أغسطس 26, 2023

العاطفة المسيطرة!


نتوقع أننا حين نصدر قراراتنا أو أحكامنا على الأشخاص، أو الجهات، أو الأعمال، فإننا ننطلق من موضوعية عالية، وأننا نحكّم فيها العقل والمنطق بشكل فعّال، ونستند على المعلومات لاتخاذ تلك الأحكام، ولهذا فإنه يغلب على ظننا أنها أحكام صحيحة، ومتقنة في الوقت ذاته.

غير أن الحقيقة بخلاف ذلك كله، إذ تثبت الدراسات، والوقائع، والأحداث أن قراراتنا في الكثير من الأحيان متأثرة تأثراً بالغاً بحالتنا النفسية، والعاطفية، والوضع الذي نعيشه أو نشعر به حينما نصدر تلك القرارات..

 بل والوضع الذي يكون عليه الطرف المحكوم عليه، وطبيعة علاقتنا به، وتاريخنا معه، وهي عوامل مؤثرة وفاعلة، ويمكنها أن تغيّر أحكامنا 180 درجة أو دون ذلك.

وقد كتب أبو بكرة إلى ابنه -وكان بسجستان- بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان.

وأورد الفقهاء الكثير من أقوال العلماء في شرح هذا النص، وبيان أن إصدار القرارات والأحكام مع وجود المشغلات أو المنغصات أو الظروف المحيطة يجعل الحكم والقرار أقل رشداً، وأكثر عرضة للخطأ.

وثمة مقولة حقوقية أمريكية ذائعة مفادها "إن العدالة تتوقف على ما أكله القاضي في الصباح"!

وفي دراسة أجراها جوناثان ليفاف من جامعة كولومبيا عام 2011 أوضحت أن القضاة يميلون أكثر للحكم بعفو مبكر بعد تناول وجبة أو استراحة، لكن لا يحدث هذا بنفس المستوى إذا أصدروا حكمهم في وقت لاحق من اليوم!.

و في دراسة أخرى أجريت على 700 ألف زيارة طبيب، وجد أن الأطباء يميلون وصف العقاقير المخدرة من أشباه الافيونيات في نهاية اليوم أكثر مما يصفونه في الصباح، و وفي دراسة على 682 متقدم للتسجيل في التعليم وجد أن الأيام الغائمة تزيد من نسبة قبول المتقدمين للدراسة بمعدل أكثر من 12% من الأيام المشمسة!، ولذا كان عنوان الدراسة غريباً ( الغيوم تظهر الحمقى بمظهر جيد).

كما وجدت دراسة أجنبية أخرى أن القضاة يميلون لأحكام قاسية أكثر حين يخسر الفريق المحلي للمدينة في كرة القدم، تم قياس ذلك على مليون ونصف حكم قضائي. وقد وجدت دراسة أجريت على ستة ملايين حكم قضائي في فرنسا أن القضاة يظهرون تسامحاً أكثر في يوم ميلادهم.

إن ما توصلت إليه تلك الدراسات - وامثالها كثير - هو : أن هناك الكثير من العوامل التي تساهم في اتخاذ القرار، وهي ليست منطقية ولا عقلانية، بل هي ظرف خارجي محيط يدفع نحو هذا القرار أو ذاك.

وحديثي هنا ليس دعوة لترك اتخاذ القرارات، أو عدم إصدار الأحكام على الأشياء، لأن طبيعة الحياة وتسارعها يدفعك لفعل ذلك، وإلا فسوف تتوقف عن كل شيء، لكنني هنا أريد الإشارة إلى أننا ونحن نصدر الكثير من الأحكام في حياتنا، يجب أن ندرك أمرين اثنين:

أولهما : أن تلك الأحكام التي نصدرها، هي أحكام ظنيّة تقريبية، وفق المعطيات المتوافرة وقت إصدارها،  ووفقاً للحالة العامة التي نعيشها، والظروف المحيطة بنا آنذاك، وبناء عليه فإن الحماسة المفرطة لتلك القرارات، والتمسك المطلق بها لكونها قد صدرت منا ليس من الحكمة في شيء، بل الاتزان في التعامل معها، واعتبارها مبنية على غلبة الظن، لا على اليقين في الكثير من الأحيان، يجعلها في مكانها الطبيعي.

ثانيهما : أن المرء في حاجة مستمرة لمراجعة أحكامه، ولا تثريب عليه في تغييرها، أوتعديلها إن تطلب الأمر ذلك، وإدراك أن هذه التعديلات على أحكامنا لا يعني ضعفاً، ولا تردداً، بل هو في حقيقته يعني المزيد من الثقة في النفس، وقوة في الرجوع للحق.

ولذا تضمنت رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصية هامة، يقول فيها:" لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" .

وفي السياق ذاته قال عبد الرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: " إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحَسن، ولو قُدَّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

واللاعقلانية في إصدار الأحكام والقرارات لها مسببات كثيرة، منها نقص المعلومات، او التحيز المكاني، أو العرقي، أو الديني، او المواقف السابقة، أو الحالة النفسية والصحية والمالية والاجتماعية، أو الضغوطات والتشويشات التي تتم أثناء ذلك.   

وقد دفعني لتحرير هذا المقال،  ”تعليق“ كنت قد كتبته في نهاية صفحات أحد الكتب التي سبق لي قراءتها!.حيث وجدتني قد قلّلّت من شأن الكتاب، وحكمت عليه بعدم الفائدة، ثم إنني أعدت قراءته مرة أخرى، فتبين لي أن حكمي السابق لم يكن دقيقاً، وأنه بالرغم من وجود أجزاء من الكتاب يمكن وصفها بذلك الوصف إلا أن أجزاء أخرى كانت مليئة بالفوائد، وحينما حاولت معرفة سبب ذلك الحكم تبين لي أنني قرأت الكتاب على مراحل، وأن حكمي كان -في حقيقته- على المرحلة الأخيرة من الكتاب لا على سائر الكتاب.


ثم تأملت في نفسي، فوجدتني في أحوال أخرى أصدر أحكاماً على أمور، وأنا لم أحط بكل جوانبها، وإنما بما ظهر لي منها، ويكون الحكم حينذاك مبرراً ومنطقياً، وحين أتواصل مع الأطراف ذات العلاقة، وأقف على التفاصيل التي لم تكن ظاهرة لي، أدرك أن حكمي السابق أحوج ما يكون إلى المراجعة الفعلية.

 وأمتلك - بحمد الله -  من الشجاعة و الجرأة ما يجعلني أعترف بخطأ حكمي السابق، وتغييره، فالحق ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أولى بها.

جعلنا الله وإياكم من الرجّاعين للحق، وأصلح الله لنا النوايا، ووقانا شر أنفسنا وشر الشيطان، وجعلنا مباركين أينما كنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

10 صفر  1445 هـ

يوليو 23, 2023

النشاط الأسري وعوامل النجاح | الفايز


بات الاهتمام بالأنشطة العائلية واجتماع الأسر ظاهرة اجتماعية طيبة ومظهر من مظاهر القربى، وهو قاسم مشترك ويهم كل عائلة لها نشاط وتطمح للرقي والتطوير وتنشد النجاح المستمر، فإذا تحققت هذه العوامل بعد توفيق الله وتسديده تقلبت الأسرة في نجاحات متتالية وارتقت إلى مراقٍ عالية وهي على النحو التالي:


* ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى في بذل الوقت والجهد والمال، فأيما أمر لا يراد به وجه الله يضمحل، فالعمل الأسري من أبر الأعمال وأكثرها أجراً، فالأقربون أولى بالمعروف.

* سؤال الله الإعانة والتوفيق “والقبول” فمن أعجب بنشاطه واعتمد على قدراته وُكل إليها:
وإذا لم يكن من الله عون للفتى   فأول ما يقضى عليه اجتهاده

* العمل المؤسسي المنظم من خلال تشكيل الجمعية العمومية التي بدورها تختار مجلس الإدارة، والمحدد بنظام يوضح المهام والصلاحيات وآلية الاجتماع، واتخاذ القرار وأسلوب العمل المتبع واللجان المشكلة وتنوعها.

* التخطيط وتحديد الأهداف المنبثق منها البرامج مزمنة التنفيذ ومحددة المنفذ وميزانية كل برنامج.

* الاهتمام بالعمل الجماعي والابتعاد كلياً عن الاجتهادات الفردية والمبادرات غير المدروسة عبر اجتماعات فرق العمل (اللجان) والمعتمدة من مجلس الإدارة.

* تفعيل الطاقات وإشراك القدرات وخصوصاً النساء والشباب فكل عائلة مليئة بالكوادر، لكن حسن الاستقطاب والتحفيز المصحوب بالتأهيل ومنح الخبرة له أكبر الأثر.

* حمل الراية: إن وجود القادة في العائلة الذين يحملون رايتها في كل حين وزمان ويغذون العاملين بالحماس والتوجيه هم عماد النشاط وشعلته التي لا تكاد تخبو، فكلما فتر أحد العاملين تابعوه، وإذا تذمر واشتكى واسوه وإذا اعتذر استبدلوه في توارث للعمل وتحفيز مستمر، فهم الذين قال عنهم المصطفى عليه الصلاة والسلام: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة واحدة).

* التركيز على بعض وسائل النجاح مثل:
1- انضباطية اجتماع اللجان، ومجلس الإدارة، ومتابعة القرارات وتنفيذها.
2- العناية بالجانب الإعلامي كالمجلة والموقع الإلكتروني، وحسابات التواصل الاجتماعي ونحوها.
3- استمرار التجديد وطرح البرامج، فالناس ترى أن البقاء على النجاح هو ضعف وتراجع.
4- تفعيل النشاط النسائي فالمرأة لها دور كبير، وتزرع الولاء في الجيل القادم، وتساند الزوج النشط والأب الفاعل والأخ المبادر، وتشترك الأسرة بجميع أفرادها تحت سقف واحد وهدف واحد وحبذا أن تكون إدارتهن منهن لا الوصاية عليهن بإنشاء لجنة نسائية لها مهامها وصلاحياتها وخططها المعتمدة من مجلس الإدارة.
5- وجود الداعمين والمتبرعين وتفعيل اللجنة المالية بإيجاد وسائل تفعيل الاشتراكات العائلية بطرق تمويلية واستثمارية تعود على العائلة، فالمال عصب الحياة.

وبالتأمل في بعض أنشطة العوائل المباركة نجد أن بعض النقاط حققتها، ولله الفضل والمنة، فلنستكمل المتبقي ونضيف عوامل نجاح وتطور فالإيجابية الاستمرار على النجاح وتطويره.


بقلم : أ. أحمد بن عبدالعزيز الفايز
21 - 3- 2019

يوليو 23, 2023

زوجان أصمّان في المطار! | حامد

 بالأمس في المطار بكيت ..
لا أدري أهو فيض دموع مختزَنة أم الموقف كان يستحق؟
كنت في المطار وفي صالة الانتظار، ومعي كتاب أقرؤه، وإذا بي أرى أحدهم يقترب مني.
تقدم الرجل ووجهه يتورد خجلاً وحياء، عرفتُ أنه سيطلب شيئاً.
قال لي: لا هنت، ممكن خدمة ومعروف؟ 
قلت له " آمرني.
قال لي -وأشار لشاب وفتاة يجلسان بجانب بعضهما-:

هذا أخي وزوجته، وهما أصمّان أبكمان.
سيسافران لقضاء شهر العسل!

أرجوك فقط أن تنتبه لهما أثناء النزول في المطار والتفتيش والجوازات، وهناك سائق سيستقبلهما!

- أبشر، الأمر يسير، لا تشيل همّ.

لا أدري لم أختارني أنا؟ لعله رآني أقرأ كتابا فقال: هذا شخص جيد🤦🏻

ذهب الرجل، وجلست أتأمل العريسين.

يالله!

كان السرور والجذل والحماس ظاهرا عليهما، خصوصا العريس.

يُخرج بطاقة صعود الطائرة مرارا كأنه يتأكد أنه في المكان الصحيح.

يُريها الجواز ، يضحكان، ويشيران بلغتهما إشارات لا أفهمها لكني أتفهّمها.

وجلست أفكر …

كيف سيعيش رجل أصم وامرأة صماء معا؟

كيف سيعبر لها عن حبه؟ عن همومه؟ عن مشاكله؟

أذكر أني التقيت خبيرا عالميا في لغة الإشارة وسألته فأخبرني أن لغة الإشارة لا تكاد تُوصل إلا 30٪ على الأكثر،من المعاني والكلام.

كان منظر طائري الحب في صالة المطار يثير فيّ مشاعر غريبة، وتأملات واسعة، ودموعا لم أعهدها.

كانا مفعمين بالحياة، سعيدين. 

لكني لاحظت في الزوج قلقا ما، كأنه يخاف ألا تسير الأمور بخير، يخشى أن تعرف امرأته أنه لا يجيد تدبير الأمور.

فُتحت البوابة، فسبق الناسَ للركوب ولم ينتظرني، وكذلك عند النزول في المطار، رأيته يسبقني محاولا الاكتفاء بنفسه، يا له من شجاع.

عندما وصلنا، وخرجنا من المطار، لم نجد السائق!

رأيت العريس أُسقط في يده، وخارت قواه، فهو لا يستطيع الاتصال والكلام، والبلد أجنبي غريب.

انتظرنا السائق (البئيس)، فلم يأت، بدأ صاحبنا يتصبب عرقاً، أخذت رقم الشركة المنسقة، واتصلت بهم، فلم يردوا، فكّرت أن أتصل بأخيه في السعودية لكن لم أحب أن أشعرهم بوجود مشكلة خاصة أن الوقت متأخر.

بعد مدة اتصل السائق، أسمعتُه ما فتح الله به علي من الشتائم بالانجليزية، -استغللتُ أن طائري الحب لا يسمعان😌- 

وأخبرته أن يحضر الآن، تبين أنه كان نائما في مواقف المطار !

كانت بهجتهما بحضور السائق لا توصف.

أراني العريس جواله وقد كتب

في ملحوظات الجوال بإملائه:

"شكر لك ، ما قصرة، اللاه يجزك خير"

افترقنا ، وبقوا في القلب.



بقلم المغرّد : حامد   (@hss_443 ) 



سؤال : هل استشعرت عظيم نعمة الله عليك بالسمع، والكلام؟ وهل حمدت الله على ذلك بكرة وعشياً؟ وهل سعيت في كل يوم لسماع مايرضي الله، والحديث بما يرضيه؟

يوليو 16, 2023

"التأليف" بين الصنعة والهواة!

     يتوقع البعض أن مجرد وجود المحتوى المميز، والمعلومات الثرية، والخبرة الواسعة، لديه فإنه سيكون  قادراً على أن يطرح ذلك كله في كتاب مطبوع، فيكون "مؤلفاً متميزا"، يتدافع الناس لقراءة كتابه، حتى تنفد نسخه من المكتبات.. 
وهذا توقع في غير محله، والوقائع تثبت خلاف ذلك.

ثمة فرق كبير بين (المحتوى) و بين (القدرة على تقديمه) سواء كان ذلك التقديم مسموعاً أو مقروءاً أومشاهداً.

ذلك أن التأليف هو قدرة على العرض الرائع المكتوب لمحتوى محدد، سواء كان ذلك المحتوى من عندياتك وخبراتك وتجاربك أو مقتبساً ومأخوذاً من الآخرين.

وللتأكيد على هذا المفهوم، فإن قدرتك - مثلاً - على كتابة الأبيات الشعرية، لا تعني بالضرورة أنك تصلح لأن تكون "منشدا" أو "ملقياً" لتلك الأبيات لتنال إعجاب السامعين.

بل عليك البحث عن متميز في الإنشاد أو الإلقاء من أجل أن تلقى ابياتك القبول لدى الناس، ويتناقلونها فيما بينهم.

ولذا قيل في وصف الشاعر الفحل أبي تمام : "أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم!".

وكان أمير الشعراء أحمد شوقي يتلعثم دوما حينما يلقي شعره، وحين أدرك ذلك، لجأ إلى شعراء آخرين يقرأون شعره نيابة عنه.

ومن تأمل في مؤلفات الكثير من الغربيين أدرك الفريق الشاسع بين كتاباتنا وكتاباتهم، وعلم يقيناً كيف لكتبهم أن تعبر الدول والقارات، وتترجم إلى عشرات اللغات، بينما تبقى كتبنا محدودة الانتشار. 

ذلك أنهم أدركوا أن التأليف "صنعة" لها طرائقها، وفنونها، وأساليبها، فهي محتاجة إلى فريق عمل متنوع، يقوم بالعمل بشكل متوازن، يتعاون لإصدار تلك الدرة "الكتاب".

اقتباس من مقدمة أحد الكتب المترجمة للعربية
ولعل إطلالة سريعة على مقدمة أحد الكتب المؤلفة في الإدارة وتطوير الذات مثلاً، كالتي تقوم بترجمتها للعربية مكتبة جرير - مشكورة - واستعراض عدد الذين عملوا مع المؤلف في إعداد وصياغة الكتاب، ما بين محرر، و جالب للأمثلة، ومن يجري المقابلات، وراسم للرسومات التوضيحية، وصانع للنماذج، ومدقق في صحة المعلومات، ومراجع للفهرس والتبويبات، ومدقق لغوي وإملائي، إلى غيرها من المهام ..يدرك كيف تحول التأليف إلى مهنة احترافية، وصنعة لها قواعدها.

والكثير من العلماء والسياسين والقيادات، لا يقومون بأنفسهم بتأليف سيرهم الذاتية، لكنهم يكونون مصدراً لكثير من معلومات تلك السيرة، أما كتابتها وتحريرها، فيقوم به آخرون ممن امتهنوا واحترفوا في ذلك.

ولذا لاعجب أن تكون رواية "السجينة" التي تروي قصة مليكة أوفقير من تأليف مليكة ذاتها مع الكاتبة التونسية ميشيل فيتوسي، والتي بدونها ما كان لمليكة التي افتقدت للتعليم أن تكتب تلك الرواية الرائجة.

كما أن كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر، الذي تناول السيرة الذاتية له ونظرياته النازية. كان من تحرير برنارد شتمبفل لا من تحرير هتلر نفسه.

أما مؤلفاتنا ففي أكثرها يكون العمل فردياً بامتياز، فالمؤلف هو صاحب الأفكار، وهو الذي يقوم بالكتابة والتحرير، والتدقيق اللغوي، والإملائي، بل وربما قام بالصف والإخراج النهائي، هذا إذا لم يكن هو ذاته مصمم الغلاف!

وهو ما يجعل الكثير من كتبنا العربية عموماً، والمحلية خصوصاً، كتباً محدودة الانتشار، قليلة التأثير، ضعيفة الوصول للعرب، أما وصولها للناطقين بغير العربية فأمر نادر، وبيننا وبينهم ما بين الفرقدين.

لذا، وصيتي إلى صاحب الفكرة والمحتوى المميز، والسيرة التي تستحق الانتشار:

ابحث عن كاتب مميز ، وفريق عمل مميز ليقوم بإعداد كتابك وتجهيزه للصدور.

أعط الخباز خبزه، ولو أكل نصفه.

فكتابك هو الذي سيبقى بعد رحيلك.

دمت بخير ،،،

محمد بن سعد بن عوشن
@bin_oshan
28 / 12 / 1444 هـ
الرياض - حرسها الله - 


مقالات ذات صلة :

اكتبوا .. قبل رحيل الخبرات

الكتابة | التأليف | الكتب | الثقافة | التحرير |التدقيق | المؤلفات | المكتبة | السير الذاتية

يوليو 06, 2023

الواهمون الفاهمون العارفون!

يمر بك في حياتك العامة، والوظيفية صنف عجيب من الناس!

ذلك الصنف الذي يظن ويتوهم أنه خبير ومتخصص في أحد المجالات، وتراه ينظر للمتخصصين وأصحاب التجربة الطويلة بشيء من الانتقاص، والتقليل من شأنهم، زاعماً أن مشكلتهم أنهم "لا يفهمون"!!،

هؤلاء الأشخاص لديهم "متلازمة دانينغ كروجر" وهي انحياز في الإدراك يشير إلى ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم، وتتلخص النظرية في أن:"الجهل على عكس المعرفة الحقيقية، يزيد الثقة بالنفس" -كما ينقل طارق الأحمري-.

وحين تعرض على احد هؤلاء أهمية الاستفادة من الدكتور أو البروفسور فلان بحكم تخصصه في ذات المجال سنين طويلة، تراه يرد عليك قائلاً : هذا الدكتور أكاديمي!، ومشكلة الأكاديميين دوماً أنهم خبراء في التنظير، وفي غرفة الدرس، ورائعون في إعداد البحوث العلمية المكتبية، لكنهم يفتقرون تماماً للخبرة العملية، فرأيهم لا اعتبار له، وهو يصدر من أبراج عاجية لم يخوضوا غمار التجربة العملية، فدعهم عنك.

فإن عرضت عليه الاستفادة من رجل الأعمال الممارس في ذات المجال، قال لك : مشكلة رجال الأعمال أنهم بعيدون عن التنفيذ المباشر، ودورهم إشرافي عام، ونجاحهم بسبب علاقاتهم، أو فريق العمل العامل لديهم، ولذا فإن أفكارهم مختلفة، وطرائق النظر عندهم ليست مناسبة،  فدعه عنك.

فإن أشرت عليه بالاستفادة من خبرة المدير التنفيذي لهذه الشركة أو تلك وهي شركة ناجحة تعمل في مجال مشابه منذ عقد من السنوات، قال لك: لا أسلّم لك بأن الشركة ناجحة أصلاً، وإن كان هناك شيء من النجاح، فهو بسبب الملاك ، أو العلاقات، أو أسبقيتهم في المجال، والحقيقة أن مثل هؤلاء إن استشرته فإنه سيقيد أفكارك المنطلقة، وسيكون محصوراً بتجربته المحدودة، فدعه عنك.

فإن قلت له : المشروع بحاجة إلى خبير مالي، قال : المالية ليست سراً، وكلنا نعرف كيف يمكن أن تتم الإدارة المالية، لا تصدّق ما يحاول المتخصصون إيهامنا به من كونهم يعرفون ما لا نعرف، وكم رأيت من خبير مالي لا يفقه في تخصصه شيئاً.

فإن طلبت منه الاستفادة من خبير إداري، قال : كل حياتي مضت في الإدارة، فلا أحتاج إلى من يمارس الأستاذية عليّ، وقد حضرت مجالس إدارة بعض الشركات فما وجدت من يملك ما أملكه من خبرات متنوعة، ووجدت جملة منهم خبرته متواضعة رغم المناصب التي عمل فيها، بل لقد أبديت عدداً من الملاحظات الإدارية فقوبلت باستحسان الكثيرين، مع أنها كانت من طرف الذهن، دون تحضير مسبق.

ثم عقّب قائلا .. أتعرف ماهي مشكلتنا؟

فأجبته : لا ، ولكن ربما قلة القيادات المتمكنة والمتخصصة.

فقال لي : أخطأت في إجابتك ..

 مشكلتنا يا أبا سعد .  أننا نقلل من ذواتنا، ولا نعترف بقدراتنا، ولا ندرك مكانتنا الحقيقية المتميزة!!!!!


يا سلام عليك .. 

لقد أقفلت الأبواب ..

يا نادرة الزمان، وفريد عصره، ووحيد دهره.

فأنت رجل المهمات الكبرى.

وأنت البطل المغوار لكل كريهة.

وأنت المعلم للجيل، بل للأجيال الحالية والقادمة.

أنت مدرسة تستحق أن يتعلم الناس فيها ومنها.

ما أعظم تقصير الناس في حقّك..

وكان الأجدر بهم أن يضعوا لك نصباً تذكارياً يخلّد أعمالك المجيدة، وسماتك العجيبة، لكي يراه الناس رغم تقادم الدهور.

لكنه زمان سوء ذلك الذي لم يعرف فيه قدر أمثالك.


أعان الله من كنت له رئيساً ، وأعان أهلك بيتك عليك، وأعانك على نفسك.


محمد بن سعد بن عوشن

06 / 07 / 2023


تنويه : أخي القارئ، إن شككت لبرهة أنني أقصدك بهذا المقال، فراجع نفسك، وردد "رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي".

يونيو 13, 2023

الاقتباس الأعمى في العمل الخيري

في خضم السعي نحو تطوير العمل الخيري تشيع العديد من المصطلحات المستوردة والتي يحلو للكثيرين الحديث بها باعتبارها نجاحاً وتميزاً.

ولا شك أن الاستفادة من الحق حيثما وجده المرء يعدّ أمرا مطلوباً أياً كان القائل به.

غير أن بعض تلك الاقتباسات والنماذج تتسم بالخصوصية التي تتناسب مع مجتمعاتها، ولا تتناسب بالضرورة مع المجتمعات الأخرى، وحينها يكون الانشغال بها، والعمل من خلالها لونا من ألوان العبث لا التجديد والابتكار.

ففي مجتمع مسلم يقوم على الإعلاء من قيمة الإنسان، ويؤمن أهله بأولوية الإنسان، ويستشعرون أن كل ما في الكون مسخر لأجله، " ولقد كرمنا بني آدم"، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض" ، لا يمكن في مجتمع كهذا أن نرى انطلاق جمعيات تهتم بإيواء القطط الضالة التي لا تجد لها أسرة تأويها! في الوقت الذي لا يزال فيه أفراد من الآدميين لا يجدون الطعام أو أحد أبرز الاحتياجات الرئيسية.

فالقطط والكلاب في الأصل حيوانات يمكن لها العيش بشكل تلقائي دون تدخل البشر، فهي تحمل وتلد وتأكل وتموت في الشوارع والافنية والحدائق والأراضي الخالية، وهي بطبيعتها وما حباها الله من سمات قادرة على العيش في تلك الأجواء والأماكن دون الحاجة للتدخل البشري، وانما جاءت فكرة العناية المبالغ فيها بتلك الحيوانات من واقع مجتمع غربي يعلي من شأن القطط والكلاب، فاعتاد تربيتها في المنازل، وصارت جزءا من ثقافته، فخصص لها بيوتا وألعابا وأطعمة وعيادات، بل وفنادق!، و ربما مات الواحد منهم فأوصى بجل ثروته أو كلها لكلبه الوفي، وحرم ذريته وأهله من ذلك الميراث.

وفي ظني أن توجيه العناية للحيوانات- مع وجود آدميين في المجتمع ذاته أكثر حاجة – عبث بالأموال، وتصرف غير منطقي.

فندق مخصص للقطط
وثمة فرق شاسع بين أن يقوم أحد الأفراد بإطعام حيوان رآه جائعاً، او سقياه حين وجده يكاد يموت عطشا، فذلك إحسان في كبد رطبة، و"في كل كبد رطبة أجر" وهو أمر حسن.  وبين أن تخصص لها الجهود الجماعية المنظمة، وتنشأ الجمعيات والمباني وتجمع لها الأموال من المتبرعين الذين ينشدون الأجر، ويبحثون عن الاحتياجات الأولى بالرعاية، فذلك أمر آخر تماما، ولا أظنه يسوغ في مجتمعاتنا.

ولا يمكن اعتبار نشاط كهذا إلا لوناً من ألوان التقليد الأعمى، وهو يشبه من يبني بيتا في المملكة ثم يترك الفناء مكشوفا للناظرين والعابرين اقتباساً من منازل الغربيين التي رآها هناك، ذلك أن مفهوم الستر والحشمة وستر العورات و الخصوصية تختلف كليا بيننا وبينهم، فاقتباس كهذا ليس ممدوحاً ولا يدل على سعة المدارك ولا الابتكار بل هو دليل على قلة الوعي، وأن عقدة الخواجة تلازم الكثيرين حتى أصبحوا يرون أن مشابهة القوم بحد ذاته نجاحا كبيرا!.

وعوداً على بدء، فإنني أؤكد على أهمية اقتباس الأفكار الرائعة بعد التأكد من مناسبتها لنا، فالحق ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، لكنه اقتباس متبصّر واع .

دمتم بخير 

محمد بن سعد العوشن
الرياض - حرسها الله - 



#العمل_الخيري #القطاع_الثالث #ق3 #الابتكار #الإبداع #القطط #أفضل_الممارسات

أبريل 08, 2023

يالها من تجربة .. سر الدبابيس الملونة!

صورة دبابيس الملونة
دعيت ذات مرة إلى فعالية أقامتها إحدى الجمعيات المعنية بالفقير، وحين دخلت الجمعية مع جملة من الزوار الآخرين، وجدت أمراً عجيبا، حيث تم وضع خارطة داخل أحد مكاتب الجمعية، توضح النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه، وقد امتلأت تلك الخارطة بالنقاط الحمراء، والخضراء، والصفراء على هيئة دبابيس ملونة، فلم أكن لأتجاوز هذا الشكل غير المعتاد، وبادرت المشرف على الجمعية بالسؤال عن سر هذه النقاط الملونة، فأخبرني أنها أحد أسرار الجمعية، التي تعمل عليها بكل جدّ، وتترقب نتائجها، ثم ألمح إلى الإجابة قائلاً أن كل نقطة من النقاط تدل على مكان سكن أحد الأسر التابعة للجمعية، وأن اللون يدل على حال تلك الأسرة. واكتفى بذلك وأحجم عن الاستطراد.

وبعد جولة على مرافق الجمعية ومكاتبها، وأقسامها المختلفة، والاستماع إلى عرض رائع عن أنشطة الجمعية، اختتمنا الزيارة، وخرجنا منها بذات الحفاوة التي لقيناها عند دخولنا.

خرجنا من الجمعية، ولا زال سر الدبابيس الملونة قائما، ومر على ذلك الأمر ثلاث سنوات.

ثم التقيت بالمشرف على الجمعية مرة أخرى، وسألته مسترشداً : لو أن أحد المحسنين أراد أن يصنع أثراً بيناً مع الفقراء، ويحدث تغييراً حقيقياً فما تراه يصنع؟

فالتفت إليّ وقال : على الخبير وقعت، وإني سأحدثك وأخبرك بتجربتنا التي خضنا غمارها في الجمعية، و ساهمت فعلياً بنقل مئات الأسر من حالة الاحتياج إلى حالة الاكتفاء، نعم إنها مئات الأسر، وليست عينات مختارة.

أحياء مدينة الرياض
فأقبلت عليه إقبال المتعلم المستفيد، وطلبت منه أن يعجل عليّ بالسر الذي نقل به تلك الأسر، فأشار إلى مسارين اثنين، سأكتفي بالحديث عن أحدهما ألا وهو: "التعليم" لأبناء الأسر، حيث وجه جملة من جهود الجمعية في هذا الاتجاه، فطلب من الأمهات – والتي كان غالبهن بلا معيل – ترك الأعمال التي تأخذ أوقاتهن، وتعطيهن فتاتاً من المبالغ التي لا تسد احتياجهن، وقرر لكل واحدة منهن مكافأة ثابتة، شريطة أن يولين الأولاد اهتمامهن، ويضبطن سلوكياتهم، ويعتنين بالمستوى الدراسي لهم، وتابع معهن توفير متطلبات المدرسة، وتجهيزاتها، واستوثق من التحاق جميع الأبناء والبنات بالتعليم، وخصص مكافأة إضافية لكل أم يحصل أبناؤها على درجة (ممتاز)، ثم أقام برنامجاً تعليمياً وترفيهياً وتربوياً في أحد المدارس الأهلية في الحي ذاته، بحيث يحضر الأبناء عصراً ويمارسون شيئاً من الرياضة، ثم التعليم الجاد الخاص، ثم ينصرفون عشاءاً والنوم يداعب أعينهم، فلا يكادون يصلون إلى منازلهم إلا ويخلدون إلى النوم العميق، فلا مجال للسهر، ولا لرفقة السوء.

ومع عمل جاد ومستمر في تحسين مستوى تعليمهم، استطاع الأبناء من طلاب المرحلة الثانوية أن يتخرجوا منها بدرجات عالية، ثم الالتحاق بالجامعة، وهو الأمر الذي غيّر كثيراً من ثقتهم بأنفسهم، فارتفعت كثيراً، كما قدّم أولئك الأبناء لبقية إخوانهم نموذجاً وقدوة في الجدية والنجاح، ورأوا كيف أنهم استطاعوا تجاوز الكثير من العقبات وأن يكونوا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع الذين هم خارج نطاق الفقر، وأصبح الواحد منهم يرى نفسه على مسار النجاح، وأخذ عدد منهم يسعى بكل جدّ للعمل في وظيفة مسائية بعد الخروج من الجامعة، ومع هذا الشعور بالمسؤولية بات يساهم بشكل فاعل في تغيير حالة أسرته، ومع وصول عدد من الأبناء إلى الجامعة، تغيرت الكثير من الجوانب النفسية والثقافية لدى الأسرة، وتغيرت نظرتهم لأنفسهم، وباتوا يترقبون اليوم الذي يتجاوزون فيه وصف الفقر، ثم بدأت الأسر واحدة تلو الأخرى، تتقدم للجمعية طالبة شطبها من قوائم الاحتياج، والتوقف عن توزيع السلال الغذائية و الإعانات المختلفة عليها.

وشيئاً فشيئاً، أخذت أعداد الأسر التي كانت تعمل معها الجمعية في التناقص، كما انضمت أسر أخرى فقيرة للجمعية ممن انتقلوا إلى نطاقها الجغرافي، لتبدأ معها مسيرة التغيير الفعال، في نجاح يتبعه نجاح.

ثم عرّج صاحبي على تلك الدبابيس الملونة، مشيراً إلى أنها ترمز فعلاً إلى المستوى الذي تعيشه الأسرة، ومدى اقترابها من حالة الاكتفاء، وأن مؤشرات الأداء التي كانت تعمل عليها الجمعية لم تكن بعدد ما يتم توزيعه من إعانات، بل بمن يتم تعليمه من أبناء، ومن يتم توظيفه، ومن يتم تزويجه، ومن يتم إخراجه من حالة الفقر، وعلى تلك المؤشرات تتنافس الوحدات والأقسام المختلفة، كما أشار في ختام حديثه إلى الدور الرائد الذي كان يقوم به مجلس الإدارة في تفهم هذه المستهدفات ودعمها، وتخصيص الموارد المالية لها. 

خرجت من صاحبي وأنا في حالة من الدهشة والإعجاب، وأنا فرح غاية الفرح بذلك النموذج المميز، الذي لم يكن ليتم ويحقق آثاره الرائعة – بعد توفيق الله -  لولا وجود مثل هذا البطل، بهمته العالية، وعزيمته التي لا تلين، وإصراره على المضي قدماً وخوض تجربة جديدة في التعامل مع الفقر والفقير، متجاوزاً السائد من الممارسات، راسماً مساراً مختلفاً، مقدماً أنموذجاً يحسن به الاقتداء.

إن وجود أمثال هذه المبادرات التي تعمل بكل هدوء، ودون ضجيج، يجعلنا نطمئن، أن هذه البلاد ولاّدة معطاءة، وأننا بخير.  

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله