نوفمبر 26, 2020

تمنيت زيادة دخلي الف ريال، فرزقني الله من حيث لا احتسب | الرزيحي

قصة قصيرة يرويها الزميل (سلطان الرزيحي ) حفظه الله وبارك له :
قبل اكثر من ٢٥ عاما كان لدي زوجتين وبيتين واطفال ، كنت اسكن بالايجار وراتبي بسيط لايكاد يكفي هذين البيتين ، كنت اضرب اخماسا بأسداس لوضعي المزري ، ففي منتصف الشهر يكون رصيدي صفرا !
وكنت الوم نفسي على هذا المأزق الذي وضعت فيه بلا تعمد انما هي ظروف اضطررت لها وبدون تخطيط ولم اتمنى ان اكون فيها .
في ذلك الحين كان احتياجي فقط الف ريال شهريا زيادة على راتبي ليعدل ميزانية الشهر ويجعلني في بر الأمان .
لذا فكرت في مشروع اكسب من خلاله هذا الالف ، ومن هنا بدأت المغامرات والمحاولات والبحث عن الرزق الحلال . 
لم اترك بابا الا طرقته ، عملت في كل شيء ، حتى مايرميه الناس امام بيوتهم كالعجلات الخربانة والاجهزة العطلانة والأثاث الخفيف وغيرها ... فكنت اجمعها ليلا واذهب بها للحراج لبيعها بمبالغ زهيدة ، وعملت حمالا وكداداً ودلالاً، وبائعاً متجولاً بين القرى في اسواق الخميس والجمعة ومحرجاً في الحراج حتى سوق الخضار وضعت فيه رجلي بحثا عن رزق ، ودخلت معارض السيارات وبعت فيها  واشتريت ، وهربت منه فحراج السيارات في الغالب بؤرة المال الحرام ولا شك ! وقليل من يعمل فيه بذمة وضمير.

وبعد هذه السنوات وهذا الجهد ، خرجت بخفي حنين وديون لاحصر لها ! 

العجيب انه ومع خسائري وتضاعف ديوني وفشلي في الكثير من المشاريع ، الا انني كنت احيانا اغمض عيني فأرى أمامي من بعيد اكواما من النقود ، واقول في نفسي هل ما اراه حقيقي ام خيال ؟ 
لذا لم ايأس ولم يصبني احباط ، بل كان عندي يقين مؤكد بأن القادم أحلى وأجمل . 

لذا غامرت وعانيت وتعبت ، لم اكن انام الا ساعات قليلة ، فبين دوام حكومي يأخذ وقت الصباح الى العصر ، وبين دوام خاص يبدأ من العصر الى الساعة 12 تقريبا ، ارهاق وتعب ونوم قليل ...
ليس عندي مكشات ولا صداقات استراحات ولاسفريات .

ومرت سنوات والوضع لايسر ، وليس هناك بوادر انفراج ، ما اكسبه فقط يعيشني قوت يومي ولا يفي بمتطلبات الحياة .

الحياة صعبة جدا ، والأسرة تكبر ومتطلباتها تكثر ، ثم تأتيني فترات يأس وندم على وضعي وكيف اني لم أكمل دراستي الجامعية اسوة بإخوتي وزملائي ! فها أنا ادفن نفسي في وظيفة متواضعة براتب زهيد ، منتظرا عطفا من مديري المباشر ليرفع لي ترقية مستحقة وهو يؤجلها من أجل لاشيء ، انما تسلط وفوقية وحسد وعدم تقدير ، وكأنه سوف يدفع هذه الزيادة في الراتب من جيبه الخاص .

سنوات تمر فلا راتب الوظيفة يسد حاجتي ! ولا شغلي الاضافي يؤمن لي ال 1000 ريال ، أسرتي تكبر ، والتزاماتي تكبر ، وتكثر معها ديوني واغرق في بحر الديون ثم اغسل دينا بدين ، حتى تفوق ديوني دخلي واعجز عن سدادها  .
والديون ياسادة هي القيد الذي يقضي عليك وينكد عيشك ويشل تفكيرك ، فهو هم وذل !
ولأنني ولا أزكي نفسي كنت متبعاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من اخذ اموال الناس يريد اداءها ادى الله عنه.... الحديث) فقد كان الله عز وجل ييسر لي احيانا مخرجا لهذه الديون من حيث لا احتسب .

وكل ماحدث لي اعلاه اصبحت ذكريات ، قد تكون مؤلمة في وقتها ، ولكنها الطريق الصحيح للحياة وخوض التجارب ومعرفة ان الصبر يفتح ابواباً للفرج ، وأن مع العسر يسر ، وأن اليقين بما عند الله هو الزاد الحقيقي والدافع لتجاوز العقبات ...
تأملوا معي ( تغدوا خماصا وتعود بطانا) وهو جزء من حديث ولا اروع قاله عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي  ليحثنا على التوكل وطلب الرزق ...لو انكم تتوكلون على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدوا خماصا وتعود بطانا .

فإلى الحالمين بالثراء ، اسعوا واجتهدوا واطرقوا ابواب الرزق الحقيقية التي توصلكم اليه .
شراءك لكتاب كيف تكون ثريا في ٣٠ دقيقة لن يجعلك ثريا ، ودورات المخرفين الذين يأخدون الاموال بييع الكلام المعسول الغير واقعي لن تفيد .

الثراء يحتاج جهد وتعب ومثابرة وتوكل على الله ودعاء وصبر ، وتخطيط سليم وقناعة ...
واشياء مخفية بينك وبين رب العالمين .

نصيحتي انه مع الضغوط الحالية بالسوق ، وخروج الكثير من المستثمرين بخسائر فادحة ، الا ان السوق واعد وفيه فرص تحتاج فقط الى انتقاء وتفكير لاتقليد واستنساخ ...
افتتاح المقاهي ومحلات اللقيمات ومحلات الاسر المنتجة وغيرها من المشاريع المستنسخة المكررة المقلدة ، هي عبث وخسائر واستنزاف للاموال !
ابحثوا عن جديد مبتكر ... وستجدون الكثير من المشاريع المدفونة ...

نوفمبر 04, 2020

80 يوماً في صحبة الحبيب ﷺ


تمر بنا منذ الطفولة - بحمد الله - جملة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، في المدرسة حين ندرس مواد العلوم الشرعية، وفي الجامعة في بعض المواد الشرعية، وفي المسجد حين يحّدثنا الإمام، أو يخطب بنا يوم الجمعة، وفي البرامج الإذاعية والتلفازية والمقاطع المختلفة، بالإضافة إلى اللوحات والكتب والصحف هنا وهناك.

ولذا لا عجب أن تكون جملة من تلك الأحاديث قد رسخت في أذهاننا، وحفظناها عن ظهر قلب، وباتت على ألسنتنا في مواضعها، وهذه محمدة وشرف عظيم أن يكون في جوف الواحد منا جملة من الآيات القرآنية من كلام رب العالمين، وجملة من أحاديث سيد المرسلين.

وفي يوم صيفي جميل، ومع انتهاء الحظر الكلي لجائحة كورونا دعاني أحد الزملاء للانضمام إلى برنامج متخصص لسماع و قراءة كتاب الجمع بين الصحيحين، والذي يشمل ما في صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وهما من أصح الكتب على الإطلاق، وذكر لي أن البرنامج يتيح خيارات متنوعة في السماع، من خلال التيلجرام، واليوتيوب، والساوند كلاود.

وأن مدة البرنامج ستكون ثمانون يوماً، حيث يتم وضع الورد المخصص لكل يوم، مع وضع يوم إجازة في كل أسبوع، لكسر الجمود، وإعطاء الفرصة للراحة وعدم الإملال.

وكنت أقول في نفسي: صحيح البخاري ومسلم موجودان في مكتبتي، وقد مرّ علي أثناء قراءاتي الشرعية الأكاديمية وغير الأكاديمية الكثير من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، فما الجديد في هذا البرنامج؟ غير أنني استعنت بالله والتحقت، ومضيت مع صاحبي نتواصى كل يوم، ونخبر بعضنا بتحقيق الإنجاز، ثم بتنا نكتب لبعضنا عن أبرز مالفت انتباهنا في أحاديث اليوم، وكنت في كل يوم أتعجب وأنا أعيش مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ بدت لي الكثير من الأحاديث وكأنني أسمعها لأول مرة، كنت أعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السراء والضراء، في السفر وفي الإقامة، في السلم وفي الحرب، في الصحة والمرض، أعيش مع ذلك الرعيل الأول حياتهم، ومشاعرهم، وألفاظهم، وكل تفاصيلهم..

كانت أياماً من أجمل أيام العمر، ولا تعجب أن تبكي يوماً ، وتضحك بعده من جراء تلك المشاعر الجياشة التي ستشعر بها وأنت تطّلع على تلك الحياة العظيمة، وأولئك الرجال العظماء، ومسيرة سيد الخلق بكل حيثياتها.

وجاء اليوم الثمانين، لنختم تلك المسيرة الرائعة، وذلك البرنامج الرائع بحق، حيث تم اعتماد الإجازات العلمية للمشتركين الذين كانوا من كل أرجاء العالم بكل ألوانهم وجنسياتهم وأجناسهم، كانت مسيرة شارك فيها الرجال والنساء، الشباب والشيب، جمعهم حب المصطفى، والرغبة في الاستماع لأحاديثه، والاقتداء بهديه.

كانت تجربة مميزة بحق، تجربة علمية إيمانية رائعة، ألفت فيها السماع  في طريقي للعمل ذهاباً وإياباً ، وألفته في الأوقات المخصصة للمشي، حيث  أدركت بعدها كم كنت في غفلة طويلة عن استعراض هذين الجامعين وجردهما مرة بعد مرة.

ولذا فما ان انتهيت من تلك الرحلة الجميلة حتى حدثت بعض أهلي، وحثثتهم على إدراك الركب، وتعاقدت معهم على المسير، ثم  ها أنا اليوم في الورد  65 من الجمع بين الصحيحين، فلا تسل عن السعادة التي تحدوني وأنا أعيد السماع مرة أخرى.

أغسطس 14, 2020

نحو حياة منظّمة (سستم حياتك)!


تمتلك شركة ماكدونالدز الأمريكية الشهيرة للمطاعم أكثر من 31.000  فرعاً للوجبات السريعة في 121 دولة ويعمل فيها أكثر من 465.000 عامل، ويزورها 58.000.000 عميل يومياً!

وأياً كان البلد الذي تزور فيها ذلك المطعم العالمي فسوف تجد نفس التصميم، والشعار، والألوان، ونفس الطعم والرائحة، ونفس أسلوب التقديم، ولباس العاملين، ونفس إجراءات العمل، رغم تعدد اللغات والبلدان والأشخاص، وتفاوت الأفراد العاملين بشكل كبير للغاية. والشركة بذلك تحافظ على تكرار نفس التجربة بنفس معايير الكفاءة على مر الأعوام، مع التأكيد على وجود منهجية واضحة لنقل وتوريث ثقافة إعداد الطلبات بأقل وقت ممكن لكل العاملين في تلك المطاعم.

فما هو السر في تلك القوة الهائلة لتلك المطاعم على هذا الضبط، والتطابق؟
من المؤكد أن الأمر لا يعود إلى نوعية الأشخاص العاملين في الفروع، ذلك أن قدراتهم تتفاوت من فرع لآخر، ومن بلد لآخر، كما أنها يمكن أن تتفاوت من وقت لآخر حسب نشاط الموظف، وتواجده، فالشركة إذا لا ترتكز على الحماسة الفريدة للموظف والخبرة الموجودة لديه.

إن السر الذي يجعل تلك المطاعم بذلك المستوى من ثبات الشكل والجودة رغم كل المتغيرات، يعود إلى (وجود نظام "سستم") حيث تقوم شركة المطاعم بتحويل كل الممارسات – دون استثناء – إلى نظام مفصّل وواضح وإلزامي، ويتم التدريب عليه بشكل دقيق وحدّي، ولا يسمح حينها لأي موظف – مهما كان إخلاصه واجتهاده ومركزه – أن يضيف أو يغيّر أو يبتكر في الفرع الذي يعمل فيه، لأن ثمة إجراءات تفصيلية لأي تغيير، ويخضع الأمر لمركزية عالية، تقوم بالفحص والمراجعة، وحين يكون التعديل مناسباً ومهماً ، فإنه يتم إضافته للنظام، بحيث يتم التعديل آلياً على عشرات الألوف من الفروع.

إن التأمل في موضوع (السستمة) -كما يقال- يدعونا إلى التفكير جيداً في كيفية تحويل كل خبراتنا وآليات العمل لدينا من كونها ممارسة تلقائية، وتجارب شخصية، ومحاولات فردية تخضع لأمزجتنا وأوضاعنا ونشاطنا تحويلها لتكون أسلوب عمل معتمد ومستقر، يبقى إن بقينا وإن رحلنا، بل إن استنساخ العمل حينها ونقله إلى أي مكان يصبح أمراً يسيراً.

وفي سياق (السستمة) الشخصية نغفل عن وضع نظام ييسر ويضبط ما نقوم به، فإذا كان المرء معنياً بالقراءة مثلاً وتقييد الفوائد، فيجب أن يكون لديه نظام واضح وسهل ومطبّق لرصد الفوائد، وفهرستها، ومن ثم العثور عليها وتوظيفها، لا أن تكون قصاصات هنا، وتعليقات هناك، بعضها ورقي والآخر الكتروني، ويكون الوصول إليها وتنظيمها أحد معجزات الدنيا السبع على صاحبها فضلاً عن غيره من الناس.

وفي مجال الصحة الشخصية والأسرية، تأتي (السستمة) لتدفعنا إلى إيجاد نظام يضبط ويحدد مواعيد المراجعات والتطعيمات، والفحوصات الدورية، بالإضافة إلى آلية واضحة لحفظ التقارير الطبية، والشهادات الصحية، والتاريخ الصحي للعائلة بكل أفرادها، بما في ذلك أرقام الملفات، وهواتف الجهات الطبية التي تتم مراجعتها، والعمليات الجراحية التي تتم ونتائجها.

والحديث عن ذلك التنظيم (أو السستمة) في مجال صيانة المنزل، والسيارة، وفي مجال الرحلات والأسفار، وفي مجال التعلّم وتطوير المهارات، وفي مجال الوثائق والصور والتسجيلات، وغيرها وغيرها .. حديث يطول، غير أنه مهم كذلك.

إن من المهم أن يكون هذا الأمر – تحويل الأعمال إلى نظام عمل - محل نقاش داخلي، مع الذات في المجال الشخصي، ومع الأهل في المجال الأسري، ومع فريق العمل في المجال الوظيفي،  وأن يتم – فعلاً – وضع تلك الأنظمة التي تيسر العمل وتعين على استمراريته وتلقائيته، وتوفر الجهد والوقت في كل مرة .

وإن الحديث عن (السستمة) لا يعني إطلاقاً التعقيد ولا التكلفة ولا إضاعة الوقت، غير أن وجود النظام بمستواه اليسير هو الخطوة الأهم، ويتم تحديث النظام وترقيته مرة بعد أخرى وفقاً لنتائج استخدامه.

بقي أن أشير في ختام هذه التدوينة إلى أن الذي ألهمني لكتابة هذه التدوينة حديث رائع جميل للمدرب "رشاد فقيها" عن السستمة بوصفها أداة للنجاح ضمن حديث له عن التخطيط.

دمتم بخير 
16 - 12 - 1441 هـ

تم النشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط 

أغسطس 08, 2020

هنيئاً لهم

 • هنيئا للذين يحدثون آثارا إيجابية حيثما كانوا، ولا يبحثون عن أعذار للتملّص، وهم يدركون أن الأعذار لا تنتهي..

هنيئاً للذين هم مشاعل هداية وسعادة ونفع، حيثما حلت ركائبهم.

هنيئا للقدوات، والنماذج الحسنة، الذين يتبع الناس آثارهم، ويحاكي الناس أفعالهم الخيّرة الحميدة.

هنيئاً للعاملين في مناطق الفراغ، المبتعدين عن المزاحمة والتكدّس، تاركي مناطق الراحة بغية إحداث التغيير الإيجابي في حياة الناس.


هنيئا لأولئك المبادرين بابتكار الأفكار الرائعة، التي يتبعها كثير من الناس، فيطبقونها، ويحاكونها، ويستفيدون منها.

هنيئاً للذين حين تبحث عنهم في محركات البحث، لا تجد عنهم إلا الخير، والذكر الحسن، والعمل الصالح.

هنيئاً للباذلين الكبار، الذين لا تجد لهم أي صيت إعلامي، ولا يعرفهم أحد، لكن الله يعلم صنيعهم، وهم لا يريدون إلا وجهه.

هنيئاً للمركّزين، المتخصصين، الموغلين بعمق في مجال اهتمامهم وشغفهم، فتجدهم يصنعون قيمة مضافة يندر وجودها حيثما عملوا.

هنيئاً للناذرين أنفسهم، وأوقاتهم، وعلاقاتهم، وأموالهم، في خدمة أهداف سامية تحقق مرضاة الله. والله لا يخزيهم الله أبدا.

هنيئا لمن قولهم «إحسان»، وفعلهم «إحسان»، ونواياهم «إحسان».


أغسطس 04, 2020

شبيه البحث العلمي


كثيرة هي البحوث التي تصدر بوصفها رسائل ماجستير ودكتوراه وبحوث ترقية، وتتناول جميع الموضوعات والشؤون المجتمعية في عناوينها!.

فحين تبحث في مكتبات الدراسات العليا فسوف تتفاجأ بحجم الدراسات عن الظواهر والسلوكيات المجتمعية، ومسببات المشكلات، وحلولها، وسوف تتأسف على عدم استفادة المجتمع من تلك البحوث الكبيرة الحجم، وتتعجب من تواجدها بشكل حصري في مكتبات الجامعات.
لكنك حين تفتح أوراق جملة غير قليلة من تلك الدراسات، وتبدأ في قراءة المضمون، وأنت في غاية التفاؤل بأنك ستجد فيها التشخيص الدقيق للواقع، ومعرفة الأسباب، والغوص في أعماق المشكلات، لأن تلك الصفحات الكثيرة لابد أن تعثرعلى جذور المشكلات وتتناولها بالتفصيل الممل .. وتتبعها بالحلول المتنوعة لتلك المشكلات..

وحين تقرأ ثم تقرأ سوف تصاب بالصدمة، والإحباط، وانخفاض مستويات التفاؤل، ثم تدرك حينها أنك أمام منتج وضع للحصول على شهادة، لكنه غير قابل للاستهلاك!

ستدرك أنها ليست بحوثًاً علمية وإن كانت في ظاهرها كذلك، لوجود مشابهة شكلية بينها وبين البحوث الفعلية المؤثرة والتي تخدم المجتمع..

ستشعر - فعلاً - أن الذي بين يديك ليس إلا "شبيه البحث العلمي" ! على وزن "شبيه القشطة"!

نعم ، يشابهه في تنظيم المحتويات، يشابهه في العناوين، يشابهه في وجود كم كبير من المراجع، مجرد شبه ( يخلق من الشبه أربعين) بحيث يظنه الضمآن ماء، حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً.

إذ بات الاعتماد على الاستبانات - مثلا - سمة سائدة في أشباه البحث العلمي، وبتنا نحكم على المجتمع من خلال هذه العينات (اليسيرة)، التي تقوم بتعبئة الاستبانة ( بغير دقّة)، لتخرج منها (نتائج مشوهة)، هي في الواقع تحوم حول الحمى ولا تقع فيه.

ويتم ملء صفحات الرسالة بالكثير من الحشو والتجميع لنصوص وردت في أشباه أخرى للبحث العلمي، باعتبارها دراسات سابقة، يتم إقحامها بسبب أو بدون سبب، إذ أن الإشارة إليها ووجودها في شبيه البحث غير مؤثر، فهي مجرد زيادة في الصفحات، ومحاولة لإظهار الجهد الكبير الذي قام به الباحث، وهو جهد لا أنكره، لكن الذي أنكره هو النتيجة والخدمة التي تحققها تلك الدراسة.

السؤال المهم الذي يمكن طرحه على الباحث : ماهي الفائدة التي تم يجنيها المجتمع أو المتخصصون من رسالتك، باستثناء استفادة باحثين آخرين  منها في إضافة أسطر جديدة لفصل الدراسات السابقة!؟

وحتى تدرك أن الموضوعات محل الدراسة ليست ذات جدوى، فإن الباحث ينص في عنوان رسالته على ما ينبئ بذلك، أعني بعدم الفائدة! 

وحتى يتضح الأمر دونك هذا المثال ( وضعت العنوان من عندي حتى لا يؤخذ الموضوع بشكل شخصي) لأن أشباهه في الدراسات العليا كثيرة جداً ..

عنوان البحث ( أسباب تدني الأداء الوظيفي للموظفين من وجهة نظر المديرين) ، ثم يقول الباحث  أنه أجرى الدراسة على عينة من مديري المرحلة الثانوية بمدينة كذا!

فالدراسة إذا لم تكن على المديرين عموماً بل على مديري المدارس!
وهي لم تشمل موضوع البحث فعلاً بل اقتصرت على وجهة نظر أحد أطراف المشكلة وهم (المديرين)
ولم تكن لعينات ممثلة لمجتمع البحث بل اقتصرت على (مديري مرحلة واحدة من مراحل التعليم الثلاث)،
ولم تشمل كل مديري تلك المرحلة، بل اقتصرت على مديري مدينة من المدن، 
ثم هي حتى مع هذا الجزء من الجزء من الجزء .. اقتصرت على عينة منهم!

وهذ ه العينة غير الممثلة للمشكلة تم إعطاؤهم استبانة مصممة بطريقة لا تأخذ من الشريحة ما لديها، بل تحاول تأطيرها ضمن خيارات محدودة، وأسئلة افتراضية قام بها الباحث من تلقاء نفسه.. وجعلها وفقاً لخيارات غير واضحة ( حتى وإن وسموها بمقياس ليكرت الخماسي) وهو :  (موافق بشدة -  موافق - محايد - غير موافق - غير موافق بشدة).

فضلاً عن كون الاستبانة مصابة بلعنة المعرفة إذ تستخدم عبارات (تخصصية) لا يفهم معانيها من يقوم بالتعبئة، لأن الذي كتبها وراجعها موغل في التخصص فيكتبها لمن يعرف مثل معرفته! فيختار تخميناً للإجابات المتوقعة على أسلوب ( شختك بختك).

ثم يأتي الباحث في نهاية المطاف ليعرض لك نتائج تلك الاستبانة على هيئة رسوم بيانية مضللة، وموهمة، ومملوءة بالتناقض، وكأنه قد سحب لك الأسد من ذيله - كما يقال-.

إننا أمام مشكلة حقيقية :
فالعمل والتنمية والنجاحات على أرض الواقع منفصلة كلياً عن البحث العلمي بالجامعات، وبينهما سد عظيم كسد يأجوج ومأجوج.
فما أحوجنا إلى التداعي لإيقاف هذا الهدر وهذا النزيف الكبير للجهود والأموال والأوقات التي تذهب في غير طائل.

وأختم بأن حديثي هذا عن (كثير) من البحوث، والنظري منها خاصة، وإن كان في وسط تلك الظلمات بحوث مميزة، ذات تأثير، لكنها مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود.

فإن وجدت في نفسك شيئاً أيها القارئ الباحث من مقالي هذا، وشعرت أنه ينال منك ومن بحوثك، فربما كان ذلك مؤشراً على أنني لمست الجرح، فليس الحل في الهجوم عليّ بل في إدراك الواقع والسعي لتصحيح المسيرة، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب في أن نستمر في التبرير للخطأ والدفاع عنه.

وأنا أدرك كذلك أن المشكلة ليست في الباحثين، لأنهم - غالباً - وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل وفق قالب جامد، ينتج منتجات غير مفيدة، ولم يكن أمام الواحد منهم إلا الاستمرار في هذا العمل غير النافع، لأنه الطريقة الوحيدة للحصول على مؤهل دراسي عالي.

فواجب الأقسام والكليات أن يعيدوا النظر في عملهم، ويراجعوا الأدوات، ويكفّوا عن التقليد والمحاكاة، وأن يكون حرصهم الأكبر هو في إحداث الأثر في المجتمع من خلال تخصصهم، وليس المزيد من الصفحات والأرقام والجهود وحملة الشهادات العليا فحسب.

دمتم بخير،،،
6 – 12 – 1441
الرياض

تم النشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط

يوليو 26, 2020

خطة الاثني عشر أسبوعا


نعرف جميعاً أن العام مكوّن من اثني عشر شهراً، وهي معلومة بدهية يعرفها الجميع، ومن هنا يتحدث المخططون دوماً عن الخطة السنوية بوصفها أداة لرسم المسيرة المقترحة للعام، ويتم في نهاية العام تقييم وتحديد نسبة الإنجاز التي تمت، والإخفاقات التي وقعت.
والحديث عن الخطة السنوية (للمؤسسات والأفراد) حديث متوافر وكثير جداً..
غير أنني هنا أود الحديث عن منهجية جديدة في التخطيط تلجاً إلى تقليل الفترة الزمنية التي يتم التخطيط لها، وبدلاً من أن تكون اثنا عشر شهراً فإنها تكون اثنا عشر أسبوعاً فحسب أي ربع العام، وحين تنتهي هذه الأسابيع المذكورة فإن المخطط يأخذ أسبوعاً فاصلاً يقيّم فيه وضع تلك الخطة، والجوانب المميزة فيها فيعظمها ويستثمر فيها، ويتدارك الخطأ فيصلحه أو يصوبه وهو لا زال في الربع الأول من العام، فتكون نسبة المتابعة للخطة، ونسبة الصواب فيها أفضل بكثير من كونها خطة سنوية.

ليس هذا فحسب بل إن التخطيط لـ 12 أسبوعاً يعين على أن تكون البداية بالتنفيذ فورية فمنذ أن يتم الانتهاء من رسم الخطة في أي وقت من العام، فإن الأسبوع التالي لرسم الخطة هو أول أسبوع من هذه الإثني عشر، فلا يتطلب الأمر انتظاراً لشهور عديدة حتى يبدأ العام التالي.

ومن المؤكد أن وجود هدف لكل أسبوع، والعمل وفق خطة ربعية أفضل بكثير في جوانب المتابعة والتقييم والتنفيذ للخطة، وهو مقصد التخطيط الرئيس وهدفه الأعظم.

وفي كل الأحوال، سواء اقتنعت بهذه المنهجية في التخطيط أم لم تقتنع فإن من المؤكد أن وجود منهجية معتمدة لديك في مجال التخطيط هو أحد أهم عوامل النجاح، والوضوح التام.

ومتى ما جربت أسلوباً في التخطيط فاستبان لك أنه لا يناسبك، وأنك من خلاله لا تحقق مبتغاك، فتيقن أن هناك العشرات من الأساليب الأخرى، وأن النجاح يكمن في اختيار المنهجية التي تروق لك، كما هو الحال في اختيار الملابس التي نرتديها، نختار منها ما يناسبنا ولا يخالف الذوق العام. 

وختاماً ، اختر المنهجية التي تريد، غير أن أسوء حال يمكن تصوره هو أن لا يكون لك خطة، وأن تعمل وفق صوارف الزمان، ومتطلبات الآخرين، فتكون كالريشة في مهب الريح.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

يونيو 15, 2020

مبادرة | مكتبة الحي للأطفال

من الأخطاء الكبيرة المشاهدة اليوم : أن تكون خيارات الطفل لقضاء الوقت محصورة في العبث بالأجهزة الذكية، ومشاهدة التلفاز، والمطاعم أو زيارة مدن الألعاب الترفيهية!
لأننا بذلك نغفل عن بناء الكثير من الجوانب المهمة للطفل، ولعل من أهمها بناء العقل والوعي وملكة التعلم لديه، وبناء المهارات المختلفة.
إننا اليوم بحاجة – ماسة – وخصوصاً مع أوقات العطل والإجازات -غير القصيرة – ومع نهاية الأسبوع، نحن بحاجة إلى مرافق أخرى يمكن للطفل زيارتها وإمضاء الوقت فيها بما يعود عليه بالنفع، وبتكلفة رمزية، وبما لا يتطلب من العائلة بذل الجهد والوقت لتحقيق ذلك.

ويتمثل هذا في وجود (مكتبات للأطفال داخل الأحياء)، يمكن لأهل الحي الوصول إليها دون قطع مسافات طويلة. 

ويفترض أن تحتوي المكتبة على مجموعة كبيرة من القصص والكتب المناسبة للأطفال دون المرحلة المتوسطة، ويمكن أن يوضع بجوارها موضع للجلوس والاستفادة من الوقت للأباء، وآخر للأمهات الذين يرغبون في البقاء بجوار أطفالهم، مع أهمية تزويد مكان الجلوس هذا بمجموعة من الكتب المناسبة  للآباء والأمهات والتي تحتوي على ما يناسبهم، وما يتناول الثقافة العامة، وإدارة المنزل وتطوير الذات، بالإضافة إلى بعض الكتب الشرعية الأساسية.

إننا بهذا سندفع بأطفال الحي إلى عالم القراءة الواسع، حيث يصعب على كل أسرة أن تجد المكان والوقت والمال الكافي لإنشاء مكتباتهم الخاصة، فتكون مكتبة الحي مكاناً يجمع الأطفال على الثقافة .

إن فكرة كهذه يجب أن لا تسلك مسلك التكلّف في الإنشاء ولا تضخيم المصاريف، لأن ذلك مدعاة للتوقف والانحسار، فنحن بحاجة إلى أن تكون هذه المكتبة بسيطة من جميع الجوانب، واقتصادية، وذاتية التشغيل، حيث يكون لكل مكتبة أمينة أو اثنتان من أهل الحي، تقومان برعايتها والاهتمام بها وتوزيع العمل بينهن بحيث لا تغلق المكتبة في أوقات عملها، وتقوم الأمينات كذلك بالسعي لتزويدها بالكتب من خلال ما يتبرع به الأهالي من كتبهم، ومن خلال ما تتبرع به مكتبات الحي التجارية من كتب أو أوراق أو مراسم ونحوها.

إننا بحاجة إلى مبادرة أولى، وإطلاق الشرارة، حيث يمكن أن تكون المكتبة بجوار حديقة الحي، أو في أحد المرافق المجاورة للجامع، وثمة فكرة أخرى أيسر وأسرع، وهو أن تكون مكتبة المدرسة الابتدائية في الحي هي ذاتها مكتبة الطفل، مع فتحها من بعد صلاة العصر حتى التاسعة أو العاشرة مساء، وفتحها يومي الجمعة والسبت صباحاً ومساءً، والعناية بجعلها بيئة جاذبة، وتيسير عملية الاستفادة منها بعيداً عن الإدارة البيروقراطية.

ما أحوجنا اليوم إلى من يعلّق الجرس، ويبادر، وإنني على ثقة تامة بأن الفكرة سوف تتطور، وتتجدد، وتتوسع.. وسوف يكون لها الأثر الكبير.

فمن لها؟