث وهم في أقصى الأرض، كما أن التقنية أتاحت أن يستمع ويشاهد تلك المادة في الوقت ذاته ألوف الأشخاص بل مئات الألوف، مع تكلفة منخفضة، ومرونة في الوقت، وقدرة على إدارة التعليقات والتعقيبات، بالإضافة إلى أرشفة تلك المواد وإتاحتها للمستفيدين عند رغبتهم في سماعها أو العودة إليها لاحقاً.

لذا أتمنى :

أن أرى تقلصاً للمؤتمرات والملتقيات الحقيقية، وأن يكون التوجه إلى المؤتمرات والملتقيات الافتراضية،

 وأن يتم في الوقت ذاته عقد لقاءات التشبيك والتواصل بشكل يحقق نقل الخبرات وتبادلها، 

وأن يتم تقييم أوراق العمل بشكل حازم يستبعد بموجبها كل ورقة لا ترقى لأن تأخذ أوقات الحاضرين، وجهدهم، 

وأن يتم بكل بساطة تأجيل أو إلغاء المؤتمر أو تقليل جلساته أو اختصار وقته دون أي تحرّج من ذلك، 

وكلي أمل ورجاء أن يكون ذلك معلماً واضحاً مشاهداً في قادم الأيام.
دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
@bin_oshan
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

_______________________

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 17, 2019

أقولها بصراحة :لا ملتقى .. لا مؤتمر !


 في كل عام، وفي كل مدينة، وفي كل جهة، تنطلق جملة كبيرة من الملتقيات والمؤتمرات التي تبدأ ولا تنتهي، فمن مؤتمر إلى آخر، ومن ملتقى إلى الذي يليه، فهذا الملتقى الأول، وذاك المؤتمر الأكبر، وهذا الملتقى الأوسع، وهذا المؤتمر المتخصص.. في سلسلة لا تكاد تنتهي، وفي شتى المجالات..
وحين ينتهي الملتقى والمؤتمر، فإن جهود الجهة والقائمين عليها تتوجه مباشرة إلى التفكير في الملتقى التالي، ولهذا يقترن اسم المؤتمر والملتقى بالرقم، وتتحول إقامة المؤتمر من مبادرة ذات هدف واضح جليّ – أحياناً- في بداية الأمر إلى واجب يجب القيام به سواء كان هناك شيء جديد يوجب إقامته أم لا، وتتحول مهمة اللجان العلمية للبحث بكل الطرق عن أي ورقة عمل يمكن أن تملأ بها أوقات المؤتمر.

ووجدت أن كثيراً من الجهات ترى أن من المعيب أن يتوقف اللقاء بعد سنوات من انطلاقه، مع أنني أرى أن شجاعة “الإيقاف” و”الإغلاق” لا تقل أهمية عن شجاعة “البدء” و” الإطلاق”

ورغم أني قد حضرت عدداً غير قليل  من الملتقيات والمؤتمرات المتنوعة الموضوعات، من التعليم، إلى التقنية، إلى الإعلام، إلى العمل الخيري، داخل المملكة وخارجها، إلا أنني وجدت – وبشكل واضح جلي- أن كثيراً من تلك المؤتمرات والملتقيات رغم كل تكاليفها العالية ( المالية، والبشرية، والزمنية) فإن جملة كثيرة منها – من وجهة نظري الخاصة – قليلة الإضافة، ضعيفة التأثير، محدودة الفائدة، فالساعات تمضي والقاعات تمتلئ بالحضور الذين تركوا أعمالهم ومهامهم (الأهم) طلباً للفائدة، كما أن المؤتمر يتطلب أحياناً سفراً وسكناً وتنقلات ووعثاء وجهداً، تضاف تلك التكاليف إلى تكلفة اللقاء ذاته خصوصاً مع كثرة المشاركين.

وتلك اللقاءات والمؤتمرات التي أتحدث عنها هنا وإن تقاربت في ضعف مخرجاتها وقلة فوائدها، إلا أنها متباعدة في الجهات التي تقوم بها، ومصادر تمويلها، وطبيعة الحاضرين إليها، ومع ذلك فكثير من الموضوعات المطروحة لا تقدم جديداً، وإنما هي تكرار للكثير من الأدبيات المنشورة سلفاً، والتي لا ينقصها العناوين المثيرة الجذابة التي تظن أن من ورائها محتوى جاذباً كذلك، وإذا هي مما يصدق فيه قول القائل (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه).

أما التوصيات الصادرة عن تلك المؤتمرات والملتقيات، فهي مجرد (بروتوكول) يتم فعله لأن الآخرين فعلوه، ولأنه لا يصلح أن يعقد مؤتمر دون توصيات!، لذا فهي توصيات لم يتفق عليها أحد، ولم تناقش بشكل جماعي، ولا تعدو أن تكون أمنيات ومقترحات من بعض مقدمي أوراق العمل، أو بعض القائمين على المؤتمر، يتم كتابتها وارتجالها على عجل، دون أن تكون مدروسة فعلاً، ويتم اختتام المؤتمر بقراءة تلك التوصيات على الجمهور باعتبارها انتصاراً ونجاحاً عظيماً، ثم تذهب تلك التوصيات أدراج الرياح مع خروج آخر الحضور من القاعات الفندقية الفخمة.

وختاماً .. فإن ما ذكرته هنا يعبّر عن وجهة نظري (الخاصة) حول الملتقيات والمؤتمرات، وأتقبل بصدر رحب اختلاف الكثيرين معي، وأن يكون هناك وجهات نظر مختلفة، وجوانب للمشهد مختلفة كذلك، ولأنني لا أعمم تلك الأحكام على (كل) الملتقيات والمؤتمرات، فإنني حضرت ولا زلت أحضر عدداً منها إن غلب على ظني الاستفادة من الأوراق أو مقدميها أو من المشاركين، خصوصاً لمن جرت العادة أن فريق العمل في إعدادها يحرص على رفع مقاييس الجودة فيما يطرح.

وللحديث صلة في مقال قادم بإذن الله، دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هنـــا

يوليو 23, 2019

بيني وبينك : لا تنضبط في المؤتمر!

تحفل كل بلاد الدنيا بعدد غير محدود من المؤتمرات والملتقيات وورش العمل والندوات التي لها أول وليس لها آخر، وتنعقد تلك الفعاليات على مستوى محلي وإقليمي ودولي، وتحرص كل جهة على أن تضع عناويناً براقة تلفت أنظار الناس للفعالية، وترغّبهم في حضورها.
لهذا تجد عدداً من العبارات التسويقية والتشويقية في المطبوعات والإعلانات الخاصة بهذه الفعالية، مثل:( المؤتمر الدولي الأول - أكبر ملتقى يجمع .. - أضخم فعالية في تخصص..- بمشاركة خبراء دوليين، ينعقد مؤتمر ...).
ويقع المرء في حيرة من أمره تجاه ما يفعله تجاه هذه الدعوات التي لا تنتهي، والتي قد تلامس شيئاً يسيراً من اهتمامه، وقد لا تلامس.

ومن هنا جاءت هذه التدوينة من خلال معايشة ليست قصيرة لأمثال هذه الفعاليات، في جملة من التوصيات..

أولا: لا تحضر!
الفعاليات والملتقيات والمؤتمرات عن أي موضوع ليست اختراعاً لا يقبل التكرار، ولا تخشى فوات شيء منها، فكل موضوع من هذه الموضوعات المطروحة تكرر الحديث عنه أو سيتكرر، فليست - في أغلب فقراتها – أمراً نادراً، ولا سراً يتم إفشاؤه لأول مرّة فاطمئن.

ثانياً : شاهد عن بعد!
عدد غير قليل من هذه الفعاليات يتم توثيقها ونشر ذلك لاحقاً وإتاحته للعامة من خلال مواقع الجهة أو معرفتها أو حسابها في اليوتيوب، بل ويتم مؤخراً بث تلك الفعاليات بالصوت والصورة وبشكل مباشر أثناء انعقاد الفعالية، فلا يوجد ما يجبرك على ترك أعمالك، أو الدخول في دوامة الزحام ذهاباً وإياباً، ويمكنك متابعتها عن بعد حين تريد.

ثالثاً: للعاطلين!
مالم تكن تشكو من الفراغ القاتل، فليس هناك ما يدعوك لحضور أي مؤتمر أو ملتقى أو ندوة يتم عقدها هنا أو هناك.. ولتعلم أنك لو أمضيت كل عمرك في حضورها لما استطعت الإحاطة بها، فلا تقلق بشأن فوات الكثر منها.

رابعاً : حالات الحضور الاستثنائية؟
يكن الحضور للفعالية مطلوباً ومبرراً حين تلامس الموضوعات المطروحة احتياجاتك، سواء بموافقتها لشغفك وميولك واهتماماتك، أو موافقتها لوظيفتك ومهمتك وعملك، فحينها يكون الحضور مثمراً في بعض الأحايين حين يوفق منظم الفعالية لاختيار الضيوف الأكفاء، والعرض المميز.

خامساً : الحضور للتشبيك والتشخيص!
يمكن الحضور للملتقى الذي لا يلامس احتياجك، حين يكون لك هدف آخر من الحضور، وهو إقامة الصلات وتوثيق العلاقات والبروز لدى المهتمين، فيكون حضورك حينها لمجرد التشبيك وبناء العلاقات فحسب، وهذا يقتضي منك اختياراً أمثل لمكان جلوسك، ولطبيعة مداخلاتك، ويتطلب منك اصطحاب كروت العمل الشخصية التي تعرّف بك.

سادساً: لا تكن منضبطاً!
حين تحضر أحد هذه الفعاليات فلا يوجد ما يجبرك على الالتزام بحضور (كل) فقرات البرنامج المعدّ سلفاً، فالذي يدخل مكتبة عامة ليس ملزماً بقراءتها وفق تصنيفها بل وفق ما يريد، وفي الفعاليات احضر ما تميل إليه نفسك، وما تتوقع أن يحقق لك هدفك من المشاركة، وأما في الفقرات التي لا تروق لك، سواء بسبب موضوعها، أو مقدميها، فيمكنك – بدون أي تأنيب للضمير- أن تخرج من القاعة لتشرب الشاي أو تتحدث مع الرفاق! لكنني أوصي باستعراض جدول الفعالية قبل الحضور، وتحديد الفقرات التي ستحضرها، والتي لن تحضرها، ومن المهم -في الوقت ذاته- أن تحدد آلية استفادتك من الأوقات البينية التي ستتغيب عن الحضور فيها، وهذا ربما يدفعك لترتيب مواعيد لقاءات أو اجتماعات أو اصطحاب كتب أو ملفات للاطلاع عليها.
دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

يوليو 15, 2019

البرّ الأعمى !

 وصف النائب الأمريكي كلو دبير ذات مرّة وضع المسنين في أمريكا بأنه (عارٌ وطني مرعب) وذلك تعليقاً على دراسة لجنة من مجلس النواب الأمريكي عن وضع المسنين في بلادهم، التي أفادت بأن أكثر من مليون مسن ومسنة ممن تجاوزت أعمارهم 65عاماً يتعرضون لإساءات خطيرة، فيتم ضربهم وتعذيبهم عذاباً جسدياً ونفسياً، كما تتم سرقة أموالهم من قبل ذويهم.


وفي بريطانيا تلقت الشرطة ما يزيد على 22 ألف شكوى من والدين ضد أبنائهم خلال عام واحد!

ويتحول كثير من كبار السن في الغرب إلى دار العجزة والمسنين ليقضوا بقية حياتهم هناك، ويموتون بعيدين عن كل قريب.

والنموذج الأمريكي والبريطاني موجود ومتكرر في باقي الدول الغربية؛ إذ يخرج الشاب والشابة منذ بلوغهم الثامنة عشرة عن كنف والديهم، ويفقد الوالدان السيطرة على تصرفاتهم أو الإشراف عليهم، ويقتصر التواصل بينهم على أقل القليل، فربما احتفل الواحد منهم بعيد الأم، أو عيد الأب، ويقوم من كان منهم باراً بإرسال بطاقة تهنئة ومعايدة أو هدية يسيرة أو باقة ورد لهما في عيد ميلادهما، وربما وضع – كل بضعة أعوام – باقة من الورد على قبريهما.

ولهذا فما نعايشه في مجتمعنا المحلي – خصوصاً – من صلة بين الأولاد والآباء، وبر وإحسان واحترام وتقدير وإجلال، هو شيء مستغرب في الثقافة الغربية، وخصوصاً حين ترى الطاعة التامة لأوامر الوالدين وإعطائهم الاهتمام والاحترام اللائق بهم، ومراعاة رغباتهم، والانصياع لتوجيهاتهم حتى وإن خالفت رغبات الأولاد.

وليس غريباً أن تسود مظاهر البرّ بالوالدين في مجتمعنا، ذلك أن برهما والإحسان إليهما أمر أوجبته الشريعة؛ وهو المتوافق مع الفطرة السليمة، فهما كانا – بعد الله – سبب في وجود المرء، كما أنهما ربياه منذ كان صغيراً حتى بلغ هذه السن، وعلماه، وأطعماه، وأسقياه، وعالجاه، وكانا سنداً له في كل حين.

ويلاحظ أن (اللين واللطف، والاحترام والتقدير، والطاعة) هي أبرز ألوان البر المنصوص عليها في نصوص الشريعة، فلم تأت الأدلة بمجرد الطاعة فحسب، فجاءت الآية الكريمة بالنهي عن التأفف، ومن الخصومة معهما، ولما رأى النبي ﷺ رجلاً ومعه غلام، قال للغلام: (من هذا؟) فقال: أبي، فقال له ﷺ:(فلا تمش أمامه، ولا تستسب له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه).

غير أن الملاحظ – في السنوات الأخيرة – أن ثمة ظاهرة سلبية آخذة في الانتشار، وهي انصراف عن أوجه البر الحقيقية المذكورة، وانشغال ببعض مظاهر البر السطحية، فيفرّط الأولاد في القيام بحقوق الوالدين، وطاعتهما، ويتأففون من خدمتهما، وربما رفعوا الصوت عليهما، فضلاً عن الانشغال التام – بحضرتهما – بالجوالات الذكية، ووسائل التواصل، فيكون الولد معهما بجسده دون روحه وقلبه، ويشعر الوالدان في فترات اللقاء التي تباعدت وقلّت بأنهما يعيشان في عزلة عن الأولاد، فلا يستمعون لأحاديثهما، ولا يجدان من يخبرانه بمشاعرهما، وقصصهما، واحتياجاتهما.

وفي الوقت ذاته تجد أن أولئك المقصرين في البر الحقيقي منشغلون ببعض الفعاليات والحفلات المؤقتة لهما، وبالتغريد عن فضلهما، ومسيس الحاجة إليهما، وبوضع خلفيات الجوال وحالاتهم في برامج التواصل مذيلة بالدعوات لهما، أو بأنهما في القلب، مع تقصيرهم الكبير في البر الفعلي؛ وهو ما يمكنني أن أصفه بـ(البر الأعمى).

إن البرّ بالوالدين – يا سادة – ليس فعالية مؤقتة، ولا حفلة مكلّفة، ولا حملة إعلامية، ولا تظاهراً أمام الناس بالبر، ولكن البر الحقيقي الذي يمكن التعويل عليه هو تحقيق رضاهما فعلياً، وأن تكون مصدر سعادة وبهجة وفرح لهما، وألا تجدهما غاضبين بشكل متكرر من صنيعك أو قولك أو تفريطك وانشغالك.

كما أن من البر بهما أن تسأل عنهما، وتلبي احتياجاتهما، وتبتسم في وجهيهما، وألا تتركهما يقومان بأعمال البيت بمفردهما، وألا تشغلهما بتفاصيل همومك ومشكلاتك ما لم يكن ذلك بهدف أخذ رأيهما أو إشعارهما بأهميتهما، وألا تجعلهما يكتمان عنك طلباً أو يترددان معك في أمر خشية من ثورة غضبك عليهما.

وما أحوجك إلى أن تراجع كل فعل أو قول تقوم به تجاههما، أو تتركه لأجلهما، وتنظر فيه إلى موقعه من (اللين واللطف)، و(الاحترام والتقدير)، و(الطاعة) لتقيّم برّك بهما، وهل هو من البر الحقيقي أم من البرّ الأعمى.

جعلنا الله وإياكم من أبر الناس بوالدينا، دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

يوليو 01, 2019

في عالم الإنترنت : ثمّة خطّابات ونصّابات!

 تحفل مواقع الإنترنت وشبكات التواصل بالمعرفات الموسومة بأنها "خطّابة"، فتجد هذا الاسم منتشراً في تويتر، وانستغرام، وتيلجرام، ومنتديات الإنترنت، وصفحات الفيسبوك، بل حتى في شبكة LinkedIn للتوظيف!
كما يتبادل الناس فيما بينهم أرقاماً لخطابات مختلفات، ويروون تجاربهم في ذلك بارتياح حيناً، وبارتياب وذم أحياناً كثيرة أخرى.
وبينما تقوم بعض الخطابات بالتوفيق لكل راغبي الزواج، تقوم خطابات أخريات بالعمل التخصصي! فثمة خطابات للمسيار، وللزواج المعلن، وخطابات للتعدد، وخطابات لجنسية أو مدينة محددة، وخطابات عابرات للدول والقارات!، وتضع الخطابة غالباً رقم جوالها من أجل التواصل المباشر معها للحصول على المزيد من المعلومات وترتيبات التحويل البنكي، وأي تفاصيل يجب ألا تقال على الملأ!

اشتراطات ــــــــــــــــــــــــــــ

كما تشترط كثير من الخطابات أن يتم إيداع مبلغ مالي تحت مسمى "عربون" لإثبات الجدية – كما يقلن- ويجعلن المبلغ الكامل والمكافأة على جهدها بعد الانتهاء من التحليل الطبي، أو بعد إتمام عقد الزواج، حيث تشترط أكثرهن أن يكون الدفع من الرجل والمرأة على حد سواء، وتتراوح المبالغ المأخوذة ما بين 500 ريال و5000 ريال غالباً، وقد يزداد المبلغ حين يكون لدى الخاطبة عرضاً مميزا أو كما يسمى : "لقطة" رجلاً كان أو امرأة .

ممارسات ــــــــــــــــــــــــــــ

كما تقوم الخطّابات في الكثير من الأحيان بتزيين وتزويق المخطوبة - كما يقول المتعاملون معهن- فيجعلونها درة زمانها التي لم تكتشف، وحسناء بلادها التي لم تعرف، وينسجن لها من الصفات والمزايا والخصائص ما يجعل الخاطب يشعر أنه أمام صيد ثمين ومكسب كبير، وأنها ربما تكون فرصة العمر للظفر بهذه الفتاة الكاملة!، ويفعلن ذلك تجاه الرجل الخاطب فيقمن بتزيينه للفتيات جمالاً ولوناً وشعراً ومالاً وأخلاقاً وغير ذلك.
ولا تتورع الخاطبة عن أخذ المبالغ المالية على جهد أيسر من اليسير، حيث أن كثيراً من تلك الخطّابات لا تقوم بجهد يذكر، والمتميزة منهن من تضع جدولاً إلكترونيا مبسطا تكتب فيه المعلومات والصفات والمتطلبات، ثم تربط الخاطب بالمخطوبة أو بوليها، وتترك الأمر بينهم، دون جهد حقيقي في الاستيثاق، فإن توافقوا فيما بينهم طالبتهم بإيداع مخصصها المالي في حسابها دون تأخير، بل تجدهن يطالبن بتكرار الطلبات مما يوحي بأنهن لا يقمن بالتسجيل بل يعتمدن على الذاكرة فقط.
ولا تخلو حسابات الخطابات من صور رسائل المستفيدين ( سواء كانت حقيقية أم ملفقة) والتي تشيد بمصداقية الخاطبة وحسن بلائها، وتتحدث عن السعادة التي غرق فيها الرجل مع الزوجة الرائعة التي جاءت له بها (الخطابة أم فلان).

وسائل التوفيق ــــــــــــــــــــــــــــ

ولست هنا بصدد التنفير من الخطابات، ولا تشويه صورتهن، لأنني كنت - ولا زلت - أرى أن تعدّدّ وسائل التوفيق بين راغبي الزواج، وتيسيرها، وتكثيرها أمر في غاية الأهمية، لإن جزءاً غير قليل من العنوسة اليوم ناشئ عن فقدان التواصل المجتمعي بين الناس، والتحول من العلاقات المجتمعية المتداخلة – سابقاً - إلى العوائل الصغيرة جداً اليوم، وأن الحاجة ماسة إلى تعويض ما نراه اليوم من فقدان للتواصل السابق بين العائلات المختلفة واستبداله بالتواصل الإلكتروني، مما أثر سلباً على طبيعة ونوع وحجم العلاقات المجتمعية، ومن هنا فدور "الخطّابات" في الأصل دور مهم، حتى وإن لم تكن الممارسة العملية بالشكل المطلوب.

ليست خطابة ــــــــــــــــــــــــــــ

ومع أهمية وجود (الخطابات) فإنني في الوقت نفسه لست مع ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل أحد ليعمل تحت تسم (خطابة)، فالمتصيدون بهذا الاسم كثير، هذا فضلاً عن أن معرف الخطابة ليس بالضرورة أن يعود لامرأة تقوم بهذه الخدمة، فأحياناً يكون الحساب خاصاً بفتاة تبحث عن زوج، ويكون أحياناً لرجل يبحث عن زوجة أو عن صديقة! فهناك من يجعل هذه المعرّفات وسيلة يسيرة لاصطياد الفرائس والإيقاع بهن، وتكون وسيلة للابتزاز حين تطالب الخطابة الفتاة بإرسال صورتها للتأكد من مدى مطابقة مواصفاتها لطلب ذلك الخاطب المميز الثري الرائع الخلوق، وتحت ضغط هذه الأوصاف النادرة ربما تبادر الفتاة وترسل صورتها، ثم يبدأ مشروع الابتزاز، فضلا ً عن أن جملة من هذه المعرفات أصبحت وسيلة لأخذ الأموال بغير حق باستغلال حاجة الرجال والنساء للزواج.

دور الوزارة ــــــــــــــــــــــــــــ

ولأن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية مشكورة قد تمكنت من خلال الكثير من مبادراتها أن تضبط وتوثّق العديد من الإجراءات، لكونها الجهة المنظّمة لهذا القطاع (الاجتماعي)، فإنني أقترح عليها مشروعاً جديداً باسم  "توثيق الموفّقين" او "توثيق الخطابات" والذي يقوم على تسجيل بيانات كل من يرغب العمل في مجال التوفيق بين راغبي الزواج، ويكون ذلك وفق شروط ومحددات ضابطة، ومن خلال بيانات مكتملة، وحساب بنكي محدد، وتسجيل في بوابة تابعة للمشروع، بحيث يمكن للراغبين في التعامل معهن أن يتأكد من وجود هذا المعرف برقمه التسلسلي ضمن من تم توثيقهم لدى الوزارة.

وسوف يكفل هذا المشروع تقليصاً كبراً لأعداد المتلاعبين بمشاعر الراغبين في الزواج، وسيخفت بريق المخادعين، ويبقى المجال للأصدق، إذ أن الناس سيزهدون في كل من يعمل وهو غير موثّق رسمياً.

منصّة تقنية ــــــــــــــــــــــــــــ

ويمكن للوزارة أن تطلق بوابة إلكترونية تتيح للمستفيدين من هؤلاء "الموفّقين" تقييم مستوى الخدمة المقدمة، ووضع درجات تعبر عن مستوى كل موفّق، وتحديد مدى مصداقيته وحسن تعامله مع المستفيدين، مع الحرص على تطوير أداء هؤلاء الموفّقين، ومساندتهم، ووضع الضوابط لهم، ومراقبة أدائهم، وإعانتهم بالنماذج والبرامج المعينة، بما يحقق للوزارة مساهمة فاعلة في إتمام التوفيق، والتخفيف من العنوسة، من خلال عملية متكاملة موثوقة، ومتابعة مستمرة.
وأحسب أن الوزارة قادرة على ذلك، ولها تجارب متعددة في توثيق المواقع والمعرفات الإلكترونية للأسر المنتجة والأفراد الذين يتولون متاجر خاصة من خلال الإنترنت، فقدرتهم على نقل التجربة للخطابين والخطابات أمر مؤكد.

ليست مجاناً ــــــــــــــــــــــــــــ

بل يمكن للوزارة فرض رسم يسير للاشتراك في هذه الخدمة يقوم بدفعه الموفّق لضمان جديته، ولضمان استدامة المشروع حتى لو قررت الوزارة التخلي عن دعمه لاحقاً.
أرجو أن يجد هذا الاقتراح أذناً صاغية في وزارتنا الموقّرة، وأن نسعد قريباً بإطلاق بوابة (توثيق الموفقين)، وإنّا وإياكم  لمنتظرون.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan