‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

يونيو 21, 2024

مشكلة الاعتياد على النعم

أحد مشكلاتنا المنتشرة على نطاق واسع، و لا نشعر بها: أننا نعتاد على الشيء، فنفقد لذته وطعمه وميزته، ويقل عندنا استشعار النعمة المتحققة من خلاله.

فنحن نأكل الزاد في اليوم مرتين او ثلاثا، و نأكل أثناء اليوم وجبات أخرى متفرقة، ونشرب أنواع المشروبات، ويقضي الواحد منا حاجته بيسر، وينام، ويجد مسكنا يظله عن المطر والهواء و البرد، ويلقى أهله وأصحابه..
ومع ذلك تجد بعضهم تعيسا وحزينا ومكتئبا، شاعرا بعدم السعادة، ينظر للآخرين معتبرا إياهم سعداء بينما هو مسلوب من هذه النعمة، مع أنه في الواقع يملك أنواعا من السعادات التي لا تحصى، غير أنه اعتادها!.وهاهنا سؤال مهم: متى يشعر الواحد بهذه النعم، وبهذه السعادة؟

والجواب: أن عظيم الاستشعار للنعمة إنما يكون حينما يتم افتقادها!.
حيث يدرك المرء حينها أن هذا الشيء الذي كان يعتبر يسيرا واعتياديا ويوميا هو شيء عظيم للغاية.

أرأيت نعمة القدرة على تناول الشراب أو الطعام والتي تبدو اعتيادية ولا يشعر المرء بأهميتها، تأمل في هذه النعمة حينما تزور المستشفى، وترى مريضا يتم إدخال الطعام إلى جسده من خلال أنبوب يدخل في بطنه مباشرة على هيئة سوائل مركزة، حيث لايمكنه أن يأكل الطعام بشكل مباشر، حينها سندرك أن مجرد تناول خبزة قيمتها ربع ريال، وأكلها، ومضغها وابتلاعها بكل سهولة ويسر هي بحد ذاتها نعمة.

والأمر نفسه حين تتأمل في قدرتك على القيام من سريرك ومن مكان جلوسك بنفسك، وقدرتك على الوقوف على قدميك، والتحرك من مكان إلى آخر، وتقارن ذلك بالعاجزين عن هذه الأفعال بسبب المرض أو الحوادث، حينها ستدرك عظيم هذه النعمة.

وحينما تبصر طريقك وأنت تمشي، وترى كل شيء أمامك فأنت في نعمة، وحين تسمع الأصوات المحيطة بك، فأنت في نعمة، وحين تشمّ الروائح فأنت في نعمة..

ولذا لايصح أن أقول أن كل واحد منا يتمتع بمئات النعم بل بآلاف النعم التي يتقلب فيها ليلا ونهارا، لكننا جميعا اعتدنا عليها، وألفناها، فبتنا لا نشعر بأهميتها وللأسف الشديد!.

وأختم حديثي هذا بالوصية لنفسي ولك:
أعد النظر في النعم التي تتمتع بها، وتأملها، واستشعرها، وستدرك الحاجة الماسة للإكثار من حمد الله عزوجل وشكره عليها، ثم ستحسّ بالسعادة تغشاك من جراء هذا الاستشعار المتكرر للنعم المتتالية، "ولئن شكرتم لأزيدنكم".

دمتم بخير.

أبريل 03, 2024

وقفة تأمل على ضفاف الشلال

ما أجمل أن تنتزع نفسك من زحام الأعمال، وتبعدها عن الناس حيناً من الدهر، تخلو بنفسك من دون جوال أو تلفاز أو مذياع، تلتقي في هذه الخلوة بأوجه جديدة وأماكن جديدة ومأكولات جديدة، وتعيش فيه مشاعر جديدة كذلك..

تحتاج بين حين وآخر إلى خلوة تهدأ فيها روحك، وتسكن فيها نفسك، وتراجع فيها شأنك كله ولا يحصل ذلك الصفاء المنشور إلا بالتوقف عن الحركة المعتادة، حتى إذا خرجت من دوراتك الاعتيادية، وبقيت خارج تتابع أحداث الحياة اليومية.. اتضحت لك حينها الأمور..

وكأنها فترة سكون لتهدأ الريح ويهبط الغبار، فتكون الأشياء أكثر جلاء واتضاحاً، وحينها تدرك حجم الأشياء كما هي، وتعلم أين كنت تضع أولوياتك، وهل كانت تستحق الجهد والاهتمام الذي تعطيه إياها.. 

ومع هذا السكون ستشعر أن هناك أموراً مهملة وهي ذات أولوية ولكنها غير ملحة، مما جعلك في الكثير من الأحايين تلجأ إلى تأجيلها وتسويفها وإعطائها فضول الأوقات مع أنها الأولى بالرعاية والاهتمام..

وهذا الصفاء لا يحصل بكثرة التنقل والحركة، بل بالسكون والهدوء والتأمل.. 

دمتم بخير

27- 5 -1441


ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

تجربة الفِطام الذاتي!


خاض جميعنا تجربة الفطام من الرضاعة، وكانت تجربة متعبة في بدايتها، غير أنها ممتعة في عاقبتها، وبدلاً من الاكتفاء بمشروب واحد في البكرة والعشي، أصبح المتعرض للفطام قادرا على الأكل من أنواع المأكولات والمشروبات، مستمتعاً بالكثير من النعم.

وحديثي هنا ليس ذلك الفطام، بل عن فطام من نوع آخر، وهو لون من الحرمان الاختياري، والقرار الشخصي بالتوقف عن شيء ما.

ومن المهم لكل من أراد التحكم بذاته، وإدارة نفسه، وسلوكياته، وتحقيق النجاحات الكبرى أن يكون قادراً على فطام النفس عن بعض مشتهياتها متى ما أراد، فلا يكون منساقاً لها دون قيود أو حدود.
وهاهنا يروق لي ذلك البيت من الشعر النبطي :
مايذوق العز خمّام الوسايد * والرجل ماينفعه كثر التمني

والذي يوضح فيه الشاعر أن الاستسلام للملذات، ومنها النوم مثلاً، ليس طريقاً سالكاً نحو العز، والجاه، والمكانة، فتلك الدرجات الرفيعة تتطلب قرارات جريئة بإهمال وترك جملة من الأشياء، واعتزالها.
ولعل من ذلك أن يراجع المرء وقته، ومضيعات الوقت الأكثر تأثيراً عليه، ثم يفطم نفسه عن بعض تلك المضيّعات زمناً، ليكسر حاجز الاعتياد والتعلق.

ومن نماذج ذلك في مجال الأجهزة الذكية: أن يحذف الواحد منا (بعض) التطبيقات التي وجد أنه بات يمضي عليها (الكثير) من الوقت دون جدوى، والتي أصبحت تؤثر على أهدافه الأخرى، ومستوى إنتاجيته، وكل واحد منا أدرى بالتطبيق الذي يستغرق عليه أوقاتاً طويلة، حتى ولو كان ذلك الحذف مؤقتاً بأيام أو أسابيع، ذلك أن الانقطاع حيناً يورث تقليل الإدمان دون شك.

ومن الفطام المحمود، فطام النفس عن اعتياداتها السلبية، كاعتياد النوم الكثير، والكسل الذهني والجسدي، واعتياد الراحة، والخلود إلى سلوك الانزواء وعدم الفاعلية والرضى بالدون في كل مجالات الحياة.

ومن ذلك فطام النفس عن أصحاب الهمم الدنيئة، والاهتمامات السطحية، واتخاذ القرارات الحاسمة بتقليل الوقت المخصص للجلوس معهم إلى أضيق ما يمكن.  
وفي ذلك كله يصدق قول الشاعر :
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على * حبّ الرضاع، وإن تفطمهُ ينفطِـمِ

ولست أنسى الإشارة إلى لون آخر من ألوان الفطام ، لا يقل أهمية عن سابقه، وهو فطام يمنحنا متعة الحياة، ويجعلنا نسعد بها دوماً، وهو فطام النفس عن مواصلة الانغماس في محبوباتها المباحة، إذ الواجب المحافظة على عدم التشبع التام من تلك المتع التي نحبها، فإن الإكثار منها سبب للملل منها، والعزوف عنها، والهدف من عدم الاسترسال في تلك المتع أن تبقى متعة ممارستها، ولا تزول عنا لحظات انتظارها، والشوق إليها.

فمتعة السفر– مثلاً- والتي يعدّها الناس أحد أفضل المتع، ويبذلون لها الأوقات والأموال، حينما تكثر وتزداد في حياة المرء، ويغمر بها كل الأوقات، ويتواصل تكرارها بشكل متتال، فإن ذلك سيؤدي  - دون شك -  إلى فقدان مشاعر البهجة، والمتعة، والترقب، حينما تقرر سفراً آخر، وسيقل شعورك بتفاصيل الرحلة، من المطار، إلى الطائرة، إلى الإقلاع والهبوط، إلى لحظات الاستكشاف لأول مرة، ورهبة البدايات، وغيرها من المتع التفصيلية للأسفار، وستنخفض كثيراً متعة السفر وحبه وانتظاره، ويتحول إلى روتين غير مثير للسرور.

والأمر ذاته حينما نتحدث عن (متعة التسوق) فالذين يشترون كل ما تطمح إليه نفوسهم، أو يأكلون كلما تشتهيه أجسادهم دون تردد لمجرد قدرتهم المالية على الشراء، فإنهم سيشعرون بالتشبّع بتلك المتعة، لدرجة الملل منها، فاستمرار المرء في إشباع رغباته دون توقف، يجعل تلك الرغبات تبلى وتذبل، ويجعل تلك المتع تزول لذتها، فيصبح تحقيق السعادات الصغيرة أمراً غير يسير.
والناجحون والسعداء لديهم القدرة العالية على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، وتباعد أوقاتها، والتوازن في التعامل معها، لأنهم ينظرون إلى مشهد الحياة ككل، وليس إلى اللحظة الحاضرة فحسب، ويخططون للمحافظة على رونق تلك المتع المختلفة، ويدركون أنه كلما استزاد الإنسان من المتع المادية المحسوسة تراجعت درجة استمتاعه بها.
ومن العجائب أن ذلك الأمر لا ينطبق إطلاقاً على المتع الروحية، فإن زيادتها تؤدي إلى مزيد من التأثير الإيجابي الذي تحدثه، والاستغراق فيها يزيدها بهاء، فتزداد مشاعر البهجة في كل مرة، فالأشخاص المهتمون بإرواء أرواحهم، وإشباعها، من خلال الدعاء، والصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفعل المعروف يكونون أقدر على التغلب على التوتر والأمراض البدنية، ويكونون أكثر سعادة وسروراً حتى ولو كانت المتع الجسدية لديهم منخفضة للغاية.

والحديث عن الفطام برمته يأتي استجابة للأوامر والنصوص الكثيرة الداعية إلى الاعتدال في كل شيء، والاتزان في كل شيء، كما في حديث النبي ﷺ : (حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِ) ، وقوله ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)، ويتوافق مع المقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم"

محمد بن سعد العوشن
3 /  6 / 1445  هـ
الرياض 
حرسها الله

ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

نوفمبر 20, 2023

وماهو بهيّن!

نتوقع أحياناً أن الأعمال الكبيرة والمؤثرة بل والخطيرة كذلك هي أعمال "عظيمة الحجم"، أو "كثيرة العدد" بالضرورة، وهو توقع غير صائب، فهي أحياناً تكون شيئاً يسيراً، لكنه يحدث أثراً عظيماً يصعب إزالة آثاره.

غير أن التشبيه الرائع في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الشهير عن حال أهل السفينة الذين نزل بعضهم أعلاها، ونزل بعضهم أسفلها، ثم إن الذين نزلوا أسفلها اقترحوا اقتراحاً مفاده لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. 

فكان النص الحاسم هنا (فإن تركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) يجعلنا دوماً نعيد النظر في الفعل ذاته، وفي آثاره المتعدية بعد ذلك، بالنظر في مآلات الأمور ونتائجها الإيجابية أو السلبية قبل أن نقرر أن الأمر هين ويسير، وليس الحديث مقتصراً على الجانب السلبي، إذ الأمر ذاته ينطبق على أفعال الخير والإحسان، فرب فعل يسير استهان به صاحبه، وظن انه لا يصنع أثراً، لكن بركته وأجره وتأثيره كانت عظيمة.

فلا تستهن بأي إحسان تصنعه، أو صدقة تنفقها في سبيل الله ولو صغرت، فقد دخلت امرأة بغيٌّ مِن بني إسرائيل الجنة بسبب كلب أسقته على حين ظمأ، فوقوفك مع المسكين والمحتاج ولو بالشيء اليسير، قد يكون فيه خلاصك، وفي الحديث (اتقوا النار ولو بشقّ تمرة)، كما ثبت في الحديث كذلك (سبق درهم مائة ألف درهم)، وفي المتفق عليه صال صلى الله عليه وسلم : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة).

ولا تستهن بأي تأثير إيجابي تحدثه، أو عمل مبارك تقوم به، واحذر من التقاعس عنه بسبب قلة المستفيدين، فالعدد ليس المعيار الوحيد في الحكم على الفاعلية والتأثير، ورب كلمة لم يستفد منها إلا شخص واحد، غير أنها أثرت عليه وصنعت منه إنساناً مختلفاً، وربما أحدث بعد ذلك آثاراً عظيمة ناشئة عن تلك الكلمة اليسيرة.

ولا تستهن بأي نصيحة تقدمها للغير، ولا تهوّن من تأثير كلمة الحق التي تقولها، فرب كلمة جاءت بغير إعداد مسبق، وبشكل عفوي، أحدثت تغييرا جذريا في الآخرين، وكان بها خلاصك وخلاصهم.

ولا تستهن بتفاصيل البر بوالديك، وتتبع ما يرضيهما، وتفقد صغائر احتياجاتهما، ولا تستهن بالوقت الذي تمضيه معهما، فكم من حسرة ستعانيها حين يفارقان الحياة وأنت مقصر في حقهما، وتذكر أن القرآن الكريم نهى عن صغائر الأمور معهما، ( ولا تقل لهما أفّ).

ولا تستهن بالدقائق والسويعات التي تذهب هباء، فإن العمر هو تلك الدقائق التي تمضي، وإنما السيل اجتماع النقط، وتفريطك وتهاونك مرة بعد مرة يجعل سنوات عمرك تتصرم، وانت على نفس حالك.

ولا تستهن باي خطوة تقوم بها لتخفيف الإدمان الإلكتروني، والتخلص من عبودية الجوال والإنترنت.، فكل خطوة -ولو صغرت- يمكنها أن تمنحك وقتا إضافيا تصرفه في جوانب الحياة الأخرى المهمة، ولا يغرنّك كثرة المدمنين، فهم متورطون وإن تظاهروا بغير ذلك.

ولا تستهن بدقائق معدودة تنفقها في تلاوة آيات من الذكر الحكيم، أو السجود لله، أو حمده وشكره عل نعمه، وتسبيحه وتعظيمه، والتأمل في عظيم صنعه.

ولا تستهن بالحديث الإيجابي للتخفيف عمن وقعت عليه مصيبة، أو حلت به كارثة، ذلك أن جبر الخواطر، ومشاركة الناس همومهم من أعمال البر المحمودة، وفي الحديث (لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق).

ولا تستهن بأي معصية ترتكبها، وتعتبرها هيّنة يسيرة، و تذكر (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، ففكّر دوما في عظمة وجلال من عصيت.

ولا تستهن بالمجاهرة بالمعاصي أمام الناس، ففعل المعصية ذنب، غير أن المجاهرة بها ذنب آخر، وربما كان أكبر من الذنب الأصلي ذاته، ففي الحديث (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).

ولا تستهن بكلمة تثبيط أو تحطيم توجهها لمبادر اجتهد في عمل يقوم به، أو مسعى بذل فيه وسعه، فكم من كلمات كانت أشد من اللكمات على وجوه المبادرين.

لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

ولا تستهن بالخوض في أعراض الناس، ونواياهم، وإصدار الأحكام عليهم، وتذكر قول الله تعالى (وتحسبونه هيّنا، وهو عند الله عظيم).

وفي حديث تقشعر له الأجساد، يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم.).

ولعلي أكتفي بتلك النماذج المشار إليها،إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، جعلنا الله وإياكم من المعظمين لشعائر الله، الحريصين على ما يرضيه، المجتنبين لمواضع سخطه وغضبه.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

5 / 5/ 1445 هـ


نوفمبر 13, 2023

الصديق الحقيقي!

لطالما كانت أوقات الرخاء والمسرات والسعة أوقاتا يتكاثر فيها الرفاق، ويشعر المرء أنه محاط بالكثير من الأصدقاء، والزملاء، من الأقارب، أو سكان الحي، أو من تعرّف عليهم في مراحله التعليمية المختلفة، أو عمل معهم في وظيفة ومنظمة واحدة.

وربما ظن المرء أنه حين يجد الجد، ويقع المكروه، وينشد "الفزعة" منهم، فإن تلك الأعداد غير المحدودة، جاهزة للمبادرة، تنتظر الإشارة منه، بل ربما توقع أن يسبقوا لذلك دون انتظار النداء.

والحقيقة أن هذا وهم كبير، فالناس الذين تعرفهم أو عشت معهم، أو تزاملت معهم في دراسة أو عمل، يتعايشون معك بوصفك جزءاً من مجتمعهم، وهم يعدونك جزءاً يسيراً من علاقاتهم الكثيرة، فلا تتوقع أن تكون لدى كل واحد منهم في المنازل الأولى، وأنه ينظر إليه كأقرب صديق، ذلك أن تلك التوقعات حين يجد الجدّ ستكون مؤلمة جداً.

لذا فإن من المهم لك أن تفرّق جيداً بين الزملاء والأصحاب الكثر، والذين تتعايش معهم، وتأنس بهم، وتمضي جملة من الأوقات معهم، وبين الأصدقاء الحقيقيين الذين تدّخرهم للنوائب، ممن سيتفانون في تقديم الخدمة لك، وسيسعون بكل جهدهم لمساعدتك على النهوض بعد الوقوع، وسيلازمونك ملازمة الأخ الشقيق، وسيتألمون مثلما تتألم، فـ"الصديق وقت الضيق" كما يقول المثل الشائع.

وما أجمل بيت الشاعر عبد الله بن عون في هذا التفريق المهم بين الأصحاب، حيث يقول:

بعض العرب للتمشية والتساهيل  * وبعض العرب للمعضلات وخطرها

ومثله بيت الشاعر فهد الصميدي، الذي يقول فيه:

أحدن أجيه اضيع الوقت واياه * واحدن إلى ضيعني الوقت جيته

إنه أسلوب حياة في التعامل مع الآخرين، يقتضي وضع كل واحد منهم في منزلته التي تليق به، وهو يعني الانفتاح واللطف مع الجميع، مع إدراك أن ذلك يأتي من باب الإحسان وفعل الخير، وبذل المعروف، الذي يرجى نفعه في الدنيا، وأجره في الآخرة، فالتبسم في وجوه الآخرين، وأن يكون المرء ممن يألف ويؤلف هو أمر ممدوح ومرغّب فيه، غير أنه في الوقت نفسه يجب الانتباه جيداً لتلك  القلة القليلة، والنخبة المنتقاة من الأصدقاء الصدوقين المقرّبين، الذين يعلم المرء أنهم أهل لهذه المنزلة، وأنهم جديرون بتخصيصهم بالبذل والوقت والاهتمام والعناية، هؤلاء القلة جديرون بأن يحظوا بامتيازات خاصة، لا أن تعاملهم كما تعامل بقية الرفاق.

وفي الوقت الذي تتساءل وتتلفت في وجوه أصحابك متسائلاً في نفسك: أيهم "للمعضلات وخطرها"؟  وأيهم إذا ضيّعك "الوقت جيته"؟ وهو تساؤل مشروع ومطلوب؛ عليك أن تسأل نفسك: أي أولئك ينظر إليك تلك النظرة ذاتها، ويعلّق عليك الآمال حين تنزل به النازلة، أيهم سيقصدك قبل أن يفكر في سواك، وأيهم سيلجأ بعد الله إليك، وأيهم يؤمل أن تبادر لـ"الفزعة" معه قبل أن يسأل؟ وهل ستكون عند حسن ظن أصدقائك بك، أم أنك وقت حاجتك كثير الإلحاح، ووقت حاجتهم كثير الأعذار.

إن من الحصافة والحكمة أن يختار المرء أصدقاءه الخلّص، وأن يفي للصداقة بحقوقها، وأن يسأل الله تعالى ألا يحوجه إلى أحد، لكنه حين يحتاج فسوف يراهم إلى جانبه وقوفاً، لا تصرفهم عنه المعاذير، والجزاء من جنس العمل.

أيها القارئ الكريم.. إنني أدعوك لأن تكون لطيفاً مع الكل، لكنك أكثر لطفاً وأثراً مع أولئك النفر القليل، وأدعوك لأن تكون كريماً، لكنك أكثر كرماً مع الأصدقاء الحقيقيون، وأدعوك لأن تكون ذا نجدة، وفزعة، ونصرة لمن تستطيع، لكنك أكثر وأسرع إلى الثلة المختارة. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

29 ربيع الثاني 1445

الموافق 12 /11 / 2023

أكتوبر 16, 2023

تدارك العافية

في كل لقاء تسمعه أو تشاهده مع الأشخاص الذين تعرضوا للإعاقة جراء حادث مروري أو سقوط من مكان عال، أوإصابة بمرض مقيّد للحركة، تجد علامات الندم واضحة في ثنايا حديث أولئك المبتلين و تنهداتهم أثناء روايتهم لتفاصيل حياتهم قبل الحادث وبعده..
وتدرك -بكل وضوح - ندمهم على التفريط في أوقات العافية والصحة والنشاط، وأمنياتهم العميقة بالشفاء لكي يوظفوا كل تلك الطاقات التي كانت لديهم في مكانها الصحيح، ويستثمرون أوقاتهم بما يليق بها، ولسان حال الواحد منهم : ليتني أعود إلى النشاط والصحة، ففي جعبتي الكثير مما كان يفترض بي أن أصنعه، وسوف أصنعه لو تحقق لي ذلك.

إن ما نعتبره اليوم من البديهيات التي لا نعيرها بالاً، ولا نلتفت إليها، ولا نشعر بها من كثرة المماسة، هي من أهم المهمات، وأغلى الأمنيات لدى أولئك المبتلين.

فصعود سلم المنزل -مثلاً- لأجل السلام على الوالد أو الوالدة، والبقاء بجوارهما، وتقبيل رؤوسهما، فضلاً عن السفر بهما، أو قضاء حوائجهما، هي أمور لم تعد متاحة لأولئك المبتلين  -شفاهم الله - ، ولسان حال الواحد منهم : والله لإن شافاني الله مما أصابني ليرين الله ما أصنع من البر والإحسان لهما.

أما تفقد حال الأبناء، والذهاب بهم للمدرسة، أو المستشفى، والسفر بهم، واللعب معهم، وحملهم بين الأذرع، وإدخال السرور عليهم بأنواع الحركة، فكلها أمنيات يعجز الكثير منهم عن القيام بها، ويأمل أن يصنعها ولو لمرات محدودة في حياته بعد أن حرم منها.

وأما القيام للصلاة، والذهاب للمسجد، والسجود المتكرر، والإمساك بالمصحف، والحج والعمرة، وأعمال كثيرة من أعمال الخير والإحسان التي يودون لو أنهم قادرون على فعلها، وإنفاق الوقت والجهد عليها، فلا تسل عن الحسرة التي تجتاح قلوبهم على عدم القدرة، ولا تسل عن مشاعر الحزن التي تجتاحهم وهم  يرون جموع الطائفين والعاكفين والركّع السجود على شاشات التلفاز، ولذا لا ينفك الواحد منهم يدعو الله ويلح في الدعاء ليتمكن من السجود بين يديه، ويتمنى أن تقبض روحه وهو ساجد لله تعالى.

ويصبح تبادل الزيارات مع الأحبة، والأنس بهم، والذهاب معهم للبرية، والاستمتاع بتفاصيل تلك الرحلات، أمراً عسيراً، إذ أن كثيراً منها مما يصعب القيام به أصلاً، أو يمكن القيام بهم مع مشقة وجهد كبير على المبتلى وعلى أصحابه في الوقت ذاته.

أما ركوب السيارة فضلاً عن قيادتها -وهي من أيسر الأمور على الصحيح المعافى- فتغدو أمراً بالغ الصعوبة، وجهداً يتطلب السؤال المكرر: هل هناك حاجة فعلية للركوب، وهل يستدعي الأمر تحمل ذلك العناء، فتراه يقوم بالكثير من المقاربات والتحليلات قبل اتخاذ قراره بالخروج من المنزل.

كما أن ارتداء اللباس وخلعه يغدو هو الآخر هماً إضافياً يسبق كل مناسبة، أو ما يستدعي الخروج من المنزل، إذ تكتنفه الكثير من المصاعب، والحاجة للمساعدة، أما الذهاب للخلاء، فأمر عسير، ومجهد ومحرج في الوقت ذاته، فالكثير من البيوت والمساجد والمرافق العامة لم تصمم لتخدم هذه الفئة أصلاً، ولذا فهو محتاج إلى المساعدة في الوصول إلى دورة المياه، ودخولها والخروج منها.

وكل ما ذكرته من نماذج وأمثلة ليس سوى رأس هرم الجليد، فالخافي أعظم، ومالم أذكره هو أضعاف ما ذكرته، أسأل الله بلطفه أن ينزل عليهم الشفاء والعافية، ويرزقهم الصبر والإعانة، ويضاعف لهم الأجور.

إن حديثي السابق ليس موجهاً لأولئك المبتلين الصابرين، وإنما أوجهه للأصحاء المتعافين، الذين منّ الله عليهم بالعافية، والقدرة المطلقة على الحركة، ويسر لهم الكثير من النعم المتتالية، بحيث لم يعودوا يستشعرونها، أو يقدروها، ولا يشكرون الله عليها إلا قليلا، وبات تعرض الواحد منهم لنزلة برد، أو جرح يسير، أو إلغاء مشروع ما، أمراً يجلب لهم الكدر، ويعيّشهم مشاعر سلبية مبالغ فيها، لأنهم عاشوا اللحظة التعيسة بعمق، ونسوا المحيط الضخم من النعم التي يرفلون فيها.

ولذا فإن رؤية المبتلين، وسماع أحاديثهم من شأنه أن يجدد لدينا الامتنان لله تعالى، واستشعار النعم، ويعيد ترتيب الأولويات لدينا، ويدفعنا إلى التعجيل بالعمل وترك التسويف، والمبادرة اليوم بصنع كل ما نستطيع صنعه، وإدراك أن ما يمكننا القيام به اليوم، ليس بالضرورة مما يمكننا القيام به غداً، فحوادث الزمان تأتي دون إشعار مسبق، تأتي فجأة فتحبس المرء في مكانه، وتوقفه عن كثير من أعماله، فيزار ولا يزور، ويتلقى الخدمة بدلاً من أن يقدمها للآخرين.

وما أحوج كل واحد منا إلى وقفة مراجعة شاملة لمسيرته، وأعماله، وواجباته، والتزاماته، ووقته، وأمنياته، وإنجازاته، وإعادة التخطيط لحياته، مركزاً فيها على الأولويات، مستغلاً فيها للنعم والأعطيات، مستصحباً أن دوام الحال من المحال، وأن وقوع البلاء ممكن، وأن السلامة غير مضمونة، فليتدارك العافية مادامت موجودة ومتاحة، فإن النعم سريعة الزوال.

ولنتذكر سوياً ذلك الحديث العظيم الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)؛ أخرجه الحاكم وصححه الألباني.

ولنستشعر كذلك أن المؤمن أمره خير كله فمتى ما كان محسناً عاملاً باذلاً وقت صحته وسلامته، فإن الله يجازيه بمثل صنيعه حين يصيبه البلاء، ويعجز، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري.

أيها القارئ المبارك.. اعمل اليوم كل ما تستطيع عمله، واستثمر كل ما أعطاك مولاك، بما يسعدك، ويزيل عنك كل آلام التقصير، وتأنيب الضمير، ولا تنس قبل ذلك وبعده أن تسأل الله دوام العافية، وسلامة الجوارح، وأن يحفظها الله لك حتى تلقاه سليماً معافاً، حامداً شاكراً بالقول والعمل. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

2 ربيع الثاني 1445 الموافق 17 /10 / 2023


أغسطس 23, 2022

النوم المطمئنّ

يأتي وقت النوم في نهاية كل يوم ليكون أشبه بكشف الحساب لكل واحد منها عما فعله خلال تلك الأربع وعشرين ساعة الماضية، وما قصّر عن فعله في الوقت ذاته.

فحين يستلقي المرء على فراشه، ويأوي إلى سريره، ويضع رأسه على وسادة النوم، فيكون الجسد في مرحلة من الإرهاق قد خارت قواه، وانتهت طاقته، وحان وقت راحته وسكونه، حينها: يبدأ الدماغ في ممارسة المهمة الأخيرة قبل النوم، وهي المهمة الصعبة!

إنها مهمة الاسترجاع السريع لمشاهد وأحداث اليوم، وحين يبدأ الاستعراض السريع جداً، فإنه يتوقف فجأة عند بعض تلك المشاهد، فيعيد المشهد مرة واثنتين وثلاثاً، وربما استمرت إعادة التشغيل وكأن خللاً ما أصاب جهاز التسجيل فاستغرق في الإعادة وراء الإعادة..

هنا يأتي حديث النفس، ليكشف عن المخبوء، عن نقاط الألم والحسرة، عن مواضع الوجع، عن الأقوال والأفعال التي أوجعتك، ومرت سريعة وحاولت تناسيها في وقتها، لكنها جاءت في ختام اليوم متأبيّة على النسيان، ثم تأتي تلك الأقوال والأفعال التي أوجعت بها الآخرين، تأتيك لتسائلك عما حملك على ذلك، وكيف طاوعتك نفسك أن تصنعها، وتذكرك بأن أولئك الآخرين هم  الآن – مثلك – يستعدون للنوم، لولا ذلك الألم النفسي الذي يسيطر عليهم من جراء صنيعك.

ويأتيك في الوقت ذاته أفكار وتساؤلات عن حياتك، ووقتك، ومالك، وعملك، وأهلك، حسب آخرهم وروداً، أو ملاقاة..

ولذا فإن الذين ينامون سراعاً هم أولئك الذين يخلدون إلى فرشهم في نهاية اليوم وقد قاموا بمهامهم وأدوا واجباتهم، ولم يظلموا أحدًا، ولم يعتدوا على أحد، إنهم أهل “الإحسان”، ولذا لا عجب أن يكون نومهم نومًا عميقًا مطمئنًا، فـ (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟

ذلك أن أحد أهم أسباب التكدير الذي يحيط بالناس قبيل نومهم أن يشعروا في قرارة أنفسهم أنهم واقعون في الخطأ، موغلون في الذنب والتقصير تجاه الله تعالى أو تجاه أحد من خلقه، فتأتي النفس اللوامة وتكرر على صاحبها: لم فعلت هذا؟ لم ظلمت هذا؟ لم قلت هذا؟

ولذا فإن الحرص على تجنب المظالم، والسعي وراء اللقمة الحلال، وأداء الحقوق والواجبات، وصلة الرحم، والقيام بحق الله تعالى، من شأنه أن يرزق المرء السكينة والهدوء وراحة البال، ويجعل نومه هنيئاً مريحاً طيباً.

وإنني أدرك وأنا أقول هذا أن بعض ذلك الألم ربما يكون ألما يصيب “المظلوم” لا الظالم، و “المؤذى” لا “المؤذي”، والذي يمنعه الألم النفسي غالباً من الخلود إلى النوم، ويؤرقه التفكير في “الانتقام”، والدعاء المستمر على ظالمه، وتذهب عليه الأوقات في تضخيم الألم وتعظيمه، وتفاصيل الوجع، وجزئياته، والوصية لهذا وأمثاله: أن يسلك مسلك تسهيل الأمور، وتهوينها، والتماس الأعذار والتبريرات للطرف الآخر متى أمكن ذلك، وإحسان الظن بالمقاصد وإن لم تصب الوسائل، فإن ذهابك لفراشك وليس في قلبك غلّ على مسلم، مدعاة للسلامة النفسية والجسدية معاً، فسلامة الصدر، والعفو، والتسامح، كلها مبعدات للأرق، مذهبات للأفكار المزعجة التي تحول بينك وبين النوم المستغرق العميق اللذيذ، فطهر قلبك وابشر بالخير، وتيقن أن راحتك من أعظم ما يغيض عدوّك، وأن التجاهل، والعودة إلى اليوم التالي بكل نشاط وكأنك من النوع الذي لا يكسر، هو أفضل رسالة يمكنك إيصالها.

ولنكرر تلك الدعوات العظيمة التي يدعو بها المؤمنون ربهم :(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)

ولنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه ثلاث مِرَار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، وفي كل مرة يطلع لهم ذات الرجل، فأوى إليه أحد الصحابة لينظر في ما يعمل ليقتدي به، فلم يره يعمل كثير عملٍ، فسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.

وسوف تدرك حقيقة ما أقول عن تجرّبة العيش وفقًا لمبدأ (أداء الحقوق وترك المظالم والتغاضي عن الأخطاء)، في حجم السعادة والهناء، والهدوء والاسترخاء التي تشعر بها كل ليلة حين تأوي إلى فراشك، حيث المقياس الختامي لطبيعة يومك، وكيفية تعاملك مع أحداثه بحكمة واتزان.

متمنياً لكم أياماً سعيدة، وليالي هانئة، ونوماً عميقاً مشبعاً…

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

ديسمبر 15, 2021

مشرّف الشهري يعلّمنا بعد وفاته

كما يتعلم المرء من الحياة، فإنه يتعلم من الممات كذلك! ذلك أن ذهاب الأحياء إلى الدار الآخرة، واحدًا بعد الآخر، مع تفاوتهم في الأعمار والأعمال، رسالة واضحة لمعاشر الأحياء، أن استعدوا واستيقظوا من سبات الغفلة، فدوركم قادم دون ريب، والمسألة مسألة وقت فحسب، و “كفى بالموت واعظًا”.

وفي يوم الاثنين التاسع من شهر جمادى الأولى لعام 1443هـ، وبعد ابتلاء ومعاناة مع المرض؛ غادر الشيخ مشرف الشهري هذه الدنيا، منتقلًا إلى الرفيق الأعلى، غادر بهدوء وسكون، غير أن ألسنة الناس لم تهدأ عن اللهج له بالدعوات إثر الدعوات، وذكر المزايا والحسنات لأنه كان ذا أثر باق، وقدّم عملًا مختلفًا.

يصدق في الشيخ مشرف الشهري أنه (متفق عليه)!

متفق على الثناء عليه، وعلى خدمته للعلم الشرعي، وبذله، وخلقه، وإنجازاته، فهو لم ينشغل بالمعارك الجانبية، ولا الخلافات السطحية، ولم يقبل أن يمضي وقته ونشاطه وحماسته في الخوض مع الخائضين، ولم ينشغل ببنيّات الطريق، وصغائر الأمور، ترك ذلك كله، وتوجّه بكلّيّته نحو “العمل” فحسب.

لذا فإن مشرّف الشهري يعدّ أنموذجًا على “التركيز” و”التخصص” و “الاستمرار”، وهذه الثلاث الثمينة – بعد توفيق الله – كانت سببًا في أن حقق مشروعه النجاح والانتشار الواسع النطاق.

وكانت مجالات العمل التي يمكنها الانخراط فيها كثيرة، لكنه توجّه نحو “منطقة الفراغ” التي لم تسدّ، حيث لم يشأ أن يزاحم الآخرين، بل رأى أن يكون على “ثغر” آخر، فيقدّم فيه “قيمة مضافة”، وتكون له “بصمة” واضحة، لا ينكرها كل من له بالعلم الشرعي صلة.

ومما ميّز مشرّف الشهري – رحمه الله – أنه جعل كل مشروعاته لخدمة “شريحة محددة”، و “مهمة” في الوقت ذاته، وهي شريحة “طلاب العلم”، فقدّم لهم خدمة عظيمة القدر، جليلة النفع، فكانت مما يبقى للمرء بعد وفاته، من العلم النافع الذي يستمر أجره بعد ذهاب صاحبه.

ولعل إطلالة سريعة على تلك المشاريع، تكشف للقارئ كيف أثّر التخصص إيجابًا، فمن موقع الباحث العلمي، إلى الباحث القرآني، إلى الباحث الحديثي، بالإضافة إلى توظيف التيلجرام؛ من خلال ما يزيد عن عشرين قناة متخصصة، اعتنت بجمع أكبر عدد ممكن من الكتب الشرعية، والمخطوطات، والرسائل العلمية، والبحوث المحكّمة، والمتون، وفقًا للتخصصات المختلفة، وتيسير الوصول إليها، والحصول عليها، فضلًا عن قنوات متعددة للدروس والدورات، والكتب الصوتية، والدعوية والتلاوات.

وكان أبا محمد، مشرف بن محمد بن حسن الشهري، المولود في قرية خشرم التابعة لمحافظة النماص، عام 1383هـ، ومنذ ما يزيد عن عشرين عامًا يجمع تراث أهل العلم المعاصرين، فيسجل دروسهم، ومحاضراتهم، وبرامجهم المختلفة، ويؤرشفها لديه في وسائط تخزين رقمية، ثم يقوم بإرسالها للمراكز الإسلامية في أنحاء العالم، ولطلبة العلم الذين يطلبونها، ثم توسع في التوثيق للتراث العلمي، فتوسع في توثيق المخطوطات المصورة رقميًا، وكان يقوم بالكثير من الأعمال والمهام وحده.

ومع ذلك كله لم يكن مشرّف الشهري – رحمه الله – كثير الظهور، ولا كثير الحديث، لكنه – باتفاق الجميع – كان كثير العمل، منغمسًا فيه بلا كلل أو ملل، فكانت مشروعاته على أرض الواقع لسان الصدق؛ الذي يسري بين أهل الاختصاص، في كل الأقاليم والبلدان، دون الحاجة إلى حملات ترويجية، أو مشاريع تسويقية.

واليوم، وقد وارينا مشرّف الشهري الثرى، بعد أن قدّم ما يستطيع، وبذل كل طاقته فيما يحسن، فإننا بحاجة ماسّة إلى تحويل عمله المبارك إلى عمل مستدام، ومواصلة مسيرته العلمية التخصصية، والتعهيد بمشروعاته الرائعة لفريق عمل يواصل المسيرة، أو لجهة علمية مهتمّة يمكنها أن تبني على النجاح نجاحًا، فتعمل على التطوير والتحسين والاستمرار لهذه المشاريع المباركة، وذلك خير إحسان يمكن أن نصنعه للفقيد، من خلال إطالة عمر تلك المشروعات وتعظيم أثرها، والاستفادة من هذا الصيت الحسن، والسيرة العطرة التي لهجت بها الألسن بعد وفاته.

اللهم اغفر لعبدك مشرّف الشهري، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه.

اللهم اجعلنا مباركين، وشرّفنا بخدمة دينك القويم، وكتابك العظيم، وسنة نبيك الكريم، واختم لنا بذلك ياربّ.

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل هــنــا

أغسطس 07, 2021

إنّه طريقك المؤكّد يا هذا!

 من غير شك أن الواحد منا يؤمل كثيرا، ويعيش ويخطط وكأن العمر سيمتد به طويلاً، مع أنه ربما كان الأجل أقرب إليه من شسع نعله، وربما كان الموت يترقبه في منعطف الطريق التالي.. لكن الإنسان بطبعه وجبلّته يطيل الأمل، ويظن أن سواه هو المعرّض للموت بأي من أسبابه. 

فنظرية الناجي الوحيد تلازمه وهو يراقب جموع الموتى وهي تغادر الدنيا رغم أن منهم من هو أصغر منه سنا وأصح منه بدنا، وأبعد عن مسببات الموت منه، وقديما قال الشاعر (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل).

فقد كتب الله على النفوس أن تغادر الدنيا رغم كل ما بنت وشيدت وصنعت وجمعت وخططت وتعلمت..

وكم شاهدنا من يموت بعد أن شيّد دارا رائعة ولم ينزل بها بعد، ومن يموت وقد حصل على شهادة عليا -بعد سفر وكد وكدح - وهو لم يتوظف بها بعد، ومن يموت وقد عُيّن في وظيفة طالما انتظرها ولم يباشر العمل فيها بعد، ومن يموت وهو في ثوب زواجه، أو لم يبق على حفل زفافه إلا أياما قليلة.

إن التحسر على الموتى الذين تصرّمت أعمارهم، وتخطفهم الموت، والتوقف عن التخطيط أو العمل بانتظار ذلك الموت الذي قد يطول مجيئه، أو الخوف الشديد من الموت الذي تقصر به الأحلام، وتترك به الأعمال، كل ذلك لا يصنع شيئا للمرء، بل يحوّله من السعادة إلى الكآبة ومن البهجة إلى الحزن.

فالموت حق، وهو نهاية كل حيّ، وطريق لكل البشر، بكل أجناسهم وألوانهم وأمصارهم،  وإنما يتفاوت الناس في المكان والزمان والطريقة فحسب.

ومع ذلك فالمؤمن مأمور – مادام حيا - بعمارة الأرض، وعبادة الله، وفعل الصالحات، والإحسان إلى الخلق، والبقاء على الإيمان بالله، حتى إذا أتت إليه المنية لم يمت إلا وهو مؤمن بربه، يرجو رحمته، ويخاف عقابه، ويحسن الظن به سبحانه.

والموت ليس النهاية يقينا، بل هو البداية الفعلية للحياة الحقيقية، التي تبدأ بالحياة البرزخية في القبر، ثم الحياة الدائمة السرمدية في الآخرة، إما في الجنة أو النار، وكلا الحياتين البرزخية والأخروية إنما توضع أسسها وتبنى قواعدها، ويحدد المصير فيها أثناء هذه الحياة الدنيا القصيرة زمنيا، فمن أحسن في حياته الدنيا فمصيره في الآخرة بات معروفا ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

إن موقفنا تجاه الموت يجب أن يكون باستحضاره دافعا للمزيد من العمل، ومراقبا للمسيرة، ومشجعا على الاستزادة من الصالحات، وعمارة الأرض بما يرضي الله، حتى ولو قامت القيامة على المرء وفي يده "فسيلة" من النخل "فليغرسها" لأن الغرس بذاته عمل صالح، ونية طيبة، وأما النتائج فهي عند الله.

أسأل الله تعالى أن يجعل أعمارنا مباركة، وخواتيمنا حسنة، وأن يربط على قلوب أهلينا، ويجبر مصابهم، ويصلح لنا آخرتنا ويجعلنا فيها من الفائزين، ويجمعنا مع الأنبياء والصديقين والصالحين وكل أهلينا وأحبتنا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


محمد بن سعد العوشن

السبت 28 ذو الحجة 1442
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
خلوة السبت


أغسطس 08, 2020

هنيئاً لهم

 • هنيئا للذين يحدثون آثارا إيجابية حيثما كانوا، ولا يبحثون عن أعذار للتملّص، وهم يدركون أن الأعذار لا تنتهي..

هنيئاً للذين هم مشاعل هداية وسعادة ونفع، حيثما حلت ركائبهم.

هنيئا للقدوات، والنماذج الحسنة، الذين يتبع الناس آثارهم، ويحاكي الناس أفعالهم الخيّرة الحميدة.

هنيئاً للعاملين في مناطق الفراغ، المبتعدين عن المزاحمة والتكدّس، تاركي مناطق الراحة بغية إحداث التغيير الإيجابي في حياة الناس.


هنيئا لأولئك المبادرين بابتكار الأفكار الرائعة، التي يتبعها كثير من الناس، فيطبقونها، ويحاكونها، ويستفيدون منها.

هنيئاً للذين حين تبحث عنهم في محركات البحث، لا تجد عنهم إلا الخير، والذكر الحسن، والعمل الصالح.

هنيئاً للباذلين الكبار، الذين لا تجد لهم أي صيت إعلامي، ولا يعرفهم أحد، لكن الله يعلم صنيعهم، وهم لا يريدون إلا وجهه.

هنيئاً للمركّزين، المتخصصين، الموغلين بعمق في مجال اهتمامهم وشغفهم، فتجدهم يصنعون قيمة مضافة يندر وجودها حيثما عملوا.

هنيئاً للناذرين أنفسهم، وأوقاتهم، وعلاقاتهم، وأموالهم، في خدمة أهداف سامية تحقق مرضاة الله. والله لا يخزيهم الله أبدا.

هنيئا لمن قولهم «إحسان»، وفعلهم «إحسان»، ونواياهم «إحسان».


أغسطس 04, 2020

شبيه البحث العلمي


كثيرة هي البحوث التي تصدر بوصفها رسائل ماجستير ودكتوراه وبحوث ترقية، وتتناول جميع الموضوعات والشؤون المجتمعية في عناوينها!.

فحين تبحث في مكتبات الدراسات العليا فسوف تتفاجأ بحجم الدراسات عن الظواهر والسلوكيات المجتمعية، ومسببات المشكلات، وحلولها، وسوف تتأسف على عدم استفادة المجتمع من تلك البحوث الكبيرة الحجم، وتتعجب من تواجدها بشكل حصري في مكتبات الجامعات.
لكنك حين تفتح أوراق جملة غير قليلة من تلك الدراسات، وتبدأ في قراءة المضمون، وأنت في غاية التفاؤل بأنك ستجد فيها التشخيص الدقيق للواقع، ومعرفة الأسباب، والغوص في أعماق المشكلات، لأن تلك الصفحات الكثيرة لابد أن تعثرعلى جذور المشكلات وتتناولها بالتفصيل الممل .. وتتبعها بالحلول المتنوعة لتلك المشكلات..

وحين تقرأ ثم تقرأ سوف تصاب بالصدمة، والإحباط، وانخفاض مستويات التفاؤل، ثم تدرك حينها أنك أمام منتج وضع للحصول على شهادة، لكنه غير قابل للاستهلاك!

ستدرك أنها ليست بحوثًاً علمية وإن كانت في ظاهرها كذلك، لوجود مشابهة شكلية بينها وبين البحوث الفعلية المؤثرة والتي تخدم المجتمع..

ستشعر - فعلاً - أن الذي بين يديك ليس إلا "شبيه البحث العلمي" ! على وزن "شبيه القشطة"!

نعم ، يشابهه في تنظيم المحتويات، يشابهه في العناوين، يشابهه في وجود كم كبير من المراجع، مجرد شبه ( يخلق من الشبه أربعين) بحيث يظنه الضمآن ماء، حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً.

إذ بات الاعتماد على الاستبانات - مثلا - سمة سائدة في أشباه البحث العلمي، وبتنا نحكم على المجتمع من خلال هذه العينات (اليسيرة)، التي تقوم بتعبئة الاستبانة ( بغير دقّة)، لتخرج منها (نتائج مشوهة)، هي في الواقع تحوم حول الحمى ولا تقع فيه.

ويتم ملء صفحات الرسالة بالكثير من الحشو والتجميع لنصوص وردت في أشباه أخرى للبحث العلمي، باعتبارها دراسات سابقة، يتم إقحامها بسبب أو بدون سبب، إذ أن الإشارة إليها ووجودها في شبيه البحث غير مؤثر، فهي مجرد زيادة في الصفحات، ومحاولة لإظهار الجهد الكبير الذي قام به الباحث، وهو جهد لا أنكره، لكن الذي أنكره هو النتيجة والخدمة التي تحققها تلك الدراسة.

السؤال المهم الذي يمكن طرحه على الباحث : ماهي الفائدة التي تم يجنيها المجتمع أو المتخصصون من رسالتك، باستثناء استفادة باحثين آخرين  منها في إضافة أسطر جديدة لفصل الدراسات السابقة!؟

وحتى تدرك أن الموضوعات محل الدراسة ليست ذات جدوى، فإن الباحث ينص في عنوان رسالته على ما ينبئ بذلك، أعني بعدم الفائدة! 

وحتى يتضح الأمر دونك هذا المثال ( وضعت العنوان من عندي حتى لا يؤخذ الموضوع بشكل شخصي) لأن أشباهه في الدراسات العليا كثيرة جداً ..

عنوان البحث ( أسباب تدني الأداء الوظيفي للموظفين من وجهة نظر المديرين) ، ثم يقول الباحث  أنه أجرى الدراسة على عينة من مديري المرحلة الثانوية بمدينة كذا!

فالدراسة إذا لم تكن على المديرين عموماً بل على مديري المدارس!
وهي لم تشمل موضوع البحث فعلاً بل اقتصرت على وجهة نظر أحد أطراف المشكلة وهم (المديرين)
ولم تكن لعينات ممثلة لمجتمع البحث بل اقتصرت على (مديري مرحلة واحدة من مراحل التعليم الثلاث)،
ولم تشمل كل مديري تلك المرحلة، بل اقتصرت على مديري مدينة من المدن، 
ثم هي حتى مع هذا الجزء من الجزء من الجزء .. اقتصرت على عينة منهم!

وهذ ه العينة غير الممثلة للمشكلة تم إعطاؤهم استبانة مصممة بطريقة لا تأخذ من الشريحة ما لديها، بل تحاول تأطيرها ضمن خيارات محدودة، وأسئلة افتراضية قام بها الباحث من تلقاء نفسه.. وجعلها وفقاً لخيارات غير واضحة ( حتى وإن وسموها بمقياس ليكرت الخماسي) وهو :  (موافق بشدة -  موافق - محايد - غير موافق - غير موافق بشدة).

فضلاً عن كون الاستبانة مصابة بلعنة المعرفة إذ تستخدم عبارات (تخصصية) لا يفهم معانيها من يقوم بالتعبئة، لأن الذي كتبها وراجعها موغل في التخصص فيكتبها لمن يعرف مثل معرفته! فيختار تخميناً للإجابات المتوقعة على أسلوب ( شختك بختك).

ثم يأتي الباحث في نهاية المطاف ليعرض لك نتائج تلك الاستبانة على هيئة رسوم بيانية مضللة، وموهمة، ومملوءة بالتناقض، وكأنه قد سحب لك الأسد من ذيله - كما يقال-.

إننا أمام مشكلة حقيقية :
فالعمل والتنمية والنجاحات على أرض الواقع منفصلة كلياً عن البحث العلمي بالجامعات، وبينهما سد عظيم كسد يأجوج ومأجوج.
فما أحوجنا إلى التداعي لإيقاف هذا الهدر وهذا النزيف الكبير للجهود والأموال والأوقات التي تذهب في غير طائل.

وأختم بأن حديثي هذا عن (كثير) من البحوث، والنظري منها خاصة، وإن كان في وسط تلك الظلمات بحوث مميزة، ذات تأثير، لكنها مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود.

فإن وجدت في نفسك شيئاً أيها القارئ الباحث من مقالي هذا، وشعرت أنه ينال منك ومن بحوثك، فربما كان ذلك مؤشراً على أنني لمست الجرح، فليس الحل في الهجوم عليّ بل في إدراك الواقع والسعي لتصحيح المسيرة، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب في أن نستمر في التبرير للخطأ والدفاع عنه.

وأنا أدرك كذلك أن المشكلة ليست في الباحثين، لأنهم - غالباً - وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل وفق قالب جامد، ينتج منتجات غير مفيدة، ولم يكن أمام الواحد منهم إلا الاستمرار في هذا العمل غير النافع، لأنه الطريقة الوحيدة للحصول على مؤهل دراسي عالي.

فواجب الأقسام والكليات أن يعيدوا النظر في عملهم، ويراجعوا الأدوات، ويكفّوا عن التقليد والمحاكاة، وأن يكون حرصهم الأكبر هو في إحداث الأثر في المجتمع من خلال تخصصهم، وليس المزيد من الصفحات والأرقام والجهود وحملة الشهادات العليا فحسب.

دمتم بخير،،،
6 – 12 – 1441
الرياض

تم النشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط

مارس 08, 2020

يا هذا : اعتزل ما يؤذيك!

تحتاج النفس إلى المزيد من العناية والرعاية لكي تنطلق في آفاق العمل والإنجاز والسعادة، ولذا فهي بحاجة ماسة للتخلص من العقبات والعوائق وإزالتها عن طريقها وتفقد أحوالها بشكل مستمر.
ومن هنا كان نداء (اعتزل ما يؤذيك) مبرراً ومفهوماً ومقبولاً.. فكل أمر يتسبب لك في الكثير من الأذى والقلق والحزن والضيق، فإن المفترض بك أن تضع له حداً، وأن تعزله عن حياتك وفق الممكن، مالم يكن ذلك الشيء مما لا يمكنك الفكاك منه إطلاقاً، وهي حالات نادرة إذ الأصل إمكان ذلك.

واعتزال المرء لما يؤذيه، ليس بالضرورة اعتزالاً (حسياً) بعدم اللقيا، ومفارقة المكان بشكل تام، وإن كان ذلك هو الأصل، فقد يكون اعتزال المرء ما يؤذيه (معنوياً) مع وجود التواصل الحسّي، ويكون بالحرص على الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير العلاقة أو يزيد التوتر، فلو كان أحد الأقارب كالإخوة أوالأعمام أوالاخوال ممن يطالك أذاه، فإن الاعتزال هنا لا يكون بالقطع والهجر والعقوق، بل بترك الخوض معه في نقاط الأذى، وعدم تعميق الصلة بما يزيد الاحتكاك، وتقليل وقت المخالطة قدر الإمكان، مع أداء واجب الصلة للرحم.

ويكون - في بعض الأحايين - ذلك المؤذي مهذباً ولطيفاً ولا يسيء إليك بقول أو بفعل، لكنه يقودك لأذى أعظم، وهو الأذى الأخروي، فيكون عنصراً يقرّبك من السوء، ويهوّن عليك مقارفة الحرام، ويسوقك إلى خطوات الضلالة، فهو في نهاية المطاف "يؤذيك".. فحينئذ يكون الاعتزال له مهماً كذلك، ولتتيقن أن الشيطان وأتباعه يدخلون على المرء - بكل خبث- من خلال "الخطوات اليسيرة" لا الكبيرة، يبدؤون بالشيء اليسير ثم يزيدون خطوة بعد أخرى، ويزينون للنفس التجاوز اليسير شيئا فشيئا، حتى يتورط المرء ويقع فيما يصعب عليه تداركه، ويصبح المرء فيما يشابه النفق المنحدر بقوة والمؤدّي إلى الهاوية، فلا يكون أمامه إلا الاستمرار في هذا الانحدار، والوقوع في أمور لم يكن يظن يوما أنه سوف يصل اليها، فيكون الاعتزال حينئذ دليلاً وعي المرء وعقله وخوفه من الله، ومن عرف كيد الشيطان عامله بنقيض قصده.

أيها الأكارم
إن اتخاذ المرء لقرار الاعتزال للأشخاص والأماكن والمواقع والبرامج والمجموعات والمواد المؤذية قرار يحتاج إلى حزم، ووعي بالقرار ونتائجه، وهو قرار حكيم يكفل للنفس الهدوء والصفاء والسكينة، بعيداً عن خوض المعارك الكثيرة مع أولئك الفارغين.
وفي كل محاولات الاعتزال تلك سواء كانت مع الشيطان أو مع شياطين الأنس أو مع النفس الأمارة بالسوء، فإن المرء ضعيف، وليس أنفع له - بعد عقد العزيمة الصادقة على ذلك الاعتزال - من اللجوء إلى الله، ليعصمه من السوء، ويسوق إليه الخير من حيث لا يحتسب، وأن يعينه على المواصلة والاستمرار.

وليدرك كل واحد منا وليتيقّن تماماً أن كل شيء يتم اعتزاله لأجل الله فإن صاحبه موعود بالعوض عنه ففي الحديث "من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه"، وذلك وعدٌ صادقً غير مكذوب.
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا

فبراير 08, 2020

يغضضن من أبصارهن!

ماذا لو كان في مجلسك ثلة من الزملاء في سهرة ماتعة..
وكان في مجلس الضيافة هذا نافذة ذات زجاج عاكس يجعل من كان خارج المجلس ينظر لمن بالداخل لا العكس.
 ثم خرجت لتجلب الشاي لضيوفك، فوجدت أهل بيتك 'زوجتك وابنتاك وابنك'  متسمرين أمام تلك النافذة!
يضحكون على دعابة أحمد، وظرافة محمد، ويتعاطفون مع فهد، ويرثون لحال سعد،ويستظرفون أسلوب صالح!
فسألتهم : منذ متى وأنتم هاهنا.. فأجابوك: منذ أعطيناكم القهوة قبل نصف ساعة.
أكان ذلك يسعد أم يسوؤك؟
وهل ترى أن متابعة النساء للرجال في السناب للعيش مع يوميات أولئك الرجال أمر مشروع؟
وما علاقة ذلك الصنيع بقول الله تعالى (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)؟
مجرّد أسئلة!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ( 15/396) :
(وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة)

يونيو 02, 2019

النور يخرج من «غيابة الجب»

 وسط مشاعر الانكسار والإحباط واليأس للفرد، سواء كان ذلك في شأنه الاجتماعي والعائلي، أو كان في شأنه المالي، أو في وضعه الصحي، أو في طموحاته وأحلامه، أو في غير ذلك ، يأتي النور -من الله- ليبدد تلك المشاعر السلبية الموحشة، فيبدّل اليأس أملا، والإحباط تفاؤلاً، والانكسار قياماً ونهوضاً.
يأتي هذا النور هادئاً، ومن غير ميعاد، يأتي للمرء من حيث لم يحتسب، يأتي في أشد لحظات الأسى إرهاقاً، وفي أكثر أوقات الإحباط إيلاماً..، ولا يحتاج ذلك النور حين يأمر الله بمجيئه إلى أحداث كونية كبرى، ولا جهود عظيمة، بل يكون بما لم يتوقعه المرء، ولم يحسب له حساباً، وكما قال الشاعر:
ما مـرّ بي قـلـقٌ إلا و أنـقـذني * ”بـيـتٌ“ يحـوّلُ أحزاني لأفراحِ
سيفتحُ الله باباً كنت تحسبهُ * من شدة اليأس لم يخلق بمفتاحِ



وقد جرت العادة الكونية أن لا يبزغ الفجر إلا بعد أن يكون الليل في أشد حالاته حلكة وسواداً، فيكون النور هنا أجمل ما يكون، ولعلنا نتجول سوياً في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، لنجد النماذج المتتالية التي تؤكد هذا المعنى وتجلّيه، والذي خلاصته أن الفرج يأتي بعد الشدّة، وأن اليسر يأتي بعد العسر، غير أن المرء يستعجل دوماً الفرج قبل أوانه، كما قال الله تعالى ( وكان الإنسان عجولاً)، وكما قال صلى الله عليه وسلم : (ولكنكم قومٌ تَستَعْجِلونَ).

فأين النماذج التي في سورة يوسف؟

إنها كثيرة، وتتابعها عجيب، فقبل أن يصل يوسف لقصر العزيز، فيعيش فيه مكرماً مدللاً؛ كان معرضاً للموت بالقتل، الذي عدل عنه إخوته، وقرروا إلقاءه في غيابة الجب، في ذلك البئر الموحش وحده، دون طعام ولا شراب ولا أنيس رغم أنه كان الفتى الصغير المدلل عند والده.

وقبل أن يعيش يوسف في العزّ والثراء والغنى، ويرى الأموال في ذلك القصر المنيف، كان قد بيع بثمن قليل، بدراهم معدودة من قلّتها وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ.

وقبل أن تعلن براءة يوسف من الاتهامات في شرفه وطهارته وعفته، بتدخل شاهد من أهل امرأة العزيز لصالحه؛ كان يوسف متهماً بإرادة السوء بامرأة العزيز، متوعداً بالسجن والتعذيب جراء تلك التهمة المكذوبة،) قالت مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(.

وقبل أن يكون في ذلك الموضع الذي تحته خزائن الأرض يتصرف فيها كيف يشاء، وقبل أن يتم الاعتراف بفضله وخبراته وقدراته التي تخوله ذلك المنصب الرفيع؛ كان يوسف في غيابة السجن بِضْعَ سِنِينَ، دون تهمة توجب ذلك.

وقبل أن يبصر يعقوب ابنه المفقود يوسف، ويكحلهما برؤيته مع أخيه، ويعود إليه بصره حين ألقي عليه قميص يوسف؛ كانت حاله كما رواها القرآن ( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ( فكان كفيفاً لا يبصر شيئاً.

وقبل أن يذهب يعقوب عليه السلام وزوجته وأولاده إلى مصر لأجل اللقيا بالأبناء المفقودين ويجمع الله شملهم هناك؛ كان قلبه يتفطر كل يوم على الفقد المتتالي لأحب أولاده إليه “يوسف” ثم “أخيه” وكان مما يزيده ألما أن ذلك الفقد المتعمد كان بسبب مكر بقية الأبناء وكيدهم وتقصيرهم.

وقبل أن يسمع يعقوب من بنيه توبتهم، وإنابتهم، وطلبهم الصفح والمغفرة، واعترافهم بأنهم كانوا خاطئين؛ كانوا يرددون على مسامعه اليأس من عودة يوسف بكرة وعشيا قائلين له، معتبرين توقع عودة يوسف هو بسبب الهرم وكبر السن والرد إلى أرذل العمر.

وقبل أن ينعم الله على أهل مصر بالغيث فيأتيهم، كانوا يعانون من السنوات السبع الشداد العجاف، سنوات القحط والجفاف.

وفي كل هذه المواضع من سورة يوسف وقصته، كان الفرج يأتي بعد اشتداد الكرب، وعظم المصيبة، وهي سنة لله تعالى في عباده منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا.

وثمة تأمل آخر في هذا المصاعب التي ذكرتها السورة، وهو أن أولئك المبتلين لم يقفوا يوماً عن مساعيهم في رفع البلاء، فهذا يعقوب يوصي بنيه بالبحث عن يوسف المفقود، (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

وهذا يوسف حين ابتلي بعشق امرأة العزيز له، ومراودتها له عن نفسه؛ طفق يهرب من مكان الفتنة، ويحاول السعي بكل جهده للخروج، فَاسْتَبَقَا الْبَابَ، يريد الفرار وتريد الإمساك به.

وحين قرر العزيز سجن يوسف رغم وضوح دلائل براءته، سعى يوسف للخلاص من هذا السجن، فأوصى أحد السجينين اللذين عبّر لهما رؤياهما بمراجعة الملك، وقاله له اذكرني عند ربك، لعله أن يتذكر قضيته، ويفرج عنه بعد هذا المدة الطويلة.

وحين أخرج الملك يوسف من السجن، وقرّبه إليه، بعد تأويله للرؤيا، بادر يوسف بطلب التولية على خَزَائِنِ الْأَرْضِ ليدير العملية الاقتصادية بكل اقتدار.

بقي أن أشير إلى التأمل الأخير مع آيات هذه القصة العظيمة، وهي أن واجب المكروب والمبتلى بالإضافة إلى العمل بكل ما يستطيع، وتوقّع الفرج، أن يلجأ إلى الله تعالى بكليته، يسأله ويتوسل إليه، ويحسن الظن به، كما قال يعقوب بعد فقدانه لأعز أبنائه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) وقال (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) وكان يقول لبنيه وهو يوصيهم بالبحث ( وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

وحين ابتلي يوسف بامرأة العزيز كان يقول (مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)؛ إنه الانطراح بين يدي الله، والتوسل إليه، وإعلان أن الحول والطول بيده سبحانه.

إن هذه المعاني العظيمة في “أحسن القصص” جديرة بالتأمل والتفكر والتدبر، لأن الله عز وجل لم يسق لنا هذه القصة باعتبارها حدثا تاريخيا مضى وتصرمت سنواته فانتهى؛ بل باعتبارها مدرسة عظيمة التأثير، ملهمة في المسير، مزيلة للتكدير، مريحة للضمير، معلقة الرجاء والأمل والتفاؤل بالسميع البصير.

خصوصاً حين نعلم أنّ السورة نزلت في فترة شدة وكرب على النبي ﷺ حين حاصرته قريش في الشعب، فكانت هذه القصة بكروبها والفرج فيها بعد الشدة تسلية له ﷺ وإخباراً له بأن من سبقه قد ابتلوا فصبروا فكان الله معهم وأزال عنهم البأس.

فيا أيها المكروب في أي شأن من شؤونك، تذكّر أن بعد الشدة والعسر يسرا، وأن دوام الحال من المحال، وأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له “كن” فيكون، وأن كل شيء عليه هيّن سهل يسير، فتوكل عليه، وأحسن الظن به، تلق الخير، وتوفق إليه.
دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل هــنــا

نوفمبر 09, 2017

فمن الله ...

يحقق المرء في حياته نجاحات مختلفة، في مجالات التعليم، والأسرة، والحياة الاجتماعية، وفي المال، وفي الجوانب الشرعية، وفي جوانب أخرى من الحياة.. فيفرح ويسرّ بذلك.
وحين تتوالى تلك النجاحات في المجالات كلها أو في أحد المجالات، قد يتوهم المرء وهو يعيش نشوة الفرح، والثقة بالنفس أن هذا النجاح المتحقق و المستمر إنما تم بسبب جهده الكبير، وعمله الدؤوب.
ويظنّ أن ذلك الجهد والإصرار وحسن التدبير الذي يفعله هو سر نجاحه وتميزه عن الناس!

متجاهلاً أن ثمة أشخاص آخرين عملوا أكثر من عمله، واجتهدوا أكثر من اجتهاده، وبذلوا أكثر من بذله، وحرصوا أكثر من حرصه، ولم يتركوا سبباً إلا فعلوه، ولا باباً إلا طرقوه، ومع ذلك لم يتحقق لهم مرادهم بل كانت نتيجة مساعيهم خسارة وفشلاً وإحباطاً.

وأنا في حديثي لا أقلل من أهمية العمل، والجد، وفعل الأسباب، فذلك أمر مطلوب شرعاً وعقلاً، ولابد منه لكل من أراد نجاحاً دنيوياً أو أخروياً.

لكنني أختلف كلياً مع  الذين بنسبون الفضل لذواتهم فقط، ويتغافلون عن صاحب الفضل العظيم، ومسبب الأسباب، الذي لولاه لما تحقق لك شيء مما تريد، ولو وكلك لنفسك لوجدت كسلاً وانصرافاً وعوائقاً لا تحصى.

فكم من مزارع أحسن اختيار الأرض، وأحسن اختيار البذور، واختار أفضل الأوقات، وتعاهدها بالسقيا والسماد والعلاج، ولم ينبت الله زرعه، ولم يحقق مراده.

وكم من مربٍّ لأبنائه، حريص عليهم، مهتم بشأنهم، باذل الغالي والرخيص لأجلهم، ومع ذلك لم يحق الله له مراده، ولم يرد الله لهم صلاحًا أو نجاحاً.

وكم من منطلق في مشروعات تجارية متنوعة ظنّ أنها ستجعله من الأثرياء، وسعى لأجلها سعياً عظيماً، فإذا بها تكبّله ديونًا ورهقًا، وتدخله السجن لا يملك ريالاً.

أيها الكريم ..

اعمل بجدّ، وابذل كلما في وسعك، فذلك من تمام التوكّل على الله، وحين تفعل الأسباب علّق التوفيق على الله، واعتمد عليه، وتوكل عليه، وحين تحقق نجاحاً وفلاحاً فلا تنس في خضم الفرح أن تنسب الفضل إليه، فهو الذي ألهمك الجدّ حين ابتلى سواك بالكسل، ورزقك التوفيق حين حرم غيرك منه، وأزال عنك العوائق وجعلها في طريق من هم أكثر منك حرصاً وعملاً، وتلمس لطف الله في أمرك كله، فلولاه لم حققت شيئاً من النجاح ألبته.

وحذاري من أن تشابه فعل (قارون) الذي رزقه الله مالاً وافراً كثيراً حتى أن مفاتيح تلك الخزائن لتنوء بالعصبة أولي القوة، فغرّته نفسه، وتوهم أن ذلك إنما هو من جهده وعلمه وعقله، وقال الله على لسانه : (قال إنما أوتيته على علم عندي)، فكان اعتداده بنفسه عظيماً، لذا جاءت عاقبته (فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وماكان من المنتصرين)، أما المعجبون به، المتمنون أن يكون حالهم في الثراء مثل حاله، فقد أدركوا أن آمالهم لم تكن في محلها، فروى الله حالهم فقال سبحانه (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون)

احمد الله، واشكره، وأثن عليه، واعترف في كل موضع بأن كل خير أصابك، ونجاح حالفك، إنما هو ( من الله)، وتذكر دوماً قول الله تعالى : ( ومابكم من نعمة فمن الله )، وقوله (ما أصابك من حسنةٍ فمن الله).

فبالشكر، ونسبة الفضل للمنعم: تدوم النعم.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن


نوفمبر 06, 2017

الهروب من الذات


هل سبق لك أن تركت كل المشغلات وأقفلت كل مصادر الضجيج والتواصل والاتصال من حولك، ثم اعتزلت الخلق كلهم، لا أقول أياماً بل ساعات فحسب؟

هل أمضيت ساعات – وأنت مستيقظ طبعاً – دون أن يكون معك أو بجوارك جوال أو تلفاز أو إذاعة أو تواصل شخصي أو حديث هنا أو هناك، حيث الهدوء الشديد، والصمت المطبق؟

كل واحد منّا بحاجة لساعات من الخلوة التي يوقف فيها هدير المحركات، ويخلد فيها إلى السكون التام، وحين تقوم بهذا لعشرين أو ثلاثين دقيقة تقريباً فسوف يبدأ جسمك وعقلك وفؤادك في التحدث إليك، سيبدأ حديث النفس للنفس، ستبدأ أسئلتها التي طالما هربت منها بإدمانك للانشغال إثر الانشغال، لذا فقد آن أوان لحديث الذات، فلا عذر لك.

وفي لحظات السكون النادرة هذه يفترض أن تطرح على نفسك جملة من الأسئلة العميقة والدقيقة، من قبيل:
  • يا فلان هل تراك على الطريق الصحيح؟
  • هل أنت تسير نحو الوجهة الصحيح؟
  • ما الذي يرهقك؟
  • ما الذي يسعدك؟
  • ما هي أولى أولوياتك؟
  • هل تعطيها حقها من الاهتمام؟
  • أي الأعمال تأخذ جهدك وترهقك دون أن تكون ذات أهمية توازي ما تبذله فيها؟
  • كيف وضعك مع عبادتك، مع جسدك، مع عقلك، مع عواطفك؟
  • كيف هي علاقاتك، مع أهلك، مع أصحابك، مع جيرانك؟
  • ما مدى رضاك عن هذا الموضع الذي أنت فيه اليوم؟
  • أليس بإمكانك أن تصنع المزيد وأن تكون في موضع أفضل؟
  • هل أنت مقتنع بتصرفاتك وأسلوب تعاملك واختياراتك؟
  • هل أنت مقتنع بوضعك الاجتماعي؟
  • هل أنت آخذ في الترقي أم الهبوط؟
  • ما القرارات التي يجدر بك اليوم اتخاذها؟
  • ما العلاقات والمشاغل والأعمال والالتزامات التي يفترض بك اليوم قطعها؟

وربما وردت عليك أسئلة أكثر خصوصية وارتباطاً بوضعك..

لماذا فعلت كذا مع فلان ولماذا لم تفعل كذا؟
هل كان تصرفك في ذلك الحدث مناسباً؟
أيجدر بك الاعتذار أم لا؟
هذه وغيرها ستطرحها ذاتك عليك إذا أتحت لها لحظات السكون والصفاء والهدوء، وسوف تجد نفسك بين لحظة وأخرى تنتقل من موضوع لآخر، ومن حدث جديد لحدث قديم، وهكذا دواليك.

لا بأس.

أتح لها الحديثَ كما تريد فهي منذ زمن طويل لم يستمع لها أحد، فلا عجب أن تجد لديها كل هذه الثرثرات المربكة والموقظة في آن واحد.

وسيهدأ هذا الضجيج نسبياً وتتوازن أحاديثه إذا أعطيت لذاتك موعداً أسبوعياً للتأمل والمراجعة والحديث الذاتي والخلوة، لأنك ستبدأ في الإجابة بوعي، والتصرف بوعي وسوف تقوم بحلّ جملة من الإشكاليات التي كانت تطرأ عليك.

إننا أحوج ما تكون للانفصال الاختياري عن الواقع، والتأمل بهدوء، فذلك من عوامل الاستقرار النفسي، وتصحيح المسار، وحصول الاتزان.

دمتم بخير،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

تمت كتابته يوم الجمعة 30 محرم 1439 - نشر في صحيفة  تواصل 

مايو 11, 2017

لعنة المعرفة


هناك مايسميه شيب هيث و دان هيث، مؤلفا كتاب (أفكار وجدت لتبقى)  بـ لعنة المعرفة ! وهي مشكلة شائعة وان لم نسمها بهذا الاسم!
ألم يمرّ عليك وقت عجزت فيه عن شرح ماتعتبره أنت من البديهيات لشخص لم يسبق له أن عرف هذا الشيء؟
فتراك تشرح، ثم توجز، ثم تمثّل، وتكون - ربما - بعد ذلك كله كما قيل:
أراد أن يعربه فأعجمه

والمعنى التفصيلي لهذا المصطلح : أن يكون المرء مدركاً بشكل تفصيلي لـ (المعرفة) حول موضوع محدد، ومن شدّة فهمه وإدراكه واطلاعه على تفاصيل التفاصيل فيه، فإنه حين يريد إيصال هذه المعرفة للآخرين، يعجز عن تبسيطها لهم لكي يفهموها، فتراه بعد كل الشرح للفكرة، لا يزيدها إلا غموضاً، ويصاب الحاضرون بالعجز عن فهم مراده.
وتجد أنه يتعجب كيف توقفت عقولهم عن فهم كلامه، وكيف قصرت أفهامهم عن إدراك مقصده وحديثه "الواضح جداً"، و"البدهي" بينما في الحقيقة أن المشكلة لديه هو، وليست لديهم!

ذلك أنه بعد أن كان جاهلاً بالفكرة - مثلهم اليوم تماماً - ، قد بذل كثيراً، و أمضى مدة غير قصيرة في فهمه للفكرة واستيعاب تفاصيلها، وبذل جهداً كبيراً في ذلك، وبدأ في بناء تصوّره للفكرة شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت الصورة لديه واضحة جداً، وباتت الكثير من المعلومات المهمة حول الفكرة عادية ومعروفة ويسيرة.

فحين يحاول إيصال الفكرة للغير، فإنه يعجز عن تصور حاله قبل العلم بها، ولذا يستخدم مصطلحات ومفاهيم ويرددها على المستهدفين، ويعجز عن تبسيطها بأسلوب واضح، وتجد أنه يريد من الناس أن يفهموها بسرعة لشدة وضوحها في ذهنه.

لهذا عُرف عن بعض الخبراء أو العلماء فشلهم في التعليم ونقل المعرفة أو الخبرة من جراء هذا الخلل، بل وفشلهم في إدراك المشكلة، وأن سببها الرئيس ليس (الجهل) بل (المزيد من العلم والمعرفة المتوفر لديهم)، فلا يفهم حديثهم إلا القلة ممن لديهم مقدمات هذا المعرفة وأجزاء منها.

وفي أرض الواقع : يقع بين يدي بين حين وآخر مطويات تعريفية بمشروع، أو موقع إلكتروني لمشروع، يصوغ محتواها (الخبير ذو المعرفة) فلا تفهم شيئاً من مراده، وتتعجب كيف لمثل هذا النص أن ينشر بهذه الصيغة غير المفهومة.

لذا كان مهماً أن لا يترك أمر إيصال الرسالة للجماهير للمختصين في الفكرة فحسب، فتغدو المادة كالألغاز، بل لابد أن يناقش الخبير أحداً ممن يحسن الصياغة، ويطيل النقاش معه والتنبيش والاستيضاح ووضع البدائل اللفظية، والأمثلة، ثم يكتب مختص الصياغة النصوص المعبّرة عن الفكرة، ويعيد عرضها على الخبير، مع عدم قبول عباراته وجمله العلمية كما هي، فمن ضمن (لعنة المعرفة) كذلك أن يطمح المتخصص إلى حشو تلك النشرات والمواقع بالكثير الكثير من المعلومات التي يعتبرها مهمة، وهي في الحقيقة ليست كذلك.

و يقال : (إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل صغير بكل سهولة، فلديك مشكلة في التعبير) .

والآن: ارجع بالذاكرة إلى وقت مضى، وحاول تذكّر أوقات كنت فيها عاجزاً عن إفهام الآخرين ماتعتبره بديهياً، وتذكّر كذلك معلمين أو خبراء كانوا يسعون جاهدين لشرح بعض القضايا دون نتيجة تذكر، وتدارك فيما بقي، فأحسن تبسيط المعرفة وتيسيرها، تكون بذلك قد قدمت رسالة مختلفة، وواضحة ومؤثرة.

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هـنـا

أبريل 23, 2017

الكثير من "الدرعمة"

كشفت وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيراً من الناس – وللأسف – مستعد للقتال دون قضية، والحماسة لموضوع لا يعرف أبعاده، ومخاصمة الناس على الـ”لا شيء”.
وفي كل يوم تأخذنا الهاشتاقات التويترية نحو قضايا بعينها تحقق “ترنداً” عالمياً، وأرقاماً قياسية في حجم المشاركات، وترى تفاعل الصغير والكبير فيها، تفاعلاً غير متزن، و”درعمة” دون وعي.
لقد أتاحت شبكات التواصل لكل أحدٍ أن يعبر عن رأيه كما يرى، لكنها في المقابل لم تجعل لذلك حداً، والحرية المطلقة شر مطلق، كالمنع والكبت والحصار، لأن تلك الحرية تجعل الناس يهرفون بما لا يعرفون، ويكذبون، ويضخّمون الصغائر، ويطالبون بالحلول غير المنطقية، ويخوضون في النوايا، وينالون من الأعراض، تحت ستار الأسماء المستعارة حيناً والحقيقية أحياناً، ولا يمكنك في الحالتين التحقق من صحة الأسماء أو نسبة تلك الأقوال لأصحابها.

والمشكلة الكبرى، أن الناس يظنون أنهم باتوا إيجابيين وفاعلين ما داموا قد غرّدوا في هذا الهاشتاق أو ذاك، يشعر الواحد منهم أنه أدى رسالته، وقام بمهمته، لأنه ذمّ ذلك القطاع، أو نال من ذلك الشخص، ويعتبر نفسه مؤثرا لمجرد أنه كتب في ذلك الهاشتاق جملة من عبارات السبّ والشتم والدعوات، ولهذا فهو قد بات عنصراً فاعلاً في مجتمعه خلافاً للآخرين!

وما درى المسكين أنه أصبح كالفرّوج (صغير الدجاج) الذي سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها، وهو لا يدري ما الموضوع أصلاً ولا مسبباته.

لقد أصبح وجود مقطع مرئي لامرأة تبكي أو تشتكي، أو هاشتاق يزعم تعنيف امرأة كفيلاً باستنفار تويتري كبير!

مع أنه ربما كانت تلك المرأة ظالمة ومتجنيّة ومفترية، فلا يمكن اعتبار جنس “النساء” أو فئة “العمال” أو عمر “الأطفال” كافياً في اعتبار القضية عادلة، ولا أن تكون الدموع دليلاً على المصداقية، ولذا فسجون النساء ودور الأحداث فيها ألوف السجينات الواقعات في جرائم حقيقية.

إن الاهتمام برفع المظالم، والسعي لإعادة الحقوق لأصحابها، والدفاع عن المساكين، والوقوف في وجه المعتدي أياً كان اسمه ووصفه يعدّ أمراً محموداً مادام يتم وفقاً للشرع المطهر، ومن خلال الأنظمة والوسائل المسموح بها، لكن وكما قيل:

أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا يا سعد تورد الإبل

وكما قال الآخر – في الإبل كذلك -:


أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل

ليس الإنجاز أن نلعن ونسبّ ونشتم الفاعل، قبل أن نستوثق من الأمر برمته، من حيث ثبوته، ومن حيث مسبباته، وأن نكمل أجزاء الصورة قبل الحكم عليها، وقد قال عمر بن عبدالعزيز لأحد قضاته: (إذا أتاك الخصم وقد فُقئت عينه، فلا تحكم له حتى يأتي خصمه؛ فلعله قد فُقئت عيناه جميعاً).

إنها دعوة للتريّث والتحقق والتثبت، وامتثال قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، وليست دعوة للتخاذل والقعود عن إنكار المنكر أو نصرة المظلوم.

ولنرفع شعاراً دائماً: لا للدرعمة*.

_________________
* الدرعمة : الانطلاق مع الجموع دون وعي، والتعجّل في إصدار الأحكام دون وجود معلومات كافية.


دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan


تم نشر المقال في صحيفة تواصل هـنـا