أبريل 29, 2020

الكتاب الذي لم يكتمل بعد! (1)

لدي كتاب في طور الإنضاج، عنوانه (انطلاقة)، غير أنني رغبت أن أسلك معه مسلكاً جديداً!
وهو أن أنشر - وبشكل منتظم- كل جزء يتم الانتهاء منه فوراً وعدم الانتظار لحين اكتمال الكتاب.
حيث يحقق هذا الأسلوب ثلاثة أمورجميلة:
أولها ، تلقي تغذية راجعة من القراء تعين على المزيد من الإتقان والتحسين. وثانيها، تحقيق الفائدة للقراء فوراً دون تأخير. وثالثها، أن المرء لا يدري من يكون أجله، فالمبادرة بالنشر تحقق الأجر حالاً دون تأجيل، وهو ما يتوافق مع الكتاب الشهير(مت فارغاً) الذي يوصي بإنهاء الأمور المعلقة. ورابعها، أنه يدفعني للتعجيل بالكتاب وعدم التسويف، فإلى الافتتاحية (المهمة) وتتلوها التفاصيل.

الافتتاحية 

هذا الكتاب الذي بين يديك هو أحد ثمار المبادرة التي بدأت بها في تاريخ  16 / 2 / 1439 هـ على برنامج "تيلجرام"، حيث أطلقت  "قناة انطلاقة"، بهدف الحديث عن جوانب مهمة وعملية في مجال تطوير الذات والتنمية البشرية، وبدأتها بمادة صوتية واحدة فثانية، ثم تتابع القطر، وتجاوزت تلك المواد 140 مادة، التزمت فيها بالإيجاز، والوضوح والبساطة، وحظيت القناة بعدد كبير من المتابعين والمستمعين -بتوفيق الله-.

ولا أذيع سراً إذا قلت لك بأنني كنت قد جلست سلسلة جلسات مع الكوتش المتخصص والمميز ( م. عبدالرحمن الأحيدب) لتحديد مجال العطاء الذي سأتخصص فيه، ومجال التركيز الذي يفترض أن أتخصص فيه للسنوات الخمس القادمة، وذلك من خلال الاستفادة من عدد من المعطيات الأولية، المبنية على عدد غير قليل من المدخلات؛ حيث توصلنا سوياً إلى أن مجال "تطوير الذات" هو أحد الجوانب  الأكثر قربًا من اهتماماتي وشغفي وقراءاتي وكتاباتي؛ وأن التركيز عليه سيمكنني من إحداث تأثير إيجابي كبير، وكانت تلك اللقاءات حافزاً قوياً لي نحو إطلاق القناة.

وبكل صراحة فإنني أعترف بأنني لم أخطط بشكل تفصيلي للقناة، ولم أحدد بدقة أين ستقودني تلك الخطوات الأولى، لكنَّني قررت حينها أن هذه الخطوة صحيحة، وربما يتضح الطريق جلياً بعد اتخاذها، خصوصاً مع قناعتي بأسلوب (أطلق ثمّ صوّب) والذي يقتضي أن تبدأ ثم تقوم بالتعديل والتحسين من جراء التغذية الراجعة، مرة بعد أخرى.

وتدحرجت كرة الثلج شيئاً فشيئاً حتى تحقق للقناة الوصول إلى الكثيرين، ووصلتني انطباعات إيجابية كثيرة عنها ومدى استفادة الناس منها، كما وصلتني وصايا عديدة بأهمية المواصلة والاستمرار .

ولأنني على قناعة تامة بأن المشروعات الناجحة "ولادة"، فإنني قد بدأت في فتح آفاق جديدة لهذه المبادرة، فمن جهة: قمت بوضع جملة من هذه المواد الصوتية على منصة (الساوند كلاود)، كما تم التعامل بعض تلك الحلقات المواد فنياً لإتاحتها على اليوتيوب لمن لا يستخدم التيلجرام، وها هو المشروع يأخذ بعداً آخر، فيتم تحويل المواد الصوتية إلى مواد مكتوبة، مع مراجعتها وتنقيحها لتكون بأسلوب مناسب للقراءة..

وأضع اليوم بين يديك هذه المادة باعتبارها جرعة يسيرة، ووجبة خفيفة يمكنك الاستفادة منها لتطوير ذاتك، ويمكنك أن تجعل منها مادة إثراء، ومفتاحاً لنقاشات مثمرة في لقاءاتك الأسرية، والاجتماعية، بل والوظيفية، بحيث تثري هذه المادة بتجاربك ومعلوماتك الإضافية.

تمنياتي أن تقضي مع هذا الكتاب وقتاً ماتعاً ومفيداً، وأنا أكون خفيف الظل عليك، ولي في عين الرضا منك ما يستر التقصير مني.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

العنوان التالي | التدوين الباقي  

محمد بن سعد العوشن

أبريل 07, 2020

سلاسل الإمداد والعمل الخيري


 في عام 2016 م انطلق مشروع رائد تحت اسم «مشروع زكاة الفطر الموحد بالمنطقة الشرقية»، شارك فيه أكثر من عشرين جمعية خيرية في سائر أنحاء المنطقة، وأشرف عليه سمو أمير المنطقة، وكانت نتائج هذا المشروع مبهرة فعلاً..

فقد استطاعت الجمعيات الخيرية من خلاله التنسيق والترتيب فيما بينها، وتوزيع الزكاة بشكل يفي باحتياجات مستفيديها، كما تم الاتفاق فيه مع سلسلة من المتاجرالمنتشرة في أنحاء المنطقة لتأمين (زكاة الفطر) بسعر منافس بسبب الكمية الضخمة المشتراة من قبل المشروع، كما أتاحت تلك المتاجر لكافة المستفيدين أن ياخذوا احتياجهم من الأرز في الوقت الذي يريدونه دون إلزامهم بأخذه مرة واحدة، أو في توقيت محدد.


فلم تعد جمعيات البر -بسبب المشروع -  بحاجة إلى مستودعات لتخزين كميات الأرز التي تصل إليها، ولم تعد بحاجة إلى فريق عمل يتولى جمع تلك الكميات المتبرع بها من المنفقين، ولم يعد هناك حاجة لفريق عمل وشاحنات تقطع المسافات الطويلة لإيصال الأرز للفقراء، بل تحولت سلسلة المتاجر إلى (مستودعات مجانية) للجمعيات، وتحول موظفي تلك المتاجر إلى مسئولين مجاناً عن توزيعه على الفقراء وقت حاجتهم.


ومع أن الجمعيات في مشروعها لذلك العام لم تستهدف على الاستحواذ على كل زكاة الفطر، بل على حصة محددة ويسيرة من مجموع زكاة الفطر بالمنطقة، إلا أن حسن توزيعها وإدارتها أدت إلى اكتفاء الفقراء التابعين لكل الجمعيات المشاركة من الأزر لمدة عام كامل.
إنه نموذج مشرف لتأثير التنسيق والتكامل في تحقيق الأهداف بأقل التكاليف، وأجود المستويات.

ورغم أن المشروع قد حقق هذا النجاح الكبير، إلا أن القائمين عليه كانوا يطمحون للمزيد، فقد كان من خططهم الحصول على أسعار أكثر انخفاضاً بالاتفاق مع كبار تجار الأرز في الدول المصدرة له كالهند وباكستان، غير أن الوقت لم يسعفهم لهذه الخطوة.

والمتأمل في هذه التجربة الناجحة، يتساءل: ما الذي يمنع من تكرار هذه التجربة في كافة الأصناف والمنتجات التي يتم شراؤها من الجمعيات بكميات كبيرة، والتي يتطلب توريدها وتخزينها وتوزيعها جهداً ومالاً يرهق كاهل الجمعية بشكل كبير.

ما الذي يمنع أن يكون توريد السلال الغذائية بالاتفاق مع كبار الموردين، للحصول على أسعار منافسة جداً، وأن يكون استلامها من المتاجر في أوقات تحددها الجمعية، وأن يتم ضبط العملية بشكل حاسوبي دقيق، وأن يكون محتوى السلة متوافقا مع عدد أفراد الأسرة، فلا زيادة عن الحاجة ولا نقصان.

ما الذي يمنع أن يكون توريد عبوات المياه للمساجد، والمرافق العامة المختلفة من خلال التعامل مع سلاسل الإمداد، بالاتفاق مع كبار المصنعين والموردين للمياه للشراء بأسعار منافسة جداً، وتزويد منتظم بكميات محدودة يومية، بل وتقسيط الدفعات المالية وفقاً لكمية الاستهلاك، بدلا من أن تتحول مساجدنا إلى مستودعات لشركات المياه تأخذ حيزاً كبيراً، وتشوه المساجد وتشغل المصلين.

والأمر نفسه يمكن أن يقال عن الأجهزة المنزلية، والبطانيات، والأدوات المدرسية، وكسوة الصيف والشتاء، والطباعة، والتأثيث، والحواسيب، وغيرها كثير.

ومع أزمة وباء كورونا فإن الحقيبة الصحية الوقائية المحتوية على مواد التعقيم والقفازات والكمامات ونحوها يمكن أن تخضع لنفس المبدأ .

ما أجمل أن يتم استثمار النجاح، وتوسيع نطاقه، وأن تكون التجارب الناجحة ملهمة لنجاحات أخرى، فيتم تعميمها على سائر منظمات القطاع الخيري، ويبدع كل فريق في الاستفادة منها حسب مجال عمله.

وإنني أشير في ختام تدوينتي هذه إلى أن ماسبق الحديث عنه هو حصيلة لنقاش جميل بناء، ومعلومات ثرية وافرة، وتجربة عملية مميزة، من الزميل اللطيف د.علي بن سليمان الفوزان (الرئيس التنفيذي لـ غزارة للاستشارات في القطاع غير الربحي)، وهو أحد أركان نجاح التجربة الرائعة التي رويتها في مدخل حديثي هذا.

وكلي أمل أن يأخذ جملة من أبطال القطاع بهذه التجربة، فيطبقوها ويطوروها، وأن يغدوا هذا أسلوب عمل واسع النطاق. 

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

أبريل 07, 2020

نحو منصة موحّدة لتنسيق العمل الخيري

في جميع الأوقات، وفي كل مكان، يحتاج القطاع الخيري إلى التنسيق  بين مؤسساته، وصولاً إلى العمل المشترك.
وفي أوقات الأزمات مثل الحروب و الأوبئة و الكوارث الطبيعية يكون التنسيق أولى وأهم وأوجب.

ذلك أن المتبرعين كثير، والمتطوعين بجهودهم كثير، والمحتاجين كثير..
وفي حال فقدان التنسيق والتكامل بينهم فإن الأمر سيؤدي - كما هو مشاهد - إلى تفاوت كبير في تلبية احتياجات المستفيدين، حيث ستتكدس الإعانات والفرق التطوعية على أشخاص، أو جهات، أو مناطق ، وسينحسر الدعم المالي والبشري عن آخرين..
وربما كانت النتيجة أن أحدهم لا يجد فقير قوت يومه من أي طعام كان، بينما يتاح لفقير آخر اختياراً متنوعاً ومتعدداً من الأطعمة دون قيد.
ويؤدي فقدان التنسيق إلى تكرار الجهود، و في الوقت الذي يتم فيه الكثير من العمل الذي قد يكون - أحياناً - ذا إنتاجية أقل.

إن الانشغال بحد ذاته، ليس مطلباً ، وإنما ترتيب الأولويات والانشغال بأهمها هو واجب الوقت، وهو الفعل الصحيح الذي تحمد عواقبه.

وقد رأيت واطلعت وسمعت عن التباين الواسع في طبيعة الخدمات المقدمة للفقراء - على سبيل المثال- في مناطق مختلفة، وذلك حسب الوفرة المادية للجهة، إذا ليس هناك حدّ لما يمكن تقديمه، وبناء عليه فإن التفاوت كبير وقائم، وتبقى - من جراء ذلك - بعض الجمعيات دون داعم، تتعثر مشاريعها الأولية، لأن الدعم قد انصرف لجمعيات أخرى أكثر قدرة على التسويق لمشاريعها، مع قلة حاجتها لكل تلك الأموال، وكثرة مواردها.

وأنا هنا  أدرك - يقينا - أن تلك الأموال التي يتم جمعها من المتبرعين بأي صورة من الصور، فإنها تصرف على الشريحة المستهدفة، بكل أمانة وصدق، ولا تلام الجمعية التي وصلت إليها تبرعات وافرة في أن تنفقها على المحتاجين وتزيد من مستوى الخدمات المقدمة  لهم، إذ ليس لها أن تحيل شيئاً من تلك الموارد إلى جمعيات أخرى حتى وإن علمت مقدار حاجتها.

لكنني أزعم أن عدم وجود التنسيق بين مؤسسات العمل الخيري وجمعياته ولجانه أدى وسيؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، الذي يضر في نهاية المطاف بالشريحة المستهدفة.

وأدرك أن (وجود منصة موحدة) يتم فيها عرض المشاريع من الجمعيات، ويتم من خلالها كتابة الدعم، من شأنه أن يعطي الجميع تصوراً أدق عن حجم وعدد المشروعات، وطبيعتها، ومدى الحاجة لها، مع مقارنة آلية مع الجمعيات المشابهة داخل المنطقة وخارجها.

 ويمكن ان تحتوي المنصة على موازنة الجمعية للعام الحالي، ومصادر الدخل الثابت وغير الثابت لها، بالإضافة إلى ماتم صرفه في العام المنصرم، ليكون متخذ القرار بالتبرع ( فرداً كان أو جهة) على وعي تام بمسار عمل الجمعية وإنجازاتها.

إن التنسيق مهمة تكتنفها جملة من الصعوبات دون ريب، لكن الحاجة إليه ماسة جداً.

وإنني متشوّق لسماع ذلك الذي يعلّق الجرس، ويطلق صفارة البدء بعمل تنسيق جماعي مشترك يتبناه المانحون؟

إلى ذلك الحين وأرجو أن يكون أقرب من القريب، دمتم بخير.


محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

مارس 25, 2020

أصناف الناس مع فيروس (كورونا)؟

يعرض للمرء طوال حياته ظروف قاهرة لا يملك تجاهها تغييراً ولا تبديلاً، فيضطر - غير مختار- إلى ترك الأعمال والانقطاع عن الكثير من العلاقات، والتوقف عن عدد من الأنشطة الحياتية المختلفة، وقد يكون هذا الظرف القاهر: مرض مقعد، أو حادث مؤلم، أو قريب يحتاج إلى عناية تامة وملازمة، أو سفر بعيد، أو غير ذلك من الأسباب..
ومن أمثلة ذلك : الفيروس الذي أصاب العالم اليوم فأوقفت لأجله صلاة الجمعة و الجماعة، وتوقف التعليم، والترفيه، والطيران، ووسائل النقل العامة، وتأجلت كافة الأنشطة الجماعية، وصار لزاماً على الناس أن يمكثوا في بيوتهم فلا يغادروها بغية تقليل فرص انتشار هذا الوباء، وتسهيل محاصرته.

والناس في مثل هذه الظروف يشتركون في المشكلة، ويتقاربون في تضررهم منها، لكونها بلاء عاماً لا يفرق بين شخص وآخر، إلا أن بينهم وبين بعضهم ما بين المشرقين والمغربين في مجال التعامل مع هذا الحدث وأشباهه من أحداث مقعدة للمرء عن الحركة.

فمن الناس - وهذا هو الصنف الأول -  من يمضي أيامه ولياليه مكسور الجناح، لا يكف عن الشكوى والتحسر، يندب حظه، ويذم وضعه، ويشرح للآخرين حجم السوء الذي يعايشه، والفراغ الذي يقتله، والحزن الذي يحيط به، وهو في كل يوم أسوء من سابقه، ينظر للحياة بمنظار أسود، ويتوقع ألا يكون الغد خيراً من اليوم.

فتمضي ساعاته وأيامه دون إنجاز، بل يخسر الكثير من إنجازاته السابقة، يمضي وقته في الأحاديث التي لا فائدة منها، وتقليب القنوات، وتصفح كل شيء على جواله، ومشاهدة كل مقطع، وتتبع كل وسم (هاشتاق)، والإفراط في متابعة مشاهير الشبكات الاجتماعية، فلا يزيده ذلك إلا حسرة وتألماً.

وهذا الصنف من الناس يعيش حياته دون هدف، ولا يحلم بشيء، ولا يعرف نفسه حق المعرفة، ولا يدرك نقاط قوته ولا نقاط ضعفه، وليس لديه خطة مستقبلية للحياة.. إنه فعلاً على هامش الحياة، زائد عليها.

أما الصنف الآخر من الناس.. فهم الذين يتعاملون مع كل حدث بالنظر إلى الوجه المشرق منه، يؤمنون بقضاء الله وقدره، ويدركون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وينتقلون بتفكيرهم إلى السؤال المهم (ما الذي يمكنني فعله الآن؟) و (كيف أستفيد من هذه المصيبة؟).

ينظرون -دوماً- إلى الكيفية الأنسب التي يمكنهم بها تحويل الخسائر إلى أرباح، والاستثمار الأمثل لتك الأوقات الفائضة، والاستفادة من الجلوس الطويل في المنزل أو المشفى بشكل إيجابي فاعل، ينخرطون فوراً في برامج فردية وجماعية، يتعلمون بها الكثير من المهارات التي يحتاجون إليها، ويطورون أنفسهم، ويقرأون الكتب، ويستمعون ويشاهدون ما يفيدهم في دنياهم وأخراهم.

وهم لا يكتفون بتحسين ذواتهم، والرفع من قدراتهم، بل يطمعون إلى أن يكونوا مؤثرين على غيرهم، فاعلين في مجتمعهم، فتراهم يوظفون قدراتهم، والتقنيات الحديثة اليوم، وشبكات التواصل، وشبكة الإنترنت، يسعون لتوظيفها لإحداث الأثر، فيكتبون، ويغردون، ويدونون، وينظمون، ويحفزون، ويسعون إلى تغيير مفاهيم أكبر قدر من الناس.

تراهم بعد انجلاء الغمة، وزوال الكربة فإذا وجوههم تتهلل فرحاً، تعلوهم البسمة، ويغشاهم الرضا، يتذكرون تلك الأيام الخوالي، فيذكرون خيرها وبركتها عليهم رغم كل آلامها، ويتحدثون عنها وكيف أنها ساهمت في الرقي بهم نحو مدارج الفوز، ويعددون حجم الأرباح التي استطاعوا جنيها من تلك الفترة بينما كان غيرهم يندب حظه، ويعض أصابع الندم على حجم خسائره منها.

ورسالتي هنا للجميع:
نحن في بدايات هذه الأزمة العالمية التي لا ندري متى يكشفها الله، فلنبدأ - من اليوم-  في التوجه نحو الاستفادة من هذه الأوقات، ولنرسم لنا ولعائلاتنا أهدافاً ممكنة التطبيق، وخططاً قصيرة المدى، ونتسابق نحو تحقيقها، ولنسع للاحتفاء بكل نجاح نحققه، ولنجعل القرب من الله تعالى، والعودة إليه، وتلاوة كتابه أحد معالم هذا التوظيف الأمثل للوقت.

وحين نصنع ذلك فإنني واثق بأن النتيجة ستكون فوق ما هو متوقع، وستصبح الأزمة علامة إيجابية فارقة في حياتنا جميعاً.

اسأل الله أن يكشف الضر، ويزيل البأس، ويحمي مجتمعنا من شر طوارق الليل والنهار، ويديم عليه الأمن والإيمان، إنه سميع مجيب.
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

مارس 23, 2020

تأملات في (حظر التجوّل)

في ثنايا البلاء، تكمن النعمة، شعرنا أم لم نشعر.
ففي الوقت الذي نمتنع فيه عن الخروج من منازلنا لأول مرة في تاريخ بلادنا، ويفرض على الناس حظر التجوّل طيلة اثنتي عشرة ساعة يومياً ، ولمدة ثلاثة أسابيع متتالية..
هذا الحدث الجديد علينا جميعاً، والذي يأتي كإجراء وقائي تفرضه المرحلة، وتوجبه المصلحة العامة بهدف تقليل فرص انتشار فيروس كورونا، الذي عصف بمئات الألوف في أنحاء العالم، وهلك بسببه آلف البشر في فترة وجيزة.
هذا الحدث – وأعني به حظر التجوّل- لفت نظري إلى النعمة العظيمة التي نرفل فيها، ألا وهي نعمة (الأمن)، إذ أننا - طيلة تلك العقود العشرة المنصرمة -، ونحن نعيش الأمن واقعاً، ونراه يعمّ أرجاء البلاد، لذا لا عجب أن يكون مصطلح (حظر التجوّل) مصطلحاً غريباً علينا تماماً، فرغم أننا كنّا نسمعه كثيراً في وسائل الإعلام حين تنقل لنا نشرات الأخبار الأوضاع في شتى البلدان والأمصار، إلا أنه بعيد كل البعد عن مجتمعنا المبارك.

ومن فضل الله ونعمته أن قرار فرض (حظر التجول) لم يأت بهدف معالجة اختلال أمني، ولم يأت جراء فقدان للسيطرة على الأمن، وإنما جاء - أسوة بكل الدول الناضجة - كإجراء وقائي متقدم يستهدف مصلحة المواطن، وحمايته من الضرر الذي يمكن أن يقع عليه من جراء التنقل والحركة والمخالطة التي تتسبب في انتقال الوباء.

ومن جهة أخرى، أشعرني هذا المكث الإلزامي في البيت، بنعمة (الحرية) التي يتمتع بها الواحد منا، حرية اتخاذ القرار، وحرية الحركة، وحرية السفر، وحرية التسوق، وحرية الخروج للمنتزهات، مع ألوان كثيرة من الحرية التي لم نعد نشعر بها ولم ندرك حجمها وأهميتها، حتى جاء الحجر المنزلي، وحظر التجول ليعيدا لنا استشعار النعمة وحمد الله عليها.

كما أن هذا المكث الإلزامي جعل الجميع يعود إلى أحضان أسرته، فبعد أن فرقتهم التقنية، وأشغلتهم الشواغل، وانطلق كل فرد من أفراد العائلة إلى مدرسته أو جامعته أو وظيفته أو تجارته أو أصحابه، ها هم اليوم يعودون القهقرى إلى الحصن الحصين، إلى الأسرة الصغيرة التي هم جزء منها، يعيدون المياه فيها إلى مجاريها، ويصلحون من جسور المحبّة ما انقطع، ويسقون من أشجار الصلة ما طاله الظمأ، ويتأملون في حياتهم، ويتدارسون أوضاعهم، فقد جمّعتهم الكورونا بعد افتراق، وألفت فيما بينهم، وأزالت عوائق التواصل التي فرضتها ظروف العصر وأوضاعه.

ما أحوجنا دوماً إلى التساؤل بعمق: ماذا علمتنا الأحداث؟ وأي شيء إيجابي جلبه لنا هذا الحظر الإلزامي، وماهي التأملات التي يفترض بنا أن ننظر فيها، وكيف يمكننا توظيف هذا الوقت الطويل، وهذا الفراغ الكبير بشكل يجعلنا - بعد زوال الغمة - نتذاكر سوياً تأثيرها الإيجابي علينا، وحجم النفع الذي حققته لنا.

وإلى أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وينكشف البلاء، ويزول الداء ..دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


مارس 08, 2020

يا هذا : اعتزل ما يؤذيك!

تحتاج النفس إلى المزيد من العناية والرعاية لكي تنطلق في آفاق العمل والإنجاز والسعادة، ولذا فهي بحاجة ماسة للتخلص من العقبات والعوائق وإزالتها عن طريقها وتفقد أحوالها بشكل مستمر.
ومن هنا كان نداء (اعتزل ما يؤذيك) مبرراً ومفهوماً ومقبولاً.. فكل أمر يتسبب لك في الكثير من الأذى والقلق والحزن والضيق، فإن المفترض بك أن تضع له حداً، وأن تعزله عن حياتك وفق الممكن، مالم يكن ذلك الشيء مما لا يمكنك الفكاك منه إطلاقاً، وهي حالات نادرة إذ الأصل إمكان ذلك.

واعتزال المرء لما يؤذيه، ليس بالضرورة اعتزالاً (حسياً) بعدم اللقيا، ومفارقة المكان بشكل تام، وإن كان ذلك هو الأصل، فقد يكون اعتزال المرء ما يؤذيه (معنوياً) مع وجود التواصل الحسّي، ويكون بالحرص على الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير العلاقة أو يزيد التوتر، فلو كان أحد الأقارب كالإخوة أوالأعمام أوالاخوال ممن يطالك أذاه، فإن الاعتزال هنا لا يكون بالقطع والهجر والعقوق، بل بترك الخوض معه في نقاط الأذى، وعدم تعميق الصلة بما يزيد الاحتكاك، وتقليل وقت المخالطة قدر الإمكان، مع أداء واجب الصلة للرحم.

ويكون - في بعض الأحايين - ذلك المؤذي مهذباً ولطيفاً ولا يسيء إليك بقول أو بفعل، لكنه يقودك لأذى أعظم، وهو الأذى الأخروي، فيكون عنصراً يقرّبك من السوء، ويهوّن عليك مقارفة الحرام، ويسوقك إلى خطوات الضلالة، فهو في نهاية المطاف "يؤذيك".. فحينئذ يكون الاعتزال له مهماً كذلك، ولتتيقن أن الشيطان وأتباعه يدخلون على المرء - بكل خبث- من خلال "الخطوات اليسيرة" لا الكبيرة، يبدؤون بالشيء اليسير ثم يزيدون خطوة بعد أخرى، ويزينون للنفس التجاوز اليسير شيئا فشيئا، حتى يتورط المرء ويقع فيما يصعب عليه تداركه، ويصبح المرء فيما يشابه النفق المنحدر بقوة والمؤدّي إلى الهاوية، فلا يكون أمامه إلا الاستمرار في هذا الانحدار، والوقوع في أمور لم يكن يظن يوما أنه سوف يصل اليها، فيكون الاعتزال حينئذ دليلاً وعي المرء وعقله وخوفه من الله، ومن عرف كيد الشيطان عامله بنقيض قصده.

أيها الأكارم
إن اتخاذ المرء لقرار الاعتزال للأشخاص والأماكن والمواقع والبرامج والمجموعات والمواد المؤذية قرار يحتاج إلى حزم، ووعي بالقرار ونتائجه، وهو قرار حكيم يكفل للنفس الهدوء والصفاء والسكينة، بعيداً عن خوض المعارك الكثيرة مع أولئك الفارغين.
وفي كل محاولات الاعتزال تلك سواء كانت مع الشيطان أو مع شياطين الأنس أو مع النفس الأمارة بالسوء، فإن المرء ضعيف، وليس أنفع له - بعد عقد العزيمة الصادقة على ذلك الاعتزال - من اللجوء إلى الله، ليعصمه من السوء، ويسوق إليه الخير من حيث لا يحتسب، وأن يعينه على المواصلة والاستمرار.

وليدرك كل واحد منا وليتيقّن تماماً أن كل شيء يتم اعتزاله لأجل الله فإن صاحبه موعود بالعوض عنه ففي الحديث "من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه"، وذلك وعدٌ صادقً غير مكذوب.
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا

فبراير 15, 2020

بين مجد "المنظمة" و المجد "الشخصي"!

تتيح المناصب القيادية المختلفة في المنظمات (الحكومية والخاصة وغير الربحية) لأصحابها ظهوراً مختلفاً ، وتمكّنهم من الوصول إلى مواقع وفرص ومكاسب وبروز إعلامي لا يتاح لبقية الناس، وهو أمر طبيعي من حيث الأصل، فالمتصدّي للناس، والمتحمل للمسئولية سيجد نفسه شاء أم أبى في الواجهة، وهذا أمر مطلوب ومرغوب، فمن لا يريد ذلك فليمتنع عن الصعود إلى المناصب القيادية، وليبق في المكاتب الخلفية يعمل بكل جدّ، وهو مشكور مأجور بإذن الله.
والأصل أن يكون تفكير ذلك القيادي وتخطيطه - دوماً – متوجه إلى كيفية قيام المنظمة بمهامها على الوجه الأمثل، بالإضافة إلى بناء علاقة المنظمة بالجهات المختلفة مما يمكنها من تحقيق أهدافها، ويدخل في مهامه الرئيسة تحسين الصورة الذهنية للمنظمة بالشكل الذي يليق بها.
وتقوم الإدارات المختلفة في المنظمة - في هذا السياق – بجهود متكاملة لتحقيق تلك الأهداف، ويحرص القيادي على تمكين الأفراد من مهامهم، وتفويضهم بالصلاحيات المناسبة التي تجعلهم يواصلون نموهم، ويحققون أهداف منظمتهم بسلاسة.

وهذا المجد الذي تتم صناعته للمنظمة، يحقق لها الكثير، ويجلّي دورها ورسالتها، ويجلب لها المنافع، والاستمرارية، فهو مطلب مهم وجدير بالعناية.

غير أن المشكلة التي أتحدث عنها هنا تكمن في أولئك القياديين الذين ينصرف تفكيرهم واهتمامهم كله إلى مجدهم الشخصي، ومكاسبهم الفردية، التي يلبّسونها ويجمّلونها ويخفونها تحت ستار المصلحة العامة، وتحقيق النفع للمنظمة، وهم أكثر من يعرف بأن حديثهم هذا مجرد خداع.

فتراهم – دوماً – يتصدرون بذواتهم في كل محفل، ويتحدثون عن دورهم الكبير في نجاح منظماتهم، وينسبون الفضل والسبب لأنفسهم، ولا يرضون أن يمر على المنظمة حدث كبير او زائر مهم إلا وهم حاضرون بقوّة، لذا يواصلون الظهور الإعلامي مرة بعد أخرى، ويحرصون على أن تكون كافة أشكال التواصل مع الجهات التي يمكن من خلالها تحقيق المجد الشخصي أو المكاسب قصيرة المدى وطويلة المدى من خلالهم فقط، محصورة فيهم، لا تجاوزهم، ويصبح السؤال الرئيس الذي يحدد قرارتهم *( أين هي مكاسبي من هذا الأمر؟)*

ولهذا يمكن أن يقوم ذلك القيادي – حال تعيينه - بإيقاف مشروع مهم في المنظمة رغم أن أغلبه قد أنجز، ثم يبدأ في إطلاق مشروع جديد بدلاً عنه، لا لعلة في المشروع وأثره، بل لأنه حال اكتماله سوف ينسب لغيره، بينما هو يفكّر دوماً في مكاسبه هو، فيحقق له المشروع الجديد ظهوراً وبروزاً، فضلاً عن المكاسب المالية التي يمكن أن تحصل له من جراء ذلك.

ويجد هؤلاء الصاعدون على أكتاف الآخرين، والجاعلون من منظماتهم سلماً يرتقون من خلاله إلى مكاسب الخاصة، يجدون من يخفض لهم ظهره ليصعدوا عليه، ومن يمد لهم يده ليرتفعوا اعتماداً عليها، طمعا في أن يمنّ عليهم ذلك القيادي المتنفّع ببعض الفتات، فلا ينساهم من حصيلة مكاسبه الكبيرة.

إن هؤلاء الذين يصنعون مجدهم الشخصي على حساب المنظمة لا تعوزهم الحيلة ولا المعاذير لتبرير صنيعهم، وتلبيسه بالحقّ، واعتبارما يقومون به "خطوات مهمة" لا بد منها من أجل مصلحة المنظمة، وإنجاحها، ومن ممارساتهم في هذا الباب أن يخصّوا أنفسهم بانتدابات طويلة وكثيرة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ويسافرون على حساب المنظمة لكل مكان، ويحضرون المؤتمرات التي تقام في الأمصار وإن بعدت مكاناً وموضوعاً، ويشاركون في كل اللجان التي تتضمن علاقات مهمة أو مكاسب مالية حتى وإن لم يكن لهم فيها أي إسهام إيجابي، ويقدّمون القرابين للآخرين على حساب المنظمة فيكرمون ويكثرون الأعطيات لمن يؤملون منهم خدمات شخصية مهمة لأنفسهم.

هم باختصار شديد، لديهم رؤية واضحة مفادها: (المنصب مؤقت، وأنا دائم!)، وبناء عليه يسأل الواحد منهم نفسه: كيف يمكن لي استغلال هذا المنصب بأسرع وأكبر ما يمكن.

وإنما تتعزز هذه الممارسة وتكثر بفقدان مجالس الإدارة الفاعلة التي تراقب الأداء، وتضبط الصلاحيات بما يكفل منع أولئك من استغلال الأمر للصعود بذواتهم على أكتاف المنظمة، ذلك أن مجالس الإدارة النائمة تلجأ إلى تفويض كلّ صلاحيتها أو جلها لذلك القيادي، رغبة في الراحة وعدم الانشغال، وما علموا أن الرجل حوّل المنظمة إلى ما يشبه الملكية الخاصة، والمزرعة الشخصية يتصرف فيها كما يحلو له، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويخصص لنفسه ما يشاء دون حسيب أو رقيب.

كما أن التأكيد المستمر على حسن اختيار القيادة، وقوة المنظومة الأخلاقية لديهم، يضمن بإذن الله قلة هذه الممارسات ووأدها في مهدها، ووضع الضوابط والأدوات التي تمنع من التجاوزات الشخصية قدر المستطاع.

وحديثي كله عن تلك الفئة (القليلة) التي تخطط لمجدها على حساب مجد المنظمة، أما الذين هم بخلاف ذلك فهم الأكثرية الباقية، والنموذج الجميل الذي نفاخر به، فلهم من المجتمع كل التقدير والحب والوفاء.

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنــا