يوليو 06, 2021

التوقف عن كتابة التاريخ

لا يستطيع الجيل القادم أن يعرف الكثير عن مجريات الأمس واليوم، ولا حكاياته، وأحداثه المفصلية، ولا يعرف عن محطات التحول التي عاشها المجتمع والعمل الخيري، ولذا فإنه سوف يكرر الكثير من الأخطاء التي وقع فيها من سبقه، وسيكون بعيداً عن سير الرواد الأوائل، وأهل التميز والنجاح الذين كافحوا ونافحوا وشقّوا الطريق لأول مرة، واستطاعوا نقل العمل من أطر التقليدية إلى آفاق أوسع وأرحب، سيبدأ الجيل الجديد في تلمس الطريق مرة أخرى بجهد جهيد، ويبحث عن القدوات فلا يعرفها وإن عرفها لم يجد عنها من المعلومات إلا النزر اليسير.

ولأن التاريخ من أعظم معلمي البشرية، فمنه تؤخذ العبرة من الماضي بهدف فهم الحاضر، ومنهما يتم استشراف المستقبل، فإننا يمكن أن نغيّر في المعادلة، ونصحح المسيرة، ونختصر الوقت، ونوفّر الجهد، وذلك حين نتوجه نحو كتابة تاريخ العمل الخيري، وتقييد وقائعه وأحداثه وفعالياته من وجهة نظر القائمين عليه، وهنا أؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال مشروع موسوعي شامل، وإنما من خلال كتابة كل مجرّب وشاهد على العصر لتجربته وشهادته، وتوثيقها، ونشرها، وإتاحتها للآخرين.

وكما قال ابن خلدون متحدثاً عن التاريخ: “إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات (الحوادث) ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق”.

وإذا لم نقم بكتابة التاريخ الذي عايشناه وتفاعلنا معه بأنفسنا، وإذا لم نتحدث عن نجاحاتنا وإخفاقاتنا ومسبباتها بكل وضوح وشفافية، إذا لم نقم نحن بذلك طواعية واختياراً، فسوف نترك الباب لـ “الآخر” ليعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره القاصرة والمجتزأة، يكتبه وهو إما جاهل به، بعيد عنه، فتفقد الكتابة مصداقيتها، أو مغرض يوجّه الكتابة إلى أهدافه الخاصة، فينتقي من التاريخ ما يوافق توجهاته، وينتزع الوقائع من سياقها، فيتحقق له التشويه أو التضليل أو التلبيس، لنأتي بعد ذلك حاشية على كتابات الآخرين، نحاول الرد، والتبيين، فنتحول من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع ! وما غزي قوم في عقر دارهم إلا هزموا.

وإن من المؤسف – بل المخزي – أن نجد أكثر من يعتني بالكتابة عن تاريخنا وأوثق من يكتبه – من وجهة نظر الكثيرين – هم أقوام من غير بني جلدتنا، ممن لم يعيشوا الواقع بتفاصيله، بل يعجزون عن معرفة الحقيقة لبعدهم، فلا عجب أن تجد حديثهم يخلط السم بالعسل، وأن تجد الصورة النمطية المفتعلة عن العمل الخيري، أو عن تفاصيل المجتمع سارية في أكثر تلك الكتابات، فهي مكتوبة على وجه يختلف مع الحقيقة، ولا يتطابق معها.

إن للعمل الخيري تاريخ مشرق، وبصمات واضحة، وآثار ملاحظة، وقد قام خلال مسيرته الطويلة بالكثير من الإنجازات الضخمة، التي لو كان لدى الآخرين عشر معشارها لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل ذلك فخراً وزهواً، ولذا تجد أن بعضهم يطير فرحاً بخبر قيام أحد المشاهير أو الفنانين ذو العيون الزرقاء بمبادرة خيرية يسيرة جداً، فيرويها بكل إعجاب وإخبات، ويتساءل بكل جهل: أين نحن من أمثال هذه المبادرات؟ أين مجتمعنا “المسلم” عن هذه الأفعال المباركة، وما علم المسكين أن المبادرات الخيرية في بلادنا أوسع انتشاراً وأكثر إبداعاً وأعظم أثراً من تلك الأفكار الصغيرة التي طار بها.

ولست أوجه كل اللوم لهذا ولأمثاله بقدر ما أوجهه للذين كان بإمكانهم القيام بالكثير فلم يفعلوا، كان بإمكانهم تقييد التاريخ المشرّف للعمل، وحكاية القصص الرائعة فلم يفعلوا، فتركوا التدوين الثابت والمستقر من خلال الكتابة العلمية والمتزنة والمنشورة، ومن خلال التأليف، تركوه وانصرف بعضهم إلى التوثيق “المؤقت” من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ظاناً أنه بذلك يحقق الهدف، وهو الأمر الذي ستكون نتائجه الكارثية بعد سنوات محدودة حين تزول الكثير من تلك الشبكات والتطبيقات، وينخرط الناس في سواها، كما وقع مع المنتديات الحوارية التي كانت مملؤة بالكتابات الناضجة والمفيدة، فزالت شيئاً فشيئاً حتى لا تجد لها ذكراً، بل إن الكثير من مواقع الإنترنت للجهات والأفراد سوف تصبح شيئاً من الماضي، وتزول عن المشهد لعدم الحاجة لها، أو لإشكاليات فنية أو إدارية أو مالية تعترضها مع مرور السنين، حين تزول تلك الشبكات والمواقع، سنكتشف أننا عشنا وهم التوثيق لا التوثيق.

سيذهب ذلك كله ويبقى الكتاب المطبوع، والمقال المنشور على نطاق واسع أ كثر قدرة على البقاء من سواه، سيبقى قابلاً للنشر وإعادة النشر، قابلاً للطباعة والتداول والاحتفاظ، سيبقى مرجعاً يمكن العودة إليه كلما دعت الحاجة.

ومن هنا فإنني أحثّ الجميع على التدوين والكتابة، وعدم انتظار الكمال الموهوم، والبدء بالمتيسر، وتحسينه بعد ذلك، وأرجوا ألا يكون حالي كحال دريد بن الصمة حين كان يقول لقومه:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

06‏/07‏/2021

يونيو 22, 2021

خلطة الأسرار

لطالما أبهرنا النجاح الذي تحققه بعض المؤسسات، سواء كان ذلك النجاح سمة عامة لمشروعاته وأعمالها، أو كان في مشروع أو مشاريع محددة، ولا شك أن النجاح الذي يتم يستحق الثناء والإشادة، وأن المفترض بكل قائد أن يبذل وسعه للاستزادة من النجاحات، ونقل منظمته إلى مراتب التميز والرقي مرة بعد أخرى.

غير أن ثمة إشكالية في المساعي المبذولة لمعرفة سبب النجاح الذي تحقق، حيث يتم إطلاق الأحكام الانطباعية العجلى على ذلك، وربما تكرر إطلاق سبب واحد لتلك النجاحات جميعاً، وهو ما يجعل استنساخ النجاح وتكراره أمراً غير ممكن في ظل قلة المعلومات المعينة على معرفة الأسباب.

وفي ظني أن النجاح في كل مرة لا يعتمد على سرّ واحد، أو سبب وحيد، بل ثمة خلطة “سرية” في كل نجاح يتحقق، تجعله قابلاً للإعادة حين تجتمع مكونات الخلطة بنفس مقاديرها.

ومن الأسباب التي يمكن أن تساهم في تلك النجاحات: توجّه المانحين ومدى قبولهم بالأطروحات غير المعتادة، وموافقتهم على العمل وفقاً لأساليب منح، ومشروعات، ومستهدفات غير تقليدية، كما أن حجم تقبّلهم لخوض التجارب والمغامرة ببعض الأموال على مشروعات قد تنجح وقد تفشل، أمر يوسّع نطاق العمل، ويمكن أن يتحقق بموجبه نجاحات فائقة، وإخفاقات كبرى كذلك!.

ومن الأسباب المؤثرة: قدرة المنظمة على الاستفادة من الطاقات البشرية المتميزة والمتخصصة بشكل فعّال، من خلال توظيف الكوادر البشرية ذات الكفاءة، وتوسيع مجال الاستشارة للمتخصصين، وتوظيف خبراتهم ومعلوماتهم وتجربتهم الطويلة في بناء وابتكار المشاريع وإنضاجها، إضافة إلى الاستفادة من الجهات المتخصصة وبيوت الخبرة المتنوعة بإشراكهم في الدراسة أو التنفيذ، أو فيهما معاً.

كما أن الخبرة التراكمية لمسئولي المنح ومتخذي القرار في المنظمة، ومعرفتهم بالعقبات المعتادة، والمخاطر المحتملة، والجهات الأكثر مناسبة للشراكة معها يعين على وضع الأطر الرئيسة التي يمكنها أن تساهم في تحقيق النجاح.

ويساهم توفّر السيولة المالية المناسبة للمنظمة على إطلاق مجموعة من المبادرات الابتكارية دون تأثير على بقية أعمالها ومشروعاتها المختلفة.

كما أن “العلاقات العامة” للمنظمة وقدرتها على الوصول للمعلومات والجهات والأشخاص، يسهّل عليها الاختيار والانتقاء للمبادرات الأكثر تأثيراً، حيث تكون المنظمة من جراء ذلك وجهةً رئيسيةً لأصحاب المشروعات والمبادرات، فتصل إليهم قبل أن تصل إلى سواهم، ويكونون أقدر على اجتذاب الناجحين والمبادرين، وأكثر فرصة من سواهم في تحقيق الشراكات المثمرة.

وبالجملة فإن ما أريد تقريره هنا أنه ليس لذلك النجاح المبهر الذي نراه في مرحلة قطف الثمار سبب واحد، ولا سرّ واحد، بل ثمة خليط من الأسرار التي تساهم جميعها – وإن بنسب متفاوتة- في الوصول لذلك النجاح، فالتبسيط وتسطيح الأسباب يؤدي لمحاولات فاشلة لتقليد التجربة، ونتائج لا تكون مطابقة لتطلعات المنظمة وإدارتها العليا.

وما أجدرنا بدعم المزيد من الدراسات “المتعمقة” لا السطحية لكل تجربة ناجحة، مما يجعل تلك الدراسات بحثاً علمياً حقيقياً مؤثرا على القطاع، ومغيّرا في الممارسة والسلوك، بعيداً عن مجرد المحاكاة الظاهرية لجزئيات شكلية لدى المنظمة الناجحة، وتوقّع نتائج باهرة من جراء ذلك “التقليد”.

دمتم بخير ،،،



 محمد بن سعد العوشن

bin_oshan@


أبريل 20, 2021

الاحتساب اللغوي

        حين تحدّث الفرنسي إيرنست أنطوان -نيابة عن التجار الأوروبيين- في قمة الاتحاد الأوروبي عام 2006 بالإنجليزية،  قاطعه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد أول جملة قائلاً: (لماذا تتكلم بالإنجليزية؟) فردّ عليه أنطوان قائلاً : (لأنها لغة التجارة)، فخرج شيراك مع وزير خارجيته وماليته من المؤتمر مغضبين، فلما  سأله الصحفيون عن سبب خروجه قال لهم: (إنما راعني أن أرى فرنسيا يتكلم بغير الفرنسية، فخرجت كي لا أستمع الى من لا يحترم لغته).

وفي السياق ذاته نص القانون الفرنسي الصادر عام 1794م على أن "اللغة الفرنسية" هي "الأمة الفرنسية"، وأنشأت الحكومة لجنة عليا، كانت مهمتها "تطهير" اللغة الفرنسية من المفردات الدخيلة، والرقابة على الإعلام والجهات المختلفة للتأكد من التزامها بالفرنسية بشكل دقيق.

        وأصدر مجلس الدوما الروسي قراراً يعتبر إتقان "اللغة الروسية" شرطاً للمواطنة، تخوفاً من تأثر الروس باللغات العالمية، كما حرصت الصين، واليابان على الاحتفاظ بلغاتهم وعدم التنازل عنها رغم كل الصعوبات التي تكتنفها، وكذلك فعلت بقية الدول الأوروبية، فلم يحاولوا استخدام اللغة الإنجليزية للتفاهم بينهم داخل الاتحاد الأوروبي رغم معرفة كثير منهم لها، بل استمر حديث كل أهل لغة بلغتهم، فكان المجلس سوقاً رائجاً للترجمة والمترجمين.

        وفي هذا الوقت الذي تتنادى فيه الأمم والشعوب للحفاظ على لغاتها، والتمسك بها، وحمايتها، فإن فئاماً غير قليلة من مجتمعاتنا العربية الأصيلة أخذت في التخلي عن لغتها العربية – شيئاً فشيئاً -  لصالح اللغة الإنجليزية، ولم يعد غريباً أن تكون اللافتات، والعروض التقديمية، والملتقيات، والمؤتمرات، ومعرّفات شبكات التواصل، والأفلام التعريفية، والمواقع الإلكترونية، والنشرات والقوائم، وبطاقات العمل، وسواها باللغة الإنجليزية أو بالفرنسية مع أنها تقدّم لجمهور "العرب" في مجتمع "العروبة"، ورغم كل ما تتمتع به لغتنا العربية من سعة المفردات، وثراء المعاني، وجمال الجرس وعذوبة الألفاظ، فضلاً عن الأصالة والعراقة التي لا تجدها في لغات العالم أجمع، غير أن عقدة "النقص" الملازمة تجعل المرء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويقبل بترك اللغة العربية للتحوّل إلى غيرها!

        بل بات مطلوباً من طالب الدراسات العليا – حتى في التخصصات العربية والإسلامية – أن يحصل على درجات مرتفعة في الاختبارات القياسية للغة الإنجليزية، في الوقت الذي لا يتم فيه السؤال عن إتقان الطالب للغته الأم، اللغة العربية! 

        وما من شك أن صيانة وحماية اللغة العربية، بوصفها أحد معالم الهوية المجتمعية، والعناية بالحفاظ عليها، والالتزام بها، والانضباط وفقاً لأسسها الأصيلة - كونها لغة القرآن والسنة - أمر في غاية الأهمية، وهو "فرض كفاية" يجب على المجتمع أن يتنادى إليه، مما يستدعي أن ينتدب أفراد منّا أنفسهم لهذه المهمة النبيلة، وأن نكون أحرص من بقية الناطقين باللغات المختلفة على التمسك بها والدفاع عنها، و "الاحتساب" في ذلك. 

        وأن نسعى لإنشاء المجالس واللجان الحكومية المتعددة، والتي تشرّع وتضبط وتحاسب، كما أن علينا المبادرة إلى إيجاد جهات غير ربحية، ومنظمات خيرية، وفرق تطوعية، تجعل رسالتها الوقوف على كل مخالفة، وإعلانها، وتنبيه المخالفين، بل والرفع بهم للجهات المعنية، وأن يتم تفعيل المجتمع برمّته للتطوع في هذه المهمة، فيكتبون ويرسلون ويتواصلون حينما يرون مظهراً من مظاهر تهميش "العربية"، فيكون الضغط المجتمعي بالإضافة إلى الضغط التشريعي والحكومي عاملان مهمان في الحفاظ على هوية المجتمع ووقايته من الذوبان في الآخر، وتلك رسالة عظيمة جديرة بالاهتمام.

        دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

9 / صفر / 1442 هـ

يناير 06, 2021

كيف نجحوا؟


ننظر إلى الناجحين في أي مجال، والمتحدثين البارعين، والعلماء المتخصصين، فنعجب بقدراتهم وإنجازاتهم، وننظر ونركز كثيراً على ما يقومون به الآن ونتعجب من هذه القدرات التي يمتلكونها والنجاحات التي حققوها ولا زالوا يحققونها.

ثم يرتد إلينا البصر وهو حسير على فوات العمر دون نجاحات، ونتساءل بيننا وبين أنفسنا: كيف وصلوا ولم أصل؟ كيف حققوا ذلك النجاح ولم أحققه؟ لا حسداً لهم بل لوماً للذات أن لم تصل إلى تلك المواضع الرفيعة من النجاح.

غير أننا نغفل أو نتغافل عن الفترة (الطويلة) والجهود (المتواصلة) والإرهاق (الكثير) الذي لازمهم سنين عدداً، فكانوا يتركون اللهو والراحة واللعب، ويتركون مضيعات الأوقات والأموال والجهود، وينكبون بكل عزم وإصرار واستمرار على بناء ذواتهم، أو بناء منظماتهم أو مشاريعهم.

والكثير منا  يتناسى أن هذه النجاحات (اليوم) هي نتاج جهود (الأمس)، وأن التوقف عند الثمرة، وعدم النظر إلى مراحل الزراعة كلها يجعلنا لا نصنع شيئاً سوى التحسر على عدم وجود الثمار في وقت القطاف.. مع أن انعدام الثمرة هو النتيجة الطبيعية لكسلنا وتفريطنا فيما مضى.

ونتذكر في هذا الموضع قول المتنبي :

لا يدرك المجد إلا سيد فطن  * لما يشق على السادات فعّال 

لولا المشقّة ساد الناس كلهم  *  الجود يفقر والإقدام قتّال

فالمجد لا يحصل إلى على جسر من التعب، وبتحمّل للمشاق، ومواصلة للسهر، وترك للملذات، وبهذا يتحصل المجد لأصحابه، ويصلون إلى مواضع لم يصل إليها أقرانهم، وهذا من فعل السبب، وإلا فإن التوفيق كله من الله، فكم من طالب لأمر، وباذل فيه وسعه لم يحصّله، وهو ما يصدق فيه قول الشاعر:

إذا لم يكن عون من الله للفتى * فأول ما يقضي عليه اجتهاده

وختاماً: إذا كنت تريد النجاح، والمجد، والثمار (غداً) فإن كل ما تملك أن تعمل فيه : (اليوم) و(الآن)، فالحاضر الحاضر هو ما يمكنك أن تغيّر فيه، وتعمل فيه، فأما الأمس فقد انصرم وانقضى، وأما الغد فهو غيب لا تدري ما يصنع الله به، وحسبك أن تعمل وتبذل وسعك، مدركاً أنه (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

مَنْ يفعل الخير لا يُعدم جَوازيهُ * لا يذهب العُرف بين الله و الناسِ


محمد بن سعد العوشن

نوفمبر 26, 2020

تمنيت زيادة دخلي الف ريال، فرزقني الله من حيث لا احتسب | الرزيحي

قصة قصيرة يرويها الزميل (سلطان الرزيحي ) حفظه الله وبارك له :
قبل اكثر من ٢٥ عاما كان لدي زوجتين وبيتين واطفال ، كنت اسكن بالايجار وراتبي بسيط لايكاد يكفي هذين البيتين ، كنت اضرب اخماسا بأسداس لوضعي المزري ، ففي منتصف الشهر يكون رصيدي صفرا !
وكنت الوم نفسي على هذا المأزق الذي وضعت فيه بلا تعمد انما هي ظروف اضطررت لها وبدون تخطيط ولم اتمنى ان اكون فيها .
في ذلك الحين كان احتياجي فقط الف ريال شهريا زيادة على راتبي ليعدل ميزانية الشهر ويجعلني في بر الأمان .
لذا فكرت في مشروع اكسب من خلاله هذا الالف ، ومن هنا بدأت المغامرات والمحاولات والبحث عن الرزق الحلال . 
لم اترك بابا الا طرقته ، عملت في كل شيء ، حتى مايرميه الناس امام بيوتهم كالعجلات الخربانة والاجهزة العطلانة والأثاث الخفيف وغيرها ... فكنت اجمعها ليلا واذهب بها للحراج لبيعها بمبالغ زهيدة ، وعملت حمالا وكداداً ودلالاً، وبائعاً متجولاً بين القرى في اسواق الخميس والجمعة ومحرجاً في الحراج حتى سوق الخضار وضعت فيه رجلي بحثا عن رزق ، ودخلت معارض السيارات وبعت فيها  واشتريت ، وهربت منه فحراج السيارات في الغالب بؤرة المال الحرام ولا شك ! وقليل من يعمل فيه بذمة وضمير.

وبعد هذه السنوات وهذا الجهد ، خرجت بخفي حنين وديون لاحصر لها ! 

العجيب انه ومع خسائري وتضاعف ديوني وفشلي في الكثير من المشاريع ، الا انني كنت احيانا اغمض عيني فأرى أمامي من بعيد اكواما من النقود ، واقول في نفسي هل ما اراه حقيقي ام خيال ؟ 
لذا لم ايأس ولم يصبني احباط ، بل كان عندي يقين مؤكد بأن القادم أحلى وأجمل . 

لذا غامرت وعانيت وتعبت ، لم اكن انام الا ساعات قليلة ، فبين دوام حكومي يأخذ وقت الصباح الى العصر ، وبين دوام خاص يبدأ من العصر الى الساعة 12 تقريبا ، ارهاق وتعب ونوم قليل ...
ليس عندي مكشات ولا صداقات استراحات ولاسفريات .

ومرت سنوات والوضع لايسر ، وليس هناك بوادر انفراج ، ما اكسبه فقط يعيشني قوت يومي ولا يفي بمتطلبات الحياة .

الحياة صعبة جدا ، والأسرة تكبر ومتطلباتها تكثر ، ثم تأتيني فترات يأس وندم على وضعي وكيف اني لم أكمل دراستي الجامعية اسوة بإخوتي وزملائي ! فها أنا ادفن نفسي في وظيفة متواضعة براتب زهيد ، منتظرا عطفا من مديري المباشر ليرفع لي ترقية مستحقة وهو يؤجلها من أجل لاشيء ، انما تسلط وفوقية وحسد وعدم تقدير ، وكأنه سوف يدفع هذه الزيادة في الراتب من جيبه الخاص .

سنوات تمر فلا راتب الوظيفة يسد حاجتي ! ولا شغلي الاضافي يؤمن لي ال 1000 ريال ، أسرتي تكبر ، والتزاماتي تكبر ، وتكثر معها ديوني واغرق في بحر الديون ثم اغسل دينا بدين ، حتى تفوق ديوني دخلي واعجز عن سدادها  .
والديون ياسادة هي القيد الذي يقضي عليك وينكد عيشك ويشل تفكيرك ، فهو هم وذل !
ولأنني ولا أزكي نفسي كنت متبعاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من اخذ اموال الناس يريد اداءها ادى الله عنه.... الحديث) فقد كان الله عز وجل ييسر لي احيانا مخرجا لهذه الديون من حيث لا احتسب .

وكل ماحدث لي اعلاه اصبحت ذكريات ، قد تكون مؤلمة في وقتها ، ولكنها الطريق الصحيح للحياة وخوض التجارب ومعرفة ان الصبر يفتح ابواباً للفرج ، وأن مع العسر يسر ، وأن اليقين بما عند الله هو الزاد الحقيقي والدافع لتجاوز العقبات ...
تأملوا معي ( تغدوا خماصا وتعود بطانا) وهو جزء من حديث ولا اروع قاله عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي  ليحثنا على التوكل وطلب الرزق ...لو انكم تتوكلون على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدوا خماصا وتعود بطانا .

فإلى الحالمين بالثراء ، اسعوا واجتهدوا واطرقوا ابواب الرزق الحقيقية التي توصلكم اليه .
شراءك لكتاب كيف تكون ثريا في ٣٠ دقيقة لن يجعلك ثريا ، ودورات المخرفين الذين يأخدون الاموال بييع الكلام المعسول الغير واقعي لن تفيد .

الثراء يحتاج جهد وتعب ومثابرة وتوكل على الله ودعاء وصبر ، وتخطيط سليم وقناعة ...
واشياء مخفية بينك وبين رب العالمين .

نصيحتي انه مع الضغوط الحالية بالسوق ، وخروج الكثير من المستثمرين بخسائر فادحة ، الا ان السوق واعد وفيه فرص تحتاج فقط الى انتقاء وتفكير لاتقليد واستنساخ ...
افتتاح المقاهي ومحلات اللقيمات ومحلات الاسر المنتجة وغيرها من المشاريع المستنسخة المكررة المقلدة ، هي عبث وخسائر واستنزاف للاموال !
ابحثوا عن جديد مبتكر ... وستجدون الكثير من المشاريع المدفونة ...

نوفمبر 04, 2020

80 يوماً في صحبة الحبيب ﷺ


تمر بنا منذ الطفولة - بحمد الله - جملة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، في المدرسة حين ندرس مواد العلوم الشرعية، وفي الجامعة في بعض المواد الشرعية، وفي المسجد حين يحّدثنا الإمام، أو يخطب بنا يوم الجمعة، وفي البرامج الإذاعية والتلفازية والمقاطع المختلفة، بالإضافة إلى اللوحات والكتب والصحف هنا وهناك.

ولذا لا عجب أن تكون جملة من تلك الأحاديث قد رسخت في أذهاننا، وحفظناها عن ظهر قلب، وباتت على ألسنتنا في مواضعها، وهذه محمدة وشرف عظيم أن يكون في جوف الواحد منا جملة من الآيات القرآنية من كلام رب العالمين، وجملة من أحاديث سيد المرسلين.

وفي يوم صيفي جميل، ومع انتهاء الحظر الكلي لجائحة كورونا دعاني أحد الزملاء للانضمام إلى برنامج متخصص لسماع و قراءة كتاب الجمع بين الصحيحين، والذي يشمل ما في صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وهما من أصح الكتب على الإطلاق، وذكر لي أن البرنامج يتيح خيارات متنوعة في السماع، من خلال التيلجرام، واليوتيوب، والساوند كلاود.

وأن مدة البرنامج ستكون ثمانون يوماً، حيث يتم وضع الورد المخصص لكل يوم، مع وضع يوم إجازة في كل أسبوع، لكسر الجمود، وإعطاء الفرصة للراحة وعدم الإملال.

وكنت أقول في نفسي: صحيح البخاري ومسلم موجودان في مكتبتي، وقد مرّ علي أثناء قراءاتي الشرعية الأكاديمية وغير الأكاديمية الكثير من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فما الجديد في هذا البرنامج؟ غير أنني استعنت بالله والتحقت، ومضيت مع صاحبي نتواصى كل يوم، ونخبر بعضنا بتحقيق الإنجاز، ثم بتنا نكتب لبعضنا عن أبرز مالفت انتباهنا في أحاديث اليوم، وكنت في كل يوم أتعجب وأنا أعيش مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ بدت لي الكثير من الأحاديث وكأنني أسمعها لأول مرة، كنت أعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السراء والضراء، في السفر وفي الإقامة، في السلم وفي الحرب، في الصحة والمرض، أعيش مع ذلك الرعيل الأول حياتهم، ومشاعرهم، وألفاظهم، وكل تفاصيلهم..

كانت أياماً من أجمل أيام العمر، ولا تعجب أن تبكي يوماً ، وتضحك بعده من جراء تلك المشاعر الجياشة التي ستشعر بها وأنت تطّلع على تلك الحياة العظيمة، وأولئك الرجال العظماء، ومسيرة سيد الخلق بكل حيثياتها.

وجاء اليوم الثمانين، لنختم تلك المسيرة الرائعة، وذلك البرنامج الرائع بحق، حيث تم اعتماد الإجازات العلمية للمشتركين الذين كانوا من كل أرجاء العالم بكل ألوانهم وجنسياتهم وأجناسهم، كانت مسيرة شارك فيها الرجال والنساء، الشباب والشيب، جمعهم حب المصطفى، والرغبة في الاستماع لأحاديثه، والاقتداء بهديه.

كانت تجربة مميزة بحق، تجربة علمية إيمانية رائعة، ألفت فيها السماع  في طريقي للعمل ذهاباً وإياباً ، وألفته في الأوقات المخصصة للمشي، حيث  أدركت بعدها كم كنت في غفلة طويلة عن استعراض هذين الجامعين وجردهما مرة بعد مرة.

ولذا فما ان انتهيت من تلك الرحلة الجميلة حتى حدثت بعض أهلي، وحثثتهم على إدراك الركب، وتعاقدت معهم على المسير، ثم  ها أنا اليوم في الورد  65 من الجمع بين الصحيحين، فلا تسل عن السعادة التي تحدوني وأنا أعيد السماع مرة أخرى.

أغسطس 14, 2020

نحو حياة منظّمة (سستم حياتك)!


تمتلك شركة ماكدونالدز الأمريكية الشهيرة للمطاعم أكثر من 31.000  فرعاً للوجبات السريعة في 121 دولة ويعمل فيها أكثر من 465.000 عامل، ويزورها 58.000.000 عميل يومياً!

وأياً كان البلد الذي تزور فيها ذلك المطعم العالمي فسوف تجد نفس التصميم، والشعار، والألوان، ونفس الطعم والرائحة، ونفس أسلوب التقديم، ولباس العاملين، ونفس إجراءات العمل، رغم تعدد اللغات والبلدان والأشخاص، وتفاوت الأفراد العاملين بشكل كبير للغاية. والشركة بذلك تحافظ على تكرار نفس التجربة بنفس معايير الكفاءة على مر الأعوام، مع التأكيد على وجود منهجية واضحة لنقل وتوريث ثقافة إعداد الطلبات بأقل وقت ممكن لكل العاملين في تلك المطاعم.

فما هو السر في تلك القوة الهائلة لتلك المطاعم على هذا الضبط، والتطابق؟
من المؤكد أن الأمر لا يعود إلى نوعية الأشخاص العاملين في الفروع، ذلك أن قدراتهم تتفاوت من فرع لآخر، ومن بلد لآخر، كما أنها يمكن أن تتفاوت من وقت لآخر حسب نشاط الموظف، وتواجده، فالشركة إذا لا ترتكز على الحماسة الفريدة للموظف والخبرة الموجودة لديه.

إن السر الذي يجعل تلك المطاعم بذلك المستوى من ثبات الشكل والجودة رغم كل المتغيرات، يعود إلى (وجود نظام "سستم") حيث تقوم شركة المطاعم بتحويل كل الممارسات – دون استثناء – إلى نظام مفصّل وواضح وإلزامي، ويتم التدريب عليه بشكل دقيق وحدّي، ولا يسمح حينها لأي موظف – مهما كان إخلاصه واجتهاده ومركزه – أن يضيف أو يغيّر أو يبتكر في الفرع الذي يعمل فيه، لأن ثمة إجراءات تفصيلية لأي تغيير، ويخضع الأمر لمركزية عالية، تقوم بالفحص والمراجعة، وحين يكون التعديل مناسباً ومهماً ، فإنه يتم إضافته للنظام، بحيث يتم التعديل آلياً على عشرات الألوف من الفروع.

إن التأمل في موضوع (السستمة) -كما يقال- يدعونا إلى التفكير جيداً في كيفية تحويل كل خبراتنا وآليات العمل لدينا من كونها ممارسة تلقائية، وتجارب شخصية، ومحاولات فردية تخضع لأمزجتنا وأوضاعنا ونشاطنا تحويلها لتكون أسلوب عمل معتمد ومستقر، يبقى إن بقينا وإن رحلنا، بل إن استنساخ العمل حينها ونقله إلى أي مكان يصبح أمراً يسيراً.

وفي سياق (السستمة) الشخصية نغفل عن وضع نظام ييسر ويضبط ما نقوم به، فإذا كان المرء معنياً بالقراءة مثلاً وتقييد الفوائد، فيجب أن يكون لديه نظام واضح وسهل ومطبّق لرصد الفوائد، وفهرستها، ومن ثم العثور عليها وتوظيفها، لا أن تكون قصاصات هنا، وتعليقات هناك، بعضها ورقي والآخر الكتروني، ويكون الوصول إليها وتنظيمها أحد معجزات الدنيا السبع على صاحبها فضلاً عن غيره من الناس.

وفي مجال الصحة الشخصية والأسرية، تأتي (السستمة) لتدفعنا إلى إيجاد نظام يضبط ويحدد مواعيد المراجعات والتطعيمات، والفحوصات الدورية، بالإضافة إلى آلية واضحة لحفظ التقارير الطبية، والشهادات الصحية، والتاريخ الصحي للعائلة بكل أفرادها، بما في ذلك أرقام الملفات، وهواتف الجهات الطبية التي تتم مراجعتها، والعمليات الجراحية التي تتم ونتائجها.

والحديث عن ذلك التنظيم (أو السستمة) في مجال صيانة المنزل، والسيارة، وفي مجال الرحلات والأسفار، وفي مجال التعلّم وتطوير المهارات، وفي مجال الوثائق والصور والتسجيلات، وغيرها وغيرها .. حديث يطول، غير أنه مهم كذلك.

إن من المهم أن يكون هذا الأمر – تحويل الأعمال إلى نظام عمل - محل نقاش داخلي، مع الذات في المجال الشخصي، ومع الأهل في المجال الأسري، ومع فريق العمل في المجال الوظيفي،  وأن يتم – فعلاً – وضع تلك الأنظمة التي تيسر العمل وتعين على استمراريته وتلقائيته، وتوفر الجهد والوقت في كل مرة .

وإن الحديث عن (السستمة) لا يعني إطلاقاً التعقيد ولا التكلفة ولا إضاعة الوقت، غير أن وجود النظام بمستواه اليسير هو الخطوة الأهم، ويتم تحديث النظام وترقيته مرة بعد أخرى وفقاً لنتائج استخدامه.

بقي أن أشير في ختام هذه التدوينة إلى أن الذي ألهمني لكتابة هذه التدوينة حديث رائع جميل للمدرب "رشاد فقيها" عن السستمة بوصفها أداة للنجاح ضمن حديث له عن التخطيط.

دمتم بخير 
16 - 12 - 1441 هـ

تم النشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط