‏إظهار الرسائل ذات التسميات إشراقات إدارية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إشراقات إدارية. إظهار كافة الرسائل

مايو 07, 2024

قوة الأدوات البسيطة

يتوقع البعض أن إحداث التغيير الشخصي أو المجتمعي مشروط ومرتبط -دوماً- بالإمكانيات الضخمة، والأدوات الكبيرة، بل وربما التكلفة العالية، والعدد الكبير من الناس..  

وأنا -وإن كنت لا أقلل من تأثير تلك الأمور في ما يتعلق بالتغيير- أعتقد بأننا نستخدم هذا الأمروهذه الحجة في الكثير من الأحيان باعتباره (حيلة نفسية) حيث توهمنا بأن الأمور أكبر من قدراتنا، وأنها تحتاج إلى أضعاف مقدراتنا، الأمر الذي يصيبنا بالعجز والإحباط، فنبرر لأنفسنا السلبية، وترك العمل، ونعتاد القبول بأقل النتائج، تحت ذريعة أننا لا نملك ما يكفي لإطلاق التغييرات الكبرى، في أنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا، فننكص، ونتخاذل، وربما تواصينا بذلك، وجعلناه جزءاً من أدبياتنا المتداولة في مجالسنا.

وحين نتكلم عن إصلاح المجتمع وتوجيهه – على سبيل المثال- في أي جانب من الجوانب(الاجتماعية، أو الصحية، أو النفسية، أو التعليمية،أو غيرها ) فيجب أن لا نتوقع أن يكون ذلك محصوراً في المشاريع المكلّفة بالضرورة، بل قد يكون باستغلال وتوظيف أيسر الأشياء وأصغرها وأكثرها اعتياداً.

ولكي أضع مثالاً عملياً، فإنني أشير إلى (خطبة الجمعة) والتي ينبغي التساؤل عن الكيفية الصحيحة  لتفعيلها لتكون أكثر فاعلية، وتأثيراً، وخدمة للمصلين فيما يحتاجون إليه، ودلالتهم على الخير، وبيان أوجهه، حيث يمكنها أن تُّحدث أعظم الأثر في الوعي ونشر المعرفة،  إذ أن في هذا الحديث الأسبوعي المنتظم (خطبة الجمعة) من المزايا ما ليس في غيرها من التقنيات الحديثة، والأساليب العصرية، فهي رغم اعتيادنا عليها تتميز بمزايا: أولها الاستمرارية، ولا يمكن أن تتوقف لتغير التقنيات أو تطور الوسائل، أو غيرها، وهي - ثانياً - مما يجب على الجميع حضوره، والإنصات للخطيب، ويحرم على الجميع الحديث أو العبث أثناء وقت الخطبة، وهي مميزات لا تتوفر لأي وسيلة إعلامية أخرى مهما عظمت وكبرت!، كما أنها من الشعائر التي تلتزم بها أكثر المجتمعات المسلمة، وتهتم بها، حتى وإن قَصَرَت في أركان وشعائر أخرى.

إن التأمل في سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدرك أنه لم تكن لديهم وسائل استثنائية، غير أنهم يبذلون غاية في الوسع في حدود الممكن، وقد قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) وقال (ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى أسواق قريش وتجمعاتها لينشر دعوته في العالمين، حسب المتاح والممكن، وبدأ بالنطاق الأيسر والمتاح ( وأنذر عشيرتك الأقربين).

وما أريد أن أصل إليه هنا هو أن المطلوب من كل واحد منا أن يقوم بما يمكنه في خدمة مجتمعه، ودينه، ونفسه، وأن يسعى بالوسائل المتاحة، وبهذا يرفع الحرج والإثم عن نفسه، ويكون حينها من المصلحين (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

تأمل في واقعك القريب، وتأمل في قدراتك ومواهبك وإمكانياتك، ثم انطلق نحو تحقيق أهدافك السامية، وتوكل على الله، وإذا حسنت النوايا؛ حلت البركة، والنفع، والتأثير من حيث لا تحتسب.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

28 – 10 – 1445  هـ


ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

تجربة الفِطام الذاتي!


خاض جميعنا تجربة الفطام من الرضاعة، وكانت تجربة متعبة في بدايتها، غير أنها ممتعة في عاقبتها، وبدلاً من الاكتفاء بمشروب واحد في البكرة والعشي، أصبح المتعرض للفطام قادرا على الأكل من أنواع المأكولات والمشروبات، مستمتعاً بالكثير من النعم.

وحديثي هنا ليس ذلك الفطام، بل عن فطام من نوع آخر، وهو لون من الحرمان الاختياري، والقرار الشخصي بالتوقف عن شيء ما.

ومن المهم لكل من أراد التحكم بذاته، وإدارة نفسه، وسلوكياته، وتحقيق النجاحات الكبرى أن يكون قادراً على فطام النفس عن بعض مشتهياتها متى ما أراد، فلا يكون منساقاً لها دون قيود أو حدود.
وهاهنا يروق لي ذلك البيت من الشعر النبطي :
مايذوق العز خمّام الوسايد * والرجل ماينفعه كثر التمني

والذي يوضح فيه الشاعر أن الاستسلام للملذات، ومنها النوم مثلاً، ليس طريقاً سالكاً نحو العز، والجاه، والمكانة، فتلك الدرجات الرفيعة تتطلب قرارات جريئة بإهمال وترك جملة من الأشياء، واعتزالها.
ولعل من ذلك أن يراجع المرء وقته، ومضيعات الوقت الأكثر تأثيراً عليه، ثم يفطم نفسه عن بعض تلك المضيّعات زمناً، ليكسر حاجز الاعتياد والتعلق.

ومن نماذج ذلك في مجال الأجهزة الذكية: أن يحذف الواحد منا (بعض) التطبيقات التي وجد أنه بات يمضي عليها (الكثير) من الوقت دون جدوى، والتي أصبحت تؤثر على أهدافه الأخرى، ومستوى إنتاجيته، وكل واحد منا أدرى بالتطبيق الذي يستغرق عليه أوقاتاً طويلة، حتى ولو كان ذلك الحذف مؤقتاً بأيام أو أسابيع، ذلك أن الانقطاع حيناً يورث تقليل الإدمان دون شك.

ومن الفطام المحمود، فطام النفس عن اعتياداتها السلبية، كاعتياد النوم الكثير، والكسل الذهني والجسدي، واعتياد الراحة، والخلود إلى سلوك الانزواء وعدم الفاعلية والرضى بالدون في كل مجالات الحياة.

ومن ذلك فطام النفس عن أصحاب الهمم الدنيئة، والاهتمامات السطحية، واتخاذ القرارات الحاسمة بتقليل الوقت المخصص للجلوس معهم إلى أضيق ما يمكن.  
وفي ذلك كله يصدق قول الشاعر :
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على * حبّ الرضاع، وإن تفطمهُ ينفطِـمِ

ولست أنسى الإشارة إلى لون آخر من ألوان الفطام ، لا يقل أهمية عن سابقه، وهو فطام يمنحنا متعة الحياة، ويجعلنا نسعد بها دوماً، وهو فطام النفس عن مواصلة الانغماس في محبوباتها المباحة، إذ الواجب المحافظة على عدم التشبع التام من تلك المتع التي نحبها، فإن الإكثار منها سبب للملل منها، والعزوف عنها، والهدف من عدم الاسترسال في تلك المتع أن تبقى متعة ممارستها، ولا تزول عنا لحظات انتظارها، والشوق إليها.

فمتعة السفر– مثلاً- والتي يعدّها الناس أحد أفضل المتع، ويبذلون لها الأوقات والأموال، حينما تكثر وتزداد في حياة المرء، ويغمر بها كل الأوقات، ويتواصل تكرارها بشكل متتال، فإن ذلك سيؤدي  - دون شك -  إلى فقدان مشاعر البهجة، والمتعة، والترقب، حينما تقرر سفراً آخر، وسيقل شعورك بتفاصيل الرحلة، من المطار، إلى الطائرة، إلى الإقلاع والهبوط، إلى لحظات الاستكشاف لأول مرة، ورهبة البدايات، وغيرها من المتع التفصيلية للأسفار، وستنخفض كثيراً متعة السفر وحبه وانتظاره، ويتحول إلى روتين غير مثير للسرور.

والأمر ذاته حينما نتحدث عن (متعة التسوق) فالذين يشترون كل ما تطمح إليه نفوسهم، أو يأكلون كلما تشتهيه أجسادهم دون تردد لمجرد قدرتهم المالية على الشراء، فإنهم سيشعرون بالتشبّع بتلك المتعة، لدرجة الملل منها، فاستمرار المرء في إشباع رغباته دون توقف، يجعل تلك الرغبات تبلى وتذبل، ويجعل تلك المتع تزول لذتها، فيصبح تحقيق السعادات الصغيرة أمراً غير يسير.
والناجحون والسعداء لديهم القدرة العالية على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، وتباعد أوقاتها، والتوازن في التعامل معها، لأنهم ينظرون إلى مشهد الحياة ككل، وليس إلى اللحظة الحاضرة فحسب، ويخططون للمحافظة على رونق تلك المتع المختلفة، ويدركون أنه كلما استزاد الإنسان من المتع المادية المحسوسة تراجعت درجة استمتاعه بها.
ومن العجائب أن ذلك الأمر لا ينطبق إطلاقاً على المتع الروحية، فإن زيادتها تؤدي إلى مزيد من التأثير الإيجابي الذي تحدثه، والاستغراق فيها يزيدها بهاء، فتزداد مشاعر البهجة في كل مرة، فالأشخاص المهتمون بإرواء أرواحهم، وإشباعها، من خلال الدعاء، والصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفعل المعروف يكونون أقدر على التغلب على التوتر والأمراض البدنية، ويكونون أكثر سعادة وسروراً حتى ولو كانت المتع الجسدية لديهم منخفضة للغاية.

والحديث عن الفطام برمته يأتي استجابة للأوامر والنصوص الكثيرة الداعية إلى الاعتدال في كل شيء، والاتزان في كل شيء، كما في حديث النبي ﷺ : (حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِ) ، وقوله ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)، ويتوافق مع المقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم"

محمد بن سعد العوشن
3 /  6 / 1445  هـ
الرياض 
حرسها الله

ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله


نوفمبر 13, 2023

الصديق الحقيقي!

لطالما كانت أوقات الرخاء والمسرات والسعة أوقاتا يتكاثر فيها الرفاق، ويشعر المرء أنه محاط بالكثير من الأصدقاء، والزملاء، من الأقارب، أو سكان الحي، أو من تعرّف عليهم في مراحله التعليمية المختلفة، أو عمل معهم في وظيفة ومنظمة واحدة.

وربما ظن المرء أنه حين يجد الجد، ويقع المكروه، وينشد "الفزعة" منهم، فإن تلك الأعداد غير المحدودة، جاهزة للمبادرة، تنتظر الإشارة منه، بل ربما توقع أن يسبقوا لذلك دون انتظار النداء.

والحقيقة أن هذا وهم كبير، فالناس الذين تعرفهم أو عشت معهم، أو تزاملت معهم في دراسة أو عمل، يتعايشون معك بوصفك جزءاً من مجتمعهم، وهم يعدونك جزءاً يسيراً من علاقاتهم الكثيرة، فلا تتوقع أن تكون لدى كل واحد منهم في المنازل الأولى، وأنه ينظر إليه كأقرب صديق، ذلك أن تلك التوقعات حين يجد الجدّ ستكون مؤلمة جداً.

لذا فإن من المهم لك أن تفرّق جيداً بين الزملاء والأصحاب الكثر، والذين تتعايش معهم، وتأنس بهم، وتمضي جملة من الأوقات معهم، وبين الأصدقاء الحقيقيين الذين تدّخرهم للنوائب، ممن سيتفانون في تقديم الخدمة لك، وسيسعون بكل جهدهم لمساعدتك على النهوض بعد الوقوع، وسيلازمونك ملازمة الأخ الشقيق، وسيتألمون مثلما تتألم، فـ"الصديق وقت الضيق" كما يقول المثل الشائع.

وما أجمل بيت الشاعر عبد الله بن عون في هذا التفريق المهم بين الأصحاب، حيث يقول:

بعض العرب للتمشية والتساهيل  * وبعض العرب للمعضلات وخطرها

ومثله بيت الشاعر فهد الصميدي، الذي يقول فيه:

أحدن أجيه اضيع الوقت واياه * واحدن إلى ضيعني الوقت جيته

إنه أسلوب حياة في التعامل مع الآخرين، يقتضي وضع كل واحد منهم في منزلته التي تليق به، وهو يعني الانفتاح واللطف مع الجميع، مع إدراك أن ذلك يأتي من باب الإحسان وفعل الخير، وبذل المعروف، الذي يرجى نفعه في الدنيا، وأجره في الآخرة، فالتبسم في وجوه الآخرين، وأن يكون المرء ممن يألف ويؤلف هو أمر ممدوح ومرغّب فيه، غير أنه في الوقت نفسه يجب الانتباه جيداً لتلك  القلة القليلة، والنخبة المنتقاة من الأصدقاء الصدوقين المقرّبين، الذين يعلم المرء أنهم أهل لهذه المنزلة، وأنهم جديرون بتخصيصهم بالبذل والوقت والاهتمام والعناية، هؤلاء القلة جديرون بأن يحظوا بامتيازات خاصة، لا أن تعاملهم كما تعامل بقية الرفاق.

وفي الوقت الذي تتساءل وتتلفت في وجوه أصحابك متسائلاً في نفسك: أيهم "للمعضلات وخطرها"؟  وأيهم إذا ضيّعك "الوقت جيته"؟ وهو تساؤل مشروع ومطلوب؛ عليك أن تسأل نفسك: أي أولئك ينظر إليك تلك النظرة ذاتها، ويعلّق عليك الآمال حين تنزل به النازلة، أيهم سيقصدك قبل أن يفكر في سواك، وأيهم سيلجأ بعد الله إليك، وأيهم يؤمل أن تبادر لـ"الفزعة" معه قبل أن يسأل؟ وهل ستكون عند حسن ظن أصدقائك بك، أم أنك وقت حاجتك كثير الإلحاح، ووقت حاجتهم كثير الأعذار.

إن من الحصافة والحكمة أن يختار المرء أصدقاءه الخلّص، وأن يفي للصداقة بحقوقها، وأن يسأل الله تعالى ألا يحوجه إلى أحد، لكنه حين يحتاج فسوف يراهم إلى جانبه وقوفاً، لا تصرفهم عنه المعاذير، والجزاء من جنس العمل.

أيها القارئ الكريم.. إنني أدعوك لأن تكون لطيفاً مع الكل، لكنك أكثر لطفاً وأثراً مع أولئك النفر القليل، وأدعوك لأن تكون كريماً، لكنك أكثر كرماً مع الأصدقاء الحقيقيون، وأدعوك لأن تكون ذا نجدة، وفزعة، ونصرة لمن تستطيع، لكنك أكثر وأسرع إلى الثلة المختارة. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

29 ربيع الثاني 1445

الموافق 12 /11 / 2023

سبتمبر 02, 2023

المؤسسية المفترى عليها!

في استبانة تم تطبيقها على موظفي أحد المنظمات، تفاجأ المقيمون بتردد مصطلح (المؤسسية) في أكثر من موضع على لسان من أجابوا على الاستبيان، وحين بدأ الفريق في تحليل الإجابات، قرروا أهمية الالتقاء المباشر مع الموظفين واحداً بعد آخر، للتأكد من دقة الإجابات، والتحقق من النتائج التي تم التوصل إليها.

وتفاجأ أصحاب الدراسة بأن عدداً ممن طبق عليهم الاستبيان كانوا ينتقدون أموراً في منظمتهم، واصفين ما يقع بأنه يخالف العمل المؤسسي، ويطالبون بأمور، ويقولون بأن العمل المؤسسي يقتضيها، وهي إجابات متناقضة بين المجيبين، فما يعتبره الأول مؤسسياً يراه الآخر خلاف ذلك!

وطلب الفريق مؤهلات الموظفين وخبراتهم المؤسسية التي من خلالها باتوا يحكمون على الأعمال بأنها مؤسسية أو غير مؤسسية، وكانت دهشتهم كبيرة حين علموا بأن بعض هؤلاء حديث التخرج، وهو لم يلتحق بالعمل الوظيفي إلا قبل ثمانية أشهر، كما وجدوا أن أحدهم كان يحمل مؤهل المرحلة الثانوية، فهو يفتقر للأسس المعرفية التي تتيح له معرفة ما يتحدث عنه!، وكان بعض من أجابوا قد اعتبروا عملهم السابق، أياً كان هو المقياس الذي عليه تقاس المؤسسية وجوداً أو عدماً!

إن قراءة هذا المشهد الصغير توضح تماماً المشهد الأكبر حينما يتحدث الناس بما لا يعرفون، ويرون أن ترديد بعض الكلمات والمفردات  في حديثهم أو نقدهم، كالمؤسسية والحوكمة والاستراتيجية و الاستدامة، تجعل حديثهم يبدو أكثر نضجاً ومصداقية، مع أنهم في الحقيقة فارغون من الداخل، يحاولون أن يجعلوا من صنيعهم، أو يضفوا على رغباتهم شيئاً من هذه المصطلحات لترويجها، وبالمقابل، فإنهم مستعدون لوصف أي عمل لا يوافق أهواءهم بأنه يفتقر للمؤسسية، وينقض أبجديات الحوكمة!

وفي أحد المنظمات، حدثني قائد خبير- تم تعيينه في تلك المنظمة مؤخراً- حدثني وهو يشتكي من مصطلح (المؤسسية)، وقال لي بلهجة عامية : لا عادت ها المؤسسية! هل تعرف ماهي المؤسسية في منظمتنا؟ فأجبته بالنفي، وتساءلت : وماذا تعني لديكم؟ قال: المؤسسية وفق فهم فريق العمل: أن يملك الموظف الأدنى في التسلسل الإداري القرار، دون القائد، لأن اتخاذ القرار يسير من الأدنى إلى الأعلى، فإذا لم يوافق الموظف الأصغر على المشروع فإنه يملك حق حجبه ومنعه! أما القائد – بكل خبراته التراكمية وإحاطته بالمشهد بعمومه – فإنه غير مخوّل باتخاذ القرار، بل عليه الانتظار حتى يقرر ذلك الموظف قراره الحاسم!

وفي منظمة ثالثة، كان رئيس القسم يقوم بدراسة المشروعات الواردة مع موظفيه، ثم يرفع توصيته للمدير، فإذا ردّ المدير أحد المشروعات لعدم قناعته بالمبررات، أو لارتفاع التكاليف، أو لعدم الجدوى، أو لغيرها، وقف في وجهه رئيس القسم، قائلاً : كيف يتم ردّ الرأي الجماعي (رأي رئيس القسم وموظفيه) برأي الفرد (المدير)؟ وأين العمل المؤسسي؟ فكان المدير يرد عليه ببساطة قائلاً : مهمتي كمدير، هي اتخاذ القرار، و ليس أن أبصم على قرارات من دوني، ولو كانت هي مهمتي، هي قبول قراراتكم فإنه هذا يعني عدم الحاجة لوجودي أصلاً، لأن ما تقرره أنت فسوف يمضي، وهذا غير منطقي، وأنا في موقعي هذا فأنا قد وظفت فريق العمل لإعانتي على اتخاذ القرار، وليس لاتخاذ القرار نيابة عني، او بمعزل عني، فخرج رئيس القسم وهو يندب حظه على فقدان (المؤسسية)!.

إننا في حاجة لتحرير المصطلحات أولاً، ثم القياس للواقع من خلال منهجية دقيقة، وأدوات محكمة، ومؤشرات واضحة تحيط بالمعاني بشكل متوازن، أما أن نضع المعاني من خلال توقعاتنا القاصرة ثم ننطلق نحو إصدار الأحكام على الآخرين فذلك جهل مركب.  

ومن المهم في ختام حديثي هنا أن ندرك أن مشكلتنا تأتي غالباً من المتعالمين الذين يعرفون شيئاً يسيراً، ثم يبنون على تلك المعارف المحدودة مبانٍ شاهقة على غير أساس، تهوي مع أول نقاش علمي معهم، والذين يحاولون تقوية آرائهم واجتهاداتهم الفردية الخاصة ببعض المصطلحات من أجل الإلزام بها، واعتبار المخالف لهم جاهلاً بأسس العمل الإداري الرشيد!

أسأل الله أن يوفقنا دوماً للرشاد، وأن يصلح نوايانا، ويدلنا على الخير، دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


أغسطس 26, 2023

العاطفة المسيطرة!


نتوقع أننا حين نصدر قراراتنا أو أحكامنا على الأشخاص، أو الجهات، أو الأعمال، فإننا ننطلق من موضوعية عالية، وأننا نحكّم فيها العقل والمنطق بشكل فعّال، ونستند على المعلومات لاتخاذ تلك الأحكام، ولهذا فإنه يغلب على ظننا أنها أحكام صحيحة، ومتقنة في الوقت ذاته.

غير أن الحقيقة بخلاف ذلك كله، إذ تثبت الدراسات، والوقائع، والأحداث أن قراراتنا في الكثير من الأحيان متأثرة تأثراً بالغاً بحالتنا النفسية، والعاطفية، والوضع الذي نعيشه أو نشعر به حينما نصدر تلك القرارات..

 بل والوضع الذي يكون عليه الطرف المحكوم عليه، وطبيعة علاقتنا به، وتاريخنا معه، وهي عوامل مؤثرة وفاعلة، ويمكنها أن تغيّر أحكامنا 180 درجة أو دون ذلك.

وقد كتب أبو بكرة إلى ابنه -وكان بسجستان- بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان.

وأورد الفقهاء الكثير من أقوال العلماء في شرح هذا النص، وبيان أن إصدار القرارات والأحكام مع وجود المشغلات أو المنغصات أو الظروف المحيطة يجعل الحكم والقرار أقل رشداً، وأكثر عرضة للخطأ.

وثمة مقولة حقوقية أمريكية ذائعة مفادها "إن العدالة تتوقف على ما أكله القاضي في الصباح"!

وفي دراسة أجراها جوناثان ليفاف من جامعة كولومبيا عام 2011 أوضحت أن القضاة يميلون أكثر للحكم بعفو مبكر بعد تناول وجبة أو استراحة، لكن لا يحدث هذا بنفس المستوى إذا أصدروا حكمهم في وقت لاحق من اليوم!.

و في دراسة أخرى أجريت على 700 ألف زيارة طبيب، وجد أن الأطباء يميلون وصف العقاقير المخدرة من أشباه الافيونيات في نهاية اليوم أكثر مما يصفونه في الصباح، و وفي دراسة على 682 متقدم للتسجيل في التعليم وجد أن الأيام الغائمة تزيد من نسبة قبول المتقدمين للدراسة بمعدل أكثر من 12% من الأيام المشمسة!، ولذا كان عنوان الدراسة غريباً ( الغيوم تظهر الحمقى بمظهر جيد).

كما وجدت دراسة أجنبية أخرى أن القضاة يميلون لأحكام قاسية أكثر حين يخسر الفريق المحلي للمدينة في كرة القدم، تم قياس ذلك على مليون ونصف حكم قضائي. وقد وجدت دراسة أجريت على ستة ملايين حكم قضائي في فرنسا أن القضاة يظهرون تسامحاً أكثر في يوم ميلادهم.

إن ما توصلت إليه تلك الدراسات - وامثالها كثير - هو : أن هناك الكثير من العوامل التي تساهم في اتخاذ القرار، وهي ليست منطقية ولا عقلانية، بل هي ظرف خارجي محيط يدفع نحو هذا القرار أو ذاك.

وحديثي هنا ليس دعوة لترك اتخاذ القرارات، أو عدم إصدار الأحكام على الأشياء، لأن طبيعة الحياة وتسارعها يدفعك لفعل ذلك، وإلا فسوف تتوقف عن كل شيء، لكنني هنا أريد الإشارة إلى أننا ونحن نصدر الكثير من الأحكام في حياتنا، يجب أن ندرك أمرين اثنين:

أولهما : أن تلك الأحكام التي نصدرها، هي أحكام ظنيّة تقريبية، وفق المعطيات المتوافرة وقت إصدارها،  ووفقاً للحالة العامة التي نعيشها، والظروف المحيطة بنا آنذاك، وبناء عليه فإن الحماسة المفرطة لتلك القرارات، والتمسك المطلق بها لكونها قد صدرت منا ليس من الحكمة في شيء، بل الاتزان في التعامل معها، واعتبارها مبنية على غلبة الظن، لا على اليقين في الكثير من الأحيان، يجعلها في مكانها الطبيعي.

ثانيهما : أن المرء في حاجة مستمرة لمراجعة أحكامه، ولا تثريب عليه في تغييرها، أوتعديلها إن تطلب الأمر ذلك، وإدراك أن هذه التعديلات على أحكامنا لا يعني ضعفاً، ولا تردداً، بل هو في حقيقته يعني المزيد من الثقة في النفس، وقوة في الرجوع للحق.

ولذا تضمنت رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصية هامة، يقول فيها:" لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" .

وفي السياق ذاته قال عبد الرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: " إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

واللاعقلانية في إصدار الأحكام والقرارات لها مسببات كثيرة، منها نقص المعلومات، او التحيز المكاني، أو العرقي، أو الديني، او المواقف السابقة، أو الحالة النفسية والصحية والمالية والاجتماعية، أو الضغوطات والتشويشات التي تتم أثناء ذلك.   

وقد دفعني لتحرير هذا المقال،  ”تعليق“ كنت قد كتبته في نهاية صفحات أحد الكتب التي سبق لي قراءتها!.حيث وجدتني قد قلّلّت من شأن الكتاب، وحكمت عليه بعدم الفائدة، ثم إنني أعدت قراءته مرة أخرى، فتبين لي أن حكمي السابق لم يكن دقيقاً، وأنه بالرغم من وجود أجزاء من الكتاب يمكن وصفها بذلك الوصف إلا أن أجزاء أخرى كانت مليئة بالفوائد، وحينما حاولت معرفة سبب ذلك الحكم تبين لي أنني قرأت الكتاب على مراحل، وأن حكمي كان -في حقيقته- على المرحلة الأخيرة من الكتاب لا على سائر الكتاب.


ثم تأملت في نفسي، فوجدتني في أحوال أخرى أصدر أحكاماً على أمور، وأنا لم أحط بكل جوانبها، وإنما بما ظهر لي منها، ويكون الحكم حينذاك مبرراً ومنطقياً، وحين أتواصل مع الأطراف ذات العلاقة، وأقف على التفاصيل التي لم تكن ظاهرة لي، أدرك أن حكمي السابق أحوج ما يكون إلى المراجعة الفعلية.

 وأمتلك - بحمد الله -  من الشجاعة و الجرأة ما يجعلني أعترف بخطأ حكمي السابق، وتغييره، فالحق ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى بها.

جعلنا الله وإياكم من الرجّاعين للحق، وأصلح الله لنا النوايا، ووقانا شر أنفسنا وشر الشيطان، وجعلنا مباركين أينما كنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

10 صفر  1445 هـ

يوليو 06, 2023

الواهمون الفاهمون العارفون!

يمر بك في حياتك العامة، والوظيفية صنف عجيب من الناس!

ذلك الصنف الذي يظن ويتوهم أنه خبير ومتخصص في أحد المجالات، وتراه ينظر للمتخصصين وأصحاب التجربة الطويلة بشيء من الانتقاص، والتقليل من شأنهم، زاعماً أن مشكلتهم أنهم "لا يفهمون"!!،

هؤلاء الأشخاص لديهم "متلازمة دانينغ كروجر" وهي انحياز في الإدراك يشير إلى ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم، وتتلخص النظرية في أن:"الجهل على عكس المعرفة الحقيقية، يزيد الثقة بالنفس" -كما ينقل طارق الأحمري-.

وحين تعرض على احد هؤلاء أهمية الاستفادة من الدكتور أو البروفسور فلان بحكم تخصصه في ذات المجال سنين طويلة، تراه يرد عليك قائلاً : هذا الدكتور أكاديمي!، ومشكلة الأكاديميين دوماً أنهم خبراء في التنظير، وفي غرفة الدرس، ورائعون في إعداد البحوث العلمية المكتبية، لكنهم يفتقرون تماماً للخبرة العملية، فرأيهم لا اعتبار له، وهو يصدر من أبراج عاجية لم يخوضوا غمار التجربة العملية، فدعهم عنك.

فإن عرضت عليه الاستفادة من رجل الأعمال الممارس في ذات المجال، قال لك : مشكلة رجال الأعمال أنهم بعيدون عن التنفيذ المباشر، ودورهم إشرافي عام، ونجاحهم بسبب علاقاتهم، أو فريق العمل العامل لديهم، ولذا فإن أفكارهم مختلفة، وطرائق النظر عندهم ليست مناسبة،  فدعه عنك.

فإن أشرت عليه بالاستفادة من خبرة المدير التنفيذي لهذه الشركة أو تلك وهي شركة ناجحة تعمل في مجال مشابه منذ عقد من السنوات، قال لك: لا أسلّم لك بأن الشركة ناجحة أصلاً، وإن كان هناك شيء من النجاح، فهو بسبب الملاك ، أو العلاقات، أو أسبقيتهم في المجال، والحقيقة أن مثل هؤلاء إن استشرته فإنه سيقيد أفكارك المنطلقة، وسيكون محصوراً بتجربته المحدودة، فدعه عنك.

فإن قلت له : المشروع بحاجة إلى خبير مالي، قال : المالية ليست سراً، وكلنا نعرف كيف يمكن أن تتم الإدارة المالية، لا تصدّق ما يحاول المتخصصون إيهامنا به من كونهم يعرفون ما لا نعرف، وكم رأيت من خبير مالي لا يفقه في تخصصه شيئاً.

فإن طلبت منه الاستفادة من خبير إداري، قال : كل حياتي مضت في الإدارة، فلا أحتاج إلى من يمارس الأستاذية عليّ، وقد حضرت مجالس إدارة بعض الشركات فما وجدت من يملك ما أملكه من خبرات متنوعة، ووجدت جملة منهم خبرته متواضعة رغم المناصب التي عمل فيها، بل لقد أبديت عدداً من الملاحظات الإدارية فقوبلت باستحسان الكثيرين، مع أنها كانت من طرف الذهن، دون تحضير مسبق.

ثم عقّب قائلا .. أتعرف ماهي مشكلتنا؟

فأجبته : لا ، ولكن ربما قلة القيادات المتمكنة والمتخصصة.

فقال لي : أخطأت في إجابتك ..

 مشكلتنا يا أبا سعد .  أننا نقلل من ذواتنا، ولا نعترف بقدراتنا، ولا ندرك مكانتنا الحقيقية المتميزة!!!!!


يا سلام عليك .. 

لقد أقفلت الأبواب ..

يا نادرة الزمان، وفريد عصره، ووحيد دهره.

فأنت رجل المهمات الكبرى.

وأنت البطل المغوار لكل كريهة.

وأنت المعلم للجيل، بل للأجيال الحالية والقادمة.

أنت مدرسة تستحق أن يتعلم الناس فيها ومنها.

ما أعظم تقصير الناس في حقّك..

وكان الأجدر بهم أن يضعوا لك نصباً تذكارياً يخلّد أعمالك المجيدة، وسماتك العجيبة، لكي يراه الناس رغم تقادم الدهور.

لكنه زمان سوء ذلك الذي لم يعرف فيه قدر أمثالك.


أعان الله من كنت له رئيساً ، وأعان أهلك بيتك عليك، وأعانك على نفسك.


محمد بن سعد بن عوشن

06 / 07 / 2023


تنويه : أخي القارئ، إن شككت لبرهة أنني أقصدك بهذا المقال، فراجع نفسك، وردد "رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي".

أبريل 05, 2023

المنظمات التي تبدو ناجحة!

إعجاب ولايك على شبكات التواصل
يتسامع الناس ويتناقلون الحديث عن هذه المنظمة أو تلك، واصفين إياها بالنجاح، والتميز، والتفوّق، ونحوها من الألفاظ المطلقة والعامة، وربما انطلقوا بعد ذلك إلى طرح الأسئلة حول سرّ تلك النجاحات، وعوامل تحققها.

والحقيقة أنه قبل السؤال عن أسرار النجاحات، فإننا بحاجة  - أولاً – للاستيثاق من هذا الحكم الأولي بالنجاح ابتداءاً، قبل أن نبدأ في دراسة مسبباته.

وهذا يعني أن نعود للمربع رقم واحد، ونسأل: هل هذه المنظمة ناجحة فعلاً؟ وما المعايير التي من خلالها تم إصدار هذا الحكم، وهل جاء اعتبارها ناجحة من خلال فحص فني دقيق، ومعايير محكّمة، مع وجود الشواهد المؤكدة لذلك، أم أننا تقبلنا تلك الأحكام بالتسليم انطلاقاً من بعض الانطباعات الشخصية، والإجابات العامة؟

والذي يدعوني لطرح هذه الأسئلة التي تتناول مدى وجود النجاح أصلاً، أن جملة من المنظمات التي تبدو ناجحة في عملها إنما بدت كذلك لا لنجاحها الفعلي على أرض الواقع، وإحداثها للأثر المنشود، وإنما بسبب جهد إعلامي دؤوب في بناء الصورة الذهنية، وإنفاق الكثير من المخصصات المالية التي تهدف للتلميع والظهور والإبراز الإعلامي، من خلال تقارير براقة، ومعرفات نشطة، وحملات ترويج، ومواد مرئية متقنة، وهي الأدوات التي من شأنها أن تجعل الصغير عظيما، والفاشل ناجحاً، والعكس.

أرقام متناثرة

كما أن الأرقام التي توصف بأنها (لا تكذب)، يمكن استعمالها في الخداع على نطاق واسع، بحيث تبدو الأرقام مقنعة جداً وتدعو للانبهار، وحين يتم تدقيقها ومراجعتها فإنها تتبخر كقطرات من الماء في شمس الظهيرة.

لذا فالمسألة الأولى، والمهمة هي: التأكد من وجود النجاح فعلياً، واستخدام الأدوات المحكمة للوصول إلى هذه النتيجة..

وهي كما يقول المثل : ثبّت العرش ثم انقش .

فحين نتحقق منها نأتي إلى السؤال - الذي يكون في محله حينئذ - من خلال بذل غاية الوسع في معرفة الأسباب التي أدت لذلك النجاح، وعدم الاعتماد على الانطباعات العجلى والسريعة، فإن الأحكام المبنية على مجرد الظنون والتوقعات ليست مما يمكن البناء عليه والاعتماد على نتائجه.

ولاشك أن تقييم المنظمات لمعرفة الناجح منها، والدراسة للأسباب من شأنها أن تنشر ثقافة التميز والنجاح، وتعطي خارطة طريق واضحة للراغبين في اللحاق بركب الناجحين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله

  #الإدارة #التطوير #المنظمات #النجاح #التميز #العمل_الخيري #العمل_غير_الربحي #القطاع_الثالث

مارس 21, 2023

ظاهرة الإذعان للسائد!

أيدي مقيّدة

في بحث ميداني معمّق أجراه عالم الأوبئة الاسكوتلندي "آرشي كوكرين" حول مدى أهمية بقاء المرضى في وحدات العناية بالشريان التاجي بالمستشفيات، والفرق بينها وبين وجود المريض فترة النقاهة في المنزل تحت رعاية منزلية طبية، وجد أن وحدات العناية بالمستشفيات أكثر خطورة على المريض، وأن البقاء في المنزل هو الأكثر أماناً، وهو ما يخالف السائد لدى كافة العاملين في الحقل الطبي!

وقد تحدث "كوكرين" عن جملة من الممارسات السائدة في الحقل الطبي  والتي اكتشف لاحقاً  - بعد الكثير من اللوم للمشككين - أن جملة من تلك المسلمات لدى الناس، بل وربما لدى المتخصصين: غير صحيحة!

وأياً كان موقفك من النتيجة التي توصل إليها كوكرين، فالأمر لا يهمّ، إذ العبرة هنا بالمثال الذي يؤكد على أن التسليم بالأساليب المعمول بها لمجرد أنها "سائدة ومتوارثة ومستمرة" غير صحيح، وأن التوقف عن اختبار الأدوات والأساليب ليس سلوكاً صحياً.

وفي الكثير من مجالات الحياة، اعتاد الناس على طرائق وآليات وأساليب للعمل، شاب عليها الصغير، وباتت في حكم المسلمات والقطعيات، للدرجة التي لم يصبح هناك من يعترض عليها، أو يشكك فيها، بل أصبح الحديث عنها بالتشكيك لون من ألوان النيل من المقدسات!.

وفي كتابه  (تكيّف)، أشار "تيم هارفرد" إلى نموذج آخر للفكرة ذاتها، وهي فكرة التسليم بالموجود، وأشار إلى أحد التطبيقات في العمل الإنساني بأفريقيا، حيث قامت إحدى الجهات غير الربحية بتطبيق أسلوب جديد لاستخراج الماء، ثم انتشر العمل به على نطاق واسع، وكانت خلاصته: أن يتم استخراج الماء من خلال مضخة مبنية على أسلوب اللعب، بحيث يدور الأطفال بشكل مستمر باسطوانة تحيط بالبئر "دوامة"، ويلهون بها، وتساهم كل دورة بهذه اللعبة في استخراج كمية من المياه من البئر، وأشار المؤلف إلى الرواج الإعلامي الكبير لهذه الفكرة، وأنها - من النظرة الأولى عن بعد - كانت فكرة رائعة من حيث الشكل العام، حيث تجمع بين إيجاد مكان للهو، مع تحقيق فائدة للمجتمع المحلي، وأكدت ذلك الصور الفوتوغرافية الملتقطة للأطفال وهم يلعبون ويتضاحكون، والماء يخرج من باطن الأرض، ولاعجب حينها أن يقوم البنك الدولي يمنح جائزة لهذه الفكرة المبتكرة؛ غير أنه حين قام باحثون استقصائيون بدراسة الفكرة، والالتقاء بالأهالي، و الأطفال في مواقع تركيب تلك المضخات، والاستماع إليهم، وجدوا أنها محل سخط وشكوى، وان تلك المضخات باتت نقطة ألم لهم، وأن هذه الفكرة ليس عملية مقارنة بالمضخة اليدوية الاعتيادية، ذلك أن تمضية الوقت الطويل في هذه اللعبة الدائرية غير محبب للأطفال، وهو لون من ألوان العمل الشاق، الذي يضطر الكبار لفعله لاستخراج الماء حيث لا يتاح الأطفال في كل وقت، ولا يمكن الاعتماد عليهم في مهمة حياتية كهذه! 

ولعل الخلاصة التي توصل إليها أولئك الباحثون، والتي نكررها هنا: يجب أن لا نسلم بصحة الأدوات والأساليب المستخدمة، ولا ننساق وراء التسويق الإعلامية لها، بل يكون الحس النقدي حاضراً ، وبشكل مستمر. 

وهو ما يدفعنا إلى دراسة مدى فاعلية الأساليب والأدوات والبرامج والمشاريع المنفذة في كل مجالات العمل الخيري لدينا، ودراسة كل مشروع اعتدنا على فعله، أو رأينا الآخرين يصنعونه، وذلك للتأكد من أننا على الطريق الصحيح، وأن هذا النشاط يحقق  - فعليا - الهدف من إطلاقه، وأنه ليس هناك خيارات أخرى أقل تكلفة أو أعظم أثراً او أقل سلبيات منه، نحن بحاجة إلى التأكد من كفاءة الإنفاق، وأن المال والوقت والجهد المبذول على هذا المشروع يستحق ذلك  أكثر، وهنا يجب أن نعتمد على معلومات حقيقية واستقصاء فعلي وتتبع، لا على مجرد الظنون، والقصص، والانطباعات الذهنية الأولية.

فنحن اليوم في مسعانا لتخفيف الفقر، وإغاثة الفقراء - على سبيل المثال - نمارس مجموعة من الأنشطة التي اعتدنا عليها ( سلال غذائية، ترميم منازل، سداد إيجارات، سداد فواتير، كسوة الشتاء، كسوة العيد، الحقيبة المدرسية، البطانيات، الأجهزة الكهربائية ...) دون ان نقيس مدى الحاجة الفعلية لتلك الأنشطة، ولا الأثر الناتج عنها، ولا رأي الفقير بشأنها، ولم نقم - في الكثير من الأحيان- بالسؤال عن البدائل الأكثر جدوى، أو الأقل تكلفة، أو الأكثر استدامة.

وفي السياق ذاته، هل كان لدورات اللغة الإنجليزية، و دورات الحاسب الآلي التي تقدمها الجمعيات لأبناء الأسر الفقيرة أثر كبير وفاعل، وهل غيّرت من مستوياتهم أو فرصهم الوظيفية؟ وهل كان امتلاك الجمعيات أصلاً لمراكز تدريبية يعدّ أمراً حسناً وإيجابياً؟ هل كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، أما أنها إنفاق للمال في غير وجهه؟

ليس لدي إجابة على هذه التساؤلات، ولم أتخذ موقفاً نهائياً منها، لكنني أرى إخضاع ( كل ) أعمالنا وأنشطتنا للمراجعة والقياس، وأن يكون ذلك من جهات مستقلة تماماً لا مصلحة لها في بقاء تلك الأنشطة أو زوالها، ومن شأن تلك التقييمات المستقلة والمحايدة أن تجوّد العمل، وتصوّبه، وتجعله أكثر كفاءة وفاعلية، وقد تكون نتائج تلك التقييمات أن نزيد من بعض الأنشطة، ونقلل من بعضها، وأن نعدل على بعضها، وأن نلغي البعض الآخر بكل شجاعة.

إن الإبقاء على الحلول المكررة، والسائدة لمجرد ذيوع العمل بها أمر غير مقبول، والتخوّف من التغيير، والخشية من ردّات الفعل من شانها أن تجعلنا نسخاً مكررة لأعمال لم يثبت جدواها بشكل فعلي.

ولأن أخذتنا الأمثلة إلى جمعيات البر، فإن الحديث ذاته يقال عن بقية الجمعيات، وبقية الأنشطة، في شتى المجالات، إذ أن إخضاعها للنقد والتقييم، وعدم التسليم بتلك الممارسات البشرية أمر مهم، خصوصاً حين ندرك – مع الوقت – أن جملة منها لم تكن أو لم تعد تجدي، وحينها نشعر بالأسى لتلك القدسية التي ألقيناها على تلك الأعمال بينما لم تكن تستحق ذلك..

ويجب ألا تكون الممارسة، او الذيوع والانتشار حجاباً عن التقييم والنقد البناء.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

20 / 3 / 2023  

(الرياض) حرسها الله




#تطوير #التطوير #العمل_الخيري #القطاع الثالث #غير_الربحي #الذات #التفكير #القراءة #كتاب

فبراير 28, 2023

نحو تقليل التشتت!

رغم أني كنت شغوفاً بحضور مؤتمر ومعرض جايتكس في دبي لعدة أعوام متتالية، في ظل اهتمامي بالحاسب وتقنياته ومستجداته، كما كنت – في الوقت ذاته - أحضر ملتقيات للتعليم، والإعلام، وملتقيات للعمل الخيري، وكنت أتحسر كثيراً عند فوات حدث كهذا؛ إلا أنه قد تكونت لدي قناعة قوية– حالياً – أن إدراك كل الفعاليات، والملتقيات، والحرص على حضورها، وتوقع الإحاطة بمستجدات الفنون المختلفة، أمر دونه خرط القتاد، وأن الأعمار تفنى دون أن يتمكن المرء من ذلك، وأن ملاحقة تلك الفعاليات تسجيلاً، وحضوراً، ومشاركة هو بذل للأوقات من غير طائل.

كما أنني أدركت جيداً أن النجاح ليس بالضرورة من خلال إضافة المزيد من المناشط واللقاءات وتوسيع الاطلاع بالاستماع أو المشاهدة، وإنما يكون النجاح من خلال (التركيز) والذي يعدّ الاستبعاد الاختياري للكثير من المشتتات أحد أهم عوامله.

وحين أتحدث عن المشتتات فلست أتحدث عن (مضيعات الأوقات) بلا فائدة، وإنما أعني القرار المتعمد بالتخلي عن كافة الأشياء التي تأخذك بعيداً عن مجال تخصصك، وإبداعك، وشغفك، وذلك أن الأوقات – في نهاية المطاف- محدودة جداً، والأعمار قصيرة، ومع تعمّق وتشعّب وتوسّع العلوم والتخصصات، وانشطارها وتفرعها، فإن الإحاطة ببعضها يغدو أمرأ مستحيلاً، فكيف بالتوسع في الفنون؟

لذا تكون مهارة (الاستبعاد) من أهم المهارات التي يجدر بنا العناية بها وتعاهدها، والمراجعة الدورية لجداولنا ومواعيدنا للتحقق من الالتزام بها.

وحين توصلت إلى هذه القناعة واستوعبتها جيدا، زهدت في الكثير من الفعاليات رغم كل الزخم  المحيط بها، وحديث الناس عنها، وقوة التسويق لها، وبتّ قادراً على التحكم في مشاركاتي لتكون في الأكثر أولوية ونفعاً، وليس في هذا الاستبعاد تقليلاً من شأن تلك الفعاليات أو القدح فيها  بالضرورة، لكنني أدرك أن مادحوها إما المنظمون لها، والقائمون عليها ممن يرون الحضور والثناء نجاحاً فعلياً لهم، أو أولئك الذين لامست الفعالية احتياجاتهم، واهتماماتهم الفعلية والمباشرة، وهو ما يشير إلى أن إعجاب أولئك بالفعالية لا يعني بأي حال أنني سأشعر بذات المشاعر والانطباعات حين أحضر.

ولو ألقيت نظرة على أحد جداول الفعاليات المقامة داخل دولتك، بل وداخل مدينتك، لوجدت أن الفعاليات لا تتوقف، بل تتزاحم وتتعارض، وتقام في الوقت ذاته، وهي الفعاليات التي لو تفرغت لها بالكلية، وتركت كل عمل سواها، لما أحطت بها، واضطررت قسراً إلى تفويت جملة منها.

ومن هنا فإن إدراك ذلك والوعي به، والرضا بترك جملة غير قليلة من الفعاليات عمداً، والتغيّب المقصود عنها، وقبول ذلك، وضبط النفس على ذلك يعدّ أمراً مهما لكونه يدفع نحو مزيد من التركيز الذهني، والتخصص النوعي، ويحافظ على الوقت، ويحقق السكينة والهدوء والراحة النفسية في آن واحد.

فإن كنت ممن يتحسر كثيراً على كل فعالية تفوت، فقد يكون هذا الحديث مناسباً لك، وملامساً لاحتياجك.

دمت بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

25 /2 / 2023  (الدمام) 


فبراير 20, 2023

الاحتفاء بالفشل!

تحدث تيم هارفورد في كتابه الجميل المعنون بـ(تكيّف)عن أهمية خوض التجارب تلو التجارب للوصول إلى الحلول، مشيراً إلى أن تحقق النجاح مرتبط - في الكثير من الأحيان – بعدد المحاولات الأولى المتضمنة وقوعاً في الكثير من الإخفاقات، وخوض الكثير من تجارب الفشل.

تلك المحاولات التي ساهمت وتساهم بشكل فعّال في تحقيق التعلّم الذاتي، والمؤسساتي، والتي من خلالها يدرك الأفراد بوعي عميق: ما الذي يجدي، وما الذي يكون بلا جدوى.

وفي واقعنا المعاصر، نجد أننا نسرّ ونبتهج حين يتحقق النجاح، ونكرّم أولئك الناجحين، ونرفعهم فوق الرؤوس عالياً تقديراً لجهودهم ونجاحاتهم التي أحدثت أثراً على المجتمع، غير أننا نغفل - كثيراً - عن تقدير الذين حالفهم الفشل في طريقهم ومساعيهم، رغم بذلهم غاية الوسع والجهد، وفعلهم للأسباب، وبحثهم الدؤوب عن الحلول.

 إذ ننظر إليهم بنظرة تقلل من شأنهم، بل ربما طالتهم الألسنة بالذم والتقريع.

ولعل أي قارئ يعود لتاريخ العلوم، والتقنيات الحديثة التي خدمت البشرية، وينظر في الاكتشافات المذهلة التي تحققت في المائتي سنة الماضية، فإنه سيرى -وبشكل واضح جلي- أن كل نجاح باهر، وإنجاز عظيم، جاء بعد العشرات أو المئات من المحاولات الفاشلة، والتي كان لبعضها نتائج سلبية كبرى، غير أنه تم احتمالها والقبول بها لأن مسار  التعلّم الطبيعي، لا يكون إلا من خلال التجربة والخطأ ، وبشكل مستمر ومنتظم.

ويتحدث المهندس الروسي بيتر بالشينسكي المقتول عام 1928م عن ثلاث مبادئ جديرة بالعناية، للتكيّف مع المستجدات غير المتناهية في عالم اليوم، وفي حياتنا اليومية، وهي :

أولا : البحث الجادة والمستمر عن أفكار جديدة، وتجربتها، مع توقع أن يفشل بعضها، ولا يحقق مبتغاه، فالخوف من الفشل مانع عن الإبداع.

ثانيا : حين نجرب شيئا جديدا، فلنقم به على نطاق يكون من الممكن فيه النجاة في حال الفشل، وهو ما يعني أن تكون التجربة دوماً بخطوات صغيرة ، وفي الوقت ذاته فإنها كبيرة بما يكفي لإحداث الفرق ، دون الخوض في مغامرات كبرى تؤدي للانهيار في حال وقوع الفشل.

أم المبدأ الثالث فهو : حينما نبدأ في خوض التجارب، والمحاولات، فلابد من الحرص التام على البحث عن التغذية الراجعة، والتعلّم من الأخطاء أثناء التقدم نحو الأمام.

ومن خلال هذه الخطوات الثلاث، فإنه يمكننا في الحقيقة الاحتفاء بالفشل، والفاشلين، واستشعار أن الفشل هو الطريق – غالباً – الموصل إلى النجاح.

ما أحوجنا في حياتنا الشخصية، وأسرتنا الصغيرة، ومنظماتنا، ومجتمعنا أن نسمح ونشجع الجميع على أخذ زمام المبادرة، والسعي نحو تقديم الحلول لمشكلاتنا، وخوض الكثير من التجارب في سبيل ذلك، مع مراعاة تلك المبادئ الثلاثة، وتقبّل الفشل الذي وقع رغم كل المحاولات.

وإذا فعلنا ذلك فعلياً، وأوجدنا الأجواء المناسبة له، وتقبلنا بالكثير من الودّ حالات الإخفاق المتوقعة، فإننا موعودون بإذن الله بحاضر مشرق، ومستقبل مبهر، وأن نكون في مصاف الأمم التي تصنع فرقاً كبيراً في حياة البشرية المادية.

ويجب ألا ننتظر أن يكون ذلك بشكل كلي وشامل، وبقرار يصدره مسؤول، بل أن نبادر بأنفسنا ونفتح الباب في حدود صلاحياتنا الشخصية، ونطاق مسئولياتنا، ذلك أن النجاح بطبيعته يغري الآخرين بالاحتذاء والتقليد، فلنقدم نحن بذواتنا النموذج الأمثل للتكيّف مع المتغيرات، وتشجيع الإبداع، والمسابقة إلى الحلول.

وإلى ذلك الحين - وأرجو أن يكون قريباً-  دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن 

1 شعبان 1444 هـ 


يناير 26, 2023

تذوّق لذة الحياة

هل تكمن لذة الحياة في الركون إلى الراحة والدعة والفراغ؟

وهل يُعدّ الخلوّ من الأعمال والأشغال والالتزامات سبباً من أسباب السعادة؟

وهل العمل، والمهام مجلبة للتعاسة؟

إنها أسئلة مهمة، قد تدور بخلد الواحد منا، وربما ظن أن الإجابة بـ نعم، إجابة صحيحة لهذه الأسئلة.. 

غير أنني أتحدث من واقع التجربة الشخصية، والمراقبة المستمرة لحياة الكثيرين ممن قابلتهم، وسمعت منهم، وقرأت عنهم، حيث تكاد تجمع كل تلك المصادر على أن (الفراغ) هو أساس المشكلات الصحية، والنفسية في آن واحد.

نعم، فالفراغ مدعاة إلى الكسل والخمول، وهو سبب رئيس في الفوضى التي تحصل في أوقات النوم والاستيقاظ، وهذه الفوضى تؤدي – في الكثير من الأحيان - إلى النوم وقت استيقاظ الآخرين، والاستيقاظ وقت نومهم، فليس هناك التزامات تجعل المرء يضطر للتبكير بالنوم مثلاً لأن هناك التزاماً او اجتماعاً صبيحة الغد.. وهذه الفوضى المشار إليها تجعل المرء معتزلا مجالس الناس، وبعيداً عن الفعاليات المختلفة في المجتمع بسبب تلك الفوضى.

كما أن من مشكلات الفراغ الكبيرة: شعور صاحبه بأن حياته بلا قيمة، وأن وجوده وعدمه سواء، وأن غيابه لا يؤثر على أحد، ونتيجة ذلك دون شك أنه إن حضر لم يؤبه به، وإن غاب لم يفتقده أحد، والشعور بـعدم الأهمية، شعور قاس وموجع، وجالب للحزن.

ومن شأن الفراغ أن يقلل الحركة الجسدية لصاحبه، فيبقى جالساً أو مستلقياً هنا وهناك، تمر عليه الساعات بلا عمل، ولا أثر، فهو إما أمام شاشة التلفاز، أو على شاشة جواله، وقلة الحركة وكثرة المكث دون عمل تفقد المرء الكثير من المرونة الصحية والنفسية، وتذهب عنه الطاقة واللياقة.

وفي الخلو من المشاغل والأعمال والالتزامات توقّفٌ للإنجازات التي تعطي المرء شعوراً بالسعادة في كل مرة، وتلك السعادات الصغيرة المتكررة الناتجة عن الإنجازات تعطي للحياة طعمها، وجمالها، وتجدد في النفس مشاعر البهجة والرضا.

ولذا فإن من يتوهم بأن الفراغ مجلبة للسعادة فهو يعيش الوهم حقاً، وكم رأينا من سعداء، أصابتهم الأمراض والأوجاع، وتغيّرت نفسياتهم سلباً حينما تقاعدوا من أعمالهم، ومكثوا في بيوتهم، وتوقفت إنجازاتهم.

أما الذين استغلوا الفراغ استغلالاً حسناً، وانخرطوا في أعمال جديدة، أخذت عليهم اهتماماتهم، وشغلت أوقاتهم، فإنهم سيكونون الأكثر سعادة من أقرانهم الذين اختاروا الكسل طريقاً ..

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية باستغلال وقت الفراغ، والحث على استثماره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وعنه رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يَعِظُه: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ) أخرجه الحاكم

اللهم اجعلنا مباركين، مسددين، ممن استثمروا أوقات فراغهم، هنيئاً لمن طال عمره، وحسن عمله.

محمد بن سعد العوشن

1/ 7/  1444 هـ


أكتوبر 05, 2022

الرؤية والرسالة


طالما تردد مصطلح الرؤية والرسالة للفرد والمنظمة، ويخلط الكثيرون بين هاتين الكلمتين، والمقصود منهما.

وبعملية تكشيف وبحث تستهدف تيسير الأمر وتقريبه ، فإنني أسوق لكم خلاصة ما توصلت إليه لعله أن يقدم للقارئ الكريم إيضاحاً كافياً :

 الرؤية : 

* تتحدث عن  (المستقبل) 

* تجيب عن سؤال رئيس : إلى أين تسهدف المؤسّسة الوصول؟


شرح لمعنى  (الرؤية) :

- الأهداف البعيدة المرغوب في الوصول لها بالمستقبل 

- المستقبل الذي ستظهر عليه المؤسسة

- الطموحات المستقبلية.

- الأهداف البعيدة التي تأمل فيها بتلبية كافة متطلبات عملائها في المستقبل

- الانتقال لمكانة أفضل مما كانت عليه في الماضي عن طريق صياغة الصورة الذهنية المنشودة.

- مجموعة من الآمال والطموحات ويتخلل الخيال جزءا منها.


* للوصول إلى الرؤية، فإننا نحتاج أن نجيب على أسئلة من قبيل :

- إلى أين ستمضي المؤسّسة؟ 

- متى تريد الوصول إلى هدفها؟ 

- كيف ستنفّذ ذلك؟


الرسالة:  

* تتحدث عن (الحاضر) 

* تجيب عن سؤال رئيس :  ماذا تفعل المؤسسة؟ وما الذي يجعلها متميّزة عن غيرها من المُؤسّسات؟

شرح لمعنى  (الرسالة)  :

- الغاية أو الغرض أو السبب التي أُنشأت لأجلها المؤسسة، وفيها الأهداف التي تمثلها في الفترة الحالية

- الهوية الخاصة التي توضح طبيعة العمل والأنشطة في الوضع الراهن والمدى القريب

- الهوية الخاصة بها ووصف لإمكانياتها في الوقت الحالي (أنشطتها وعملائها وكيانها).

- فلسفة المنشأة وأهم الأهداف التي تسعى لتحقيقها في الفترة الحالية


* للوصول إلى الرسالة فإننا نحتاج أن نجيب على أسئلة من قبيل :

- ما الذي يتمّ فعله اليوم؟ 

- لماذا يفعل ذلك؟ 

- ما الفائدة منه؟

آمل أن تكون هذه المادة الموجزة معينة على فهم الفرق بين الرؤية والرسالة
ولعلي أكمل هذه المادة لاحقاً بذكر نماذج عملية وتطبيقية لذلك.

دمتم بخير

أغسطس 15, 2022

لذة الاكتفاء

أشار بحث أجراه مصرف (كريدي سويس) السويسري إلى أن عدد المليونيرات في العالم وصل إلى 56 مليون شخص، وهم الذين يملكون ما يقارب 4 ملايين ريال، وتبلغ نسبتهم المئوية مقارنة بعدد الأشخاص البالغين من سكان الأرض عن 1%، أما حين نقارن عددهم بإجمالي عدد البشر على الكرة الأرضية، فسوف تتضاءل هذه النسبة كثيراً، وفي السياق نفسه، فقد أشارت مؤسسة "نيو وورلد ويلث" المتخصصة في دراسة الثروات إلى أن عدد المليونيرات في الشرق الأوسط يبلغون 390 ألفا.

وهذه الأرقام تشير إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي أن وصول المرء إلى أن يكون رقماً ضمن هذه الأرقام رغم كونه ممكناً ومحتملاً، إلا أنه في الواقع صعب وعسير، ويتضمن منافسة كبيرة مع مليارات البشر للانضمام إلى هذه القلة القليلة، ففي نهاية المطاف، سيحصل قلة قليلة منا على اسم (المليونير)، لكن النسبة الغالبة من القراء، سيحصلون على وظيفة لا بأس بها، وراتب مناسب، وسيكون لديهم مبلغ من المال يكفي لتغطية احتياجاتهم، وكثيراً من متطلباتهم في أحسن الأحوال.

وحديثي هنا ليس تزهيداً في الثروة، أو تقليلاً من أهمية العمل الجاد لتحقيق الحرية المالية، والعيش الرغيد، والسعادة والاكتفاء، بل ذلك مطلب مشروع لكل أحد، وهو غاية نبيله تستحق العمل عليها، و "نعم المال الصالح للرجل الصالح" كما في الحديث الصحيح.

غير أن هذا الحلم، من شأنه أن يدفع المرء للعمل المتواصل وتقبل الكثير والكثير من الخسائر لأجل تحقيق هذا الهدف المنشود، ومن شأن هذا الحلم - أحياناً - أن يجعل المرء مصاباً بالإحباط والحزن من جراء عدم قدرته على الوصول إليه رغم كل ما تمت التضحية به، ومن شأن هذا الحلم كذلك أن يتسبب في فقدان الاستمتاع بالكثير من الملذات الموجودة والمتاحة والممكنة، لأن صاحبها في انتظار الملذات المفقودة والمتوقعة والمحتملة.

كما أن المتغيرات في عالم اليوم جعلت الناس أكثر تطلّعاً للعيش في ظروف عيش الآخرين، والسعي لمحاكاتهم والسير وفقاً لمسيرتهم، وعدم الاكتفاء، متناسين الكثير من الظروف والأحوال والقدرات الموجودة لدى الآخرين.


وبات لدى الكثيرين – أياً كان مستوى دخلهم - طموح في السفر لذات البلدان التي يسافر إليها الأثرياء، بنفس وسائل النقل ومستوياته الترفيهية، والسكن في أفخم الفنادق، وتناول الطعام في أرقى المطاعم، ولبس أغلى الملابس، واقتناء أفضل الهدايا، وتوثيق ذلك كله في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف أن نثبت للجميع أننا لسنا أقل من الآخرين، ولا ينقصنا شيء لنكون مثلهم.

ويعود أولئك المساكين من رحلاتهم وهم مستنزفون، مستهلكون، مالياً ونفسياً وجسدياً، مترقبون للتعليقات هنا وهناك، ينتظرون الفرصة السانحة أو يوجدوها ليتحدثوا عن تفاصيل رحلتهم الاستثنائية، وعجائب ما فيها، ويشيرون إلى تلك المعالم الرائعة التي لم يفوتوا فرصة الوقوف عليها، ويستشهدون على ذلك كله بأرشيف الصور الضخم الذي تم التقاطها من كل جوالات المشاركين في الرحلة، فكل واحد منهم لديه قائمة بمن سيحدثه ويروي له ويتظاهر أمامه.

ومع أن تجاوز المرء لأقرانه في أي مجال من المجالات يعدّ أحد مصادر الوقود للعمل الجاد، غير أنه لن تكون هناك متعة حقيقية مستدامة إذا لم يستطع الوصول إلى الشعور بالرضا بما قسم الله له، والشعور بالاكتفاء، ذلك أن "الهدف المالي" في الكثير من الأحيان غير محدد برقم منطقي يمكن الوصول إليه، بل هو أشبه ما يكون بالعارضة التي يقفز فوقها الرياضيون، وكلما استطاعوا القفز لرقم محدد، رفعوا العارضة درجة إضافية، ولهذا فإن من أصعب المهارات الحياتية المالية: إيقاف العارضة عن الحركة! والاكتفاء بما تم الوصول إليه، رغم إمكانية جني المزيد!

إن من المهم أن تحدد الرقم المناسب لك، وأن توطّن نفسك على الالتزام به، و(الاكتفاء) به، والتوقف عن المزيد من التضحيات لجلب أرقام إضافية، وألا يكون معيارك للحكم على وضعك: ما يقتنيه الآخرون، وما يفعله الآخرون، وما يكسبه الآخرون.

إن الاكتفاء المنشود لا يعني العيش في الفقر، ولا الرضا بالدون، ولا التقتير على النفس والأهل، غير أنه يعني (الاتزان)، والتوقف عن اللهاث المستمر وراء كسب المزيد من لقمة العيش، فالقناعة كنز لا يفنى، وهناك الكثير من الأشياء القيّمة في الحياة، مما لا يقدّر بثمن، ولا يصلح التفريط فيها من أجل المال، ومنها على سبيل المثال: السمعة الحسنة، والقدرة على الاستمتاع بتفاصيل الحياة، والاستقلالية، والعائلة، والأصدقاء، وسكون النفس والطمأنينة التي تغشاها، وهي أمور لا يمكن المحافظة عليها أثناء استغراق المرء بكليّته في الجمع المتواصل للمال، أو في السعي بلا توقف نحو تحصيل الثروة.

وفي الختام أذكّر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصينا -كما في الحديث الصحيح-: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)، ذلك أن نظر الإنسان إلى من هو أعلى منه؛ يؤدي إلى استحقار ما لديه من النعم، وقد يؤدي به ذلك إلى كفران النعمة وعدم اللهج بشكرها.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا من واسع فضله، وأن يغنينا على الناس، وأن يبارك لنا في رزقنا، وأن يمتّعنا به، ويجعله عوناً لنا على الطاعة، وأن يرزقنا القناعة بما قسمه الله لنا.

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

15 محرم 1444 هـ


يونيو 27, 2022

كتابة الأحلام !

 في التاسع من شهر يونيو عام 1964 كتب محمد سعيد طيب مقالة في صحيفة المدينة بعنوان (جدة تستاهل)، تحدث فيها عن الأهمية التي تحتلها مدينة جدة، وعن مقترح يراه الكاتب مهماً ومبرراً، ألا وهو : إنشاء جامعة أهلية بجدة، مشيراً إلى عدم كفاية الجامعة الحكومية التي يتم إنشاؤها في مدينة الرياض آنذاك، وتحدث طيّب عن مجموعة من المبررات لذلك الاقتراح، مردفاً ذلك بوضع آلية تحويل ذلك الحلم إلى حقيقة، من خلال تكوين لجنة من المهتمين (مفكرين ورجال أعمال)، ممن يمكنهم فعلاً إطلاق المشروع على أرض الواقع.

وكان المقال بفكرته الأولية شرارة الانطلاق نحو تأسيس جامعة جدة الأهلية، حيث لقي المقال تعاطفاً كبيراً، وتجاوباً واسعاً من مختلف شرائح المجتمع، وكان من أوائل المتفاعلين مع المقال رجل الأعمال الشيخ محمد أبوبكر باخشب والذي أعلن عن تبرعه بمليون ريال سعودي كدفعة أولى لهذه الجامعة، مبدياً استعداده لبذل المزيد إن تطلب الأمر ذلك، وكان المليون ريال في السبعينات رقماً كبيراً وصعب المنال، ثم تهافتت التبرعات لمشروع الجامعة الوليدة، تبرعاً بالفكر والرأي، وبالمال، والخبرات، والوقت، والجهد.

فتم تكوين لجنة تحضيرية بعضوية أحمد شطا وأحمد صلاح الدين وعبد الله الدباغ و محمد أبو بكر باخشب ووهيب بن زقر و محمد علي حافظ وحظي أعضاء اللجنة التحضيرية بمقابلة الملك فيصل الذي بارك المشروع، ثم شكلت اللجنة التأسيسية للجامعة برئاسة الملك، وعضوية وزير المعارف آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ.

وتأسست الجامعة فعلياً عام 1387هـ / 1967م بصفتها جامعة أهلية، وسميت باسم (جامعة جدة الأهلية)، بعد نشر المقال بثلاث سنوات فقط، وبدأت الجامعة عامها الدراسي الأول عام ( 1388هـ – 1968م ) بـ 98 طالباً وطالبة فقط.

وبعد ثلاث سنوات أخرى، أي في عام 1391 – 1971 صدر قرار مجلس الوزراء بضمّ الجامعة إلى الدولة، وتحولت بذلك من كونها جامعة أهلية إلى جامعة حكومية، وتغير اسمها ليصبح (جامعة الملك عبدالعزيز)، وهو ما وسع نطاقها وحجمها بشكل كبير، حتى بلغ عدد طلابها في الوقت الراهن ما يزيد عن (82000) طالب وطالبة، وأكثر من 22 كلية و أكثر من 4000 عضو هيئة تدريس.

إن هذا المشروع الضخم والكبير والمؤثر، والذي كان له فضل كبير في الحالة العلمية والفكرية والتأهيل المتخصص طوال ما يزيد عن خمسين عاماً في مدينة جدة وما جاورها، كانت نتاج فكرة تحولت من ذهن صاحبها إلى مقالة يقرأها الناس، ويقيّمون مدى مناسبتها، ويتعاطفون معها.

وهو ما يؤكد دوماً أن الأفكار في الأذهان لا قيمة لها مالم تتحول في المرحلة الأولى إلى مادة مكتوبة، ثم إلى تطبيق عملي من خلال مجموعة تحمل الهم والاهتمام، وتعيش مع الفكرة، وتعمل لأجلها بكل جدّية، وحينها يمكن للأفكار أن ترى النور، وأن يتم اختبارها على أرض الواقع.

وليس شرطاً أن يكون كاتب الفكرة، ومن يقدح شرارتها منفذاً لها بالضرورة، فربما لقيت الفكرة من يعتنقها ويتفانى في خدمتها بشكل أكبر ممن كتبها أول مرة.

فقيّدوا أفكاركم ، واكتبوا خواطركم، وانثروا ما لديكم من درر، قبل أن تغادروا ، وتدفنوا، وتدفن معكم كل أفكاركم العظيمة.


دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد بن عوشن
تم النشر في صحيفة تواصل هـــنــا

مارس 08, 2022

ما الذي يمنعك من الكتابة و التدوين؟

لا أشك أن لدى كثيرين تجارب، وقصص، وقناعات وأفكار ومقترحات، ورؤية للعديد من القضايا والمجالات، وتراهم في مجالسهم، وحين تتاح الفرصة المناسبة يتحدثون عنها بوصفها خبرات اكتسبوها ومعلومات تحصلوا عليها وأضافوا إليها، ومهارات تمكّنوا من إتقانها، فتعجب بذلك، وتسرّ له، ومع كل يوم إضافي في حياتهم يزيد رسوخ تلك المعلومات والخبرات والمهارات، وتنضج، وتكون أكثر موثوقية.

غير أن كل واحد من هؤلاء يغادر الدنيا وهو مملوء بتلك المعارف والخبرات والمهارات الناضجة والمجرّبة، والمتميزة.. 

يغادرون دون أن يتركوا أثراً باقياً، ودون أن يضعوا إرثاً معرفياً يخدم الناس من بعدهم..

يغادرون والناس في أمس الحاجة لذلك الثراء الذي أنضجته التجربة، وكثرة الممارسة ..

يغادرون ليبدأ الرواد الجدد في التعلم من الصفر، وخوض التجارب مرة أخرى، مع أنه كان بالإمكان أن يبدأوا من حيث انتهى أولئك.

يغادرون دون أي يخطّوا تجربتهم الشخصية والمهنية والتعليمية والتربوية والتخصصية..

وانما حمل أولئك على عدم تدوين خبراتهم زهدهم فيها، وعدم إدراكهم لأهميتها البالغة للآخرين، أو تسويفهم لذلك التقييد، ظانين أنه سيأتي اليوم المناسب للتفرغ لذلك وكتابته..

فيؤجلون ثم يؤجلون حتى يداهمهم القدر المكتوب، فيغادرون دون أن يحققوا هذه الأمنية التي طالما كانوا يؤملون أن يقدموها، يرحلون بصمت، وتنساهم الأجيال سراعاً، ويتوقف نهر من الحسنات التي كان بإمكانهم أن ينالوها لو قيّدوا تجربتهم وأبقوها للأجيال.

اللهم اجعلنا مباركين، وفي الخير مؤثرين، واجعل لنا لسان صدق في الآخرين .

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

فبراير 16, 2022

افتكّت الهوشة!

 يمكن تقسيم الناس في التعامل مع الظواهر، والأزمات، والأشياء المستجدة إلى نوعين: أحدهما من يمتلك مهارة التيسير، والتبسيط، والمبادرة بالانطلاق من أجل الوصول إلى الهدف مباشرة دون وضع الكثير من القيود، أو التعقيدات أو الخطوات.

والآخر: المولع بالتعقيد، الماهر في التنظير، المنشغل بكتابة المراحل والمستويات والخطوات، وإعطاء كل خطوة وزنها المعياري، وتحديد درجة أولويتها، ومدى تأثيرها، والتأمل في التوجهات الاستراتيجية التي ستثمر ثمرة بعيدة – حسب توقعاته-.

وكم يروق لي جدًا تلك المقولة الشعبية الرائجة لدى عائلتي: (افتكّت الهوشة وابونا يحتزم).

وهي تروي حال رجل أخبره أهله وهو جالس بينهم، أن ثمة خصومة كبرى في الشارع المجاور للبيت، وأن الضرب المتبادل بين الطرفين قائم الآن، وأن الحاجة ماسة (الآن) لقيامه شخصيًا بالتدخل السريع لإنهاء الخصومة، وفك النزاع بينهم، فلما سمع منهم ذلك عزم على التدخل فعليًا، واقتنع بذلك، فانصرف لا إلى المتخاصمين، وإنما نحو غرفة ملابسه، وأخذ يخلع ملابسه التي عليه، ويبحث ويستكشف ويختار اللباس الذي يتناسب مع فك الخصومات، ثم يجهز نفسه بالتجهيزات اللازمة لهذا الخطب الجلل، ويلبس الحذاء الأكثر مناسبة لهذه الحال، وفيما هو منشغل بالتجهّز والتحزّم، انتهى الخصوم من خصومتهم، وانتهى النزاع (الهوشة)، وتفرق القوم، وهو لا زال في مرحلة الاستعداد.

وهذا المثل ينطبق – وللأسف – على كثيرين! أولئك الذين حين تحلّ بهم أو بمجتمعهم أزمة ما، فإنهم ينشغلون في دراستها بتأنٍّ بالغ، ويشكلون اللجان المتخصصة التي تجتمع على مهلها لدراسة الأمر، وتتباحث في الأسباب، وتعقد ورش العمل، ومجموعات التركيز، وتقوم بتصميم الاستبانات، وتوزيعها وتحليلها، ومتابعة الوضع عن قرب وعن بعد، من أجل مزيد من الفهم للظاهرة أو الأزمة، ومعرفة الأسباب الفعلية لها، والبحث عن أفضل الممارسات العالمية للتعامل مع أمثالها، وزيارة الجهات التي سبق لها أن قامت بأعمال مشابهة، وتقييم تجربتهم في هذا السياق!.

وأثناء تلك الدراسة العميقة، وعثور أولئك القوم على الخيوط الأولى للحل، وبدايتهم في رسم المسار الذي يرونه أسلوبًا للخروج من الأزمة، يكتشفون أن الأزمة برمّتها قد زالت، وأنهم جاءوا متأخرين جدًا، أو بعد خراب مالطا – كما يقال-.

إن (المبادرة) بالحل، والسعي (العاجل) للتعامل مع المشكلات لا يقل أهمية عن العثور على الحلول (الأنسب)، لأنه في كثير من الأحيان يكون الحل الجزئي، وغير المدروس، وغير الاستراتيجي هو واجب الوقت، وهو الذي ينقذ ما يمكن إنقاذه، أما التأمل المتأني، فربما أودى للكارثة.

وهو أشبه بمن يقوم بدراسة الطرق الآمنة والمضمونة للدخول إلى منزل يحترق الآن، فيحرص على استشارة المكتب الهندسي للحصول على النقاط الأيسر لدخول المنزل، ومعرفة أماكن الأعمدة والأبواب والنوافذ والسلالم، وعدادات المياه والكهرباء، من أجل أن تكون خطة الإطفاء النموذجية جاهزة ومكتملة تمامًا، ولكن بعد أن أصبح البيت رمادًا تذروه الرياح!

ما أحوجنا إلى ترك المبالغة بالتنظير، والتوجّه نحو العمل بإطلاق المبادرات على ارض الواقع. وربّ مبادرة فردية، غير مدروسة، وغير ممنهجة، وبدون دعم مالي، تحدث أثرًا بالغًا، ويتحقق بها خير كثير، وتصل إلى المستفيدين بشكل يشبه العدوى، بما لا تفعله تلك الأطر النظرية، والأدلة المنهجية، والحقائب التدريبية، والورش التخصصية.

وهذا بطبيعة الحال لا يعني التوصية بترك التخطيط، او تجاهل الدراسات، لكنه يعني وبكل تأكيد أولوية التحرك نحو العمل، حتى لا تطير الطيور ونحن منشغلون بدقة التصويب.

شكرًا للمبادرين، الذين يحدثون الأثر.. وإني لأشد على يديهم، وأبارك لهم صنيعهم، وأسأل الله أن يكثر من أمثالهم، فهم القادة الحقيقيون، وهم المؤثرون الفعليون، في وقت كثر فيه الكلام، وقلّ فيه العمل.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا

يناير 29, 2022

قناة انطلاقة

قناة  انطلاقة

حساب تحفيزي، ملهم، متخصص في تطوير الذات

على تويتر |

 www.twitter.com/ente_laqa

على التيلجرام |

 http://t.me/GObinoshan

يشرف عليه | 

 @bin_oshan

حيث مئات المقاطع الصوتية القصيرة المميزة.