مارس 23, 2024

عمي إبراهيم في موكب الراحلين | محمد بن عبدالعزيز العوشن

هذه إلماحات سريعة من سن القلم ، عن ذلك العم الحاني والأب الثاني (إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن العوشن*) ، أسطرها بمداد من دمع ، وحبر من لوعة :
(1)  كنت خارجاً وإياه من إحدى الاستراحات متأبطاً ذراعه في عام ( ١٤٣٥ ) ، فسألني قائلاً :
وأنا عمك، أنا من مواليد عام ( ١٣٥٨ ) فكم يكون عمري الآن ؟
فيكون - رحمه الله  - قد عاش ( ٨٧ ) سنة ، جعلها الله شاهدةً له . 
والمدون في أوراقه الرسمية أنه من مواليد ( ١٣٥٧ )
(2) ولد في شقراء، وكان مرتع صباه في الطائف .
وتوظف عسكريًا في تبوك، ثم انتقل مؤقتاً إلى جدة .
ثم كانت بقية حياته في الرياض إلى حين وفاته .
إذ توفي ابوه وهو في صغره ، فكفله أبو الأيتام عمه إبراهيم العوشن - أنزل الله على قبره شآبيب الرحمة والرضوان - ولما  شب  عن الطوق يمم وجهه شطر تبوك موظفاً مع خال الملوك : الأمير خالد بن أحمد السديري - نور الله قبره وأعلى في الجنة قدره - مصاحباً هناك لشقيقه عبدالعزيز - رحمه الله - ، وعديله حمد العنقري -أطال الله بقاءه على عمل صالح-
(3) تزوج مرتين :
من ابنة عمه عبدالعزيز : خالتي نوره شقيقة والدتي، ولم تنجب منه.
ومن ابنة عمه إبراهيم : هيله - رحمهم الله أجمعين-، فأنجبت له أربعة أبناء ، وابنة.

(4)  التحق - أولاً - بالسلك العسكري ، وكان ضابطاً برتبة ملازم أول في تبوك ، ثم انتقل إلى الرياض  ، وترك العسكرية ، وتعين موظفاً في وزارة الزراعة حتى تقاعده .

(5) كان رحمة لأرباب المزارع ( الفلاليح ) ، فكان كثيراً مايقوم بخدمتهم ، وإزالة الأعباء التي قد تعترض مسيرة هذه المزارع .
جاءني رجل بقمي من : تربة البقوم في عام ( ١٤١٢ ) وأنا لا أعرفه ، لكنه صاحب سمت وديانة ، وكان ظاهر الوضاءة ، فسألني : وشو منك إبراهيم الذي يعمل في وزارة الزراعة ، فقلت له : عمي  ، فقال لي هذا البقمي : نبي منك فزعة ، نبي منه يزيل عنا مخالفة ، فخرجت لعمي من عملي ، وكنت حينها موظفاً في  : الرئاسة العامة للهيئات ، متأبطاً طلب هذا الرجل القادم من : تربة ، فدلفت عليه في مكتبه ، وكان مليئاً بالمراجعين ، فلما رآني هب من كرسيه متعجباً من مجيئي ، فأخبرته بالحاجة ، فغاب عني قريبًا من الساعة ، ثم عاد لي ، وقال : أبشرك ( شلناها عنه )!
ومن هنا تعرف من أين وصلت إلى أبنائه - بلا استثناء - صفة التفاني في الإحسان إلى الآخرين ، والسعي في إتمام حوائجهم .

(6) لم يكن مرضه الأخير جديدًا عليه ، فمنذ شبابه وهو يشتكي : قرحة المعدة ، ثم تعافى منها بعد ذلك - ولله المنة - جعل الله كل ذلك مكفراً لسيئاته .

(7) كان اجتماعياً إلى أقصى درجة ,  يفرح بالمناسبات واللقاءات ، ويشارك فيها بفعالية ظاهرة ، إلا أنه منذ خمس سنوات أحجم عن ذلك لظروفه الصحية ، ومع ذلك كان بيته ( قبلة ) وموئلاً ، يستقبل كل وافد عليه بابتسامته المعهودة .

(8) كان محباً لأسرته ، استشارني في أمرِ تلبية رغبة أبنائه ، وبالتالي انتقاله إلى شمال الرياض ، ليسهل على أبنائه أكثر : القيام على شؤونه ، وزيارته كل يوم ، خاصة بعدما فقد زوجتيه ، فأيدته على ذلك ، وقلت له : افعل وبلا تردد ، فلم يزد على أن قال : ( فرقى الجماعة _ وأنا عمك _ صعبة علي ) !!! ، فعلمت أنه لن يفارق جماعته ، ولو منحته الدولة بيتاً بالمجان في أرقى أحياء الرياض .

(9) في العامين الأخيرين كان يشعر بضيق في نفَسه _ أحياناً - ولم يكن يشتكي لأحد ، وتبين بعد ذلك أنه مصاب بتليف في الرئة فصار يحتاج إلى راحة دائمة ، وكان يتقلل من الحديث والكلام ، إلا حينما يُتكلم معه عن مرتع صباه : مدينة الطائف  !  فيصيبه نوع نشاط وأنس وسرور وسعادة ، ويبدأ يتحدث ويستطرد ، ثم يشعر بشيء من الجهد ، فيتوقف .

(10) كان جهوري الصوت ، يحرص على إقناع محاوريه بوجاهة رأيه ، وصواب وجهة نظره ، فيظن من لايعرفه أنه حاد الطبع ، ومن شاهد سرعة دمعته ، عرف رقة قلبه ، ولين طبعه .

(11) في آخر زيارة قمت بها له ، وكان معي - كالعادة-  بعض أبنائي ، فلما تشرفوا بالسلام عليه ، وتعريفه بأسمائهم ، قال له ابني عبدالوهاب ( ١٤ عامًا ) : أنا  عبدالوهاب ، فقال له عمي - رحمه الله بشيء من الابتسامة  : عبدالوهاب ، أظن ما في الأسرة من يحمل هذا الاسم سواك  .

(12) عندما دخلت مغسلة الموتى لمهمة تغسيله ، وكان ذلك بحضور أبنائه كلهم ، استأذنت ابنه الأكبر محمداً أن يضع على جسده الطاهر شيئاً من دهن العود الذي كان بحوزتي ، فأذن لي - شكر الله له - ، فكان هذا الطيب آخر ما مس جسده .

اللهم ارفع درجته في عليين ، واجعله من ورثة جنة النعيم ، واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين ، وافسح له في قبره ونور له فيه .

قاله بلسانه وكتبه ببنانه : أبو عبدالعزيز، محمد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن العوشن

_______________________________

* توفي الفقيد إبراهيم العوشن رحمه الله يوم الثلاثاء التاسع من شهر رمضان 1445 ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء 10 رمضان في جامع المهيني، ودفن بمقبرة شمال الرياض.
وكتب هذه المعلومات القيمة ابن أخيه، محمد بن عبدالعزيز العوشن.

يناير 15, 2024

بس شوي!


لم يكن القليل دوماً محل ذمّ أوتحقير أو استصغار، ولا معبراً عن الدون، فقد ورد الثناء على القليل وبيان أنه أمر محمود وممدوح، ذلك أن العمل الصالح (الدائم) محبوب لله تعالى وإن كان قليلاً، وحين سُئِلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ 
قالَ: (أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ) ، والمال القليل حين يتم إنفاقه بنية طيبة، يكون عظيماً عند الله، كما قال ﷺ ( سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها).

إن إشاعة عنوان هذه التدوينة (بس شوي)  يعني إشاعة الإحسان، والحث على ما تيسر منه، ويدفعنا لإعادة المراجعة لموقفنا من الكثير من الأعمال التي طالما احتقرناها، بحجة أنها (قليلة) أو (يسيرة)، ثم كانت نتيجة ذلك الاستصغار أن توقفنا عنها بالكلية.

(بس شوي)، تعني ألا نتوقف عن العمل اليسير انتظاراً للوقت والإمكانات التي تجعلنا قادرين على القيام بالعمل الكثير.

(بس شوي)، تعني أن نتبرع بالمتيسر من المال، وألا نحتقر هذا الإنفاق وإن قل مقداره فقد (سبق درهم مائة ألف).

(بس شوي)، تعني أن نقوم بالإحسان اليسير المتاح لنا، فنميط الأذى عن الطريق، وإن كان غصناً، أو حجراً، أو عائقاً، مستذكرين أن ذلك أحد شعب الإيمان، وحديث الرسول ﷺ (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له).

(بس شوي)، تدفعنا لمراجعة اهتمام النبي ﷺ بتلك  المرأة - التي لم تكن تقوم بعمل كبير في نظر الكثيرين، حيث كانت (تقمّ المسجد) أي تجمع القمامة وتخرجها من المسجد،  فَفَقَدَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقالوا: مَاتتَ، قالَ: أَفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قالَ: فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقالَ: دُلُّونِي علَى قَبْرِهاِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها.

(بس شوي)، تعني أن تفعل المعروف لكل أحد، ولو كان لقمة تضعها في فم جائع، أو شربة ماء تسقيها لعطشان، وفي الحديث (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)، وفي الحديث كذلك (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا)، وقال ﷺ   ( يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ) وهو عظم قليل اللحم.

(بس شوي)، تعني أن نفعل الخير حتى مع البهائم، ونتذكر حديث النبي ﷺ  (بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ).

(بس شوي)، تعني ألا نبخل على الناس باللطافة، و الابتسام عندما نلقاهم، فإن (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي تعداد النبي ﷺ  للصدقات قال: ﷺ: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ)

(بس شوي)، تعني أن نحفز المحسنين، وأن نبادر لتقديم الشكر لهم، والثناء عليهم بشتى الطرائق والسبل، ونبارك فعلهم، ففي الحديث (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).

(بس شوي)، تعني أن نسعى للالتزام بشيء من أذكار الصباح والمساء ولو قلّت عبارتها، وقصر وقتها، وشيء من التلاوة لكتاب الله، ولو كانت أحرفاً يسيرة، ففي الحديث (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ "الـم" حرفٌ ولكنْ "ألفٌ" حرفٌ و"لامٌ" حرفٌ و"ميمٌ" حرفٌ).

(بس شوي)، تعني أنه يمكننا أن نصلي صلاة الوتر ركعة واحدة ونكتفي بها، وأن نصلي الضحى ركعتين فحسب، فندرك أجر القيام وأجر الضحى.

(بس شوي)، تذكرنا أن المحافظة على الفرائض وحدها دون أي نوافل، تدخل الجنة، كما في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ  ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال ﷺ ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق).

(بس شوي)، تجعلنا نسعى لأن نضرب مع كل محسن بسهم، وفي كل مشروع خيري أو تطوعي بأي مساهمة ممكنة مالية كانت أو فكرية، أو في الدلالة عليه، فإن (الدال على الخير كفاعله).

(بس شوي)، تجعلنا مبادرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق المستطاع، وبأجمل كلمة، وألطف عبارة، ولا ننتظر استجابة أو قبولاً، بل نكتفي بمجرد البلاغ (معذرة إلى ربكم).

(بس شوي)، تجعلنا نتواصى في بيوتنا بالبر والتقوى، ولا نحتقر كلمة نقولها، أو موعظة نلقيها، ولو كان مستمعوها اثنان أو ثلاثة..

إنني هنا أوصي نفسي، وأوصيك أيها القارئ الكريم بأن تعوّد نفسك على بذل الإحسان اليسير، وفعل المعروف اليسير، والمساهمة بسهم في كل مشروع خيري تراه، أو إحسان إلى عباد الله، وان تشيع ذلك في كل مجتمع تعيش فيه، فالمجتمع المتكافل المتعاطف الباذل وفقاً لإمكانياته وفق المستطاع والمتاح هو مجتمع حيوي فاعل نشط مبارك.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

1 / 7 / 1445 هـ

ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

تجربة الفِطام الذاتي!


خاض جميعنا تجربة الفطام من الرضاعة، وكانت تجربة متعبة في بدايتها، غير أنها ممتعة في عاقبتها، وبدلاً من الاكتفاء بمشروب واحد في البكرة والعشي، أصبح المتعرض للفطام قادرا على الأكل من أنواع المأكولات والمشروبات، مستمتعاً بالكثير من النعم.

وحديثي هنا ليس ذلك الفطام، بل عن فطام من نوع آخر، وهو لون من الحرمان الاختياري، والقرار الشخصي بالتوقف عن شيء ما.

ومن المهم لكل من أراد التحكم بذاته، وإدارة نفسه، وسلوكياته، وتحقيق النجاحات الكبرى أن يكون قادراً على فطام النفس عن بعض مشتهياتها متى ما أراد، فلا يكون منساقاً لها دون قيود أو حدود.
وهاهنا يروق لي ذلك البيت من الشعر النبطي :
مايذوق العز خمّام الوسايد * والرجل ماينفعه كثر التمني

والذي يوضح فيه الشاعر أن الاستسلام للملذات، ومنها النوم مثلاً، ليس طريقاً سالكاً نحو العز، والجاه، والمكانة، فتلك الدرجات الرفيعة تتطلب قرارات جريئة بإهمال وترك جملة من الأشياء، واعتزالها.
ولعل من ذلك أن يراجع المرء وقته، ومضيعات الوقت الأكثر تأثيراً عليه، ثم يفطم نفسه عن بعض تلك المضيّعات زمناً، ليكسر حاجز الاعتياد والتعلق.

ومن نماذج ذلك في مجال الأجهزة الذكية: أن يحذف الواحد منا (بعض) التطبيقات التي وجد أنه بات يمضي عليها (الكثير) من الوقت دون جدوى، والتي أصبحت تؤثر على أهدافه الأخرى، ومستوى إنتاجيته، وكل واحد منا أدرى بالتطبيق الذي يستغرق عليه أوقاتاً طويلة، حتى ولو كان ذلك الحذف مؤقتاً بأيام أو أسابيع، ذلك أن الانقطاع حيناً يورث تقليل الإدمان دون شك.

ومن الفطام المحمود، فطام النفس عن اعتياداتها السلبية، كاعتياد النوم الكثير، والكسل الذهني والجسدي، واعتياد الراحة، والخلود إلى سلوك الانزواء وعدم الفاعلية والرضى بالدون في كل مجالات الحياة.

ومن ذلك فطام النفس عن أصحاب الهمم الدنيئة، والاهتمامات السطحية، واتخاذ القرارات الحاسمة بتقليل الوقت المخصص للجلوس معهم إلى أضيق ما يمكن.  
وفي ذلك كله يصدق قول الشاعر :
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على * حبّ الرضاع، وإن تفطمهُ ينفطِـمِ

ولست أنسى الإشارة إلى لون آخر من ألوان الفطام ، لا يقل أهمية عن سابقه، وهو فطام يمنحنا متعة الحياة، ويجعلنا نسعد بها دوماً، وهو فطام النفس عن مواصلة الانغماس في محبوباتها المباحة، إذ الواجب المحافظة على عدم التشبع التام من تلك المتع التي نحبها، فإن الإكثار منها سبب للملل منها، والعزوف عنها، والهدف من عدم الاسترسال في تلك المتع أن تبقى متعة ممارستها، ولا تزول عنا لحظات انتظارها، والشوق إليها.

فمتعة السفر– مثلاً- والتي يعدّها الناس أحد أفضل المتع، ويبذلون لها الأوقات والأموال، حينما تكثر وتزداد في حياة المرء، ويغمر بها كل الأوقات، ويتواصل تكرارها بشكل متتال، فإن ذلك سيؤدي  - دون شك -  إلى فقدان مشاعر البهجة، والمتعة، والترقب، حينما تقرر سفراً آخر، وسيقل شعورك بتفاصيل الرحلة، من المطار، إلى الطائرة، إلى الإقلاع والهبوط، إلى لحظات الاستكشاف لأول مرة، ورهبة البدايات، وغيرها من المتع التفصيلية للأسفار، وستنخفض كثيراً متعة السفر وحبه وانتظاره، ويتحول إلى روتين غير مثير للسرور.

والأمر ذاته حينما نتحدث عن (متعة التسوق) فالذين يشترون كل ما تطمح إليه نفوسهم، أو يأكلون كلما تشتهيه أجسادهم دون تردد لمجرد قدرتهم المالية على الشراء، فإنهم سيشعرون بالتشبّع بتلك المتعة، لدرجة الملل منها، فاستمرار المرء في إشباع رغباته دون توقف، يجعل تلك الرغبات تبلى وتذبل، ويجعل تلك المتع تزول لذتها، فيصبح تحقيق السعادات الصغيرة أمراً غير يسير.
والناجحون والسعداء لديهم القدرة العالية على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، وتباعد أوقاتها، والتوازن في التعامل معها، لأنهم ينظرون إلى مشهد الحياة ككل، وليس إلى اللحظة الحاضرة فحسب، ويخططون للمحافظة على رونق تلك المتع المختلفة، ويدركون أنه كلما استزاد الإنسان من المتع المادية المحسوسة تراجعت درجة استمتاعه بها.
ومن العجائب أن ذلك الأمر لا ينطبق إطلاقاً على المتع الروحية، فإن زيادتها تؤدي إلى مزيد من التأثير الإيجابي الذي تحدثه، والاستغراق فيها يزيدها بهاء، فتزداد مشاعر البهجة في كل مرة، فالأشخاص المهتمون بإرواء أرواحهم، وإشباعها، من خلال الدعاء، والصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفعل المعروف يكونون أقدر على التغلب على التوتر والأمراض البدنية، ويكونون أكثر سعادة وسروراً حتى ولو كانت المتع الجسدية لديهم منخفضة للغاية.

والحديث عن الفطام برمته يأتي استجابة للأوامر والنصوص الكثيرة الداعية إلى الاعتدال في كل شيء، والاتزان في كل شيء، كما في حديث النبي ﷺ : (حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِ) ، وقوله ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)، ويتوافق مع المقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم"

محمد بن سعد العوشن
3 /  6 / 1445  هـ
الرياض 
حرسها الله

ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

ديسمبر 05, 2023

الاستثمار في الأعمال الخيرية

       يحرص الكثير من المستثمرين الهادفين للربح المحض لتحديد شريحة المستهدفين لديه، وينتقيهم بعناية، وهو ما يعين على تحقيق المزيد من الأرباح نتيجة التخصص.
 وقد وجد بعض أولئك المستثمرين أن العمل مع الجمعيات الخيرية أو مع فاعلي الخير يحقق لهم بغيتهم ومقصودهم الربحي بامتياز، لأن ذلك القطاع بحاجة إلى شراء الكثير من المنتجات والخدمات .
وترى الكثير من أولئك يقدمون الخدمات للقطاع بسعر السوق أو زيادة، وبجودة السوق أو أقل، وهم في ترويجهم لمنتجاتهم وأعمالهم لا يكلّون من استخدام النصوص الشرعية لحث الناس على التعاقد معهم!.

        فتراهم يتحدثون عن فضل سقيا الماء وماورد فيه من الأجور، ويتحولون إلى واعظ في شأن السقيا، لا لشيء إلا لأنهم يبيعون كراتين المياه المعبأة، ويوصلونها للمساجد أو لغيرها من الأماكن التي يريدها المتبرعون أفراداً أو مؤسسات.

         وتراهم كذلك يتحدثون عن أهمية العناية بالعمال المساكين الذين يعانون من البرد الشديد القارس، لأنهم في الواقع يسوّقون للحقيبة التي أسموها (كسوة الشتاء)، والأمر نفسه يقال عن إطعام الطعام، وتوزيع السلال، والتمور..

        ولأن العمل تجاري صرف، فإنهم لا يقومون هم أو كثير ممن يتعامل معهم بالتدقيق في مجال جودة المنتج، وفائدته للمستفيد النهائي، ومدى الحاجة الفعلية إليه، والأمر نفسه يقال عن الكثير من الخدمات التي يحرصون على التكسّب من خلال بيعها باسم البحث عن الخير وابتغاء الأجر.

        ومن الطريف كذلك أن ترى ذلك المستثمرالتجاري يتحدث بين الحين والآخر عن دوره الكبير في (العمل الخيري)، وحرصه عليه، وإنجازاته في توزيع أكبر عدد ممكن من سلعته باسم (الخير).

      وربما سعى للحصول على المزيد من العقود باعتباره أولى من غيره، لأنه من (رجال العمل الخيري) – على حدّ زعمه- مع أنه في هذه الحالة ليس سوى أحد المستفيدين من العمل الخيري، المتكسّبين منه، وهو مقدم خدمة ليس غير، هدفه الرئيسي تحقيق الربح المالي، وتأتي باقي الأهداف الأخرى – إن وجدت – تبعاً لذلك الهدف.

       لذا تراه لا يتغاضى عن أي شيء من الأرباح لصالح العمل الخيري، ولا يقبل بتأخير شيء من الدفعات، بل ولا يكلف نفسه بذل مزيد من الخدمة من حيث النوع أو الكم أكثر مما هو متفق عليه، فضلاً عن أن يتبرع بجزء من موارده للمشروع الذي يقدّم المواعظ الناس بشأنه.

     إن قيام رجل الأعمال بتحديد مجال عمله في خدمة قطاع ما، لا يجعله بالضرورة من رجالات ذلك القطاع، ويجب ألا يعتبر جهده التجاري ذاك عملاً تطوعياً يفاخر به، بل هو عمل تجاري صرف، فالمقاول الذي جعل اختصاصه بناء المساجد، أو الشركة التي تخصصت في إنتاج البرمجيات التعليمية، أو إصدار المواد الإعلامية الهادفة، أو تجهيز الاستوديوهات للمؤسسات غير الربحية، كل أولئك (رجال أعمال) يبحثون عن الربح الخالص وقد وجدوه هناك.

         ومن الخطأ أن نتعامل معهم كما نتعامل مع منظمات القطاع الخيري، من حيث مبدأ التجاوز وعدم التدقيق، وقبول المتاح، واعتبارهم محتسبين في خدمة العمل، ذلك أن أولئك المستثمرين حينما يكون الأمر مرتبطاً بحقوقهم ومصالحهم -عند التعاقد- فإنك تراهم تجاريين جداً ، ودقيقين جداً، فإذا جاء وقت الاستلام منهم، ومراجعة أعمالهم، لبسوا لباس التطوع والعمل الخيري، مطالبين بالمراعاة والتسهيل.

        إنك حين تقدّم الخدمة بشكل تطوعي صرف  لا تبتغي منها جزاءا ولا شكورا، فإنه ينطبق عليك قول الله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل)، فعملك مشكور، وسعيك محمود، وبذلك للوسع كاف تماماً.

       أما حين تقدّم تلك الخدمة بمقابل مادي تكسب من خلاله، فإن الأمر مختلف كلياً، ويعتبر إخلالك بالعمل أو تقصيرك فيه مرتبطاً بأكل الأموال بالباطل.

        وما من شك أن احتساب الأجر في كل عمل يقوم به الإنسان أمر محمود، حتى ولو كان أمراً دنيوياً صرفاً، لكن ذلك شيء بين المرء وبين الله، لا يمكن الاطلاع عليه، ولا الاستيثاق منه، لأن محله القلب، ودعوى الاحتساب فيه غير كافية لقبول الإخلال بالأعمال والعقود، أو المطالبة بما هو غير مستحق، وخصوصاً حين يكون المال مال الله، ناتج عن تبرعات الناس وصدقاتهم، فإن التحرز فيه يجب أن يكون عالياً ، وأن يأخذ المرء فيه بالعزيمة لا بالرخصة، فـ (كل جسد نبت من سحت؛ فالنار أولى به).  

        وحديثي هذا عن المستثمرين هو حديث عن عدد غير قليل،  وإن كانت الوقائع تثبت قيام (بعض) أولئك، بإطلاق مشروعاتهم الخيرية الخاصة في مجال تخصصهم، وبذلهم في ذلك من مالهم الخاص، وهو أمر يذكر فيشكر.

        كما أنني لا أشك أن الكثير من الجمعيات العاملة في القطاع حريصة دوماً على الحصول على أفضل المنتجات، بأفضل الأسعار المتاحة، إدراكاً منهم للمسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه هذا المجال، وتجاه المستفيدين، وتجاه المتبرعين كذلك.

        جعلنا الله وإياكم من المباركين، ومن المتورعين عن أخذ ما فيه شبهة، فضلاً عما لا يحل، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

        دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

21 - 5 - 1445 هـ

الرياض (حرسها الله)

نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله