سبتمبر 05, 2022

الشيخ عبدالمجيد و الرحيل المفاجئ!


مذ عرفته قبل ثلاثين عاماً، كان الشيخ الدكتور عبد المجيد الدهيشي أخاً لطيفاً، ومعلماً قديراً، ومربياً فاضلاً، كان طوال سنوات معرفتي له على منهج الوسطية المتزن، التزام بالشرع المطهر، ووقوفاً عند حدود الله، وتقديساً للنص الشرعي.

كان مذ عرفته متواضعاً ليّن الجانب، يحدثك بكل تواضع، ويصغي إليك بكل أدب، ينتقي ألفاظه بعناية بالغة، فلا تسمع منه - في كل أحواله- أي لفظ مشين، كان رحمه الله عفيف اللسان.

درس في كلية الشريعة، فكان نعم الطالب، وتخرج منها عام 1410 هـ ، وتعيّن ملازماً قضائياً بمحكمة الرياض، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، حتى انتهت سنوات الملازمة، فتعيّن قاضياً في سبت العلاية ، عاصمة بلقرن، ثم قاضياً بالمجمعة، ثم انتقل للعمل في وزارة العدل، ومجلس القضاء،..
فكان حيثما حلّ نعم القدوة والأسوة، كان يعمل في القضاء بكل نزاهة متحرياً العدل، مبتعداً عن مواضع الشبهات، ولم يكن قاضياً فحسب، بل كان مجدداً في عمله، وفي مكان التقاضي، وفي خدمة الناس، كما كان في كل بلد ينزل فيها يعمل مصلحاً اجتماعياً، ومرشداً دعوياً، وخطيباً مفوّها، ومدرساً للعلوم الشرعية في المساجد، وقائداً للعمل الخيري والتطوعي، يحفّز ، ويوجّه، وينفق من ماله ووقته وجهده.

كان الشيخ عبد المجيد بركة حيثما نزل، فآثاره الصالحة باقية، والناس تلهج بالثناء عليه، وتذكر إحسانه.

ورغم أنني انقطعت عنه سنين طويلة نظراً لتعيينه خارج الرياض، غير أنني كنت ألقاه كل بضع سنين، فإذا هو صاحبي الذي عهدته، لم يبدّل ولم يغيّر، كان على العهد الأول، فلم تأخذ السنين من حماسته الرصينة، ولا من فكره النيّر شيئاً، ولم تؤثر فيه المناصب العالية على الإطلاق.

وكان للشيخ بصمات واضحات في وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء، بالعمل على مجموعة غير قليلة من الدراسات، والأنظمة، واللوائح، والزيارات، والملتقيات المهمة والمؤثرة على الحالة القضائية في المملكة العربية السعودية، كما عمل الشيخ في محاكم الاستئناف بالمدينة المنورة ثم في مدينة الرياض، وقد أشار الشيخ إلى شيء من تلك الجهود المباركة في سيرته الماتعة الرائعة الموسومة بـ "في مدارج القضاء" والتي روى فيه حياته العملية في القضاء، ولم تكن رواية للأحداث فحسب بل كانت سيرة محشوّة بالفوائد، مملوءة بالدروس المستفادة، والمعاني الجميلة، والمعلومات الثرية جداً .

ومنذ تعيينه في قضاء الاستئناف، وحصوله على شيء من التفرغ في تلك المرحلة، وموضوع "التقاعد" يجول بخاطر الشيخ، فيقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى، حتى جاء موعد اتخاذ القرار في عام 1440 هـ بعد استخارة واستشارة متكررة، حيث تقدّم الشيخ على المجلس الأعلى للقضاء بطلب التقاعد المبكر، مبرراً ذلك بمضي ثلاثين عاماً من العمل في مجال القضاء بكل ما فيه من جهد وضغط وإرهاق، وبرغبته في الاستمرار في العمل الخيري الذي بات جزءاً لا يتجزأ من اهتمامات الشيخ وأولوياته، وخصوصاً في ظل صدور بعض التنظيمات الإدارية التي تحدّ من دور القضاة في الجمعيات الخيرية، وتمنع عضوية مجالس إدارتها من العاملين في سلك القضاء، كما أشار الشيخ إلى تبرير ثالث وهو رغبته في التفرغ لعدد من المشاريع العلمية ، التي تحتاج وقتاً أطول من أجل إنجازها، وقد رفض طلبه، لكنه أصرّ عليه، وسعى لتحصيله، فوافق المجلس في شهر صفر 1441 هـ على طلبه، وتم له ما أراد، وحصل على التقاعد، فانطلق الشيخ وعمل بكل جهده، بحيوية ونشاط وحماسة لم تفارقه منذ التحق بالعمل لأول مرّة، فإذا هو يتحدث عن الأوقاف، ولوائحها، وحوكمتها، وأنظمتها، ويواصل التحفيز عليها..

وقد طلبت منه ذات مرة أن نتفق على الأجرة التي يمكن منحها له مقابل خدماته الاستشارية لأحد الأوقاف، فرفض أن يأخذ أي مقابل على تلك الاستشارات التي يحتاجها الوقف، وتكرر معه الأمر أكثر من مرة، كان يحضر ويتفاعل، ويبدي رأيه بوضوح، مع أدب جمّ قل مثيله، ولطف في التعامل قل نظيره، وكانت سنوات التقاعد القصيرة تحكي مزيداً من العمل الدؤوب، والعمل الجاد لتحقيق الأهداف، حيث أمضى ثلاث سنوات في المجالات التي أحبّها وأرادها، فما إن اكتملت هذه السنوات بالتمام، حتى أصابه مرض مفاجئ، بعد عودته من مؤتمر الأوقاف بالمدينة المنورة، فأدخل على إثره العناية المركزة، بمستشفى الملك فيصل التخصصي، ولم يلبث فيه إلا أياماً قليلة، فكان الموت إليه أسبق، فأدركته الوفاة في يوم الأحد، الثامن من شهر صفر لعام 1444هـ، وصلّي عليه بعد العصر بجامع الجوهرة البابطين، ودفن بمقبرة شمال الرياض، وكانت الجموع التي حضرت للصلاة عليه في  الجامع ودفنه في المقبرة متأثرة غاية التأثر، مصدومة من هذا الفراق العاجل، تلحظ في عيونها دموع الفراق للحبيب، وتلهج ألسنتها بالدعاء له، مرددة : إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا عبدالمجيد لمحزونون.  


رحم الله الشيخ الدكتور أبا أيمن ، عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في مستقر رحمته، وألهم الجميع الصبر والرضا والسلوان، وأجارنا في مصيبتنا وأخلف علينا بخير منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد بن سعد العوشن

8 صــــفر 1444 هـ

نشرت التدوينة في صحيفة تواصل هــنــا


أغسطس 23, 2022

النوم المطمئنّ

يأتي وقت النوم في نهاية كل يوم ليكون أشبه بكشف الحساب لكل واحد منها عما فعله خلال تلك الأربع وعشرين ساعة الماضية، وما قصّر عن فعله في الوقت ذاته.

فحين يستلقي المرء على فراشه، ويأوي إلى سريره، ويضع رأسه على وسادة النوم، فيكون الجسد في مرحلة من الإرهاق قد خارت قواه، وانتهت طاقته، وحان وقت راحته وسكونه، حينها: يبدأ الدماغ في ممارسة المهمة الأخيرة قبل النوم، وهي المهمة الصعبة!

إنها مهمة الاسترجاع السريع لمشاهد وأحداث اليوم، وحين يبدأ الاستعراض السريع جداً، فإنه يتوقف فجأة عند بعض تلك المشاهد، فيعيد المشهد مرة واثنتين وثلاثاً، وربما استمرت إعادة التشغيل وكأن خللاً ما أصاب جهاز التسجيل فاستغرق في الإعادة وراء الإعادة..

هنا يأتي حديث النفس، ليكشف عن المخبوء، عن نقاط الألم والحسرة، عن مواضع الوجع، عن الأقوال والأفعال التي أوجعتك، ومرت سريعة وحاولت تناسيها في وقتها، لكنها جاءت في ختام اليوم متأبيّة على النسيان، ثم تأتي تلك الأقوال والأفعال التي أوجعت بها الآخرين، تأتيك لتسائلك عما حملك على ذلك، وكيف طاوعتك نفسك أن تصنعها، وتذكرك بأن أولئك الآخرين هم  الآن – مثلك – يستعدون للنوم، لولا ذلك الألم النفسي الذي يسيطر عليهم من جراء صنيعك.

ويأتيك في الوقت ذاته أفكار وتساؤلات عن حياتك، ووقتك، ومالك، وعملك، وأهلك، حسب آخرهم وروداً، أو ملاقاة..

ولذا فإن الذين ينامون سراعاً هم أولئك الذين يخلدون إلى فرشهم في نهاية اليوم وقد قاموا بمهامهم وأدوا واجباتهم، ولم يظلموا أحدًا، ولم يعتدوا على أحد، إنهم أهل “الإحسان”، ولذا لا عجب أن يكون نومهم نومًا عميقًا مطمئنًا، فـ (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟

ذلك أن أحد أهم أسباب التكدير الذي يحيط بالناس قبيل نومهم أن يشعروا في قرارة أنفسهم أنهم واقعون في الخطأ، موغلون في الذنب والتقصير تجاه الله تعالى أو تجاه أحد من خلقه، فتأتي النفس اللوامة وتكرر على صاحبها: لم فعلت هذا؟ لم ظلمت هذا؟ لم قلت هذا؟

ولذا فإن الحرص على تجنب المظالم، والسعي وراء اللقمة الحلال، وأداء الحقوق والواجبات، وصلة الرحم، والقيام بحق الله تعالى، من شأنه أن يرزق المرء السكينة والهدوء وراحة البال، ويجعل نومه هنيئاً مريحاً طيباً.

وإنني أدرك وأنا أقول هذا أن بعض ذلك الألم ربما يكون ألما يصيب “المظلوم” لا الظالم، و “المؤذى” لا “المؤذي”، والذي يمنعه الألم النفسي غالباً من الخلود إلى النوم، ويؤرقه التفكير في “الانتقام”، والدعاء المستمر على ظالمه، وتذهب عليه الأوقات في تضخيم الألم وتعظيمه، وتفاصيل الوجع، وجزئياته، والوصية لهذا وأمثاله: أن يسلك مسلك تسهيل الأمور، وتهوينها، والتماس الأعذار والتبريرات للطرف الآخر متى أمكن ذلك، وإحسان الظن بالمقاصد وإن لم تصب الوسائل، فإن ذهابك لفراشك وليس في قلبك غلّ على مسلم، مدعاة للسلامة النفسية والجسدية معاً، فسلامة الصدر، والعفو، والتسامح، كلها مبعدات للأرق، مذهبات للأفكار المزعجة التي تحول بينك وبين النوم المستغرق العميق اللذيذ، فطهر قلبك وابشر بالخير، وتيقن أن راحتك من أعظم ما يغيض عدوّك، وأن التجاهل، والعودة إلى اليوم التالي بكل نشاط وكأنك من النوع الذي لا يكسر، هو أفضل رسالة يمكنك إيصالها.

ولنكرر تلك الدعوات العظيمة التي يدعو بها المؤمنون ربهم :(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)

ولنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه ثلاث مِرَار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، وفي كل مرة يطلع لهم ذات الرجل، فأوى إليه أحد الصحابة لينظر في ما يعمل ليقتدي به، فلم يره يعمل كثير عملٍ، فسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.

وسوف تدرك حقيقة ما أقول عن تجرّبة العيش وفقًا لمبدأ (أداء الحقوق وترك المظالم والتغاضي عن الأخطاء)، في حجم السعادة والهناء، والهدوء والاسترخاء التي تشعر بها كل ليلة حين تأوي إلى فراشك، حيث المقياس الختامي لطبيعة يومك، وكيفية تعاملك مع أحداثه بحكمة واتزان.

متمنياً لكم أياماً سعيدة، وليالي هانئة، ونوماً عميقاً مشبعاً…

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

أغسطس 15, 2022

لذة الاكتفاء

أشار بحث أجراه مصرف (كريدي سويس) السويسري إلى أن عدد المليونيرات في العالم وصل إلى 56 مليون شخص، وهم الذين يملكون ما يقارب 4 ملايين ريال، وتبلغ نسبتهم المئوية مقارنة بعدد الأشخاص البالغين من سكان الأرض عن 1%، أما حين نقارن عددهم بإجمالي عدد البشر على الكرة الأرضية، فسوف تتضاءل هذه النسبة كثيراً، وفي السياق نفسه، فقد أشارت مؤسسة "نيو وورلد ويلث" المتخصصة في دراسة الثروات إلى أن عدد المليونيرات في الشرق الأوسط يبلغون 390 ألفا.

وهذه الأرقام تشير إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي أن وصول المرء إلى أن يكون رقماً ضمن هذه الأرقام رغم كونه ممكناً ومحتملاً، إلا أنه في الواقع صعب وعسير، ويتضمن منافسة كبيرة مع مليارات البشر للانضمام إلى هذه القلة القليلة، ففي نهاية المطاف، سيحصل قلة قليلة منا على اسم (المليونير)، لكن النسبة الغالبة من القراء، سيحصلون على وظيفة لا بأس بها، وراتب مناسب، وسيكون لديهم مبلغ من المال يكفي لتغطية احتياجاتهم، وكثيراً من متطلباتهم في أحسن الأحوال.

وحديثي هنا ليس تزهيداً في الثروة، أو تقليلاً من أهمية العمل الجاد لتحقيق الحرية المالية، والعيش الرغيد، والسعادة والاكتفاء، بل ذلك مطلب مشروع لكل أحد، وهو غاية نبيله تستحق العمل عليها، و "نعم المال الصالح للرجل الصالح" كما في الحديث الصحيح.

غير أن هذا الحلم، من شأنه أن يدفع المرء للعمل المتواصل وتقبل الكثير والكثير من الخسائر لأجل تحقيق هذا الهدف المنشود، ومن شأن هذا الحلم - أحياناً - أن يجعل المرء مصاباً بالإحباط والحزن من جراء عدم قدرته على الوصول إليه رغم كل ما تمت التضحية به، ومن شأن هذا الحلم كذلك أن يتسبب في فقدان الاستمتاع بالكثير من الملذات الموجودة والمتاحة والممكنة، لأن صاحبها في انتظار الملذات المفقودة والمتوقعة والمحتملة.

كما أن المتغيرات في عالم اليوم جعلت الناس أكثر تطلّعاً للعيش في ظروف عيش الآخرين، والسعي لمحاكاتهم والسير وفقاً لمسيرتهم، وعدم الاكتفاء، متناسين الكثير من الظروف والأحوال والقدرات الموجودة لدى الآخرين.


وبات لدى الكثيرين – أياً كان مستوى دخلهم - طموح في السفر لذات البلدان التي يسافر إليها الأثرياء، بنفس وسائل النقل ومستوياته الترفيهية، والسكن في أفخم الفنادق، وتناول الطعام في أرقى المطاعم، ولبس أغلى الملابس، واقتناء أفضل الهدايا، وتوثيق ذلك كله في وسائل التواصل الاجتماعي بهدف أن نثبت للجميع أننا لسنا أقل من الآخرين، ولا ينقصنا شيء لنكون مثلهم.

ويعود أولئك المساكين من رحلاتهم وهم مستنزفون، مستهلكون، مالياً ونفسياً وجسدياً، مترقبون للتعليقات هنا وهناك، ينتظرون الفرصة السانحة أو يوجدوها ليتحدثوا عن تفاصيل رحلتهم الاستثنائية، وعجائب ما فيها، ويشيرون إلى تلك المعالم الرائعة التي لم يفوتوا فرصة الوقوف عليها، ويستشهدون على ذلك كله بأرشيف الصور الضخم الذي تم التقاطها من كل جوالات المشاركين في الرحلة، فكل واحد منهم لديه قائمة بمن سيحدثه ويروي له ويتظاهر أمامه.

ومع أن تجاوز المرء لأقرانه في أي مجال من المجالات يعدّ أحد مصادر الوقود للعمل الجاد، غير أنه لن تكون هناك متعة حقيقية مستدامة إذا لم يستطع الوصول إلى الشعور بالرضا بما قسم الله له، والشعور بالاكتفاء، ذلك أن "الهدف المالي" في الكثير من الأحيان غير محدد برقم منطقي يمكن الوصول إليه، بل هو أشبه ما يكون بالعارضة التي يقفز فوقها الرياضيون، وكلما استطاعوا القفز لرقم محدد، رفعوا العارضة درجة إضافية، ولهذا فإن من أصعب المهارات الحياتية المالية: إيقاف العارضة عن الحركة! والاكتفاء بما تم الوصول إليه، رغم إمكانية جني المزيد!

إن من المهم أن تحدد الرقم المناسب لك، وأن توطّن نفسك على الالتزام به، و(الاكتفاء) به، والتوقف عن المزيد من التضحيات لجلب أرقام إضافية، وألا يكون معيارك للحكم على وضعك: ما يقتنيه الآخرون، وما يفعله الآخرون، وما يكسبه الآخرون.

إن الاكتفاء المنشود لا يعني العيش في الفقر، ولا الرضا بالدون، ولا التقتير على النفس والأهل، غير أنه يعني (الاتزان)، والتوقف عن اللهاث المستمر وراء كسب المزيد من لقمة العيش، فالقناعة كنز لا يفنى، وهناك الكثير من الأشياء القيّمة في الحياة، مما لا يقدّر بثمن، ولا يصلح التفريط فيها من أجل المال، ومنها على سبيل المثال: السمعة الحسنة، والقدرة على الاستمتاع بتفاصيل الحياة، والاستقلالية، والعائلة، والأصدقاء، وسكون النفس والطمأنينة التي تغشاها، وهي أمور لا يمكن المحافظة عليها أثناء استغراق المرء بكليّته في الجمع المتواصل للمال، أو في السعي بلا توقف نحو تحصيل الثروة.

وفي الختام أذكّر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصينا -كما في الحديث الصحيح-: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)، ذلك أن نظر الإنسان إلى من هو أعلى منه؛ يؤدي إلى استحقار ما لديه من النعم، وقد يؤدي به ذلك إلى كفران النعمة وعدم اللهج بشكرها.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا من واسع فضله، وأن يغنينا على الناس، وأن يبارك لنا في رزقنا، وأن يمتّعنا به، ويجعله عوناً لنا على الطاعة، وأن يرزقنا القناعة بما قسمه الله لنا.

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

15 محرم 1444 هـ


يونيو 27, 2022

كتابة الأحلام !

 في التاسع من شهر يونيو عام 1964 كتب محمد سعيد طيب مقالة في صحيفة المدينة بعنوان (جدة تستاهل)، تحدث فيها عن الأهمية التي تحتلها مدينة جدة، وعن مقترح يراه الكاتب مهماً ومبرراً، ألا وهو : إنشاء جامعة أهلية بجدة، مشيراً إلى عدم كفاية الجامعة الحكومية التي يتم إنشاؤها في مدينة الرياض آنذاك، وتحدث طيّب عن مجموعة من المبررات لذلك الاقتراح، مردفاً ذلك بوضع آلية تحويل ذلك الحلم إلى حقيقة، من خلال تكوين لجنة من المهتمين (مفكرين ورجال أعمال)، ممن يمكنهم فعلاً إطلاق المشروع على أرض الواقع.

وكان المقال بفكرته الأولية شرارة الانطلاق نحو تأسيس جامعة جدة الأهلية، حيث لقي المقال تعاطفاً كبيراً، وتجاوباً واسعاً من مختلف شرائح المجتمع، وكان من أوائل المتفاعلين مع المقال رجل الأعمال الشيخ محمد أبوبكر باخشب والذي أعلن عن تبرعه بمليون ريال سعودي كدفعة أولى لهذه الجامعة، مبدياً استعداده لبذل المزيد إن تطلب الأمر ذلك، وكان المليون ريال في السبعينات رقماً كبيراً وصعب المنال، ثم تهافتت التبرعات لمشروع الجامعة الوليدة، تبرعاً بالفكر والرأي، وبالمال، والخبرات، والوقت، والجهد.

فتم تكوين لجنة تحضيرية بعضوية أحمد شطا وأحمد صلاح الدين وعبد الله الدباغ و محمد أبو بكر باخشب ووهيب بن زقر و محمد علي حافظ وحظي أعضاء اللجنة التحضيرية بمقابلة الملك فيصل الذي بارك المشروع، ثم شكلت اللجنة التأسيسية للجامعة برئاسة الملك، وعضوية وزير المعارف آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ.

وتأسست الجامعة فعلياً عام 1387هـ / 1967م بصفتها جامعة أهلية، وسميت باسم (جامعة جدة الأهلية)، بعد نشر المقال بثلاث سنوات فقط، وبدأت الجامعة عامها الدراسي الأول عام ( 1388هـ – 1968م ) بـ 98 طالباً وطالبة فقط.

وبعد ثلاث سنوات أخرى، أي في عام 1391 – 1971 صدر قرار مجلس الوزراء بضمّ الجامعة إلى الدولة، وتحولت بذلك من كونها جامعة أهلية إلى جامعة حكومية، وتغير اسمها ليصبح (جامعة الملك عبدالعزيز)، وهو ما وسع نطاقها وحجمها بشكل كبير، حتى بلغ عدد طلابها في الوقت الراهن ما يزيد عن (82000) طالب وطالبة، وأكثر من 22 كلية و أكثر من 4000 عضو هيئة تدريس.

إن هذا المشروع الضخم والكبير والمؤثر، والذي كان له فضل كبير في الحالة العلمية والفكرية والتأهيل المتخصص طوال ما يزيد عن خمسين عاماً في مدينة جدة وما جاورها، كانت نتاج فكرة تحولت من ذهن صاحبها إلى مقالة يقرأها الناس، ويقيّمون مدى مناسبتها، ويتعاطفون معها.

وهو ما يؤكد دوماً أن الأفكار في الأذهان لا قيمة لها مالم تتحول في المرحلة الأولى إلى مادة مكتوبة، ثم إلى تطبيق عملي من خلال مجموعة تحمل الهم والاهتمام، وتعيش مع الفكرة، وتعمل لأجلها بكل جدّية، وحينها يمكن للأفكار أن ترى النور، وأن يتم اختبارها على أرض الواقع.

وليس شرطاً أن يكون كاتب الفكرة، ومن يقدح شرارتها منفذاً لها بالضرورة، فربما لقيت الفكرة من يعتنقها ويتفانى في خدمتها بشكل أكبر ممن كتبها أول مرة.

فقيّدوا أفكاركم ، واكتبوا خواطركم، وانثروا ما لديكم من درر، قبل أن تغادروا ، وتدفنوا، وتدفن معكم كل أفكاركم العظيمة.


دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد بن عوشن
تم النشر في صحيفة تواصل هـــنــا

مايو 30, 2022

عن الشيخ سعود العوشن

هذه إجابات مختصرة عن بعض الأسئلة التي وصلتني عن العم سعود رحمه الله، الذي أمضى ربع قرن في الدعوة إلى الله تعالى في جنوب الفلبين.

*حدثنا عن تعليم الراحل وبداياته* 

تعلم العم سعود في الكتاتيب، ثم التحق بالمدارس، وكان طموحه دخول كلية الشريعة ولم يتيسر له ذلك، عمل في الأوقاف، واعتنى بالمساجد، ثم عمل في رئاسة الحرمين مدة، ثم استقال وتفرغ للعمل التجاري.

كان - منذ سنوات شبابه الأولى - أنموذجاً على الشاب الجادّ العصامي المنضبط الذي لا تعرف له صبوة، كما كان يقدر القيم الاجتماعية السائدة، ويلتزم بها، كما كان كريماً مضيافاً منذ عرفته.

*حدثنا عن قصه او موقف شهدته له*

قصصه كثيرة جداً ، ومنها أنه كان لا ينفك عن شراء الهدايا - خصوصاً للصغار- ويقوم بتوزيعها على بيوت العائلة وفقاً لعددهم، فلا تعجب إذا دخلت البيت ووجدت ثلاث دراجات، فسألت عنها، فقيل : من عمي سعود، فضلاً عن إهداء السجاد، والسواك، والكتب، وغيرها.

وكان حريصا على نصرة المظلوم فيكتب معه الخطابات للمسؤول، ويسعي - وفق استطاعته- أن يساعده للحصول على حقّه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وكان – رحمه الله – كريماً جواداً لا ينفكّ يدعو كل من لقي لتناول طعام الغداء أو العشاء، مع إصرار على إكرام الضيف دون إسراف ولا مخيلة.

وقد شهدته في أكثر من رمضان، في شدّة الحر، ووقت الظهيرة، وهو يذهب إلى سوق الجملة، فيملاً سيارته بالبضائع ويجلبها إلى محله التجاري، لم يمنعه الصيام ولا الحر من مواصلة التزاماته التي قطعها على نفسه.

كما كان – رحمه الله – يكره المظاهروالتفاخر، فقد اجتنب طوال عمره اقتناء أي سيارة فاخرة، رغم توفّر المال لديه، ورغم إنفاقه للكثير من الأموال على المحتاجين من الأقارب ومن غيرهم، وهو في هذه السمة يشابه صديقه الشيخ صالح الحصين – عليهما رحمة الله - .




* ما أبرز المواقف التي أثرت على الراحل غفر الله له*

كانت زيارته لجنوب الفلبين مع الشيخ محمد القعود رحمهما الله نقطة تحول في حياة العم، حيث قرر من تلك الرحلة أن يعطي اهتمامه وتركيزه ونشاطه نحو مسلمي جنوب الفلبين، مع التركيز على التعليم والتربية، والجديّة .

ومن تاريخ تلك الرحلة بات جنوب الفلبين جزءاً من حياة الراحل، يمضي فيه أشهراً من كل عام ، ويذهب إليه أكثر من مرة.


*كان محباً للخير فحدثنا عن ذلك بذكر موقف أو قصة* 

كان حريصاً على التواصل مع أسرته وعائلته الكبيرة الممتدة، يتصل بهم، ويدعوهم، ويزورهم، ويحضر مناسباتهم، ويقيم الولائم في أي مناسبة لأحدهم كزواج أو قدوم من سفر، ويحرص على عقد اللقاءات العائلية الشاملة في الأعياد وفي غيرها، ويحثنا جميعاً على الحضور، ويعاتب الغائبين برفق، ويتهلل وجهه مع كل برنامج تتم إقامته للعائلة، ولم يكن يتردد - رحمه الله - في تحمل أي تكاليف مالية لتلك الأنشطة.

كما كان العم – رحمه الله – حاضراً في المواقف التي تتطلب حضوره، فهو في المناسبات السعيدة والزواجات أول الحاضرين، وهو في المناسبات الحزينة كالعزاء أول الحاضرين وآخر المغادرين، يواسي، ويذكر محاسن الميت، ويروي فضائله، ويذكر الحضور بأهمية الاستعداد لها المصير المحتوم.

كما كان العم – رحمه الله - صاحب قيام وتلاوة وصلاة، فكان ينام بعد العشاء مباشرة، ويستيقظ في منتصف الليل فيصلي ويتلو ويقرأ ويكتب، وكان يتولى الأذان لصلاة الفجر في مسجدناً ويقرأ من القرآن حتى يتكامل المصلون، ثم يقيم الصلاة وربما صلى بالناس، وكان هذا ديدنه كل يوم عليه رحمة الله.


*نريد قصة تبين روحه الفكاهية الجميلة* 

كانت ابتسامة عمّي لا تفارقه رغم جديته وحزمه وعزمه، وكانت تروق له حكاية المواقف الطريفة، ويضحك حين تروى له ضحكاً طويلاً يسرّ به الراوي، ويأنس به.


*حدثنا عن مساهمته المجتمعية التي لم يسلط عليها الضوء.*

كان العم رحمه الله ممن أنشأ نادي العرض الرياضي بالقويعية - مسقط رأسه- وكان يرى أن وجود نادي رياضي قيمي له دور في المحافظة على الشباب من الانجراف وراء أي انحرافات تعرض لهم.

كما كان لديه تقدير كبير للغة العربية ، واهتمام بالخطابة، فكان لا يسمع بخطيب مميز في مدينة الرياض إلا ذهب للصلاة معه حتى لو بعدت المسافة، كما كان يقيم ويحث على إقامة مسابقات الخطابة لأشبال العائلة وشبابها.

كما كان من أوائل من قام بإنشاء الصناديق العائلية، حيث أنشأ صندوقاً ووضع نظامه وقواعده، وتولى – رحمه الله – رئاسة مجلس الصندوق طيلة حياته، وهو الصندوق الذي كان مساهماً رئيساً في تحفيز الشباب وتيسير زواجهم في الخمس وعشرين سنة الماضية.

*- كيف كانت علاقته مع اسرته وان كان هناك موقف بارز فنرجو ذكره* 

كان منزله مفتوحاً مغرب كل يوم لاستقبال الأقارب والجيران والأصحاب، وكانت جلسة المغرب معروفة للجميع، يقصدها القاصي والداني ليتحقق له من حضورها اللقاء بعدد غير قليل من أفراد العائلة، والأعمام.

كما كان في كل مرة يدعو الحاضرين لمشاركته طعام العشاء، وإن كان الضيف قليل الحضور، دعاه إلى وليمة مستقلة وأصرّ عليه.

كما كانت لديه مفكّرة ورقية صغيرة تحدد أسماء عدد من كبار السن، مع جدولة الزيارات لكل واحد من منهم ( كل أسبوع، كل شهر، كل ثلاثة أشهر) وكانت مفكّرة حقيقية، يلتزم بها، ويدعو سواه لمشاركته تلك الزيارت، داخل الرياض وخارجه.


*برز أسم الراحل وتميز في مجاله فحدثنا عن ذلك* 

بالإضافة إلى نشاطه التجاري المميز، الذي بناه مع أخيه سعد - حفظه الله- على الأمانة والصدق والرفق، فقد انطلق العم سعود في مسار العمل الدعوي بالفلبين، وأمضى فيه ربع قرن، في إصرار لا يتزعزع، وعزيمة وحماسة لا تخبو، فهو في يومه الأول، كما هو في يومه الأخير، حريص أشد الحرص، يكتب ويتصل ويرسل ويشتري، ويتفقد، ويفكّر ويبتكر.

بل إنه - حفظه الله - بعد أن استشرى به مرض السرطان، وكان يعطى أدوية تلطيفية فحسب، إذ لم يعد العلاج ممكناً، كان يستغل كل نشاط يراه في جسده، فيحجز ويسافر رغم تعبه، ويمضي أسابيع ثم يعود منهكاً قد هدّه المرض والتعب، وكلما وجد نشاطاً، انطلق مرة أخرى.


*إن وجدت صور لم تخرج للاعلام للمغفور له او منشورات عنه وتسمحون بنشرها فنرجو تزويدنا بها.* 

للعم سعود كتابات كثيرة، إذ لم تفارقه الأقلام والأوراق حيثما حل أو ارتحل، فهو يكتب لهذا المسئول أو ذاك، ملاحظاً أو مقترحاً أو منتقداً أو شاكراً، مع أدب جم، وحسن تلطف مع المرسل إليه.

كما أنه كتب عدداً من الكتيبات، عن العائلة والمتوفين من رموزها، وعن وصايا للبنت قبل زواجها، وعن موضوعات متفرقة أخرى، لكنها جميعاً لم تنشر إلا على نطاق عائلي محدود، وإنما طبع له كتاب واحد عن (الدعوة في الفلبين) نشرته أحد الدور الكويتية قبل ما يزيد عن خمس عشرة سنة.







مارس 31, 2022

الجاهلون بالعمل الخيري

العمل الخيري في هذه البلاد عمل عريق، وموغل في القدم، فهو مرتبط بتاريخ هذه الأرض منذ نزول الوحي، وإشراق نور الرسالة، ومستمر حتى عصرنا هذا، يتنوع ويتشكّل ويتكيف مع الأوضاع المجتمعية، ومستجدات الاحتياجات الإنسانية، وهو – أي العمل الخيري- يحقق نجاحات كبرى، وخدمات واسعة للمحتاجين، وأكثر من يعرفه ويشعر به : الفقير والمريض والمدين والراغب في التعلّم، كما يدركه المنفقون الذين يبذلون أموالهم، أو أوقاتهم في هذه المشروعات المباركة.

وأعداد المستفيدين من تلك المشاريع الخيرية كبير جداً، لايمكن حصره بيسر وسهولة مهما حاولت الجهات معرفة حجم تأثيرها، وعدد مستفيديها.

ولأن العمل الخيري يقوم على تقديم تلك الخدمات لفئام محددة من الناس، فإن فئة أخرى من المجتمع لا تحتاج لتلك الخدمات ولم تتعرض لها، ، فربما توهم الواحد من هؤلاء أنه لا يوجد عمل خيري فعلي، وأن الأمر لا يعدون أن يكون مسميات تطلق، ولوحات تعلّق، وأموال تجمع..

والحقيقة أنه يمكن لنا  أن نتفهّم جهلهم بالعمل الخيري، وبعدهم عنه، وعدم اهتمامهم به، فإن المرء - بطبيعته - يجهل كثيراً من تفاصيل وأمور الحياة التي لم يطّلع عليها، ولم يباشرها، غير أن عدم المعرفة بطبيعة المشروعات المقدّمة، والشرائح المستهدفة، وحجم العمل وتأثيره الكبير، لا يبرر لهم أن يطلقوا الأحكام جزافاً، وينفوا وجود تلك الأعمال، فـ(عدم العلم بالشيء ، ليس علماً بعدمه) كما يقول الأصوليون، وليس من حق الجاهل بالشيء أن يتوقع صورة ذهنية قاصرة في خياله ويبني عليها أحكامه، ثم ينشر تلك التصورات الخاطئة التي تشكلت لديه وكأنه جاء بما لم يأت به الأوائل!

وليس مطلوباً من الجهات الخيرية المنشغلة بالعمل، وبذل الجهد، ومساندة القطاع الحكومي في سدّ احتياجات المحتاجين، ليس مطلوباً منهم ترك أعمالهم تلك، والتفرّغ لأولئك لإشعارهم بتفاصيل ما يصنعون. 

ومن خلال تتبع لعدد من الذين سخروا أقلامهم في الصحافة أو في وسائل التواصل للهجوم على العمل الخيري والنيل منه، وإطلاق التهم عليه جزافاً، وجدت أن أغلبهم لا يعرف أي معلومة عن عدد الجمعيات الخيرية، ولا مجالات عملها المحددة لها، ولا أنشطتها، ولا نطاقها الجغرافي، ولا ميزانياتها، ولا أسلوب إدارتها، ولا حدود صلاحيتها، ولا يعرف شيئاً عن آلية تشكيل مجالس الإدارة، وطبيعة الرقابة على الجهات، وحوكمة أعمالها، ولهذا فإنه يفترض أن الجهات الخيرية قد جمعت مبالغ فلكية من التبرعات الخيرية، ويتسائل: أين ذهبت تلك "المليارات"!، مع أنه  لم يدخل جمعية في حياته، ولم يتبرع لجمعية قط، ولم يمارس عملاً خيرياً، ولم يذهب للمحتاجين ليعرف طبيعة مشكلاتهم، ولم يكلّف نفسه سؤال المستفيدين عن الخدمات المقدمة لهم، فهو يصدر أحكامه من اللاشيء، ويطلق كلامه على عواهنه.

ولهذا لا تتعجب من تسطيح بعضهم للقضايا، حين يوجه اللوم – بكل ثقة- للجمعيات الخيرية لأنها رغم كل تلك السنين و"مليارات الريالات" التي جمعتها، لم تقم بحل مشكلة الفقر والقضاء عليها!، مع أن كل عاقل يدرك أن "الفقر" مشكلة أزلية لا يمكن أن تزول إلى قيام الساعة، وأنها ضخمة وواسعة النطاق، ومتشعبة الأسباب، ولذا عجزت "الدول"  بكل موازناتها الضخمة عن حلها، فكيف بالجمعيات، وفي هذا السياق فإن الميزانية الحكومية الضخمة المرصودة للضمان الاجتماعي في المملكة بلغت قبل 3 سنوات 27 مليار ريال، كما ارتفعت فروع الضمان الاجتماعي من 76 فرعاً إلى 112 فرعاً ، ومع ذلك لا زال الفقر موجوداً وسيظل، لأن الفقر ثقافة وبيئة وسلوك ونمط معيشي معقد، وظروف اقتصادية واجتماعية متداخلة.

والحقيقة المشاهدة أن من يريد فرد عضلاته، والتظاهر بالشجاعة، ومحاولة الصعود على أكتاف الآخرين، فإنه يبحث عن "جدار قصير، آمن العواقب" يمكنه صعوده، والنيل منه، ويكون "القطاع الثالث" -وللأسف- هو ذلك الجدار، إذ ليس له من يوقف المتطاولين عليه عند حدودهم بالقانون والنظام.

وهذا لا يعني بأي حال المطالبة بمنع توجيه الانتقادات للعمل الخيري، أو افتراض العصمة للعاملين فيه، ولا لمؤسساته، غير أن النقد الهادف المبني على الحقائق شيء، والتهم المبنية على الأوهام والظنون، والقيام بممارسة تشويه السمعة المتعمد .. شيء آخر تماما.

فهل يسعى القطاع ممثلاً بمنظماته، أو مجالسه التنسيقية أومركز القطاع الثالث، أو وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برصد المتجاوزين، وتعريفهم بتجاوزهم، وإيقاف ذلك التجاوز، ومحاسبة غير المنضبطين؟


محمد بن سعد العوشن
النماص

22 شوال 1442هـ



نشر في :

https://www.cof.sa/2021/08/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%88%d9%86-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d9%8a/


مارس 28, 2022

العمل الخيري في مناطق الفراغ

من السمات المشاهدة في قطاعنا الخيري المبارك أن نرى رواداً ومميزين يبحثون عن مناطق الفراغ التي لم يتم استهدافها من قبل، ولم تتزاحم عليها الأقدام، فيتوجهون إليها، ويكونون هم الرواد الأوائل فيها، ويجري الله على أيديهم الكثير من الخير.

وقد تكون مناطق الفراغ تلك: مساحات جغرافية لم يتم التوجه إليها من قبل ولم تحظ بالعناية والاهتمام من الآخرين، كما أنها قد تكون فئات من المجتمع تم إغفالها في خضم توسع العمل وانطلاقته، وقد تكون نوعية محددة من الخدمات والاحتياجات التي لم تتم تلبيتها من أي جهة، أو لم يتم خدمتها بالشكل المفترض.

ومهما توقعنا مرة بعد أخرى أن الخدمات والمشروعات قد شملت الجميع، وأنه لم يترك الأول للآخر شيئاً، إلا أن الواقع يثبت أن توقعاتنا في غير محلّها، ذلك أننا في الحقيقة - حين نفكّر- فإننا نفكّر ونحن مأسورون بالواقع الذي عايشناه، والتجارب التي مررنها بها، ونعمل على محاكاة نجاحات الآخرين، ولا نجاوزها إلى أفق أوسع.

وما إن تنطلق أحد الجهات في مشروع يتناول مجالاً جديداً، أو شريحة جديدة، فتحدث أثراً مختلفاً، ودويّاً واسع النطاق، حتى نتساءل في أنفسنا: كيف غفلنا عن هذا المجال؟، وكيف فاتنا الانتباه إلى هذا الاحتياج رغم أنه يبدو واضحاً مع قربنا واطلاعنا؟

إن اكتشاف الاحتياجات التي لم تتم تلبيتها، والعمل على إشباعها وسدّها، لا يحصل بالسير خلف الآخرين، وتكرار تجاربهم، وإنما يحصل من خلال عمليات تكشيف واسعة النطاق، تشمل الزيارات الميدانية للمناطق والمدن والهجر، والاطلاع على التجارب الدولية المختلفة الثقافات، والالتقاء بالقيادات والخبرات في الميدان للسماع منعهم، ، ومقابلة ذوي الاحتياج والإنصات إلى تفاصيل معاناتهم وما يفتقدونه، وتمسّ حاجتهم إليه، والقراءة والمشاهدة والاستماع لما يحصل في العالم كله، وجلسات العصف الذهني ومجموعات التركيز المكوّنة من أشخاص مختلفي الاهتمامات والتخصصات والميول، ورسم خارطة العمل ومعرفة أماكن تموضع الجهات الأخرى، ومدى تشبّع بعض المجالات واكتفائها.

ويحتاج مساراً كهذا إلى عقليات متّقدة، ومبتكرة، وجريئة، وواعية، يمكنها أن تقود العمل في تلك المناطق، وتخوض غمار التجربة الأولى رغم كل صعوباتها، وضبابيتها، واحتمالات الفشل الكبيرة فيها.

و"العمل في مناطق الفراغ" هو ما يطلق عليه  "استراتيجية المحيط الأزرق" وتعني العمل في المواضع التي تكون فيها المنافسة معدومة أو غير مكتشفة بعد، وهو عكس المحيط الأحمر الذي يشير إلى المواضع المألوفة التي تكون فيها المنافسة شديدة، وتقوم فكرة هذه الاستراتيجية على أنه ليس من الضروري للمنظمة التي تريد تحقيق النجاح في مسيرة حياتها العملية أن تحتل مركزاً تنافسياً قوياً، بل يمكنها أن تحرز النجاح دون منافسة، بأن تتبنى العمل في أسواق جديدة، أو تقوم بطرح منتجات بديلة لا تجذب المنافس إليها، وأن "أفضل طريقة للتغلب على المنافسين هي التوقف عن منافستهم".

ما أجمل أن تلتفت كل منظمة إلى موضع تمركزها، وتراجع مسيرتها، وتسعى لفتح مجالات خيرية جديدة، من خلال التوقف عن دعم الخدمات التي يتنافس عليها كل المانحين رغم أن المستفيدين لم يعودوا يشعرون بقيمتها، وتقليل الدعم الموجه للمشروعات التي تكلف كثيرًا بينما لا تحقق أثراً يوازي ما يبذل فيها، وزيادة الدعم المخصص للخدمات الحالية التي لازالت الحاجة لها ماسة،  وتخصيص موارد كافية للمبادرات المبتكرة التي يمكن تقديمها والتي لا يهتم بها الآخرون، وهو الأمر الذي من شأنه أن  يحدث قفزة كبرى في مجال الخدمات المقدمة للمجتمع، وتحقيق طفرة في النتائج، ومستويات غير مسبوقة من الربحية -وهي حصول الأثر، والوصول إلى حلول غير تقليدية للمشكلات الأكثر انتشاراً.

فهل يمكنك المساهمة في مراجعة توجّه منظمتك مجدداً، والتفكير من خلال استراتيجية "المحيط الأزرق"؟

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن
النماص

  21 شوال 1442