مايو 07, 2020

فليغرسها | أول مقطع في قناتي على اليوتوب





ويمكنك قراءة تدوينة بهذا الشأن من هنا 

مايو 07, 2020

اكتشف نفسك بنفسك (3)

تقرأ في سيَّر بعض من حققوا نجاحات وتميزاً في مجالات معينة، فتجد أن الواحد منهم يكتب في سيرته الذاتية أنَّ الذي اكتشفه فلان، ممن عَمِلَ معه أو عاش معه، أو درّسه، أو صاحبه، فتلمّس عنده موهبة معينة، فأشاد بها، وأثنى عليها، فلما سمع الناس يشيدون بهذه الموهبة أكثر من مرة، ومارسها عملياً، أدرك حقيقة هذه الموهبة، وربما نمَّاها ذلك المكتشف، أو دلَّه على كيفية تنميتها، ففتح له طريق النجاح والتميز.
وهذه الحالة تمر على عدد من الناس، لكنها ليست الحالة السائدة!

ذلك أن كثيراً من الناس يولدون بمواهب فطرية، وهبهم الله إيَّاها، ويعيشون كل حياتهم دون أن يكتشفوها، ودون أن يستثمروها، ويموتون وهي لا زالت مدفونة، لم يعلم بها أحد، مع أنه كان بإمكان تلك الموهبة أن تصنع للبشرية الشيء الكثير، وكان بإمكانها أن تصنع لأصحابها تأثيرًا وسمعة وأموالًا ومكانة، لكنهم – نظراً لأنَّهم لم يبالوا بها- ذهبت أعمارهم دون أن يستفيدوا منها.

لذا فمن غير المناسب - أيُّها القارئ- أن ينتظر الواحد منَّا أن يكتشفه أحد ما، ويجلس في وضع الانتظار تحت رحمة المكتشفين، فإن اكتشفوه فبها ونعمت، وإن لم يكتشفوه بقي كما هو!

هذا الأسلوب لا يصلح إطلاقًا، فالمفترض بمريد النجاح أن يبذل الجهد، وغاية الوسع في معرفة نقاط التميز، ونقاط القوة، ولا بد أن تدرك أنَّ هذا الواجب واجب فردي وشخصي عليك أنت، وليس مناطًا بغيرك، فإن بذل غيرك جهدًا لخدمتك فهذا فنور على نور، لكن المهمة مهمتك، والواجب واجبك، فهي قدراتك، وطاقاتك، وحياتك، ونجاحك، وهذا هو تأثيرك.

وهي نعم وهبك الله إيَّاها، فلا يليق أن تجعلها تحت رحمة الناس الذين ربما اكتشفوك حيناً، وأهملوك أحياناً. 

نبِّش، وابحث، واسأل، وجرّب، ومارس، وستكتشف بذلك وتعرف مهاراتك، أما الجالس – على وضع الانتظار - لا يحاول شيئاً، فمن الطبيعي أنَّه لن يكتشف شيئًا!

لكن الذين يخوضون تجارب مختلفة، ويجرّبون مجالات متعددة، ويختبرون أنفسهم وقدراتهم، سيكتشفون بعد تجربة أولى وثانية وثالثة ورابعة أنَّ هناك تجربة قد أبدعوا فيها وحققوا فيها تميزًا مختلفًا، ثم حين يعيدون هذه التجربة كل مرّة يحققون نفس التميز..
هنا يمسك الواحد منهم بطرف خيط الموهبة والنجاح، ويمكنه بعد ذلك أن يسأل ويجرّب، ويسأل المختصين، ثم يكتشف فعلًا أنَّ هذا التميز موجود، ثم يبدأ في خط منتظم ومرتب لتنمية هذه الموهبة، ونقلها من كونها مجرد موهبة ربانية أساسية أعطاك الله إيَّاها، إلى موهبة تم صقلها من خلال التجربة والتعلّم، والمعايير والمقاييس الخاصة بهذه الموهبة.

أتمنى أن تثمر هذه التدوينة التفات كل واحد منَّا إلى نفسه باحثًا عن نقاط القوة والتميز والمواهب الموجودة لديه ليكتشفها بنفسه، بالاستعانة بمن يعرفه، ثم ينميها حتى يرى منها بإذن الله ثمارًا مباركة.

محمد بن سعد العوشن

التدوينة التالية | .......................
(سيتم تفعيل الرابط حين ينشر )

مايو 01, 2020

التدوين الباقي (2)

 كنت ذات مرّة أبحث عن مقالات تتناول فنون "التدوين"، فوجدت مقالاً جميلاً جدًّا لـ عبد الغني مزوز -وأظنه من المغرب-  تحدّث فيه عن كون التدوين قد تأثّر تأثيراً سلبياً بالغاً من جراء طغيان التدوين المصغّر!.

وحين نتأمل الواقع الفعلي للكثير من المؤثرين والفاعلين والناشطين الذين يبذلون جهوداً كبيرة في كتابة التغريدات على تويتر، أو ينشرون الصور ويعلقون عليها في إنستجرام، أو يقومون بالتعليق الصوتي أو المرئي عبر السناب، أو من خلال برنامج (واتس آب) و(الرسائل الجماعية) و(المجموعات) التي يكتب فيها المرء كلامًا جميلًا، ويبذل ما في وسعه في تنسيقه وتجويده، ثم يبعثه للناس من خلال هذه البرامج ...
حيث نتأمل ذلك كله، نجد أنَّ هذه التدوينات الصغيرة جعلت الواحد منا يتوقع أنَّه ما دام قد كتب (نصاً) مناسبا، وبعث به لخمسين أو مائة ممن لديه، وقرأها ألف أو ألفان من متابعيه في تويتر، بات يتوقع  أنَّه قَّدم المطلوب منه، وأنه قد قام بالتدوين فعلاً!، مع أنَّ عدداً غير قليل من حسابات تويتر يتم إغلاقها كل مرّة،  إمَّا بفعل فاعل، أو باختراق تلك الحسابات، أو إغلاقها من شركة تويتر ذاتها، وأحياناً ينسى المرء كلمة المرور الخاصة به، وفي كل هذه الحالات تضيع تلك المواد، أو توشك على الضياع، فضلاً عن كونها – دوماً - تغريدات ونصوص قصيرة ومجزأة، وليست موضوعًا مكتملًا يُمكن الاتكاء عليه للحصول على معرفة حقيقة حول أي قضية من القضايا التي يتم تناولها.

فتجد أحدهم يعمل في منظمة مميزة تملك نشاطاً مميزاً يستحق الذكر والإشادة، وتجارب موفقة،  فيكتب شيئاً من سيرتها - إن كتب –بنصوص قصيرة ومفرَّقة خلال بضعه أشهر.. ثم تندثر كل تلك الكتابات في وسط الكم الكبير من التغريدات والحسابات..

وحين يقام "حدث" مهم، وتنطلق "فعالية" ذات نفع كبير يقدّم فيها جملة من البحوث و المحاضرات وأوراق العمل المميزة، فإنك بعد انقضاء الحدث بأشهر لا تكاد تجد معلومات كافية، وتكون المادة الأساسية التي تم التعليق عليها في شبكات التواصل غير متاحة في الغالب، ذلك أن الكاتب قد تحدث عنها في بضع تغريدات، في وسم (هاشتاق) نشط آنذاك، غير أن تلك الوسوم تموت، كما أن التغريدات تبتعد عن عين القارئ، بوجود الجديد الكثير، مما يصعّب الرجوع إليها لاحقًا، بل إنك  لو حصلت عليها كاملة  كما هو متاح في تويتر، فسوف تجد معاناة كبيرة في جمع التغريدات المكتوبة في موضوع واحد، فضلاً عن الجهد الكبير الذي يتطلبه التنسيق والربط والتقديم والتأخير، وإكمال النص بالكثير من المواد.

ما الذي أريد أن أخلص إليه؟

أريد أن أخلص إلى أنّ شبكات التواصل المختلفة -على تنوعها- يجب ألَّا تكون بديلة عن التدوين المكتوب للعمل أيًّا كان، فإن كان عندك ملخص أو وقفات مع كتاب قرأته، فلا تنثرها على هيئة تغريدات فحسب، ولكن اجعل الخلاصة في صفحة، أو صفحتين، أو ثلاث، واجعل لها عنواناً واضحاً، وانشرها بمختلف الوسائل، وأتحها للتحميل، وانشرها في مدونة خاصة بك، واحفظ عندك نسخة مكتملة منها في الوقت ذاته.

فإذا قمت بهذا التدوين الحقيقي المطوّل فقد قمت بالخطوة المهمة، ويمكنك حينها أن تقوم بتحويل هذه التدوينة أو خلاصتها إلى مجموعة من التغريدات، حيث سيكون ذلك أدعى للانتشار الفوري لها، وستكون التغريدات حينها وسيلة لتسويق الأصل، والذي هو التدوين المطول، والكتابة التفصيلية المتكاملة.

مع أنك حين تقرر أن تكتب تدوينة غير قصيرة عن الموضوع، فسوف تشرح للقارئ الحدث الذي تعلق عليه، وتشير لتاريخ وقوعه، وتبين موقفك منه، فتكون تلك المادة المكتوبة واضحة لمعاصري الحديث، ولمن لم يعاصره، فكل قارئ لتدوينتك يمكنه بيسر أن يستفيد منها بشكل كبير، بل قد تكون تلك المقالة أو التدوينة مرجعاً موثوقاً لذلك الحدث الذي قل الكاتبون عنه.

ومن هنا فإنني أبث نصيحة، أوجهها لجميع الإخوة والأخوات العاملين في الجهات المختلفة التي تحقق إنجازات تستحق الاطلاع، وإلى جميع  الإخوة والأخوات الذين يمتلكون رأياً خاصاً في التعليق على أحداث معينة؛ أو تجربة قاموا بها فنجحت أو فشلت، أنصحهم جميعاً  ألَّا يكتفوا بالتغريدات القصيرة، بل يكتبوا رأيهم ناضجًا كاملًا مبررًا مفسرًا معلقًا به على الحدث، بحيث تكون تلك المادة المكتوبة صالحة لأن تُقرأ في كل زمان، وفي كل مكان، وسيجدون – بكل تأكيد - أنَّ هذه المادة مع مادة أخرى، وثالثة ورابعة يُمكن جمعها في كُتيِّب أو كتاب سواءً كان مطبوعًا أو إلكترونيًّا متاحًا للناس ليقرؤوه، ذلك أن التدوين المطوّل، وأعني به الكتابة المتكاملة لون مختلف، وباقٍ، يؤدي إلى معرفة متكاملة، صالحة للاستفادة منها في أوقات لاحقة.

أما الاقتصار على التغريدات والكتابات والتدوينات المصغرة القصيرة فخيار غير مناسب؛ ذلك أن مدة صلاحيتها قصيرة جدًّا وسوف تذهب مع أي ريح عاصف، وستزول مع انصراف الناس عن أحد تلك البرامج. بين يدينا مثال واضح جلي، وهو (منتديات النقاش على الانترنت)، والتي كانت سوقاً رائجة للنقاشات، وكتابة الآراء، والمعلومات والخبرات، .. فإذا بحثت اليوم عن ذلك الكم الكبير، وجدته قد ولى وذهب!

وباستثناء الذين كانوا يجمعون كلامهم في ملفات خاصة بهم في أجهزتهم الشخصية قبل نشرها، فإن البقية قد وجدوا أنَّ كل جهدهم المبذول ذهب هباءً منثورًا.

حذاري من الاعتماد على شبكات التواصل في نقل رأيك ووجهات نظرك وتقييماتك ومنتجاتك، وخبراتك، وعلمك، ولكن اجعلها وسيطاً من الوسائط، واجعل الأصل (مادة ناضجة متكاملة) مكتوبة لديك.

تمنياتي لكم بوقت سعيد تقضونه في كتاباتكم وتقييداتكم ومرئياتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد بن سعد العوشن

العنوان التالي | اكتشف نفسك بنفسك

أبريل 29, 2020

الكتاب الذي لم يكتمل بعد! (1)

لدي كتاب في طور الإنضاج، عنوانه (انطلاقة)، غير أنني رغبت أن أسلك معه مسلكاً جديداً!
وهو أن أنشر - وبشكل منتظم- كل جزء يتم الانتهاء منه فوراً وعدم الانتظار لحين اكتمال الكتاب.
حيث يحقق هذا الأسلوب ثلاثة أمورجميلة:
أولها ، تلقي تغذية راجعة من القراء تعين على المزيد من الإتقان والتحسين. وثانيها، تحقيق الفائدة للقراء فوراً دون تأخير. وثالثها، أن المرء لا يدري من يكون أجله، فالمبادرة بالنشر تحقق الأجر حالاً دون تأجيل، وهو ما يتوافق مع الكتاب الشهير(مت فارغاً) الذي يوصي بإنهاء الأمور المعلقة. ورابعها، أنه يدفعني للتعجيل بالكتاب وعدم التسويف، فإلى الافتتاحية (المهمة) وتتلوها التفاصيل.

الافتتاحية 

هذا الكتاب الذي بين يديك هو أحد ثمار المبادرة التي بدأت بها في تاريخ  16 / 2 / 1439 هـ على برنامج "تيلجرام"، حيث أطلقت  "قناة انطلاقة"، بهدف الحديث عن جوانب مهمة وعملية في مجال تطوير الذات والتنمية البشرية، وبدأتها بمادة صوتية واحدة فثانية، ثم تتابع القطر، وتجاوزت تلك المواد 140 مادة، التزمت فيها بالإيجاز، والوضوح والبساطة، وحظيت القناة بعدد كبير من المتابعين والمستمعين -بتوفيق الله-.

ولا أذيع سراً إذا قلت لك بأنني كنت قد جلست سلسلة جلسات مع الكوتش المتخصص والمميز ( م. عبدالرحمن الأحيدب) لتحديد مجال العطاء الذي سأتخصص فيه، ومجال التركيز الذي يفترض أن أتخصص فيه للسنوات الخمس القادمة، وذلك من خلال الاستفادة من عدد من المعطيات الأولية، المبنية على عدد غير قليل من المدخلات؛ حيث توصلنا سوياً إلى أن مجال "تطوير الذات" هو أحد الجوانب  الأكثر قربًا من اهتماماتي وشغفي وقراءاتي وكتاباتي؛ وأن التركيز عليه سيمكنني من إحداث تأثير إيجابي كبير، وكانت تلك اللقاءات حافزاً قوياً لي نحو إطلاق القناة.

وبكل صراحة فإنني أعترف بأنني لم أخطط بشكل تفصيلي للقناة، ولم أحدد بدقة أين ستقودني تلك الخطوات الأولى، لكنَّني قررت حينها أن هذه الخطوة صحيحة، وربما يتضح الطريق جلياً بعد اتخاذها، خصوصاً مع قناعتي بأسلوب (أطلق ثمّ صوّب) والذي يقتضي أن تبدأ ثم تقوم بالتعديل والتحسين من جراء التغذية الراجعة، مرة بعد أخرى.

وتدحرجت كرة الثلج شيئاً فشيئاً حتى تحقق للقناة الوصول إلى الكثيرين، ووصلتني انطباعات إيجابية كثيرة عنها ومدى استفادة الناس منها، كما وصلتني وصايا عديدة بأهمية المواصلة والاستمرار .

ولأنني على قناعة تامة بأن المشروعات الناجحة "ولادة"، فإنني قد بدأت في فتح آفاق جديدة لهذه المبادرة، فمن جهة: قمت بوضع جملة من هذه المواد الصوتية على منصة (الساوند كلاود)، كما تم التعامل بعض تلك الحلقات المواد فنياً لإتاحتها على اليوتيوب لمن لا يستخدم التيلجرام، وها هو المشروع يأخذ بعداً آخر، فيتم تحويل المواد الصوتية إلى مواد مكتوبة، مع مراجعتها وتنقيحها لتكون بأسلوب مناسب للقراءة..

وأضع اليوم بين يديك هذه المادة باعتبارها جرعة يسيرة، ووجبة خفيفة يمكنك الاستفادة منها لتطوير ذاتك، ويمكنك أن تجعل منها مادة إثراء، ومفتاحاً لنقاشات مثمرة في لقاءاتك الأسرية، والاجتماعية، بل والوظيفية، بحيث تثري هذه المادة بتجاربك ومعلوماتك الإضافية.

تمنياتي أن تقضي مع هذا الكتاب وقتاً ماتعاً ومفيداً، وأنا أكون خفيف الظل عليك، ولي في عين الرضا منك ما يستر التقصير مني.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

العنوان التالي | التدوين الباقي  

محمد بن سعد العوشن

أبريل 07, 2020

سلاسل الإمداد والعمل الخيري


 في عام 2016 م انطلق مشروع رائد تحت اسم «مشروع زكاة الفطر الموحد بالمنطقة الشرقية»، شارك فيه أكثر من عشرين جمعية خيرية في سائر أنحاء المنطقة، وأشرف عليه سمو أمير المنطقة، وكانت نتائج هذا المشروع مبهرة فعلاً..

فقد استطاعت الجمعيات الخيرية من خلاله التنسيق والترتيب فيما بينها، وتوزيع الزكاة بشكل يفي باحتياجات مستفيديها، كما تم الاتفاق فيه مع سلسلة من المتاجرالمنتشرة في أنحاء المنطقة لتأمين (زكاة الفطر) بسعر منافس بسبب الكمية الضخمة المشتراة من قبل المشروع، كما أتاحت تلك المتاجر لكافة المستفيدين أن ياخذوا احتياجهم من الأرز في الوقت الذي يريدونه دون إلزامهم بأخذه مرة واحدة، أو في توقيت محدد.


فلم تعد جمعيات البر -بسبب المشروع -  بحاجة إلى مستودعات لتخزين كميات الأرز التي تصل إليها، ولم تعد بحاجة إلى فريق عمل يتولى جمع تلك الكميات المتبرع بها من المنفقين، ولم يعد هناك حاجة لفريق عمل وشاحنات تقطع المسافات الطويلة لإيصال الأرز للفقراء، بل تحولت سلسلة المتاجر إلى (مستودعات مجانية) للجمعيات، وتحول موظفي تلك المتاجر إلى مسئولين مجاناً عن توزيعه على الفقراء وقت حاجتهم.


ومع أن الجمعيات في مشروعها لذلك العام لم تستهدف على الاستحواذ على كل زكاة الفطر، بل على حصة محددة ويسيرة من مجموع زكاة الفطر بالمنطقة، إلا أن حسن توزيعها وإدارتها أدت إلى اكتفاء الفقراء التابعين لكل الجمعيات المشاركة من الأزر لمدة عام كامل.
إنه نموذج مشرف لتأثير التنسيق والتكامل في تحقيق الأهداف بأقل التكاليف، وأجود المستويات.

ورغم أن المشروع قد حقق هذا النجاح الكبير، إلا أن القائمين عليه كانوا يطمحون للمزيد، فقد كان من خططهم الحصول على أسعار أكثر انخفاضاً بالاتفاق مع كبار تجار الأرز في الدول المصدرة له كالهند وباكستان، غير أن الوقت لم يسعفهم لهذه الخطوة.

والمتأمل في هذه التجربة الناجحة، يتساءل: ما الذي يمنع من تكرار هذه التجربة في كافة الأصناف والمنتجات التي يتم شراؤها من الجمعيات بكميات كبيرة، والتي يتطلب توريدها وتخزينها وتوزيعها جهداً ومالاً يرهق كاهل الجمعية بشكل كبير.

ما الذي يمنع أن يكون توريد السلال الغذائية بالاتفاق مع كبار الموردين، للحصول على أسعار منافسة جداً، وأن يكون استلامها من المتاجر في أوقات تحددها الجمعية، وأن يتم ضبط العملية بشكل حاسوبي دقيق، وأن يكون محتوى السلة متوافقا مع عدد أفراد الأسرة، فلا زيادة عن الحاجة ولا نقصان.

ما الذي يمنع أن يكون توريد عبوات المياه للمساجد، والمرافق العامة المختلفة من خلال التعامل مع سلاسل الإمداد، بالاتفاق مع كبار المصنعين والموردين للمياه للشراء بأسعار منافسة جداً، وتزويد منتظم بكميات محدودة يومية، بل وتقسيط الدفعات المالية وفقاً لكمية الاستهلاك، بدلا من أن تتحول مساجدنا إلى مستودعات لشركات المياه تأخذ حيزاً كبيراً، وتشوه المساجد وتشغل المصلين.

والأمر نفسه يمكن أن يقال عن الأجهزة المنزلية، والبطانيات، والأدوات المدرسية، وكسوة الصيف والشتاء، والطباعة، والتأثيث، والحواسيب، وغيرها كثير.

ومع أزمة وباء كورونا فإن الحقيبة الصحية الوقائية المحتوية على مواد التعقيم والقفازات والكمامات ونحوها يمكن أن تخضع لنفس المبدأ .

ما أجمل أن يتم استثمار النجاح، وتوسيع نطاقه، وأن تكون التجارب الناجحة ملهمة لنجاحات أخرى، فيتم تعميمها على سائر منظمات القطاع الخيري، ويبدع كل فريق في الاستفادة منها حسب مجال عمله.

وإنني أشير في ختام تدوينتي هذه إلى أن ماسبق الحديث عنه هو حصيلة لنقاش جميل بناء، ومعلومات ثرية وافرة، وتجربة عملية مميزة، من الزميل اللطيف د.علي بن سليمان الفوزان (الرئيس التنفيذي لـ غزارة للاستشارات في القطاع غير الربحي)، وهو أحد أركان نجاح التجربة الرائعة التي رويتها في مدخل حديثي هذا.

وكلي أمل أن يأخذ جملة من أبطال القطاع بهذه التجربة، فيطبقوها ويطوروها، وأن يغدوا هذا أسلوب عمل واسع النطاق. 

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

أبريل 07, 2020

نحو منصة موحّدة لتنسيق العمل الخيري

في جميع الأوقات، وفي كل مكان، يحتاج القطاع الخيري إلى التنسيق  بين مؤسساته، وصولاً إلى العمل المشترك.
وفي أوقات الأزمات مثل الحروب و الأوبئة و الكوارث الطبيعية يكون التنسيق أولى وأهم وأوجب.

ذلك أن المتبرعين كثير، والمتطوعين بجهودهم كثير، والمحتاجين كثير..
وفي حال فقدان التنسيق والتكامل بينهم فإن الأمر سيؤدي - كما هو مشاهد - إلى تفاوت كبير في تلبية احتياجات المستفيدين، حيث ستتكدس الإعانات والفرق التطوعية على أشخاص، أو جهات، أو مناطق ، وسينحسر الدعم المالي والبشري عن آخرين..
وربما كانت النتيجة أن أحدهم لا يجد فقير قوت يومه من أي طعام كان، بينما يتاح لفقير آخر اختياراً متنوعاً ومتعدداً من الأطعمة دون قيد.
ويؤدي فقدان التنسيق إلى تكرار الجهود، و في الوقت الذي يتم فيه الكثير من العمل الذي قد يكون - أحياناً - ذا إنتاجية أقل.

إن الانشغال بحد ذاته، ليس مطلباً ، وإنما ترتيب الأولويات والانشغال بأهمها هو واجب الوقت، وهو الفعل الصحيح الذي تحمد عواقبه.

وقد رأيت واطلعت وسمعت عن التباين الواسع في طبيعة الخدمات المقدمة للفقراء - على سبيل المثال- في مناطق مختلفة، وذلك حسب الوفرة المادية للجهة، إذا ليس هناك حدّ لما يمكن تقديمه، وبناء عليه فإن التفاوت كبير وقائم، وتبقى - من جراء ذلك - بعض الجمعيات دون داعم، تتعثر مشاريعها الأولية، لأن الدعم قد انصرف لجمعيات أخرى أكثر قدرة على التسويق لمشاريعها، مع قلة حاجتها لكل تلك الأموال، وكثرة مواردها.

وأنا هنا  أدرك - يقينا - أن تلك الأموال التي يتم جمعها من المتبرعين بأي صورة من الصور، فإنها تصرف على الشريحة المستهدفة، بكل أمانة وصدق، ولا تلام الجمعية التي وصلت إليها تبرعات وافرة في أن تنفقها على المحتاجين وتزيد من مستوى الخدمات المقدمة  لهم، إذ ليس لها أن تحيل شيئاً من تلك الموارد إلى جمعيات أخرى حتى وإن علمت مقدار حاجتها.

لكنني أزعم أن عدم وجود التنسيق بين مؤسسات العمل الخيري وجمعياته ولجانه أدى وسيؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، الذي يضر في نهاية المطاف بالشريحة المستهدفة.

وأدرك أن (وجود منصة موحدة) يتم فيها عرض المشاريع من الجمعيات، ويتم من خلالها كتابة الدعم، من شأنه أن يعطي الجميع تصوراً أدق عن حجم وعدد المشروعات، وطبيعتها، ومدى الحاجة لها، مع مقارنة آلية مع الجمعيات المشابهة داخل المنطقة وخارجها.

 ويمكن ان تحتوي المنصة على موازنة الجمعية للعام الحالي، ومصادر الدخل الثابت وغير الثابت لها، بالإضافة إلى ماتم صرفه في العام المنصرم، ليكون متخذ القرار بالتبرع ( فرداً كان أو جهة) على وعي تام بمسار عمل الجمعية وإنجازاتها.

إن التنسيق مهمة تكتنفها جملة من الصعوبات دون ريب، لكن الحاجة إليه ماسة جداً.

وإنني متشوّق لسماع ذلك الذي يعلّق الجرس، ويطلق صفارة البدء بعمل تنسيق جماعي مشترك يتبناه المانحون؟

إلى ذلك الحين وأرجو أن يكون أقرب من القريب، دمتم بخير.


محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

مارس 25, 2020

أصناف الناس مع فيروس (كورونا)؟

يعرض للمرء طوال حياته ظروف قاهرة لا يملك تجاهها تغييراً ولا تبديلاً، فيضطر - غير مختار- إلى ترك الأعمال والانقطاع عن الكثير من العلاقات، والتوقف عن عدد من الأنشطة الحياتية المختلفة، وقد يكون هذا الظرف القاهر: مرض مقعد، أو حادث مؤلم، أو قريب يحتاج إلى عناية تامة وملازمة، أو سفر بعيد، أو غير ذلك من الأسباب..
ومن أمثلة ذلك : الفيروس الذي أصاب العالم اليوم فأوقفت لأجله صلاة الجمعة و الجماعة، وتوقف التعليم، والترفيه، والطيران، ووسائل النقل العامة، وتأجلت كافة الأنشطة الجماعية، وصار لزاماً على الناس أن يمكثوا في بيوتهم فلا يغادروها بغية تقليل فرص انتشار هذا الوباء، وتسهيل محاصرته.

والناس في مثل هذه الظروف يشتركون في المشكلة، ويتقاربون في تضررهم منها، لكونها بلاء عاماً لا يفرق بين شخص وآخر، إلا أن بينهم وبين بعضهم ما بين المشرقين والمغربين في مجال التعامل مع هذا الحدث وأشباهه من أحداث مقعدة للمرء عن الحركة.

فمن الناس - وهذا هو الصنف الأول -  من يمضي أيامه ولياليه مكسور الجناح، لا يكف عن الشكوى والتحسر، يندب حظه، ويذم وضعه، ويشرح للآخرين حجم السوء الذي يعايشه، والفراغ الذي يقتله، والحزن الذي يحيط به، وهو في كل يوم أسوء من سابقه، ينظر للحياة بمنظار أسود، ويتوقع ألا يكون الغد خيراً من اليوم.

فتمضي ساعاته وأيامه دون إنجاز، بل يخسر الكثير من إنجازاته السابقة، يمضي وقته في الأحاديث التي لا فائدة منها، وتقليب القنوات، وتصفح كل شيء على جواله، ومشاهدة كل مقطع، وتتبع كل وسم (هاشتاق)، والإفراط في متابعة مشاهير الشبكات الاجتماعية، فلا يزيده ذلك إلا حسرة وتألماً.

وهذا الصنف من الناس يعيش حياته دون هدف، ولا يحلم بشيء، ولا يعرف نفسه حق المعرفة، ولا يدرك نقاط قوته ولا نقاط ضعفه، وليس لديه خطة مستقبلية للحياة.. إنه فعلاً على هامش الحياة، زائد عليها.

أما الصنف الآخر من الناس.. فهم الذين يتعاملون مع كل حدث بالنظر إلى الوجه المشرق منه، يؤمنون بقضاء الله وقدره، ويدركون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وينتقلون بتفكيرهم إلى السؤال المهم (ما الذي يمكنني فعله الآن؟) و (كيف أستفيد من هذه المصيبة؟).

ينظرون -دوماً- إلى الكيفية الأنسب التي يمكنهم بها تحويل الخسائر إلى أرباح، والاستثمار الأمثل لتك الأوقات الفائضة، والاستفادة من الجلوس الطويل في المنزل أو المشفى بشكل إيجابي فاعل، ينخرطون فوراً في برامج فردية وجماعية، يتعلمون بها الكثير من المهارات التي يحتاجون إليها، ويطورون أنفسهم، ويقرأون الكتب، ويستمعون ويشاهدون ما يفيدهم في دنياهم وأخراهم.

وهم لا يكتفون بتحسين ذواتهم، والرفع من قدراتهم، بل يطمعون إلى أن يكونوا مؤثرين على غيرهم، فاعلين في مجتمعهم، فتراهم يوظفون قدراتهم، والتقنيات الحديثة اليوم، وشبكات التواصل، وشبكة الإنترنت، يسعون لتوظيفها لإحداث الأثر، فيكتبون، ويغردون، ويدونون، وينظمون، ويحفزون، ويسعون إلى تغيير مفاهيم أكبر قدر من الناس.

تراهم بعد انجلاء الغمة، وزوال الكربة فإذا وجوههم تتهلل فرحاً، تعلوهم البسمة، ويغشاهم الرضا، يتذكرون تلك الأيام الخوالي، فيذكرون خيرها وبركتها عليهم رغم كل آلامها، ويتحدثون عنها وكيف أنها ساهمت في الرقي بهم نحو مدارج الفوز، ويعددون حجم الأرباح التي استطاعوا جنيها من تلك الفترة بينما كان غيرهم يندب حظه، ويعض أصابع الندم على حجم خسائره منها.

ورسالتي هنا للجميع:
نحن في بدايات هذه الأزمة العالمية التي لا ندري متى يكشفها الله، فلنبدأ - من اليوم-  في التوجه نحو الاستفادة من هذه الأوقات، ولنرسم لنا ولعائلاتنا أهدافاً ممكنة التطبيق، وخططاً قصيرة المدى، ونتسابق نحو تحقيقها، ولنسع للاحتفاء بكل نجاح نحققه، ولنجعل القرب من الله تعالى، والعودة إليه، وتلاوة كتابه أحد معالم هذا التوظيف الأمثل للوقت.

وحين نصنع ذلك فإنني واثق بأن النتيجة ستكون فوق ما هو متوقع، وستصبح الأزمة علامة إيجابية فارقة في حياتنا جميعاً.

اسأل الله أن يكشف الضر، ويزيل البأس، ويحمي مجتمعنا من شر طوارق الليل والنهار، ويديم عليه الأمن والإيمان، إنه سميع مجيب.
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan