أبريل 21, 2024

الدوائر الثلاث في الحياة | المحيميد

يعيش الواحد منا في أحد ثلاث دوائر، ومن المهم معرفة كل دائرة منها، والأسلوب الأمثل للتعامل معها، بهدف تحقيق الأثر الأكبر في الحياة، وبعد الممات.

الدائرة الأولى: دائرة الاهتمام

وهي حديثك ونقاشك وتفاعلك في الأمور الخارجة عن سيطرتك، ولا تأثير لك فيها، والتي يتسبب الانشغال بها افي إهدار الكثير من الأوقات وزيادة الضغوط النفسية، بالإضافة إلى كثرة الاختلافات، وتوتر العلاقات، وكثرة النقاشات، وهي دائرة جدلية بيزنطية غير مباركة، وتسمى أحيانا بـ (دائرة القلق)، وقد روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال).

ومن الأمثلة على ذلك:

* كثرة الدخول في الماجريات ومتابعة الأخبار والأحداث والوقائع.

* المبالغة في نقد الحكومات والوزارات والجهات.

* إطالة المرؤوس في نقد الأنظمة والمديرين وأسلوب العمل. 

* المبالغة في التحليلات العميقة.

* المبالغة في نقد الواقع وتقييمه.

أما النتيجة: فإن نسبة التأثير الناتجة عن إمضاء الوقت في ذلك قليلة جداً إن لم تكن معدومة، وربما استخدم المرء تلك الأوقات، والأحاديث لمجرد التنفيس، أو كمبرر وحيلة نفسية للتوقف عن العمل والإنجاز تذرعاً بها.

والحقيقة أنه ليست هناك مشكلة في أن تأخذ هذه الدائرة حيزاً يسيراً في حياتك، فالإنسان مدني بطبعه - كما يقول ابن خلدون- فإذا بالغت وأعطيتها وقتاً أطول، فقد وقعت في فخ (التأثير الوهمي)، فيصدق فيك حينها شطر المتنبي: "وتعظم في عين الصغير صغارها"، وقول الآخر "أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل * ما هكذا يا سعد تورد الإبل"، فالقادة يقضون أوقاتهم بالتغيير والتصحيح والإصلاح، ولا ينشغلون بالصراخ في وجه الأخطاء والتجاوزات، ويستثنى من ذلك من يقوم بفروض الكفايات لنشر الوعي الضروري.

أما الدائرة الثانية، فهي: دائرة التأثير

وهي الموضوعات والأشخاص والأحداث التي يمكنك التأثير عليه -مهما اتسعت دائرة التأثير-، وهي دائرة عملية مباركة يؤمن فيها المسلم أنه لديه القدرة على التغيير في عالمه أو العالم الذي حوله، وتسعى بالمسلم إلى تفويت الفرصة على النفس الكسولة التي تريد أن تتحدث وتتحدث عن الهموم والمشكلات، لكنها تتقن فن التهرب من المسئوليات.

ومن الأمثلة على ذلك:

* مهنتك الوظيفية.

* تخصصك الفني.

* أسرتك.

* مشروعك التجاري.

وأما الدائرة الثالثة، فهي: دائرة التركيز

وهي قمة نتاج الإنسان، وتأثيره، ودوره، وذلك بأن ينتقل المسلم من دائرة التأثير العام إلى باب يفتحه الله عليه، فربما يكون ممن يجدد في أحد أبواب هذا الدين العظيم، أو مجال من مجالاته، وربما يكفي الناس أحد فروض الكفايات، وهي أشرف من فروض الأعيان -كما ذكر إمام الحرمين في الغياث-.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:(من بورك له في شيء فليلزمه)،فإذا عمل الإنسان عملا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه، ولهذا لما كتب العابد عبد الله العُمري إلى الإمام مالك يحثه على الانفراد والعمل الصالح وترك مجالسة الناس، رد عليه الإمام مالك بقوله: (إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشْر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر) 

كما قال الشاعر : "وكن رجلاً إن أتوا بعده * يقولون مرّ، وهذا الأثر"

ومن الأمثلة على ذلك:

أن دائرة تركيز ابن عباس رضي الله عنه، وبصمته الباقية حتى يومنا هذا هي: تفسيره لكلام الله.

وبصمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت في نقل الإرث النبوي وكلام المصطفى صلى الله عليه وسلم للأمة.

وبصمة خالد بن الوليد رضي الله عنه في قيادة المعارك العسكرية، وتحقيق الانتصارات لهذا الدين.

وبصمة الأئمة الأربعة رحمهم الله كانت في تيسير الفقه ونشره وتعليمه للناس وتقريبه إليهم.

وبصمة الإمام البخاري رحمه الله، في جمع ونشر السنة النبوية الثابتة والصحيحة وفق أعلى معايير التحقق والدقة.

وبصمة أبي جعفر المنصور في تأسيس دولة إسلامية بقيت تحكم وتنشر الدين لما يزيد عن خمسة قرون.

وبصمة فاطمة الفهرية في تأسيس أول جامعة، وتخريج الأئمة وعلى رأسهم "ابن خلدون"

وبصمة الإمام ابن حجر العسقلاني في شرح وإيضاح مفردات ومعاني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري.

وبصمة الإمام ابن باز رحمه الله في بناء العلماء، والدعاة، والعمل المستمر في خدمة الدين، وتقديم مئات الآلاف من الفتاوى الرصينة.

وبصمة الإمام الألباني رحمه الله في تنقية مرويات السنة النبوية، وتدقيقها، وتصحيحها، وإبعاد الدخيل عليها من خلال منهجية علمية رصينة، وعمل دؤوب.

وبصمة د.عبدالرحمن السميط رحمه الله في دعوة الأفارقة إلى دين الإسلام، ليسلم على يديه ١١ مليون في أفريقيا، ويستمر العمل بعد وفاته محدثاً أعظم الأثر.

وبصمة الشيخ أحمد ديدات رحمه الله في تأسيس مدرسة تجديدية مميزة، في مناظرة النصارى، ومحاججتهم.

وبصمة الملك عبدالعزيز رحمه الله في تأسيس هذا الكيان المترامي الأطراف، والمستقر، والفاعل في العالم بأسره، والذي يتولى الإشراف على المقدسات الإسلامية وخدمتها وخدمة قاصديها.

ودائرة التركيز تتطلب من القائد أن يسأل نفسه سؤالاً مركزياً جذرياً: 

ماذا عنّي؟ لماذا جئت للحياة؟ وماهي البصمة التي سأتركها بعد الرحيل ليستمر أجرها وأثرها؟

أيها القادة المباركون:

الأعمار قصيرة، فلا تضيعوها في (دائرة الاهتمام)، بل استثمروا كل يوم فيها في (دائرة التركيز)، فهي دائرة الامتياز، وهي من أعظم الأسباب لبقاء الأثر بعد الموت، و ليكن هدف الواحد منا: (أن أعيش بعد وفاتي ٢٠٠ عاماً).

ليصدق فيك شطر المتنبي: وتصغر في عين العظيم العظائم

ولو أردت أن أطرح عليك توزيعاً مقترحاً لوقتك وجهدك في الدوائر الثلاث، فيمكنني أن أقول:

ما لا يزيد عن ١٠٪؜ في (دائرة الاهتمام).

ما بين ٣٠-٤٠٪؜ في (دائرة التأثير).

ما بين ٤٠- ٦٠٪؜ في (دائرة التركيز).

أسأل الله تعالى أن يفتح لنا من فتوحاته، وأن يجعلنا مباركين، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يبقي أثرنا بعد الرحيل.


بقلم :  د.صالح المحيميد

__________________

د. صالح المحيميد: حاصل على الدكتوراه في تنمية القيادات من جامعة إدنبرة. وبرنامج القيادة التنفيذية من جامعة أكسفورد. عضو مؤسس لجمعية البحث العلمي والابتكار، مدرب، وخبير، ومؤلف، ومتحدث في شأن (القيادة).

أبريل 03, 2024

وقفة تأمل على ضفاف الشلال

ما أجمل أن تنتزع نفسك من زحام الأعمال، وتبعدها عن الناس حيناً من الدهر، تخلو بنفسك من دون جوال أو تلفاز أو مذياع، تلتقي في هذه الخلوة بأوجه جديدة وأماكن جديدة ومأكولات جديدة، وتعيش فيه مشاعر جديدة كذلك..

تحتاج بين حين وآخر إلى خلوة تهدأ فيها روحك، وتسكن فيها نفسك، وتراجع فيها شأنك كله ولا يحصل ذلك الصفاء المنشور إلا بالتوقف عن الحركة المعتادة، حتى إذا خرجت من دوراتك الاعتيادية، وبقيت خارج تتابع أحداث الحياة اليومية.. اتضحت لك حينها الأمور..

وكأنها فترة سكون لتهدأ الريح ويهبط الغبار، فتكون الأشياء أكثر جلاء واتضاحاً، وحينها تدرك حجم الأشياء كما هي، وتعلم أين كنت تضع أولوياتك، وهل كانت تستحق الجهد والاهتمام الذي تعطيه إياها.. 

ومع هذا السكون ستشعر أن هناك أموراً مهملة وهي ذات أولوية ولكنها غير ملحة، مما جعلك في الكثير من الأحايين تلجأ إلى تأجيلها وتسويفها وإعطائها فضول الأوقات مع أنها الأولى بالرعاية والاهتمام..

وهذا الصفاء لا يحصل بكثرة التنقل والحركة، بل بالسكون والهدوء والتأمل.. 

دمتم بخير

27- 5 -1441


أبريل 03, 2024

خمس وساوس عن التدوين!

يمتنع كثير من القادرين عن تدوين خبراتهم لأنهم يخضعون لمجموعة من الوساوس والأوهام المعيقة التي تسيطر عليهم وتجعهم غير مبادرين لذلك..

ومن تلك الوساوس والأوهام..

(1) وهم (عدم القدرة على الكتابة)، والتوهم بالحاجة إلى قدرات معينة لأجل احتراف التدوين وهي حجة داحضة، ذلك أن كثيراً من أولئك يكتب هنا وهناك، وقد تعلم القراءة والكتابة ودرس واختبر وكتب بحوثاً متنوعة، فالقدرة من حيث الأصل موجودة دون ريب.

كما أن الاتقان أمر يحتاج إلى مران مستمر، ومحاولات دؤوبة، ولا يأتي هكذا عبر الأمنيات كما أن التأجيل لا يجلب الخبرة، بل يضعفها.

فإذا كنت لا تتقن الكتابة فهذا يوجب عليك البدء الآن وفوراً بالكتابة، وفي كل مرة تكتب فإنك تنجح شيئاً فشيئاً.

(2) وهم (عدم وجود الوقت الكافي لتدوين الخبرات) وهذه وسوسة أضعف من أختها، فليس هناك إشكال في موضوع الوقت لدى كل الناس، إنما الأمر يعتمد على الأولوية التي تضعها لهذا الشيء أو ذاك، ولو أن أحدنا قام بكتابة وتسجيل وقته لمدة 3 أيام فقط لوجد أن ثمة ساعات طوال تصرف في غير طائل وتذهب في صغائر الأمور وفضولها، وسيجد أن الجوال الذكي وشبكات التواصل على اختلافها تأخذ من وقته واهتمامه جزءاً غير يسير، يكون فيها غالباً في موضع المتفرج والقارئ والمطلع على نتاج الآخرين وحياتهم ومشكلاتهم.

ولو مرض الواحد منا ولزم الفراش أياماً لترك كثيراً من الأعمال والمهام التي تأخذ وقته، كما أن جملة من تلك الأعمال التي تستغرق الوقت هي من الأعمال ذات الإنتاجية الأقل، فضلاً عن الوقت الكثير الذي يمضي في العلاقات الاجتماعية والأحاديث الجانبية، والزيارات المتنوعة.

(3) وهم (عدم وجود شيء مهم يمكن تقديمه للناس)، وهي وسوسة معتادة من ظلم النفس وعدم معرفة قدرها، والجواب عليها يسير جداً، ذلك أن المطالبة بالتدوين ليست مطالبة بالكتابة في كل فن، وعن كل شيء، بل عما تعرفه جيداً، وما منا من أحد إلا ولديه معارف تميز فيها، وخبرات أتقنها، وتجارب نجح أو فشل فيها.. ذلك أن التدوين ليس عن النجاحات فحسب بل عن الإخفاقات التي أدركها الواحد منا، وعرف أسبابها فهو يكتب للآخرين ليخبرهم أن هذا طريق غير سالك، فيختصر من أوقاتهم وأعمارهم الكثير ويريحهم من عناء التجربة مرة أخرى، وكم تعلمنا من الذين حكوا لنا عن اخفاقاتهم في كثير من الأمور وصغيرها فالتدوين هو كتابة التجارب، ونقلها للآخرين بهدف إثرائهم، وتعليمهم، وإرشادهم.

(4) وهم ( تعريض النفس للنقد)، وهذه الوسوسة قائمة على معلومات خاطئة أولها أن هذه التدوينة ستبلغ الآفاق فور نشرها، وأنها ستكون بين أيدي كل الناس حين نكتبها، والأمر ليس كذلك حيث سيطلع عليها في البداية عدد قليل، وستقوم أنت باختيار الأشخاص الذي ترسل إليهم، والمعلومة الخاطئة الثانية هي توقع أن الناس جالسون على طاولة المحاكمة يترقبون هذه التدوينة لكي ينتقدوها ويهاجموها ويبحثون عن مشاكلها وتجاوزاتها، وثالثها أن المدون افترض في نفسه أنه يجب ألا يقع في الخطأ، وأنه لا يكتب إلا صواباً خالصاً، والجواب عن هذه الوسوسة أن يدرك الواحد منا أنه حيث يبدأ في الكتابة فسيكون نطاق الاطلاع على تدوينته محدوداً لأن التدوين شيء، و النشر شيء آخر تماما فما تنشره سيصل لبعض المعنيين وستصلك -حتماً- رسائل تبارك جهدك وتشكر سعيك، وستصلك رسائل تقترح عليك الزيادة، أو تقترح عليك تناول جزء لم تتناوله تدوينتك، وتسألك عن بعض ما ورد عليهم من إشكالات تحتاج إيضاحاً، وقد يصلك بعض النقد غير البناء الذي يفترض أن لا يكون عائقاً، ولا يدفعك المعارضون لترك الخير لأجلهم.

وحين اتحدث عن التدوين والنشر الالكتروني فإنني أتحدث عن وسيلة تقنية تتيح لك حجب المقال بعد نشره إن بدا لك أنه من خلال النقد يحتاج إلى تغيير أو تعديل أو تم فهمه على غير وجهه، ولا يستغرق حجب المقال أو حذفه سوى بضع ثوان لا غير.

كما أنك قادر من خلال تقنيات النشر الالكتروني على أن تجري تعديلات على ما سبق نشره سواء كانت تلك التعديلات قليلة أم كثيرة، وسواء تم التعديل مرة واحدة أو مرات عديدة.

ومن تجربتي الشخصية في هذا المجال فإنني قد قمت بتغييرات وتعديلات وتطويل وتقصير وحذف وإضافة لما قمت بنشره مالا أحصي من المرات سواء كان ذلك من جراء نقد الآخرين وتصويبهم أو لأنني حيث أعدت قراءة التدوينة وجدت أن هذا الأمر أو الأسلوب غير مناسب، ولنتذكر دوماً أن الكتابة عمل بشري يعتريه النقص، وكما قال عبدالرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: " إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به وذلك إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يُستحَسن ولو قُدَّم هذا لكان أفضل ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

(5) وهم (عدم المعرفة بكيفية النشر الالكتروني)، وهي وسوسة أيسر من أخواتها، فإذا لم يبق لديك سوى هذه فإني كفيل بإقناعك أنها عقبة بسيطة جداً، ذلك أن شركة جوجل قد أتاحت لك إنشاء مدونتك الالكترونية بخطوات سريعة جداً وهي أسرع في إنشاءها من البريد الالكتروني حيث لا يتطلب الأمر سوى الدخول إلى جوجل ثم كتابة Blogger حيث تفتح الرابط وتحدد اسم المدونة بالعربي والإنجليزي بحيث لا يكون الاسم محجوزاً من قبل، ثم اختيار أحد التصاميم المتاحة من جوجل بشكل جاهز، ثم كتابة التدوينة الأولى، واختيار زر النشر لتصبح مقالتك متاحة على الانترنت بكل سهولة ويسر. 

ويأتي بعدها دورك في نسخ الرابط ثم ارساله للمعنيين الذين سيقرؤونه ثم يوافونك بمرئياتهم وبهذه السهولة يمكنك التعديل والحذف والإضافة، ومع مرور الأيام، والاستمرار في النشر، ستبدأ في تطوير المدونة، وتعديل شكلها، ومعرفة إحصائياتها، وإتاحة التعليقات عليها، ونحوها من المهارات الإضافية.

أرجو أن أكون بتدوينتي هذه قد ساهمت في إزالة تلك الوساوس والأوهام، وأن أكون قد فتحت أمامك بصيص أمل نحو الشروع في التدوين، ونقل خبرتك، وضمان استمرار الإرث الذي يبقى بعد رحيلك.

دمت بخير ،،

محمد بن سعد العوشن


كتبتها لأول مرة في 25-5-1441


مارس 23, 2024

عمي إبراهيم في موكب الراحلين | محمد بن عبدالعزيز العوشن

هذه إلماحات سريعة من سن القلم ، عن ذلك العم الحاني والأب الثاني (إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن العوشن*) ، أسطرها بمداد من دمع ، وحبر من لوعة :
(1)  كنت خارجاً وإياه من إحدى الاستراحات متأبطاً ذراعه في عام ( ١٤٣٥ ) ، فسألني قائلاً :
وأنا عمك، أنا من مواليد عام ( ١٣٥٨ ) فكم يكون عمري الآن ؟
فيكون - رحمه الله  - قد عاش ( ٨٧ ) سنة ، جعلها الله شاهدةً له . 
والمدون في أوراقه الرسمية أنه من مواليد ( ١٣٥٧ )
(2) ولد في شقراء، وكان مرتع صباه في الطائف .
وتوظف عسكريًا في تبوك، ثم انتقل مؤقتاً إلى جدة .
ثم كانت بقية حياته في الرياض إلى حين وفاته .
إذ توفي ابوه وهو في صغره ، فكفله أبو الأيتام عمه إبراهيم العوشن - أنزل الله على قبره شآبيب الرحمة والرضوان - ولما  شب  عن الطوق يمم وجهه شطر تبوك موظفاً مع خال الملوك : الأمير خالد بن أحمد السديري - نور الله قبره وأعلى في الجنة قدره - مصاحباً هناك لشقيقه عبدالعزيز - رحمه الله - ، وعديله حمد العنقري -أطال الله بقاءه على عمل صالح-
(3) تزوج مرتين :
من ابنة عمه عبدالعزيز : خالتي نوره شقيقة والدتي، ولم تنجب منه.
ومن ابنة عمه إبراهيم : هيله - رحمهم الله أجمعين-، فأنجبت له أربعة أبناء ، وابنة.

(4)  التحق - أولاً - بالسلك العسكري ، وكان ضابطاً برتبة ملازم أول في تبوك ، ثم انتقل إلى الرياض  ، وترك العسكرية ، وتعين موظفاً في وزارة الزراعة حتى تقاعده .

(5) كان رحمة لأرباب المزارع ( الفلاليح ) ، فكان كثيراً مايقوم بخدمتهم ، وإزالة الأعباء التي قد تعترض مسيرة هذه المزارع .
جاءني رجل بقمي من : تربة البقوم في عام ( ١٤١٢ ) وأنا لا أعرفه ، لكنه صاحب سمت وديانة ، وكان ظاهر الوضاءة ، فسألني : وشو منك إبراهيم الذي يعمل في وزارة الزراعة ، فقلت له : عمي  ، فقال لي هذا البقمي : نبي منك فزعة ، نبي منه يزيل عنا مخالفة ، فخرجت لعمي من عملي ، وكنت حينها موظفاً في  : الرئاسة العامة للهيئات ، متأبطاً طلب هذا الرجل القادم من : تربة ، فدلفت عليه في مكتبه ، وكان مليئاً بالمراجعين ، فلما رآني هب من كرسيه متعجباً من مجيئي ، فأخبرته بالحاجة ، فغاب عني قريبًا من الساعة ، ثم عاد لي ، وقال : أبشرك ( شلناها عنه )!
ومن هنا تعرف من أين وصلت إلى أبنائه - بلا استثناء - صفة التفاني في الإحسان إلى الآخرين ، والسعي في إتمام حوائجهم .

(6) لم يكن مرضه الأخير جديدًا عليه ، فمنذ شبابه وهو يشتكي : قرحة المعدة ، ثم تعافى منها بعد ذلك - ولله المنة - جعل الله كل ذلك مكفراً لسيئاته .

(7) كان اجتماعياً إلى أقصى درجة ,  يفرح بالمناسبات واللقاءات ، ويشارك فيها بفعالية ظاهرة ، إلا أنه منذ خمس سنوات أحجم عن ذلك لظروفه الصحية ، ومع ذلك كان بيته ( قبلة ) وموئلاً ، يستقبل كل وافد عليه بابتسامته المعهودة .

(8) كان محباً لأسرته ، استشارني في أمرِ تلبية رغبة أبنائه ، وبالتالي انتقاله إلى شمال الرياض ، ليسهل على أبنائه أكثر : القيام على شؤونه ، وزيارته كل يوم ، خاصة بعدما فقد زوجتيه ، فأيدته على ذلك ، وقلت له : افعل وبلا تردد ، فلم يزد على أن قال : ( فرقى الجماعة _ وأنا عمك _ صعبة علي ) !!! ، فعلمت أنه لن يفارق جماعته ، ولو منحته الدولة بيتاً بالمجان في أرقى أحياء الرياض .

(9) في العامين الأخيرين كان يشعر بضيق في نفَسه _ أحياناً - ولم يكن يشتكي لأحد ، وتبين بعد ذلك أنه مصاب بتليف في الرئة فصار يحتاج إلى راحة دائمة ، وكان يتقلل من الحديث والكلام ، إلا حينما يُتكلم معه عن مرتع صباه : مدينة الطائف  !  فيصيبه نوع نشاط وأنس وسرور وسعادة ، ويبدأ يتحدث ويستطرد ، ثم يشعر بشيء من الجهد ، فيتوقف .

(10) كان جهوري الصوت ، يحرص على إقناع محاوريه بوجاهة رأيه ، وصواب وجهة نظره ، فيظن من لايعرفه أنه حاد الطبع ، ومن شاهد سرعة دمعته ، عرف رقة قلبه ، ولين طبعه .

(11) في آخر زيارة قمت بها له ، وكان معي - كالعادة-  بعض أبنائي ، فلما تشرفوا بالسلام عليه ، وتعريفه بأسمائهم ، قال له ابني عبدالوهاب ( ١٤ عامًا ) : أنا  عبدالوهاب ، فقال له عمي - رحمه الله بشيء من الابتسامة  : عبدالوهاب ، أظن ما في الأسرة من يحمل هذا الاسم سواك  .

(12) عندما دخلت مغسلة الموتى لمهمة تغسيله ، وكان ذلك بحضور أبنائه كلهم ، استأذنت ابنه الأكبر محمداً أن يضع على جسده الطاهر شيئاً من دهن العود الذي كان بحوزتي ، فأذن لي - شكر الله له - ، فكان هذا الطيب آخر ما مس جسده .

اللهم ارفع درجته في عليين ، واجعله من ورثة جنة النعيم ، واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين ، وافسح له في قبره ونور له فيه .

قاله بلسانه وكتبه ببنانه : أبو عبدالعزيز، محمد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن العوشن

_______________________________

* توفي الفقيد إبراهيم العوشن رحمه الله يوم الثلاثاء التاسع من شهر رمضان 1445 ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء 10 رمضان في جامع المهيني، ودفن بمقبرة شمال الرياض.
وكتب هذه المعلومات القيمة ابن أخيه، محمد بن عبدالعزيز العوشن.

يناير 15, 2024

بس شوي!


لم يكن القليل دوماً محل ذمّ أوتحقير أو استصغار، ولا معبراً عن الدون، فقد ورد الثناء على القليل وبيان أنه أمر محمود وممدوح، ذلك أن العمل الصالح (الدائم) محبوب لله تعالى وإن كان قليلاً، وحين سُئِلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ 
قالَ: (أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ) ، والمال القليل حين يتم إنفاقه بنية طيبة، يكون عظيماً عند الله، كما قال ﷺ ( سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها).

إن إشاعة عنوان هذه التدوينة (بس شوي)  يعني إشاعة الإحسان، والحث على ما تيسر منه، ويدفعنا لإعادة المراجعة لموقفنا من الكثير من الأعمال التي طالما احتقرناها، بحجة أنها (قليلة) أو (يسيرة)، ثم كانت نتيجة ذلك الاستصغار أن توقفنا عنها بالكلية.

(بس شوي)، تعني ألا نتوقف عن العمل اليسير انتظاراً للوقت والإمكانات التي تجعلنا قادرين على القيام بالعمل الكثير.

(بس شوي)، تعني أن نتبرع بالمتيسر من المال، وألا نحتقر هذا الإنفاق وإن قل مقداره فقد (سبق درهم مائة ألف).

(بس شوي)، تعني أن نقوم بالإحسان اليسير المتاح لنا، فنميط الأذى عن الطريق، وإن كان غصناً، أو حجراً، أو عائقاً، مستذكرين أن ذلك أحد شعب الإيمان، وحديث الرسول ﷺ (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له).

(بس شوي)، تدفعنا لمراجعة اهتمام النبي ﷺ بتلك  المرأة - التي لم تكن تقوم بعمل كبير في نظر الكثيرين، حيث كانت (تقمّ المسجد) أي تجمع القمامة وتخرجها من المسجد،  فَفَقَدَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقالوا: مَاتتَ، قالَ: أَفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قالَ: فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقالَ: دُلُّونِي علَى قَبْرِهاِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها.

(بس شوي)، تعني أن تفعل المعروف لكل أحد، ولو كان لقمة تضعها في فم جائع، أو شربة ماء تسقيها لعطشان، وفي الحديث (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)، وفي الحديث كذلك (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا)، وقال ﷺ   ( يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ) وهو عظم قليل اللحم.

(بس شوي)، تعني أن نفعل الخير حتى مع البهائم، ونتذكر حديث النبي ﷺ  (بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ).

(بس شوي)، تعني ألا نبخل على الناس باللطافة، و الابتسام عندما نلقاهم، فإن (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي تعداد النبي ﷺ  للصدقات قال: ﷺ: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ)

(بس شوي)، تعني أن نحفز المحسنين، وأن نبادر لتقديم الشكر لهم، والثناء عليهم بشتى الطرائق والسبل، ونبارك فعلهم، ففي الحديث (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).

(بس شوي)، تعني أن نسعى للالتزام بشيء من أذكار الصباح والمساء ولو قلّت عبارتها، وقصر وقتها، وشيء من التلاوة لكتاب الله، ولو كانت أحرفاً يسيرة، ففي الحديث (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ "الـم" حرفٌ ولكنْ "ألفٌ" حرفٌ و"لامٌ" حرفٌ و"ميمٌ" حرفٌ).

(بس شوي)، تعني أنه يمكننا أن نصلي صلاة الوتر ركعة واحدة ونكتفي بها، وأن نصلي الضحى ركعتين فحسب، فندرك أجر القيام وأجر الضحى.

(بس شوي)، تذكرنا أن المحافظة على الفرائض وحدها دون أي نوافل، تدخل الجنة، كما في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ  ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال ﷺ ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق).

(بس شوي)، تجعلنا نسعى لأن نضرب مع كل محسن بسهم، وفي كل مشروع خيري أو تطوعي بأي مساهمة ممكنة مالية كانت أو فكرية، أو في الدلالة عليه، فإن (الدال على الخير كفاعله).

(بس شوي)، تجعلنا مبادرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق المستطاع، وبأجمل كلمة، وألطف عبارة، ولا ننتظر استجابة أو قبولاً، بل نكتفي بمجرد البلاغ (معذرة إلى ربكم).

(بس شوي)، تجعلنا نتواصى في بيوتنا بالبر والتقوى، ولا نحتقر كلمة نقولها، أو موعظة نلقيها، ولو كان مستمعوها اثنان أو ثلاثة..

إنني هنا أوصي نفسي، وأوصيك أيها القارئ الكريم بأن تعوّد نفسك على بذل الإحسان اليسير، وفعل المعروف اليسير، والمساهمة بسهم في كل مشروع خيري تراه، أو إحسان إلى عباد الله، وان تشيع ذلك في كل مجتمع تعيش فيه، فالمجتمع المتكافل المتعاطف الباذل وفقاً لإمكانياته وفق المستطاع والمتاح هو مجتمع حيوي فاعل نشط مبارك.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

1 / 7 / 1445 هـ

ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

تجربة الفِطام الذاتي!


خاض جميعنا تجربة الفطام من الرضاعة، وكانت تجربة متعبة في بدايتها، غير أنها ممتعة في عاقبتها، وبدلاً من الاكتفاء بمشروب واحد في البكرة والعشي، أصبح المتعرض للفطام قادرا على الأكل من أنواع المأكولات والمشروبات، مستمتعاً بالكثير من النعم.

وحديثي هنا ليس ذلك الفطام، بل عن فطام من نوع آخر، وهو لون من الحرمان الاختياري، والقرار الشخصي بالتوقف عن شيء ما.

ومن المهم لكل من أراد التحكم بذاته، وإدارة نفسه، وسلوكياته، وتحقيق النجاحات الكبرى أن يكون قادراً على فطام النفس عن بعض مشتهياتها متى ما أراد، فلا يكون منساقاً لها دون قيود أو حدود.
وهاهنا يروق لي ذلك البيت من الشعر النبطي :
مايذوق العز خمّام الوسايد * والرجل ماينفعه كثر التمني

والذي يوضح فيه الشاعر أن الاستسلام للملذات، ومنها النوم مثلاً، ليس طريقاً سالكاً نحو العز، والجاه، والمكانة، فتلك الدرجات الرفيعة تتطلب قرارات جريئة بإهمال وترك جملة من الأشياء، واعتزالها.
ولعل من ذلك أن يراجع المرء وقته، ومضيعات الوقت الأكثر تأثيراً عليه، ثم يفطم نفسه عن بعض تلك المضيّعات زمناً، ليكسر حاجز الاعتياد والتعلق.

ومن نماذج ذلك في مجال الأجهزة الذكية: أن يحذف الواحد منا (بعض) التطبيقات التي وجد أنه بات يمضي عليها (الكثير) من الوقت دون جدوى، والتي أصبحت تؤثر على أهدافه الأخرى، ومستوى إنتاجيته، وكل واحد منا أدرى بالتطبيق الذي يستغرق عليه أوقاتاً طويلة، حتى ولو كان ذلك الحذف مؤقتاً بأيام أو أسابيع، ذلك أن الانقطاع حيناً يورث تقليل الإدمان دون شك.

ومن الفطام المحمود، فطام النفس عن اعتياداتها السلبية، كاعتياد النوم الكثير، والكسل الذهني والجسدي، واعتياد الراحة، والخلود إلى سلوك الانزواء وعدم الفاعلية والرضى بالدون في كل مجالات الحياة.

ومن ذلك فطام النفس عن أصحاب الهمم الدنيئة، والاهتمامات السطحية، واتخاذ القرارات الحاسمة بتقليل الوقت المخصص للجلوس معهم إلى أضيق ما يمكن.  
وفي ذلك كله يصدق قول الشاعر :
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على * حبّ الرضاع، وإن تفطمهُ ينفطِـمِ

ولست أنسى الإشارة إلى لون آخر من ألوان الفطام ، لا يقل أهمية عن سابقه، وهو فطام يمنحنا متعة الحياة، ويجعلنا نسعد بها دوماً، وهو فطام النفس عن مواصلة الانغماس في محبوباتها المباحة، إذ الواجب المحافظة على عدم التشبع التام من تلك المتع التي نحبها، فإن الإكثار منها سبب للملل منها، والعزوف عنها، والهدف من عدم الاسترسال في تلك المتع أن تبقى متعة ممارستها، ولا تزول عنا لحظات انتظارها، والشوق إليها.

فمتعة السفر– مثلاً- والتي يعدّها الناس أحد أفضل المتع، ويبذلون لها الأوقات والأموال، حينما تكثر وتزداد في حياة المرء، ويغمر بها كل الأوقات، ويتواصل تكرارها بشكل متتال، فإن ذلك سيؤدي  - دون شك -  إلى فقدان مشاعر البهجة، والمتعة، والترقب، حينما تقرر سفراً آخر، وسيقل شعورك بتفاصيل الرحلة، من المطار، إلى الطائرة، إلى الإقلاع والهبوط، إلى لحظات الاستكشاف لأول مرة، ورهبة البدايات، وغيرها من المتع التفصيلية للأسفار، وستنخفض كثيراً متعة السفر وحبه وانتظاره، ويتحول إلى روتين غير مثير للسرور.

والأمر ذاته حينما نتحدث عن (متعة التسوق) فالذين يشترون كل ما تطمح إليه نفوسهم، أو يأكلون كلما تشتهيه أجسادهم دون تردد لمجرد قدرتهم المالية على الشراء، فإنهم سيشعرون بالتشبّع بتلك المتعة، لدرجة الملل منها، فاستمرار المرء في إشباع رغباته دون توقف، يجعل تلك الرغبات تبلى وتذبل، ويجعل تلك المتع تزول لذتها، فيصبح تحقيق السعادات الصغيرة أمراً غير يسير.
والناجحون والسعداء لديهم القدرة العالية على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، وتباعد أوقاتها، والتوازن في التعامل معها، لأنهم ينظرون إلى مشهد الحياة ككل، وليس إلى اللحظة الحاضرة فحسب، ويخططون للمحافظة على رونق تلك المتع المختلفة، ويدركون أنه كلما استزاد الإنسان من المتع المادية المحسوسة تراجعت درجة استمتاعه بها.
ومن العجائب أن ذلك الأمر لا ينطبق إطلاقاً على المتع الروحية، فإن زيادتها تؤدي إلى مزيد من التأثير الإيجابي الذي تحدثه، والاستغراق فيها يزيدها بهاء، فتزداد مشاعر البهجة في كل مرة، فالأشخاص المهتمون بإرواء أرواحهم، وإشباعها، من خلال الدعاء، والصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفعل المعروف يكونون أقدر على التغلب على التوتر والأمراض البدنية، ويكونون أكثر سعادة وسروراً حتى ولو كانت المتع الجسدية لديهم منخفضة للغاية.

والحديث عن الفطام برمته يأتي استجابة للأوامر والنصوص الكثيرة الداعية إلى الاعتدال في كل شيء، والاتزان في كل شيء، كما في حديث النبي ﷺ : (حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِ) ، وقوله ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)، ويتوافق مع المقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم"

محمد بن سعد العوشن
3 /  6 / 1445  هـ
الرياض 
حرسها الله