أكتوبر 16, 2023

تدارك العافية

في كل لقاء تسمعه أو تشاهده مع الأشخاص الذين تعرضوا للإعاقة جراء حادث مروري أو سقوط من مكان عال، أوإصابة بمرض مقيّد للحركة، تجد علامات الندم واضحة في ثنايا حديث أولئك المبتلين و تنهداتهم أثناء روايتهم لتفاصيل حياتهم قبل الحادث وبعده..
وتدرك -بكل وضوح - ندمهم على التفريط في أوقات العافية والصحة والنشاط، وأمنياتهم العميقة بالشفاء لكي يوظفوا كل تلك الطاقات التي كانت لديهم في مكانها الصحيح، ويستثمرون أوقاتهم بما يليق بها، ولسان حال الواحد منهم : ليتني أعود إلى النشاط والصحة، ففي جعبتي الكثير مما كان يفترض بي أن أصنعه، وسوف أصنعه لو تحقق لي ذلك.

إن ما نعتبره اليوم من البديهيات التي لا نعيرها بالاً، ولا نلتفت إليها، ولا نشعر بها من كثرة المماسة، هي من أهم المهمات، وأغلى الأمنيات لدى أولئك المبتلين.

فصعود سلم المنزل -مثلاً- لأجل السلام على الوالد أو الوالدة، والبقاء بجوارهما، وتقبيل رؤوسهما، فضلاً عن السفر بهما، أو قضاء حوائجهما، هي أمور لم تعد متاحة لأولئك المبتلين  -شفاهم الله - ، ولسان حال الواحد منهم : والله لإن شافاني الله مما أصابني ليرين الله ما أصنع من البر والإحسان لهما.

أما تفقد حال الأبناء، والذهاب بهم للمدرسة، أو المستشفى، والسفر بهم، واللعب معهم، وحملهم بين الأذرع، وإدخال السرور عليهم بأنواع الحركة، فكلها أمنيات يعجز الكثير منهم عن القيام بها، ويأمل أن يصنعها ولو لمرات محدودة في حياته بعد أن حرم منها.

وأما القيام للصلاة، والذهاب للمسجد، والسجود المتكرر، والإمساك بالمصحف، والحج والعمرة، وأعمال كثيرة من أعمال الخير والإحسان التي يودون لو أنهم قادرون على فعلها، وإنفاق الوقت والجهد عليها، فلا تسل عن الحسرة التي تجتاح قلوبهم على عدم القدرة، ولا تسل عن مشاعر الحزن التي تجتاحهم وهم  يرون جموع الطائفين والعاكفين والركّع السجود على شاشات التلفاز، ولذا لا ينفك الواحد منهم يدعو الله ويلح في الدعاء ليتمكن من السجود بين يديه، ويتمنى أن تقبض روحه وهو ساجد لله تعالى.

ويصبح تبادل الزيارات مع الأحبة، والأنس بهم، والذهاب معهم للبرية، والاستمتاع بتفاصيل تلك الرحلات، أمراً عسيراً، إذ أن كثيراً منها مما يصعب القيام به أصلاً، أو يمكن القيام بهم مع مشقة وجهد كبير على المبتلى وعلى أصحابه في الوقت ذاته.

أما ركوب السيارة فضلاً عن قيادتها -وهي من أيسر الأمور على الصحيح المعافى- فتغدو أمراً بالغ الصعوبة، وجهداً يتطلب السؤال المكرر: هل هناك حاجة فعلية للركوب، وهل يستدعي الأمر تحمل ذلك العناء، فتراه يقوم بالكثير من المقاربات والتحليلات قبل اتخاذ قراره بالخروج من المنزل.

كما أن ارتداء اللباس وخلعه يغدو هو الآخر هماً إضافياً يسبق كل مناسبة، أو ما يستدعي الخروج من المنزل، إذ تكتنفه الكثير من المصاعب، والحاجة للمساعدة، أما الذهاب للخلاء، فأمر عسير، ومجهد ومحرج في الوقت ذاته، فالكثير من البيوت والمساجد والمرافق العامة لم تصمم لتخدم هذه الفئة أصلاً، ولذا فهو محتاج إلى المساعدة في الوصول إلى دورة المياه، ودخولها والخروج منها.

وكل ما ذكرته من نماذج وأمثلة ليس سوى رأس هرم الجليد، فالخافي أعظم، ومالم أذكره هو أضعاف ما ذكرته، أسأل الله بلطفه أن ينزل عليهم الشفاء والعافية، ويرزقهم الصبر والإعانة، ويضاعف لهم الأجور.

إن حديثي السابق ليس موجهاً لأولئك المبتلين الصابرين، وإنما أوجهه للأصحاء المتعافين، الذين منّ الله عليهم بالعافية، والقدرة المطلقة على الحركة، ويسر لهم الكثير من النعم المتتالية، بحيث لم يعودوا يستشعرونها، أو يقدروها، ولا يشكرون الله عليها إلا قليلا، وبات تعرض الواحد منهم لنزلة برد، أو جرح يسير، أو إلغاء مشروع ما، أمراً يجلب لهم الكدر، ويعيّشهم مشاعر سلبية مبالغ فيها، لأنهم عاشوا اللحظة التعيسة بعمق، ونسوا المحيط الضخم من النعم التي يرفلون فيها.

ولذا فإن رؤية المبتلين، وسماع أحاديثهم من شأنه أن يجدد لدينا الامتنان لله تعالى، واستشعار النعم، ويعيد ترتيب الأولويات لدينا، ويدفعنا إلى التعجيل بالعمل وترك التسويف، والمبادرة اليوم بصنع كل ما نستطيع صنعه، وإدراك أن ما يمكننا القيام به اليوم، ليس بالضرورة مما يمكننا القيام به غداً، فحوادث الزمان تأتي دون إشعار مسبق، تأتي فجأة فتحبس المرء في مكانه، وتوقفه عن كثير من أعماله، فيزار ولا يزور، ويتلقى الخدمة بدلاً من أن يقدمها للآخرين.

وما أحوج كل واحد منا إلى وقفة مراجعة شاملة لمسيرته، وأعماله، وواجباته، والتزاماته، ووقته، وأمنياته، وإنجازاته، وإعادة التخطيط لحياته، مركزاً فيها على الأولويات، مستغلاً فيها للنعم والأعطيات، مستصحباً أن دوام الحال من المحال، وأن وقوع البلاء ممكن، وأن السلامة غير مضمونة، فليتدارك العافية مادامت موجودة ومتاحة، فإن النعم سريعة الزوال.

ولنتذكر سوياً ذلك الحديث العظيم الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)؛ أخرجه الحاكم وصححه الألباني.

ولنستشعر كذلك أن المؤمن أمره خير كله فمتى ما كان محسناً عاملاً باذلاً وقت صحته وسلامته، فإن الله يجازيه بمثل صنيعه حين يصيبه البلاء، ويعجز، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري.

أيها القارئ المبارك.. اعمل اليوم كل ما تستطيع عمله، واستثمر كل ما أعطاك مولاك، بما يسعدك، ويزيل عنك كل آلام التقصير، وتأنيب الضمير، ولا تنس قبل ذلك وبعده أن تسأل الله دوام العافية، وسلامة الجوارح، وأن يحفظها الله لك حتى تلقاه سليماً معافاً، حامداً شاكراً بالقول والعمل. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

2 ربيع الثاني 1445 الموافق 17 /10 / 2023


سبتمبر 11, 2023

شـاهد على العصر

في حوار مع ذلك الضيف الذي ألِف المشاهدون وجهه، لحضوره في عدد من اللقاءات الذائعة الصيت، تحدّث الضيف عن وقت شبابه، مصدراً أحكامه الخاصة على المجتمع في ذلك الوقت، محاولاً إثبات صحة تلك الأحكام بكونه أحد الشهود على تلك المرحلة، حيث أتاح له بلوغه لهذا السنّ المرور على عدد من التغيرات المجتمعية، فهو "شاهد على العصر".

ولأن المحاور شاب في مقتبل العمر لم يعاصر تلك المرحلة الزمنية، ولم يعش في ذلك التاريخ – كما هو حال كثير من المشاهدين -، فإنهم جميعاً يتعاملون مع تلك الأحكام والتوصيفات باعتبارها أمراً مؤكداً وثابتاً، لكونها تأتي من أحد الشهود الذين عاشوا المرحلة وعاصروها، وهو أدرى بحال الناس آنذاك...

والحقيقة أننا نخفق كثيراً في أحكامنا الحالية التي نصدرها اليوم على حال المجتمع و أحداثه التي تقع بالقرب منا، فهي أحكام مشوبة بالكثير من النقص في المعلومات، والخطأ في الأحكام، والتحيّز المكاني والزماني والعرقي والديني، فضلاً عن ما يعتري المرء من أحوال نفسية وصحية واجتماعية تؤثر على صحة إصداره لتلك الأحكام ومنطقيتها، بالرغم من توفر الكثير من وسائل الإعلام، والنقل الحي للوقائع، والإتاحة الواسعة للمعلومات، لعل مما يؤكد تلك الأخطاء مع توافر المعلومات أنك ترى تناقضات صارخة بين مواقف الناس من الحدث ذاته، وروايتهم له، ويصدرون الكثير من الأحكام المتعارضة كلياً في توصيف الواقع الحالي!.

فإذا كان هذا حال الناس مع توافر كل هذا الكمّ من المعلومات والحقائق والإثباتات، والقدرة على الوصول والتواصل في وقتنا المعاصر، فكيف هو الحال في الحديث عن زمان سابق، قبل التقنية، ومع القصور الكبير – آنذاك - في مساحات الحركة، والعلاقات، والمعلومات.

ومن هنا فإن التسليم بأقوال أحدهم وتوصيفاته وأحكامه عن مجتمع ما سلباً أو إيجاباً، واعتبار تلك الأقوال صادقة لكونه عاصر تلك الأزمنة، هو محض خطأ، فهو ليس الناجي الوحيد الذي ينقل لنا ما حدث، بل هو واحد من ملايين الذين عاشوا في تلك الفترة، ولهم أحكام تختلف معه، وليس أحدهم أولى بالتصديق من الآخر.

وحين يتحدث الواحد منا عن تجربته الحياتية فإن من حقه أن يطلق عليها ما يشاء من أوصاف، ويعبر عن حالته النفسية آنذاك، وحكمه على نفسه مقبول إلى حد كبير..


 أما حين ينتقل للحديث عن الغير، وعن  المجتمع بعمومه، فالأمر هنا مختلف كلياً،
إذ يجب النظر إلى الكثير من العوامل المؤثرة على أحكامه التي يصدرها، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: "الجهل" و "الفهم الخاطئ"، و"التحيّز"، و"الحالة الاجتماعية" ، و"الحالة المادية"، و"المواقف الخاصة"، فضلاً عن الطبيعة النفسية له، وسماته، وعلاقاته، ومكانته، ومنصبه، إذ هي عوامل يمكنها التأثير بشكل كبير على مصداقية الأحكام وسلامتها.

هذا فضلاً عن أن كل واحد منا حين يحاول استذكار مرحلة عمرية من حياته، بعد مرور السنين والأعوام، فإن الكثير من الوقائع، والأحداث، والتفاصيل تختفي من ذهنه، ولا يتبقى لديه منها سوى جملة من الأحداث المفردة، والوقائع المحدودة، والمشاعر الانتقائية التي ثبتت لأمر أو لآخر، والتي هي في الحقيقة ليست تمثل الواقع الفعلي الذي عاشه هو شخصياً، بل هي تمثل وقائع "مختارة" من الواقع، لا يمكن بموجبها إصدار تلك الأحكام العامة.

لذا لا عجب أن تجد في تعليقات بعض المشاهدين – ممن كانوا شهوداً على العصر كذلك – ردوداً على مقولات الضيف، تناقض كلامه تماماً، وتعتبر حديثه غير معبّر عنهم، ولا يمثل إلا نفسه، وقد كتب أحدهم معلقاً "إذا عانيت في زمانك، فنحن في عمرك، وعشنا أجمل حياتنا في ذلك الزمن"!

إنها اختصار لموقفين اثنين من زمان واحد، لأن كل واحد منهما ينظر بمنظاره، ويروي أحواله، وهي تؤكد ما بدأت به هذه التدوينة، أن لا ننساق وراء "شهود العصر" الذين لهم جميعاً -وبدون استثناء- دوافعهم، وظروفهم، وتفكيرهم المختلف عن الآخرين.

وفي السياق ذاته انظر للكتب التي تتحدث عن بعض الرموز التاريخية أمثال  (الحجاج بن يوسف، جمال الدين الأفغاني، جمال عبدالناصر،...) لتجد أن هناك من يعدّهم ملائكة، وهناك من يعدّهم شياطينا!.

وانظر كذلك لمرحلة الاحتلال الغربي للبلدان العربية على سبيل المثال، لتجد أن هناك من يعتبرها مرحلة ذهبية، ويطلق عليها لفظ "الاستعمار" المأخوذة من العمارة والبناء، بينما يطلق عليها آخرون لفظ "الاحتلال" بكل إسقاطاته السيئة، مع انهم جميعاً يتحدثون عن مرحلة واحدة، وبلد واحد!

وأنا هنا لست بصدد الاصطفاف مع أي من طرفي الخلاف في الحكم على مرحلة زمنية، أو شخصيات تاريخية،  لكنني أود ألا أسلّم عقلي لمن يحاول أن يجعل فهمه الشخصي للواقع من الثوابت التي يجب الأخذ بها، بحجة تلك المعاصرة والمعايشة.

ولست ألغي أهمية حديث من شهدوا العصر عن رواية مشاهداتهم، وحكاية ما عايشوه، فهي تبقى مصدراً لفهم التاريخ، ومدخلاً للإحاطة بالصورة، لكنها تعد جزءاً من معطيات كثيرة تشكل أدوات للفهم الحقيقي للتاريخ، لا يمكن الركون إليها والتسليم بها، خصوصاً مع ما يشوب تلك الشهادات من نقص البشر، واستيلاء المشاعر عليهم، ونقص الإحاطة، والتحيز، فنستمع إليهم، ونقيّم حديثهم، ونستوثق، لنصل في نهاية المطاف إلى تصور أقرب للحقيقة.

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

27 / 2 / 1445

(الرياض) حرسها الله

@bin_oshan




تدوينات ذات صلة 


سبتمبر 02, 2023

المؤسسية المفترى عليها!

في استبانة تم تطبيقها على موظفي أحد المنظمات، تفاجأ المقيمون بتردد مصطلح (المؤسسية) في أكثر من موضع على لسان من أجابوا على الاستبيان، وحين بدأ الفريق في تحليل الإجابات، قرروا أهمية الالتقاء المباشر مع الموظفين واحداً بعد آخر، للتأكد من دقة الإجابات، والتحقق من النتائج التي تم التوصل إليها.

وتفاجأ أصحاب الدراسة بأن عدداً ممن طبق عليهم الاستبيان كانوا ينتقدون أموراً في منظمتهم، واصفين ما يقع بأنه يخالف العمل المؤسسي، ويطالبون بأمور، ويقولون بأن العمل المؤسسي يقتضيها، وهي إجابات متناقضة بين المجيبين، فما يعتبره الأول مؤسسياً يراه الآخر خلاف ذلك!

وطلب الفريق مؤهلات الموظفين وخبراتهم المؤسسية التي من خلالها باتوا يحكمون على الأعمال بأنها مؤسسية أو غير مؤسسية، وكانت دهشتهم كبيرة حين علموا بأن بعض هؤلاء حديث التخرج، وهو لم يلتحق بالعمل الوظيفي إلا قبل ثمانية أشهر، كما وجدوا أن أحدهم كان يحمل مؤهل المرحلة الثانوية، فهو يفتقر للأسس المعرفية التي تتيح له معرفة ما يتحدث عنه!، وكان بعض من أجابوا قد اعتبروا عملهم السابق، أياً كان هو المقياس الذي عليه تقاس المؤسسية وجوداً أو عدماً!

إن قراءة هذا المشهد الصغير توضح تماماً المشهد الأكبر حينما يتحدث الناس بما لا يعرفون، ويرون أن ترديد بعض الكلمات والمفردات  في حديثهم أو نقدهم، كالمؤسسية والحوكمة والاستراتيجية و الاستدامة، تجعل حديثهم يبدو أكثر نضجاً ومصداقية، مع أنهم في الحقيقة فارغون من الداخل، يحاولون أن يجعلوا من صنيعهم، أو يضفوا على رغباتهم شيئاً من هذه المصطلحات لترويجها، وبالمقابل، فإنهم مستعدون لوصف أي عمل لا يوافق أهواءهم بأنه يفتقر للمؤسسية، وينقض أبجديات الحوكمة!

وفي أحد المنظمات، حدثني قائد خبير- تم تعيينه في تلك المنظمة مؤخراً- حدثني وهو يشتكي من مصطلح (المؤسسية)، وقال لي بلهجة عامية : لا عادت ها المؤسسية! هل تعرف ماهي المؤسسية في منظمتنا؟ فأجبته بالنفي، وتساءلت : وماذا تعني لديكم؟ قال: المؤسسية وفق فهم فريق العمل: أن يملك الموظف الأدنى في التسلسل الإداري القرار، دون القائد، لأن اتخاذ القرار يسير من الأدنى إلى الأعلى، فإذا لم يوافق الموظف الأصغر على المشروع فإنه يملك حق حجبه ومنعه! أما القائد – بكل خبراته التراكمية وإحاطته بالمشهد بعمومه – فإنه غير مخوّل باتخاذ القرار، بل عليه الانتظار حتى يقرر ذلك الموظف قراره الحاسم!

وفي منظمة ثالثة، كان رئيس القسم يقوم بدراسة المشروعات الواردة مع موظفيه، ثم يرفع توصيته للمدير، فإذا ردّ المدير أحد المشروعات لعدم قناعته بالمبررات، أو لارتفاع التكاليف، أو لعدم الجدوى، أو لغيرها، وقف في وجهه رئيس القسم، قائلاً : كيف يتم ردّ الرأي الجماعي (رأي رئيس القسم وموظفيه) برأي الفرد (المدير)؟ وأين العمل المؤسسي؟ فكان المدير يرد عليه ببساطة قائلاً : مهمتي كمدير، هي اتخاذ القرار، و ليس أن أبصم على قرارات من دوني، ولو كانت هي مهمتي، هي قبول قراراتكم فإنه هذا يعني عدم الحاجة لوجودي أصلاً، لأن ما تقرره أنت فسوف يمضي، وهذا غير منطقي، وأنا في موقعي هذا فأنا قد وظفت فريق العمل لإعانتي على اتخاذ القرار، وليس لاتخاذ القرار نيابة عني، او بمعزل عني، فخرج رئيس القسم وهو يندب حظه على فقدان (المؤسسية)!.

إننا في حاجة لتحرير المصطلحات أولاً، ثم القياس للواقع من خلال منهجية دقيقة، وأدوات محكمة، ومؤشرات واضحة تحيط بالمعاني بشكل متوازن، أما أن نضع المعاني من خلال توقعاتنا القاصرة ثم ننطلق نحو إصدار الأحكام على الآخرين فذلك جهل مركب.  

ومن المهم في ختام حديثي هنا أن ندرك أن مشكلتنا تأتي غالباً من المتعالمين الذين يعرفون شيئاً يسيراً، ثم يبنون على تلك المعارف المحدودة مبانٍ شاهقة على غير أساس، تهوي مع أول نقاش علمي معهم، والذين يحاولون تقوية آرائهم واجتهاداتهم الفردية الخاصة ببعض المصطلحات من أجل الإلزام بها، واعتبار المخالف لهم جاهلاً بأسس العمل الإداري الرشيد!

أسأل الله أن يوفقنا دوماً للرشاد، وأن يصلح نوايانا، ويدلنا على الخير، دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


أغسطس 26, 2023

العاطفة المسيطرة!


نتوقع أننا حين نصدر قراراتنا أو أحكامنا على الأشخاص، أو الجهات، أو الأعمال، فإننا ننطلق من موضوعية عالية، وأننا نحكّم فيها العقل والمنطق بشكل فعّال، ونستند على المعلومات لاتخاذ تلك الأحكام، ولهذا فإنه يغلب على ظننا أنها أحكام صحيحة، ومتقنة في الوقت ذاته.

غير أن الحقيقة بخلاف ذلك كله، إذ تثبت الدراسات، والوقائع، والأحداث أن قراراتنا في الكثير من الأحيان متأثرة تأثراً بالغاً بحالتنا النفسية، والعاطفية، والوضع الذي نعيشه أو نشعر به حينما نصدر تلك القرارات..

 بل والوضع الذي يكون عليه الطرف المحكوم عليه، وطبيعة علاقتنا به، وتاريخنا معه، وهي عوامل مؤثرة وفاعلة، ويمكنها أن تغيّر أحكامنا 180 درجة أو دون ذلك.

وقد كتب أبو بكرة إلى ابنه -وكان بسجستان- بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان.

وأورد الفقهاء الكثير من أقوال العلماء في شرح هذا النص، وبيان أن إصدار القرارات والأحكام مع وجود المشغلات أو المنغصات أو الظروف المحيطة يجعل الحكم والقرار أقل رشداً، وأكثر عرضة للخطأ.

وثمة مقولة حقوقية أمريكية ذائعة مفادها "إن العدالة تتوقف على ما أكله القاضي في الصباح"!

وفي دراسة أجراها جوناثان ليفاف من جامعة كولومبيا عام 2011 أوضحت أن القضاة يميلون أكثر للحكم بعفو مبكر بعد تناول وجبة أو استراحة، لكن لا يحدث هذا بنفس المستوى إذا أصدروا حكمهم في وقت لاحق من اليوم!.

و في دراسة أخرى أجريت على 700 ألف زيارة طبيب، وجد أن الأطباء يميلون وصف العقاقير المخدرة من أشباه الافيونيات في نهاية اليوم أكثر مما يصفونه في الصباح، و وفي دراسة على 682 متقدم للتسجيل في التعليم وجد أن الأيام الغائمة تزيد من نسبة قبول المتقدمين للدراسة بمعدل أكثر من 12% من الأيام المشمسة!، ولذا كان عنوان الدراسة غريباً ( الغيوم تظهر الحمقى بمظهر جيد).

كما وجدت دراسة أجنبية أخرى أن القضاة يميلون لأحكام قاسية أكثر حين يخسر الفريق المحلي للمدينة في كرة القدم، تم قياس ذلك على مليون ونصف حكم قضائي. وقد وجدت دراسة أجريت على ستة ملايين حكم قضائي في فرنسا أن القضاة يظهرون تسامحاً أكثر في يوم ميلادهم.

إن ما توصلت إليه تلك الدراسات - وامثالها كثير - هو : أن هناك الكثير من العوامل التي تساهم في اتخاذ القرار، وهي ليست منطقية ولا عقلانية، بل هي ظرف خارجي محيط يدفع نحو هذا القرار أو ذاك.

وحديثي هنا ليس دعوة لترك اتخاذ القرارات، أو عدم إصدار الأحكام على الأشياء، لأن طبيعة الحياة وتسارعها يدفعك لفعل ذلك، وإلا فسوف تتوقف عن كل شيء، لكنني هنا أريد الإشارة إلى أننا ونحن نصدر الكثير من الأحكام في حياتنا، يجب أن ندرك أمرين اثنين:

أولهما : أن تلك الأحكام التي نصدرها، هي أحكام ظنيّة تقريبية، وفق المعطيات المتوافرة وقت إصدارها،  ووفقاً للحالة العامة التي نعيشها، والظروف المحيطة بنا آنذاك، وبناء عليه فإن الحماسة المفرطة لتلك القرارات، والتمسك المطلق بها لكونها قد صدرت منا ليس من الحكمة في شيء، بل الاتزان في التعامل معها، واعتبارها مبنية على غلبة الظن، لا على اليقين في الكثير من الأحيان، يجعلها في مكانها الطبيعي.

ثانيهما : أن المرء في حاجة مستمرة لمراجعة أحكامه، ولا تثريب عليه في تغييرها، أوتعديلها إن تطلب الأمر ذلك، وإدراك أن هذه التعديلات على أحكامنا لا يعني ضعفاً، ولا تردداً، بل هو في حقيقته يعني المزيد من الثقة في النفس، وقوة في الرجوع للحق.

ولذا تضمنت رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصية هامة، يقول فيها:" لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" .

وفي السياق ذاته قال عبد الرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: " إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

واللاعقلانية في إصدار الأحكام والقرارات لها مسببات كثيرة، منها نقص المعلومات، او التحيز المكاني، أو العرقي، أو الديني، او المواقف السابقة، أو الحالة النفسية والصحية والمالية والاجتماعية، أو الضغوطات والتشويشات التي تتم أثناء ذلك.   

وقد دفعني لتحرير هذا المقال،  ”تعليق“ كنت قد كتبته في نهاية صفحات أحد الكتب التي سبق لي قراءتها!.حيث وجدتني قد قلّلّت من شأن الكتاب، وحكمت عليه بعدم الفائدة، ثم إنني أعدت قراءته مرة أخرى، فتبين لي أن حكمي السابق لم يكن دقيقاً، وأنه بالرغم من وجود أجزاء من الكتاب يمكن وصفها بذلك الوصف إلا أن أجزاء أخرى كانت مليئة بالفوائد، وحينما حاولت معرفة سبب ذلك الحكم تبين لي أنني قرأت الكتاب على مراحل، وأن حكمي كان -في حقيقته- على المرحلة الأخيرة من الكتاب لا على سائر الكتاب.


ثم تأملت في نفسي، فوجدتني في أحوال أخرى أصدر أحكاماً على أمور، وأنا لم أحط بكل جوانبها، وإنما بما ظهر لي منها، ويكون الحكم حينذاك مبرراً ومنطقياً، وحين أتواصل مع الأطراف ذات العلاقة، وأقف على التفاصيل التي لم تكن ظاهرة لي، أدرك أن حكمي السابق أحوج ما يكون إلى المراجعة الفعلية.

 وأمتلك - بحمد الله -  من الشجاعة و الجرأة ما يجعلني أعترف بخطأ حكمي السابق، وتغييره، فالحق ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى بها.

جعلنا الله وإياكم من الرجّاعين للحق، وأصلح الله لنا النوايا، ووقانا شر أنفسنا وشر الشيطان، وجعلنا مباركين أينما كنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

10 صفر  1445 هـ

يوليو 23, 2023

النشاط الأسري وعوامل النجاح | الفايز


بات الاهتمام بالأنشطة العائلية واجتماع الأسر ظاهرة اجتماعية طيبة ومظهر من مظاهر القربى، وهو قاسم مشترك ويهم كل عائلة لها نشاط وتطمح للرقي والتطوير وتنشد النجاح المستمر، فإذا تحققت هذه العوامل بعد توفيق الله وتسديده تقلبت الأسرة في نجاحات متتالية وارتقت إلى مراقٍ عالية وهي على النحو التالي:


* ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى في بذل الوقت والجهد والمال، فأيما أمر لا يراد به وجه الله يضمحل، فالعمل الأسري من أبر الأعمال وأكثرها أجراً، فالأقربون أولى بالمعروف.

* سؤال الله الإعانة والتوفيق “والقبول” فمن أعجب بنشاطه واعتمد على قدراته وُكل إليها:
وإذا لم يكن من الله عون للفتى   فأول ما يقضى عليه اجتهاده

* العمل المؤسسي المنظم من خلال تشكيل الجمعية العمومية التي بدورها تختار مجلس الإدارة، والمحدد بنظام يوضح المهام والصلاحيات وآلية الاجتماع، واتخاذ القرار وأسلوب العمل المتبع واللجان المشكلة وتنوعها.

* التخطيط وتحديد الأهداف المنبثق منها البرامج مزمنة التنفيذ ومحددة المنفذ وميزانية كل برنامج.

* الاهتمام بالعمل الجماعي والابتعاد كلياً عن الاجتهادات الفردية والمبادرات غير المدروسة عبر اجتماعات فرق العمل (اللجان) والمعتمدة من مجلس الإدارة.

* تفعيل الطاقات وإشراك القدرات وخصوصاً النساء والشباب فكل عائلة مليئة بالكوادر، لكن حسن الاستقطاب والتحفيز المصحوب بالتأهيل ومنح الخبرة له أكبر الأثر.

* حمل الراية: إن وجود القادة في العائلة الذين يحملون رايتها في كل حين وزمان ويغذون العاملين بالحماس والتوجيه هم عماد النشاط وشعلته التي لا تكاد تخبو، فكلما فتر أحد العاملين تابعوه، وإذا تذمر واشتكى واسوه وإذا اعتذر استبدلوه في توارث للعمل وتحفيز مستمر، فهم الذين قال عنهم المصطفى عليه الصلاة والسلام: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة واحدة).

* التركيز على بعض وسائل النجاح مثل:
1- انضباطية اجتماع اللجان، ومجلس الإدارة، ومتابعة القرارات وتنفيذها.
2- العناية بالجانب الإعلامي كالمجلة والموقع الإلكتروني، وحسابات التواصل الاجتماعي ونحوها.
3- استمرار التجديد وطرح البرامج، فالناس ترى أن البقاء على النجاح هو ضعف وتراجع.
4- تفعيل النشاط النسائي فالمرأة لها دور كبير، وتزرع الولاء في الجيل القادم، وتساند الزوج النشط والأب الفاعل والأخ المبادر، وتشترك الأسرة بجميع أفرادها تحت سقف واحد وهدف واحد وحبذا أن تكون إدارتهن منهن لا الوصاية عليهن بإنشاء لجنة نسائية لها مهامها وصلاحياتها وخططها المعتمدة من مجلس الإدارة.
5- وجود الداعمين والمتبرعين وتفعيل اللجنة المالية بإيجاد وسائل تفعيل الاشتراكات العائلية بطرق تمويلية واستثمارية تعود على العائلة، فالمال عصب الحياة.

وبالتأمل في بعض أنشطة العوائل المباركة نجد أن بعض النقاط حققتها، ولله الفضل والمنة، فلنستكمل المتبقي ونضيف عوامل نجاح وتطور فالإيجابية الاستمرار على النجاح وتطويره.


بقلم : أ. أحمد بن عبدالعزيز الفايز
21 - 3- 2019

يوليو 23, 2023

زوجان أصمّان في المطار! | حامد

 بالأمس في المطار بكيت ..
لا أدري أهو فيض دموع مختزَنة أم الموقف كان يستحق؟
كنت في المطار وفي صالة الانتظار، ومعي كتاب أقرؤه، وإذا بي أرى أحدهم يقترب مني.
تقدم الرجل ووجهه يتورد خجلاً وحياء، عرفتُ أنه سيطلب شيئاً.
قال لي: لا هنت، ممكن خدمة ومعروف؟ 
قلت له " آمرني.
قال لي -وأشار لشاب وفتاة يجلسان بجانب بعضهما-:

هذا أخي وزوجته، وهما أصمّان أبكمان.
سيسافران لقضاء شهر العسل!

أرجوك فقط أن تنتبه لهما أثناء النزول في المطار والتفتيش والجوازات، وهناك سائق سيستقبلهما!

- أبشر، الأمر يسير، لا تشيل همّ.

لا أدري لم أختارني أنا؟ لعله رآني أقرأ كتابا فقال: هذا شخص جيد🤦🏻

ذهب الرجل، وجلست أتأمل العريسين.

يالله!

كان السرور والجذل والحماس ظاهرا عليهما، خصوصا العريس.

يُخرج بطاقة صعود الطائرة مرارا كأنه يتأكد أنه في المكان الصحيح.

يُريها الجواز ، يضحكان، ويشيران بلغتهما إشارات لا أفهمها لكني أتفهّمها.

وجلست أفكر …

كيف سيعيش رجل أصم وامرأة صماء معا؟

كيف سيعبر لها عن حبه؟ عن همومه؟ عن مشاكله؟

أذكر أني التقيت خبيرا عالميا في لغة الإشارة وسألته فأخبرني أن لغة الإشارة لا تكاد تُوصل إلا 30٪ على الأكثر،من المعاني والكلام.

كان منظر طائري الحب في صالة المطار يثير فيّ مشاعر غريبة، وتأملات واسعة، ودموعا لم أعهدها.

كانا مفعمين بالحياة، سعيدين. 

لكني لاحظت في الزوج قلقا ما، كأنه يخاف ألا تسير الأمور بخير، يخشى أن تعرف امرأته أنه لا يجيد تدبير الأمور.

فُتحت البوابة، فسبق الناسَ للركوب ولم ينتظرني، وكذلك عند النزول في المطار، رأيته يسبقني محاولا الاكتفاء بنفسه، يا له من شجاع.

عندما وصلنا، وخرجنا من المطار، لم نجد السائق!

رأيت العريس أُسقط في يده، وخارت قواه، فهو لا يستطيع الاتصال والكلام، والبلد أجنبي غريب.

انتظرنا السائق (البئيس)، فلم يأت، بدأ صاحبنا يتصبب عرقاً، أخذت رقم الشركة المنسقة، واتصلت بهم، فلم يردوا، فكّرت أن أتصل بأخيه في السعودية لكن لم أحب أن أشعرهم بوجود مشكلة خاصة أن الوقت متأخر.

بعد مدة اتصل السائق، أسمعتُه ما فتح الله به علي من الشتائم بالانجليزية، -استغللتُ أن طائري الحب لا يسمعان😌- 

وأخبرته أن يحضر الآن، تبين أنه كان نائما في مواقف المطار !

كانت بهجتهما بحضور السائق لا توصف.

أراني العريس جواله وقد كتب

في ملحوظات الجوال بإملائه:

"شكر لك ، ما قصرة، اللاه يجزك خير"

افترقنا ، وبقوا في القلب.



بقلم المغرّد : حامد   (@hss_443 ) 



سؤال : هل استشعرت عظيم نعمة الله عليك بالسمع، والكلام؟ وهل حمدت الله على ذلك بكرة وعشياً؟ وهل سعيت في كل يوم لسماع مايرضي الله، والحديث بما يرضيه؟

يوليو 16, 2023

"التأليف" بين الصنعة والهواة!

     يتوقع البعض أن مجرد وجود المحتوى المميز، والمعلومات الثرية، والخبرة الواسعة، لديه فإنه سيكون  قادراً على أن يطرح ذلك كله في كتاب مطبوع، فيكون "مؤلفاً متميزا"، يتدافع الناس لقراءة كتابه، حتى تنفد نسخه من المكتبات.. 
وهذا توقع في غير محله، والوقائع تثبت خلاف ذلك.

ثمة فرق كبير بين (المحتوى) و بين (القدرة على تقديمه) سواء كان ذلك التقديم مسموعاً أو مقروءاً أومشاهداً.

ذلك أن التأليف هو قدرة على العرض الرائع المكتوب لمحتوى محدد، سواء كان ذلك المحتوى من عندياتك وخبراتك وتجاربك أو مقتبساً ومأخوذاً من الآخرين.

وللتأكيد على هذا المفهوم، فإن قدرتك - مثلاً - على كتابة الأبيات الشعرية، لا تعني بالضرورة أنك تصلح لأن تكون "منشدا" أو "ملقياً" لتلك الأبيات لتنال إعجاب السامعين.

بل عليك البحث عن متميز في الإنشاد أو الإلقاء من أجل أن تلقى ابياتك القبول لدى الناس، ويتناقلونها فيما بينهم.

ولذا قيل في وصف الشاعر الفحل أبي تمام : "أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم!".

وكان أمير الشعراء أحمد شوقي يتلعثم دوما حينما يلقي شعره، وحين أدرك ذلك، لجأ إلى شعراء آخرين يقرأون شعره نيابة عنه.

ومن تأمل في مؤلفات الكثير من الغربيين أدرك الفريق الشاسع بين كتاباتنا وكتاباتهم، وعلم يقيناً كيف لكتبهم أن تعبر الدول والقارات، وتترجم إلى عشرات اللغات، بينما تبقى كتبنا محدودة الانتشار. 

ذلك أنهم أدركوا أن التأليف "صنعة" لها طرائقها، وفنونها، وأساليبها، فهي محتاجة إلى فريق عمل متنوع، يقوم بالعمل بشكل متوازن، يتعاون لإصدار تلك الدرة "الكتاب".

اقتباس من مقدمة أحد الكتب المترجمة للعربية
ولعل إطلالة سريعة على مقدمة أحد الكتب المؤلفة في الإدارة وتطوير الذات مثلاً، كالتي تقوم بترجمتها للعربية مكتبة جرير - مشكورة - واستعراض عدد الذين عملوا مع المؤلف في إعداد وصياغة الكتاب، ما بين محرر، و جالب للأمثلة، ومن يجري المقابلات، وراسم للرسومات التوضيحية، وصانع للنماذج، ومدقق في صحة المعلومات، ومراجع للفهرس والتبويبات، ومدقق لغوي وإملائي، إلى غيرها من المهام ..يدرك كيف تحول التأليف إلى مهنة احترافية، وصنعة لها قواعدها.

والكثير من العلماء والسياسين والقيادات، لا يقومون بأنفسهم بتأليف سيرهم الذاتية، لكنهم يكونون مصدراً لكثير من معلومات تلك السيرة، أما كتابتها وتحريرها، فيقوم به آخرون ممن امتهنوا واحترفوا في ذلك.

ولذا لاعجب أن تكون رواية "السجينة" التي تروي قصة مليكة أوفقير من تأليف مليكة ذاتها مع الكاتبة التونسية ميشيل فيتوسي، والتي بدونها ما كان لمليكة التي افتقدت للتعليم أن تكتب تلك الرواية الرائجة.

كما أن كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر، الذي تناول السيرة الذاتية له ونظرياته النازية. كان من تحرير برنارد شتمبفل لا من تحرير هتلر نفسه.

أما مؤلفاتنا ففي أكثرها يكون العمل فردياً بامتياز، فالمؤلف هو صاحب الأفكار، وهو الذي يقوم بالكتابة والتحرير، والتدقيق اللغوي، والإملائي، بل وربما قام بالصف والإخراج النهائي، هذا إذا لم يكن هو ذاته مصمم الغلاف!

وهو ما يجعل الكثير من كتبنا العربية عموماً، والمحلية خصوصاً، كتباً محدودة الانتشار، قليلة التأثير، ضعيفة الوصول للعرب، أما وصولها للناطقين بغير العربية فأمر نادر، وبيننا وبينهم ما بين الفرقدين.

لذا، وصيتي إلى صاحب الفكرة والمحتوى المميز، والسيرة التي تستحق الانتشار:

ابحث عن كاتب مميز ، وفريق عمل مميز ليقوم بإعداد كتابك وتجهيزه للصدور.

أعط الخباز خبزه، ولو أكل نصفه.

فكتابك هو الذي سيبقى بعد رحيلك.

دمت بخير ،،،

محمد بن سعد بن عوشن
@bin_oshan
28 / 12 / 1444 هـ
الرياض - حرسها الله - 


مقالات ذات صلة :

اكتبوا .. قبل رحيل الخبرات

الكتابة | التأليف | الكتب | الثقافة | التحرير |التدقيق | المؤلفات | المكتبة | السير الذاتية