نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله


نوفمبر 20, 2023

وماهو بهيّن!

نتوقع أحياناً أن الأعمال الكبيرة والمؤثرة بل والخطيرة كذلك هي أعمال "عظيمة الحجم"، أو "كثيرة العدد" بالضرورة، وهو توقع غير صائب، فهي أحياناً تكون شيئاً يسيراً، لكنه يحدث أثراً عظيماً يصعب إزالة آثاره.

غير أن التشبيه الرائع في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الشهير عن حال أهل السفينة الذين نزل بعضهم أعلاها، ونزل بعضهم أسفلها، ثم إن الذين نزلوا أسفلها اقترحوا اقتراحاً مفاده لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. 

فكان النص الحاسم هنا (فإن تركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) يجعلنا دوماً نعيد النظر في الفعل ذاته، وفي آثاره المتعدية بعد ذلك، بالنظر في مآلات الأمور ونتائجها الإيجابية أو السلبية قبل أن نقرر أن الأمر هين ويسير، وليس الحديث مقتصراً على الجانب السلبي، إذ الأمر ذاته ينطبق على أفعال الخير والإحسان، فرب فعل يسير استهان به صاحبه، وظن انه لا يصنع أثراً، لكن بركته وأجره وتأثيره كانت عظيمة.

فلا تستهن بأي إحسان تصنعه، أو صدقة تنفقها في سبيل الله ولو صغرت، فقد دخلت امرأة بغيٌّ مِن بني إسرائيل الجنة بسبب كلب أسقته على حين ظمأ، فوقوفك مع المسكين والمحتاج ولو بالشيء اليسير، قد يكون فيه خلاصك، وفي الحديث (اتقوا النار ولو بشقّ تمرة)، كما ثبت في الحديث كذلك (سبق درهم مائة ألف درهم)، وفي المتفق عليه صال صلى الله عليه وسلم : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة).

ولا تستهن بأي تأثير إيجابي تحدثه، أو عمل مبارك تقوم به، واحذر من التقاعس عنه بسبب قلة المستفيدين، فالعدد ليس المعيار الوحيد في الحكم على الفاعلية والتأثير، ورب كلمة لم يستفد منها إلا شخص واحد، غير أنها أثرت عليه وصنعت منه إنساناً مختلفاً، وربما أحدث بعد ذلك آثاراً عظيمة ناشئة عن تلك الكلمة اليسيرة.

ولا تستهن بأي نصيحة تقدمها للغير، ولا تهوّن من تأثير كلمة الحق التي تقولها، فرب كلمة جاءت بغير إعداد مسبق، وبشكل عفوي، أحدثت تغييرا جذريا في الآخرين، وكان بها خلاصك وخلاصهم.

ولا تستهن بتفاصيل البر بوالديك، وتتبع ما يرضيهما، وتفقد صغائر احتياجاتهما، ولا تستهن بالوقت الذي تمضيه معهما، فكم من حسرة ستعانيها حين يفارقان الحياة وأنت مقصر في حقهما، وتذكر أن القرآن الكريم نهى عن صغائر الأمور معهما، ( ولا تقل لهما أفّ).

ولا تستهن بالدقائق والسويعات التي تذهب هباء، فإن العمر هو تلك الدقائق التي تمضي، وإنما السيل اجتماع النقط، وتفريطك وتهاونك مرة بعد مرة يجعل سنوات عمرك تتصرم، وانت على نفس حالك.

ولا تستهن باي خطوة تقوم بها لتخفيف الإدمان الإلكتروني، والتخلص من عبودية الجوال والإنترنت.، فكل خطوة -ولو صغرت- يمكنها أن تمنحك وقتا إضافيا تصرفه في جوانب الحياة الأخرى المهمة، ولا يغرنّك كثرة المدمنين، فهم متورطون وإن تظاهروا بغير ذلك.

ولا تستهن بدقائق معدودة تنفقها في تلاوة آيات من الذكر الحكيم، أو السجود لله، أو حمده وشكره عل نعمه، وتسبيحه وتعظيمه، والتأمل في عظيم صنعه.

ولا تستهن بالحديث الإيجابي للتخفيف عمن وقعت عليه مصيبة، أو حلت به كارثة، ذلك أن جبر الخواطر، ومشاركة الناس همومهم من أعمال البر المحمودة، وفي الحديث (لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق).

ولا تستهن بأي معصية ترتكبها، وتعتبرها هيّنة يسيرة، و تذكر (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، ففكّر دوما في عظمة وجلال من عصيت.

ولا تستهن بالمجاهرة بالمعاصي أمام الناس، ففعل المعصية ذنب، غير أن المجاهرة بها ذنب آخر، وربما كان أكبر من الذنب الأصلي ذاته، ففي الحديث (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).

ولا تستهن بكلمة تثبيط أو تحطيم توجهها لمبادر اجتهد في عمل يقوم به، أو مسعى بذل فيه وسعه، فكم من كلمات كانت أشد من اللكمات على وجوه المبادرين.

لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

ولا تستهن بالخوض في أعراض الناس، ونواياهم، وإصدار الأحكام عليهم، وتذكر قول الله تعالى (وتحسبونه هيّنا، وهو عند الله عظيم).

وفي حديث تقشعر له الأجساد، يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم.).

ولعلي أكتفي بتلك النماذج المشار إليها،إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، جعلنا الله وإياكم من المعظمين لشعائر الله، الحريصين على ما يرضيه، المجتنبين لمواضع سخطه وغضبه.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

5 / 5/ 1445 هـ


نوفمبر 18, 2023

لست وحدك | النهيدي

نعم،  ففي الخير ( لست وحدك )

فلا تمنن فهناك الكثير يعملون بصمت يقدمون ولا يمنَّوُن يتسابقون للعطاء ويحزنون إن فاتت عليهم الفرص ثم ينزوون كأن لم يعملوا شيئا {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير }.

و في البلاء ( لست وحدك )

فهناك أناس يُبتلَون بأكثر مما أنت فيه ويصبرون، ويشير المصطفى ﷺ إلى ذلك في حديث خباب «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري

وفي الإبداع ( لست وحدك )

فهناك مبدعون كثر، تعريجك عليهم وعلى إنجازاتهم يجعلك تستصغر عملك وتتطلع للمزيد، وبعدم الإلتفات إليهم يتسرب إليك الغرور فيفشلك.

وفي الإخفاق ( لست وحدك )

فهناك الكثير فشلوا وحاولوا ونجحوا ولو بعد حين وهناك فاشلون سقطوا وأحبطوا وكانت النهاية، كلاهما يعطيك حافز لأن تقوم من عثرتك أقوى ما تكون فلست وحدك.

و في الخطأ ( لست وحدك )

فلا تجعل الخطأ يقودك إلى الخطأ الآخر والأصغر إلى الأكبر فمعظم النار من مستصغر الشرر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» رواه مسلم

وفي الإصابة ( لست وحدك )

فهناك موفقون مسددون ملهمون يقولون الحق ويهدون الرشد فلا تكن وصيا على الناس فلست وحدك  وكأن لا حجة على الخلق إلا أنت, ولا موافق للشرع إلا فعلك 

فتيقن دوماً أنك ( لست وحدك )


بقلم المغرّد : عبدالله النهيدي
5 / 5/ 1445 هـ

نوفمبر 14, 2023

||| تحديث على المدونة |||


 أخي الزائر الكريم .
يمكنك الآن التعليق على التدوينات المنشورة .
ممتن لنقدك الهادف، ومقترحاتك، وإضافاتك النيّرة.

                            محمد

نوفمبر 13, 2023

الصديق الحقيقي!

لطالما كانت أوقات الرخاء والمسرات والسعة أوقاتا يتكاثر فيها الرفاق، ويشعر المرء أنه محاط بالكثير من الأصدقاء، والزملاء، من الأقارب، أو سكان الحي، أو من تعرّف عليهم في مراحله التعليمية المختلفة، أو عمل معهم في وظيفة ومنظمة واحدة.

وربما ظن المرء أنه حين يجد الجد، ويقع المكروه، وينشد "الفزعة" منهم، فإن تلك الأعداد غير المحدودة، جاهزة للمبادرة، تنتظر الإشارة منه، بل ربما توقع أن يسبقوا لذلك دون انتظار النداء.

والحقيقة أن هذا وهم كبير، فالناس الذين تعرفهم أو عشت معهم، أو تزاملت معهم في دراسة أو عمل، يتعايشون معك بوصفك جزءاً من مجتمعهم، وهم يعدونك جزءاً يسيراً من علاقاتهم الكثيرة، فلا تتوقع أن تكون لدى كل واحد منهم في المنازل الأولى، وأنه ينظر إليه كأقرب صديق، ذلك أن تلك التوقعات حين يجد الجدّ ستكون مؤلمة جداً.

لذا فإن من المهم لك أن تفرّق جيداً بين الزملاء والأصحاب الكثر، والذين تتعايش معهم، وتأنس بهم، وتمضي جملة من الأوقات معهم، وبين الأصدقاء الحقيقيين الذين تدّخرهم للنوائب، ممن سيتفانون في تقديم الخدمة لك، وسيسعون بكل جهدهم لمساعدتك على النهوض بعد الوقوع، وسيلازمونك ملازمة الأخ الشقيق، وسيتألمون مثلما تتألم، فـ"الصديق وقت الضيق" كما يقول المثل الشائع.

وما أجمل بيت الشاعر عبد الله بن عون في هذا التفريق المهم بين الأصحاب، حيث يقول:

بعض العرب للتمشية والتساهيل  * وبعض العرب للمعضلات وخطرها

ومثله بيت الشاعر فهد الصميدي، الذي يقول فيه:

أحدن أجيه اضيع الوقت واياه * واحدن إلى ضيعني الوقت جيته

إنه أسلوب حياة في التعامل مع الآخرين، يقتضي وضع كل واحد منهم في منزلته التي تليق به، وهو يعني الانفتاح واللطف مع الجميع، مع إدراك أن ذلك يأتي من باب الإحسان وفعل الخير، وبذل المعروف، الذي يرجى نفعه في الدنيا، وأجره في الآخرة، فالتبسم في وجوه الآخرين، وأن يكون المرء ممن يألف ويؤلف هو أمر ممدوح ومرغّب فيه، غير أنه في الوقت نفسه يجب الانتباه جيداً لتلك  القلة القليلة، والنخبة المنتقاة من الأصدقاء الصدوقين المقرّبين، الذين يعلم المرء أنهم أهل لهذه المنزلة، وأنهم جديرون بتخصيصهم بالبذل والوقت والاهتمام والعناية، هؤلاء القلة جديرون بأن يحظوا بامتيازات خاصة، لا أن تعاملهم كما تعامل بقية الرفاق.

وفي الوقت الذي تتساءل وتتلفت في وجوه أصحابك متسائلاً في نفسك: أيهم "للمعضلات وخطرها"؟  وأيهم إذا ضيّعك "الوقت جيته"؟ وهو تساؤل مشروع ومطلوب؛ عليك أن تسأل نفسك: أي أولئك ينظر إليك تلك النظرة ذاتها، ويعلّق عليك الآمال حين تنزل به النازلة، أيهم سيقصدك قبل أن يفكر في سواك، وأيهم سيلجأ بعد الله إليك، وأيهم يؤمل أن تبادر لـ"الفزعة" معه قبل أن يسأل؟ وهل ستكون عند حسن ظن أصدقائك بك، أم أنك وقت حاجتك كثير الإلحاح، ووقت حاجتهم كثير الأعذار.

إن من الحصافة والحكمة أن يختار المرء أصدقاءه الخلّص، وأن يفي للصداقة بحقوقها، وأن يسأل الله تعالى ألا يحوجه إلى أحد، لكنه حين يحتاج فسوف يراهم إلى جانبه وقوفاً، لا تصرفهم عنه المعاذير، والجزاء من جنس العمل.

أيها القارئ الكريم.. إنني أدعوك لأن تكون لطيفاً مع الكل، لكنك أكثر لطفاً وأثراً مع أولئك النفر القليل، وأدعوك لأن تكون كريماً، لكنك أكثر كرماً مع الأصدقاء الحقيقيون، وأدعوك لأن تكون ذا نجدة، وفزعة، ونصرة لمن تستطيع، لكنك أكثر وأسرع إلى الثلة المختارة. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

29 ربيع الثاني 1445

الموافق 12 /11 / 2023

أكتوبر 16, 2023

تدارك العافية

في كل لقاء تسمعه أو تشاهده مع الأشخاص الذين تعرضوا للإعاقة جراء حادث مروري أو سقوط من مكان عال، أوإصابة بمرض مقيّد للحركة، تجد علامات الندم واضحة في ثنايا حديث أولئك المبتلين و تنهداتهم أثناء روايتهم لتفاصيل حياتهم قبل الحادث وبعده..
وتدرك -بكل وضوح - ندمهم على التفريط في أوقات العافية والصحة والنشاط، وأمنياتهم العميقة بالشفاء لكي يوظفوا كل تلك الطاقات التي كانت لديهم في مكانها الصحيح، ويستثمرون أوقاتهم بما يليق بها، ولسان حال الواحد منهم : ليتني أعود إلى النشاط والصحة، ففي جعبتي الكثير مما كان يفترض بي أن أصنعه، وسوف أصنعه لو تحقق لي ذلك.

إن ما نعتبره اليوم من البديهيات التي لا نعيرها بالاً، ولا نلتفت إليها، ولا نشعر بها من كثرة المماسة، هي من أهم المهمات، وأغلى الأمنيات لدى أولئك المبتلين.

فصعود سلم المنزل -مثلاً- لأجل السلام على الوالد أو الوالدة، والبقاء بجوارهما، وتقبيل رؤوسهما، فضلاً عن السفر بهما، أو قضاء حوائجهما، هي أمور لم تعد متاحة لأولئك المبتلين  -شفاهم الله - ، ولسان حال الواحد منهم : والله لإن شافاني الله مما أصابني ليرين الله ما أصنع من البر والإحسان لهما.

أما تفقد حال الأبناء، والذهاب بهم للمدرسة، أو المستشفى، والسفر بهم، واللعب معهم، وحملهم بين الأذرع، وإدخال السرور عليهم بأنواع الحركة، فكلها أمنيات يعجز الكثير منهم عن القيام بها، ويأمل أن يصنعها ولو لمرات محدودة في حياته بعد أن حرم منها.

وأما القيام للصلاة، والذهاب للمسجد، والسجود المتكرر، والإمساك بالمصحف، والحج والعمرة، وأعمال كثيرة من أعمال الخير والإحسان التي يودون لو أنهم قادرون على فعلها، وإنفاق الوقت والجهد عليها، فلا تسل عن الحسرة التي تجتاح قلوبهم على عدم القدرة، ولا تسل عن مشاعر الحزن التي تجتاحهم وهم  يرون جموع الطائفين والعاكفين والركّع السجود على شاشات التلفاز، ولذا لا ينفك الواحد منهم يدعو الله ويلح في الدعاء ليتمكن من السجود بين يديه، ويتمنى أن تقبض روحه وهو ساجد لله تعالى.

ويصبح تبادل الزيارات مع الأحبة، والأنس بهم، والذهاب معهم للبرية، والاستمتاع بتفاصيل تلك الرحلات، أمراً عسيراً، إذ أن كثيراً منها مما يصعب القيام به أصلاً، أو يمكن القيام بهم مع مشقة وجهد كبير على المبتلى وعلى أصحابه في الوقت ذاته.

أما ركوب السيارة فضلاً عن قيادتها -وهي من أيسر الأمور على الصحيح المعافى- فتغدو أمراً بالغ الصعوبة، وجهداً يتطلب السؤال المكرر: هل هناك حاجة فعلية للركوب، وهل يستدعي الأمر تحمل ذلك العناء، فتراه يقوم بالكثير من المقاربات والتحليلات قبل اتخاذ قراره بالخروج من المنزل.

كما أن ارتداء اللباس وخلعه يغدو هو الآخر هماً إضافياً يسبق كل مناسبة، أو ما يستدعي الخروج من المنزل، إذ تكتنفه الكثير من المصاعب، والحاجة للمساعدة، أما الذهاب للخلاء، فأمر عسير، ومجهد ومحرج في الوقت ذاته، فالكثير من البيوت والمساجد والمرافق العامة لم تصمم لتخدم هذه الفئة أصلاً، ولذا فهو محتاج إلى المساعدة في الوصول إلى دورة المياه، ودخولها والخروج منها.

وكل ما ذكرته من نماذج وأمثلة ليس سوى رأس هرم الجليد، فالخافي أعظم، ومالم أذكره هو أضعاف ما ذكرته، أسأل الله بلطفه أن ينزل عليهم الشفاء والعافية، ويرزقهم الصبر والإعانة، ويضاعف لهم الأجور.

إن حديثي السابق ليس موجهاً لأولئك المبتلين الصابرين، وإنما أوجهه للأصحاء المتعافين، الذين منّ الله عليهم بالعافية، والقدرة المطلقة على الحركة، ويسر لهم الكثير من النعم المتتالية، بحيث لم يعودوا يستشعرونها، أو يقدروها، ولا يشكرون الله عليها إلا قليلا، وبات تعرض الواحد منهم لنزلة برد، أو جرح يسير، أو إلغاء مشروع ما، أمراً يجلب لهم الكدر، ويعيّشهم مشاعر سلبية مبالغ فيها، لأنهم عاشوا اللحظة التعيسة بعمق، ونسوا المحيط الضخم من النعم التي يرفلون فيها.

ولذا فإن رؤية المبتلين، وسماع أحاديثهم من شأنه أن يجدد لدينا الامتنان لله تعالى، واستشعار النعم، ويعيد ترتيب الأولويات لدينا، ويدفعنا إلى التعجيل بالعمل وترك التسويف، والمبادرة اليوم بصنع كل ما نستطيع صنعه، وإدراك أن ما يمكننا القيام به اليوم، ليس بالضرورة مما يمكننا القيام به غداً، فحوادث الزمان تأتي دون إشعار مسبق، تأتي فجأة فتحبس المرء في مكانه، وتوقفه عن كثير من أعماله، فيزار ولا يزور، ويتلقى الخدمة بدلاً من أن يقدمها للآخرين.

وما أحوج كل واحد منا إلى وقفة مراجعة شاملة لمسيرته، وأعماله، وواجباته، والتزاماته، ووقته، وأمنياته، وإنجازاته، وإعادة التخطيط لحياته، مركزاً فيها على الأولويات، مستغلاً فيها للنعم والأعطيات، مستصحباً أن دوام الحال من المحال، وأن وقوع البلاء ممكن، وأن السلامة غير مضمونة، فليتدارك العافية مادامت موجودة ومتاحة، فإن النعم سريعة الزوال.

ولنتذكر سوياً ذلك الحديث العظيم الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)؛ أخرجه الحاكم وصححه الألباني.

ولنستشعر كذلك أن المؤمن أمره خير كله فمتى ما كان محسناً عاملاً باذلاً وقت صحته وسلامته، فإن الله يجازيه بمثل صنيعه حين يصيبه البلاء، ويعجز، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري.

أيها القارئ المبارك.. اعمل اليوم كل ما تستطيع عمله، واستثمر كل ما أعطاك مولاك، بما يسعدك، ويزيل عنك كل آلام التقصير، وتأنيب الضمير، ولا تنس قبل ذلك وبعده أن تسأل الله دوام العافية، وسلامة الجوارح، وأن يحفظها الله لك حتى تلقاه سليماً معافاً، حامداً شاكراً بالقول والعمل. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

2 ربيع الثاني 1445 الموافق 17 /10 / 2023


سبتمبر 11, 2023

شـاهد على العصر

في حوار مع ذلك الضيف الذي ألِف المشاهدون وجهه، لحضوره في عدد من اللقاءات الذائعة الصيت، تحدّث الضيف عن وقت شبابه، مصدراً أحكامه الخاصة على المجتمع في ذلك الوقت، محاولاً إثبات صحة تلك الأحكام بكونه أحد الشهود على تلك المرحلة، حيث أتاح له بلوغه لهذا السنّ المرور على عدد من التغيرات المجتمعية، فهو "شاهد على العصر".

ولأن المحاور شاب في مقتبل العمر لم يعاصر تلك المرحلة الزمنية، ولم يعش في ذلك التاريخ – كما هو حال كثير من المشاهدين -، فإنهم جميعاً يتعاملون مع تلك الأحكام والتوصيفات باعتبارها أمراً مؤكداً وثابتاً، لكونها تأتي من أحد الشهود الذين عاشوا المرحلة وعاصروها، وهو أدرى بحال الناس آنذاك...

والحقيقة أننا نخفق كثيراً في أحكامنا الحالية التي نصدرها اليوم على حال المجتمع و أحداثه التي تقع بالقرب منا، فهي أحكام مشوبة بالكثير من النقص في المعلومات، والخطأ في الأحكام، والتحيّز المكاني والزماني والعرقي والديني، فضلاً عن ما يعتري المرء من أحوال نفسية وصحية واجتماعية تؤثر على صحة إصداره لتلك الأحكام ومنطقيتها، بالرغم من توفر الكثير من وسائل الإعلام، والنقل الحي للوقائع، والإتاحة الواسعة للمعلومات، لعل مما يؤكد تلك الأخطاء مع توافر المعلومات أنك ترى تناقضات صارخة بين مواقف الناس من الحدث ذاته، وروايتهم له، ويصدرون الكثير من الأحكام المتعارضة كلياً في توصيف الواقع الحالي!.

فإذا كان هذا حال الناس مع توافر كل هذا الكمّ من المعلومات والحقائق والإثباتات، والقدرة على الوصول والتواصل في وقتنا المعاصر، فكيف هو الحال في الحديث عن زمان سابق، قبل التقنية، ومع القصور الكبير – آنذاك - في مساحات الحركة، والعلاقات، والمعلومات.

ومن هنا فإن التسليم بأقوال أحدهم وتوصيفاته وأحكامه عن مجتمع ما سلباً أو إيجاباً، واعتبار تلك الأقوال صادقة لكونه عاصر تلك الأزمنة، هو محض خطأ، فهو ليس الناجي الوحيد الذي ينقل لنا ما حدث، بل هو واحد من ملايين الذين عاشوا في تلك الفترة، ولهم أحكام تختلف معه، وليس أحدهم أولى بالتصديق من الآخر.

وحين يتحدث الواحد منا عن تجربته الحياتية فإن من حقه أن يطلق عليها ما يشاء من أوصاف، ويعبر عن حالته النفسية آنذاك، وحكمه على نفسه مقبول إلى حد كبير..


 أما حين ينتقل للحديث عن الغير، وعن  المجتمع بعمومه، فالأمر هنا مختلف كلياً،
إذ يجب النظر إلى الكثير من العوامل المؤثرة على أحكامه التي يصدرها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: "الجهل" و "الفهم الخاطئ"، و"التحيّز"، و"الحالة الاجتماعية" ، و"الحالة المادية"، و"المواقف الخاصة"، فضلاً عن الطبيعة النفسية له، وسماته، وعلاقاته، ومكانته، ومنصبه، إذ هي عوامل يمكنها التأثير بشكل كبير على مصداقية الأحكام وسلامتها.

هذا فضلاً عن أن كل واحد منا حين يحاول استذكار مرحلة عمرية من حياته، بعد مرور السنين والأعوام، فإن الكثير من الوقائع، والأحداث، والتفاصيل تختفي من ذهنه، ولا يتبقى لديه منها سوى جملة من الأحداث المفردة، والوقائع المحدودة، والمشاعر الانتقائية التي ثبتت لأمر أو لآخر، والتي هي في الحقيقة ليست تمثل الواقع الفعلي الذي عاشه هو شخصياً، بل هي تمثل وقائع "مختارة" من الواقع، لا يمكن بموجبها إصدار تلك الأحكام العامة.

لذا لا عجب أن تجد في تعليقات بعض المشاهدين – ممن كانوا شهوداً على العصر كذلك – ردوداً على مقولات الضيف، تناقض كلامه تماماً، وتعتبر حديثه غير معبّر عنهم، ولا يمثل إلا نفسه، وقد كتب أحدهم معلقاً "إذا عانيت في زمانك، فنحن في عمرك، وعشنا أجمل حياتنا في ذلك الزمن"!

إنها اختصار لموقفين اثنين من زمان واحد، لأن كل واحد منهما ينظر بمنظاره، ويروي أحواله، وهي تؤكد ما بدأت به هذه التدوينة، أن لا ننساق وراء "شهود العصر" الذين لهم جميعاً -وبدون استثناء- دوافعهم، وظروفهم، وتفكيرهم المختلف عن الآخرين.

وفي السياق ذاته انظر للكتب التي تتحدث عن بعض الرموز التاريخية أمثال  (الحجاج بن يوسف، جمال الدين الأفغاني، جمال عبدالناصر،...) لتجد أن هناك من يعدّهم ملائكة، وهناك من يعدّهم شياطينا!.

وانظر كذلك لمرحلة الاحتلال الغربي للبلدان العربية على سبيل المثال، لتجد أن هناك من يعتبرها مرحلة ذهبية، ويطلق عليها لفظ "الاستعمار" المأخوذة من العمارة والبناء، بينما يطلق عليها آخرون لفظ "الاحتلال" بكل إسقاطاته السيئة، مع انهم جميعاً يتحدثون عن مرحلة واحدة، وبلد واحد!

وأنا هنا لست بصدد الاصطفاف مع أي من طرفي الخلاف في الحكم على مرحلة زمنية، أو شخصيات تاريخية،  لكنني أود ألا أسلّم عقلي لمن يحاول أن يجعل فهمه الشخصي للواقع من الثوابت التي يجب الأخذ بها، بحجة تلك المعاصرة والمعايشة.

ولست ألغي أهمية حديث من شهدوا العصر عن رواية مشاهداتهم، وحكاية ما عايشوه، فهي تبقى مصدراً لفهم التاريخ، ومدخلاً للإحاطة بالصورة، لكنها تعد جزءاً من معطيات كثيرة تشكل أدوات للفهم الحقيقي للتاريخ، لا يمكن الركون إليها والتسليم بها، خصوصاً مع ما يشوب تلك الشهادات من نقص البشر، واستيلاء المشاعر عليهم، ونقص الإحاطة، والتحيز، فنستمع إليهم، ونقيّم حديثهم، ونستوثق، لنصل في نهاية المطاف إلى تصور أقرب للحقيقة.

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

27 / 2 / 1445

(الرياض) حرسها الله

@bin_oshan




تدوينات ذات صلة