نوفمبر 28, 2019

الرحيل الصعب .. سعد العريفي "صديق أبي"

في يوم الخميس 1 / 4 / 1441هـ توفي العمّ  / سعد بن سعود أبومالك العريفي - رحمه الله -، وصلى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع الملك خالد، و دفن بمقبرة شمال الرياض.

وكان الفقيد / سعد  العريفي - رحمه الله - صاحبا لوالدي (سعد بن محمد العوشن) منذ الطفولة، فرّقتهما الظروف والأحوال وظيفياً وجغرافياً فترة من الزمن، وجمعتهما المحبة والصلة والقرابة.

كما كان الفقيد -رحمه الله- كريما مضيافا لا يملّ ولا يكلّ من التواصل والدعوة للولائم في مزرعته وبيته.
وقد ‏اعتاد والدي -حفظه الله- على لقاء أسبوعي في مزرعة الفقيد كل ثلاثاء، حيث كان الفقيد يتصل كل مرة للتأكيد والتأكد من حضور أبي، ولم يكن سعد العريفي يترك هذا الاتصال إطلاقا سواء كان والدي حاضرا او مسافرا.

‏وبعد أن أجهده المرض، وتكرر عليه التعب، واحتاج إلى مزيد من الاهتمام والقرب من المستشفيات، انتقل من مزرعته بجوار المزاحمية (جو) إلى منزله في حي الخزامى، ونقل معه وليمته الأسبوعية التي يجتمع فيها جملة من الأقارب والرفاق.

‏وكان حسّ الطرافة والظرافة ملازما للفقيد -رحمه الله- في كل حالاته، فكنا نزوره في المستشفى في بعض المرات التي دخل فيها، فيهش ويبش، ويضحك، ويذكرنا ببعض مواقفه الطريفة مع الوالد او مع بعض الأقارب، فنخرج وقد أنسنا بلقياه، مع التعب الذي يعاني منه.

وكان يختم كل اتصال او لقاء بالتأكيد علينا لحضور هذه الوليمة أو تلك من المناسبات التي سيقيمها بعد خروجه من المشفى بأيام.

كما كان الفقيد في شبابه موظفاً بالمنطقة الشرقية، وحين توفي والده، طلب من مديره أن يوافق على نقله للرياض ليرعى أمه، وإخوانه وأخواته، فإن تعذر ذلك فإنه يرغب في الاستقالة، فكان أن وافق على نقله للرياض، فقام على شؤون أمه وإخوانه خير قيام، واعتنى بهم، واشترى بيتاً أسكنهم فيه، وبذل في ذلك حتى تيسرت أمورهم واستقلوا عنه.

ثم سافر في رحلة لطلب لقمة العيش إلى المنطقة الجنوبية حيث عمل فيها سنين طويلة، ولم يعد للرياض إلا حين كبر سنه واحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام والقرب.

‏ولأن الجزاء من جنس العمل فقد رزق الله الفقيد - رحمه الله- بعدد من الأبناء البررة الذين لا تكاد تفتقدهم في مزرعته ومنزله، يرحبون بضيوفه، ويتفقدون احتياجاته، وينظرون فيما يسعده، ويسافرون به إلى الأماكن التي تدخل السرور إلى قلبه، بل ويتفقدون أصدقائه الذين يعلمون أنه يفرح بمجيئهم.

‏وفي أيامه الأحيرة زاد عليه الألم والوجع، وكان يعطى مسكناً ومنوماً لتخفيف الآلام، مع ذلك كان يوصي ابنه المرافق له ويقول (يا ولدي ..احسب لي صلواتي) حرصاً على أن لا تفوته أي صلاة.

 رحمك الله يا أباخالد، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، ورفع درجاتك في المهديين، و اخلفك في عقبك في الغابرين.

وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا سعد لمحزونون، ولا نقول إلا مايرضي ربنا..
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد بن سعد العوشن
الرياض 2 / 4 / 1441
@bin_oshan



تتمة ذات صلة : 
بقي أن أشير هنا إلى أن مبدأ هذه العلاقة بين سعد العريفي (أبوخالد) وسعد بن عوشن (أبوحسان)، وهو العلاقة الوثيقة جداً التي كانت تربط بين أمهاتهما نورة بنت سعد العريفي ، رفعة بنت إبراهيم العوشن، فقد كانتا متجاورتين في المسكن ونشأت بينهما صداقة قوية في عصر كانت الحاجة والفاقة فيه شديدة، وكانت كل واحدة منهما تفزع للأخرى في كل ما ينوبها.
وأنجبت كل واحدة منهن ولداً اسمه سعد، وكعادة القرى والريف، يتم إطلاق الألقاب على الأطفال للتمييز بينهم، فقامت جدتي رفعة - رحمها الله - بالتشكّي لصديقتها من اللقب الذي لحق بابنها (والدي) فقالت نورة العريفي ( والدة سعد ابومالك) : ابشري يارفعة، هذا اللقب سيكون لابني وليس لابنك وانا كفيلة بنقله عنه وتلبيسه لابني ، وفي اثناء لعب الصبيان بجوار بيتها خاطبتهم وقالت لهم : يا عيال .. سأعطيكم طعاماً تأكلونه، لكن ذلك مشروط بشرط، فقالوا : موافقون، فما هو؟ قالت أن تكفوا عن إطلاق هذا اللقب على ابن عوشن، وتطلقونه على ابني سعد ففرح الصبيان وطبقوا الشرط، فبقي اللقب مخصوصاً به حتى وفاته، بل انتقل إلى كل أحفاده الذين حملوا اسمه (سعد).
وكانت هاتان الصديقنات الحميمتان تتزاوران طيلة حياتهما رغم كبر سنهن وضعفهن ومرضهن.
وكانت هذه العلاقة سبباً في نشوء علاقة قوية بين كلتا العائلتين ولازالت العلاقة في قوة ومتانة وتوسع بحمد الله.

نوفمبر 26, 2019

فن التصوير بالجوال

في ورشة عمل عقدها الأستاذ عبدالرحمن التركيت عن ( فن التصوير بالجوال) تحدث بحديث المجرّب الخبير عن مجموعة من النقاط الجميلة، والمؤثرة على كيفية اختيار الصورة، والإعدادات، ورغبة في إفادتكم، فإنني أضع بين أيديكم هذه الفوائد بشكل موجز.
وصايا مهمّة :
✅ نظف العدسة بشكل سليم وباستخدام قماش تنظيف النظارات
✅ استخدم برنامج تصوير الجوال الأساسي وليست البرامج الأخرى.
✅ ابتعد عن الفلاتر في التصوير
✅ أقفل الفلاش
✅ لا تحرص على استخدام الزوم قدر الإمكان لانه يأخذ من جودة الصورة.


✅ عند تصوير شيء متحرك ( لعب، مدرب، ..) فاستخدم خاصية التصوير السىريع التي تلتقط عدد كبير من الصور بشكل متتالي، ثم اختر الانسب من الصور او وافق على الصورة التي التي يختارها لك الجوال من هذه المجموعة.
✅ أظهر (خطوط الشبكة) دوما ، لأنه تعينك على مجموعة من الجوانب ذات العاقة بجودة الصورة.
✅ ضع الصورة المهمة في النقاط الذهبية للشبكة، وهي نقاط الالتقاء بين خطوط الشبكة
✅ استخدم الخطوط لضمان توازن الصورة وعدم ميلانها.
✅ أفضل اضاءة يمكن التصوير فيها، هي : إضاءة الشمس ( بعد الشروق بساعة وقبل الغروب بساعة) واذا كانت السماء وقت الظهيرة فيها غيوم  فهذا رائع لأنه يعطي نعومة للصور الملتقطة.

✅ حدد نوعية الإضاءة الداخلية للكاميرا من خلال الضغط على نقطة في الشاشة ثم رفعها او تخفيضها ثم تثبيتها عند الدرجة المطلوبة.
✅ الفوكس عنصر نجاح للصورة فحدد ماتريد فوكسته بالضغط على ماتريد التركيز عليه، ليكون الباقي أقل وضوحاً
✅ العزل يكون أجود وأجمل حين يكون الجوال والشيء المراد تصويره أقرب نسبياً من الشيء المحيط .
✅ فعّل خاصية ال hdr عند الحاجة لها.
✅ حافظ على ثبات الكاميرا دون اهتزاز، ويمكنك أن تتكئ على شيء ثابت (طاولة - جدار) أو استخدم حامل.

✅ الصور التي التقطتها مائلة يمكنك تعديلها فيما بعد باستخدام خيارات التدوير في برنامج تحرير الصور المدمج مع الكاميرا.
✅ نظّف مكان التصوير (المحيط) ورتبه قبل التصوير وحرك العناصر للحصول على صور جميلة.
✅ اختر خلفية مناسبة أو اجلبها.
✅ استخدم خاصية التصوير السريع.
✅ نمط البورتورية هو أجود ما يكون لتصوير الوجوه .

✅نمط ( البانوراما) لتكون الصور الناتجة جميلة وسليمة من العيوب : ثبّت يدك ، اجعل الحركة مستوية وهادئة تستهدف توسيع مجال التصوير من اليمين لليسار أو العكس.
✅ تصلح البانوراما  لالتقاط المبنى الكبير وانت قريب منه فتاخذه من الأسفل للاعلى.
✅ قص الزوائد إذا كانت تشوش على جمال الصورة.
✅السيلفي لابد يكون فيه موضوع  يتضمن المحيط او الحدث اللي تصور به، وليس مجرد صورة للوجه.
✅ تعليمات السيلفي :
        *واجه مصدر الاضاءة
        *ضع الكاميرا أمامك على مستوى الوجه
        *النظر بوجه الكاميرا لا الشاشة
        * ابتعد قليلاً عن الشاشة
        *المسافة والزاوية :
                _ لتكن المسافة بين وجهك والجوال هي كامل امتداد الذراع
                _الكاميرا من الأسفل تعطي تضخيم وتسمين
                _الكاميرا من الأعلى تعطي وسامة ورشاقة اكثر
        *لا تكثر التدقيق في التفاصيل بعد وقبل التقاط صورة السيلفي، فلا أحد يرى هذه التفصيلات إلا أنت غالباً.


✅ صوّر الموضوع اكثر من مرة ثم اختر الأنسب من الصور.
✅ استخدم التايمر لالتقاط صور أكثر ثباتا
✅ بساطة الموضوع مهمة
✅ تذكّر قوة الابيض والاسود
✅ جرب القرب من الماء

✅ وظّف قوة الانعكاس
✅ استخدم قوة التأطير ( جعل بعض أجزاء المكان إطاراً لتصوير شيء آخر في المكان نفسه)
✅ أحياناً يعطي الاقتراب من الموضوع زوايا ابداعية غير متوقعة.
✅ حاول الإبداع في اختيار زوايا جديدة للأشياء التي صورها كثيرون، فلا يوجد موضوع انتهى تصوبره


للتواصل مع المصوّر الاحترافي يمكنك الدخول على موقعه من هنا:
www.2rk8.com

 أو معرفه على تويتر : 
https://twitter.com/a_alterkait1

أو قناته على اليوتيوب :
https://www.youtube.com/user/2rk8/videos

نوفمبر 26, 2019

ملاحظات مهمة .. لما قبل الحوكمة

تتحدث بعض التقارير عن “البنك الدولي” وأنه يعاني من “الفساد”، وفي الوقت الذي يطلب فيه البنك من حكومات العالم محاربة الفساد وترشيد الإنفاق، فإنه يمنح رواتب عالية (جداً) لموظفيه، بما تبدو معه أكثر حكومات العالم فساداً في حكم المتقشف، فيتقاضى رئيس “البنك الدولي” راتباً يبلغ 120% من راتب رئيس الولايات المتحدة، كما يمنح البنك لموظفيه بدلات سخية جداً، وإجازات سنوية طويلة جداً! وقريب من ذلك ما يقوم به “صندوق النقد الدولي” و”هيئة الأمم المتحدة” وعدد غير قليل من منظماتها، ففي كل بلد تحل فيه تلك المنظمات تتكشف الأمور عن حالات فساد واسع النطاق باسم العمل الإنساني.

كما أن حالات فساد واسعة النطاق تتم في البنوك المركزية في دول العالم!  مع أنها المؤسسات التي يفترض أن تكون الأكثر حوكمة، فمن فضيحة فساد بطلها محافظ البنك المركزي المصري، وتقرير يثبت إهدار ما يتجاوز 11 مليار جنيه بالبنك العربي الأفريقي والمصرف العربي الدولي، إلى خبر هروب المتهم الرئيسي في قضية فساد البنك المركزي الإيراني ” سالار أقاخاني” خارج البلاد، إلى خبر بعنوان عريض عن   17  شبهة فساد في عمل البنك المركزي العراقي، وقضايا تهريب مليارات الدولارات إلى خارج العراق، مروراً بخبر عن إيقاف خمسة من موظفي البنك المركزي التونسي، بشبهة فساد وتبييض أموال، والأخبار في هذا السياق أكثر من أن تحصر، إذ ما إن تموت قضية فساد حتى تنكشف أخرى.

ولسائل أن يسأل سؤالاً بريئاً: أين هي إجراءات الحوكمة التي تضبط العمل، وتضمن الوقاية من وقوع الفساد في “منظمات دولية” و”مؤسسات عابرة للقارات” و”مؤسسات مالية كبرى”؟ أين تأثير ذلك الضجيج باسم “الحوكمة”؟

إن  الحماية من الفساد– من وجهة نظري- يجب أن لا تعتمد على الإجراءات واللوائح والتنظيمات وحدها، بل يكون الأساس في ذلك هو اختيار “القوي الأمين” مع إيلاء الأمانة اهتماماً أكبر، على أن تكون التنظيمات واللوائح والأدوات أدوات تكميلية، ذلك أن الاكتفاء بالقوة والمعرفة والخبرة مع تقليل أهمية (الأمانة) و (الموثوقية) يسبب خللاً كبيراً في العمل.

وقد جاء القرآن واضحاً جلياً في إعطاء موضوع “الأمانة” أولوية عالية، واعتبرها أحد أهم عوامل الاختيار للولايات، لذا جاء في حال الفتاتين اللتين سقى لهما موسى عليه السلام، فحدّثتا والدهما فقالتا له: (… يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، وفي قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وحديثه إلى عزيز مصر قائلاً: (… اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).

وحين  استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللُّتْبيَّة على صدقة، ثم قدم ومعه الأموال والأمتعة، أخذ يفرزها ويقول: (هذا لكم، وهذا أُهدي لي)، فقام النبي صلى الله عليه وسلم  فصعد المنبر ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي! فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرةً لها خوار أو شاةً تيعر) ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه وقال (ألا هل بلغت ) ثلاثاً.

ولم يكتفِ بذلك بل قال صلى الله عليه وسلم: (مَن استعملناه منكم على عمل، فكتَمَنا مخيطًا فما فَوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (هدايا العمال غلول).

فموضوع “الأمانة” كان ولا يزال مهماً جداً في عملية الاصطفاء والاختيار، إذ يتكئ المنهج الإسلامي على “الضمير” و”الذمة” وتحمّل المسؤولية، ويعوّل على المراقبة الذاتية في الكثير من أحكامه وتشريعاته، ويعتمد بشكل واسع على تحميل المرء المسئولية الكاملة عن أفعاله وتصرفاته، سواء علم بها الناس أم لم يعلموا.

وهذه المفاهيم الروحانية والإيمانية غائبة تماماً عن الثقافة الغربية الرأسمالية التي تعصف بالعالم اليوم، حيث الاعتماد على الأدوات والأنظمة واللوائح فحسب، وهي الأنظمة التي تعتمد بشكل كُلّي على الرقيب البشري والنظامي، فلا عجب أن يحدث هذا الخلل الكبير.

وليس عجيباً أن تغيب هذه المفاهيم الإيمانية عنهم، فيضطرون إلى اللجوء للمتاح من الأدوات التي قد تضبط الأداء، لكن العجب لا ينقضي ممن اختصهم الله بهذا الدين، وعلّمهم أن رقابة الله أعظم من كل رقابة، وأن مع المرء ملائكة تقيّد كل أقواله و أفعاله، وأن (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، ومع ذلك يتجاهلون ذلك الواعظ العظيم، ويتغافلون عن أهمية إحياء الضمائر، وتزكية النفوس، وتنمية وتعظيم الخوف من الله، باعتباره الوازع الحقيقي الذي يمنع من الوقوع في المخالفات، والتجاوزات والفساد حتى وإن وجد المرء ثغرة في النظام، أو غفلة من الرقيب، تتيح له السرقة، أو التجاوز.

ما أريد أن أؤكد عليه في نهاية حديثي هذا أنني لست أزهّد في أدوات الضبط والحوكمة والرقابة والشفافية، غير أنني ألوم الذين يبالغون في تضخيم هذه الأدوات، ويحسنون الظن بها، ويتوهمون بأنها – وحدها – كافية في تحقيق الضبط، فينقلونها كما هي، ويغفلون أن العامل الأكثر أهمية وتأثيراً وضماناً ليست الحوكمة، بل اختيار “القوي الأمين”.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

نوفمبر 26, 2019

اسأل دوماً عن موقف الرجل النبيل!

في صباح يوم صيفي جميل، وقع في يدي كتاب “الرجل النبيل” للشيخ علي الفيفي، حفظه الله، فبدأت أقرأ الكتاب، وإذ بي أشعر أني أنتقل من مكاني، وأعيش مع المصطفى ﷺ في أحواله المختلفة، في رضاه وغضبه، في شدته ولينه، في بيته و مجتمعه، وقد حلّقت مع تلك المواقف كثيراً، ثم تأملت حال المسلمين اليوم، ومدى قربهم وبعدهم من هديه، وأيهم أكثر شبهاً بفعاله ﷺ..

ذلك أن الإسلام كان –ولا يزال- نقياً طاهراً واضحاً رغم كل جهود التشويه والتلبيس، فالله تعالى قد أكمله للناس (اليوم أكملت لكم دينكم) وحفظ كتابه من التحريف كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) وأخبرنا ﷺ بأنه قد تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك (كتاب الله وسُنتي)، وبموجب ذلك فالدين واضح جلي لا يحتاج لمجادلات طويلة لإيضاحه متى صدقت النية في السؤال عن الحق والبحث عنه.


غير أن جملة من المنتسبين للإسلام اليوم قد انخرطوا في مناهج وسبل مختلفة منحرفة عما جاء به الدين، ولم يكتفوا بذلك، بل زعموا أن ما هم عليه من زيغ وضلال هو “الإسلام”، والإسلام من صنيعهم براء.

فاتخذ بعض أولئك من “الغلو والتشدد” منهاجاً، فضيّقوا الواسع، وحرّموا الحلال، وأخذوا الناس بالشدّة والقسوة، وزعموا أن هذا من قوة الإسلام وشدة بأسه.

ومن تأمل في أفعال أولئك، وأفعال “الرجل النبيل” ﷺ وأقواله وسيرته، سيدرك حجم انحرافهم وبعدهم عنها.

كما أن جملة من المنتسبين للإسلام قد اتخذوا من “الانحلال” والتفلُّت من شرائع الإسلام مسلكاً وسبيلاً، وزعموا أن هذا هو الإسلام ببساطته ويسره وسماحته..

ومن تأمل في أفعال أولئك، وأفعال “الرجل النبيل”  ﷺ وأقواله وسيرته، سيدرك حجم انحرافهم وضلالهم كذلك.

والحقيقة أن هؤلاء وأولئك كاذبون في نسبة أفعالهم الذميمة والمنحرفة إلى الإسلام، وهم مفترون على دين الله، قد لبّس عليهم الشيطان وأغواهم وأضلهم عن الصراط المستقيم، فتركوا منهاج المصطفى ﷺ وراءهم ظهرياً، واتخذوا من رغباتهم وميولهم ديناً لهم، فضلوا سواء السبيل.

إن مراجعة سيرة الرجل النبيل ﷺ والاقتداء به، واتخاذ أقواله وأفعاله منهاجاً، واعتبارها مقياساً للصواب والخطأ من شأنه أن يضبط مسيرتنا، ويعيد توجيه بوصلتنا الشخصية والمجتمعية، ولذا فواجبنا تجاه كل سلوك جديد، وأسلوب حادث، ونازلة مستجدة، وفي ظل التضليل الإعلامي الكبير الذي يغمر الأرض اليوم وفي ظل قيام المتطرفين من (المتشددين) و(المتحللين) بجهود كبيرة للترويج لباطلهم من خلال نسبة هذه المواقف والأفعال إلى الإسلام.

نحن بحاجة إلى أن نطرح هذا السؤال السهل اليسير، والعظبم في الوقت ذاته:

لو كان رسول الله ﷺ معنا اليوم، أكان يرضيه هذا الصنيع ( التشدد أو التفلّت)؟ أكان يشارك فيه؟ أكان يجيز للناس فعله؟ أكان يوصون الناس به؟ أكان يباركه؟

وإنني لأجزم أن الإجابة الصادقة على هذه التساؤلات ستكشف عن موقف الإسلام من هذه الأعمال بشكل واضح جليّ.

إن دين الإسلام الحق ليس مجرّد ادعاءات ومزاعم ومسميات وأشكال، ولكنه الاستسلام لله بالطاعة، والانقياد التام لأمر الله، والرضوخ لحكم الله.
 إنه – في حقيقته – مخالفة النفس والهوى وقبول قول الله دون تردد (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا).
إنه تحكيم شرع الله المطهر، وزوال الحرج من النفوس تجاه أحكام شرع الله، وهو التسليم التام لهذه الأحكام الشرعية سواء رضي الناس عنها أم سخطوا، وهذه حقيقة “الإسلام” كما نزل على محمد، ذلك هو الإسلام، وذلك هو منهج الرجل النبيل ﷺ الذي أمرنا باتخاذه قدوة، وطلب منا أن نسير على خطاه، لأنه (لا ينطق عن الهوى)، جعلنا الله جميعاً من أتباعه.

دمتم بخير ،،،



محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 28, 2019

عن المؤتمرات .. مرة أخرى

تحدثت في مقالة سابقة عن الملتقيات والمؤتمرات التي ينفق عليها الكثير، وهي لا تحقق الكثير! وهو حديث ربما لم يرق للبعض، لكنها وجهة نظر أرى أن الأيام والليالي تزيدني قناعة ويقيناً.
ولأن أحد الشبهات التي تتردد على المسامع (أن من أهم فوائد المؤتمرات والملتقيات تكمن في اللقاءات الجانبية والتشبيك أثناء الانعقاد)..

فإنني أود الإشارة إلى أن هذه الفائدة (المزعومة) تحصل تبعاً لا استقلالاً، كما أنها فائدة تخضع لطبيعة الحضور ومدى قدرتهم وحرصهم على القيام بهذا النشاط الجانبي، فليست متحققة بالضرورة، كما أنها لو كانت هي الهدف الأهم فإنها لا تتطلب كل هذا الإنفاق الضخم من أجل تحقيقها.

فإذا كان الهدف من المؤتمر والملتقى أن يتم جمع المهتمين والعاملين في مجال ما من أجل الإثراء المتبادل، والحوار الثنائي، ومناقشة التجارب، فإن أسلوب عقد المؤتمرات بصورته الراهنة لا يخدم هذا الأمر، ولا يشجع عليه، وأحياناً لا يمكّن منه، فالجدول مزدحم بأوراق العمل المتكاثرة والمتتالية، وأوقات الراحة المحدودة في فترة المؤتمر، فضلاً عن عدم وجود القاعات والجلسات الصغيرة المجاورة التي يمكن الاستفادة منها في هذا الأمر، وعدم وجود قاعدة بيانات بالحضور ووسائل التواصل معهم مسبقاً ليتاح للمشاركين فعلاً سهولة التواصل والتشبيك، وهي تدل على أن التشبيك فائدة غير مقصودة أصلاً!

ومن هنا فإنني أدعو الجميع إلى إعادة المراجعة والتأمل والدراسة لمدى أهمية إقامة الملتقى والمؤتمر فعلياً قبل اتخاذ القرار بإطلاقه، إذ يجب أن يكون الهدف من المؤتمر واضحاً جلياً، وأن تكون الشريحة المستهدفة واضحة كذلك، وأن نتأكد أن هناك ثماراً كثيرة لا يمكن تحققها إلا بعقد المؤتمر، وأن يكون لدينا الجرأة والشجاعة على إيقاف وتأجيل أو اختصار أو إلغاء المؤتمر حين يبدو أن حجم ونوع الأوراق المطروحة لا ترقى إلى أن تقدّم شيئاً ذا بال.

وأخيراً فإن التقنيات الحديثة اليوم قد قلبت المعادلة، وغيّرت الأساليب، فجمع الناس من أماكن متفرقة وبلدان متنائية، وجلوسهم في قاعات واسعة، ووجود منصة يصعد عليها المتحدثون، والسفر لأجل الحضور بكل معاناته، وتكاليفه، بات أسلوباً تقليدياً قديماً، فالتقنية – اليوم- قد أتاحت أن يتواصل الناس بشكل مسموع ومرئي عن بعد، وأن يتمكن مقدمو أوراق العمل من الحديث وهم في أقصى الأرض، كما أن التقنية أتاحت أن يستمع ويشاهد تلك المادة في الوقت ذاته ألوف الأشخاص بل مئات الألوف، مع تكلفة منخفضة، ومرونة في الوقت، وقدرة على إدارة التعليقات والتعقيبات، بالإضافة إلى أرشفة تلك المواد وإتاحتها للمستفيدين عند رغبتهم في سماعها أو العودة إليها لاحقاً.

لذا أتمنى :

أن أرى تقلصاً للمؤتمرات والملتقيات الحقيقية، وأن يكون التوجه إلى المؤتمرات والملتقيات الافتراضية،

 وأن يتم في الوقت ذاته عقد لقاءات التشبيك والتواصل بشكل يحقق نقل الخبرات وتبادلها، 

وأن يتم تقييم أوراق العمل بشكل حازم يستبعد بموجبها كل ورقة لا ترقى لأن تأخذ أوقات الحاضرين، وجهدهم، 

وأن يتم بكل بساطة تأجيل أو إلغاء المؤتمر أو تقليل جلساته أو اختصار وقته دون أي تحرّج من ذلك، 

وكلي أمل ورجاء أن يكون ذلك معلماً واضحاً مشاهداً في قادم الأيام.
دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
@bin_oshan
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

_______________________

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 17, 2019

أقولها بصراحة :لا ملتقى .. لا مؤتمر !


 في كل عام، وفي كل مدينة، وفي كل جهة، تنطلق جملة كبيرة من الملتقيات والمؤتمرات التي تبدأ ولا تنتهي، فمن مؤتمر إلى آخر، ومن ملتقى إلى الذي يليه، فهذا الملتقى الأول، وذاك المؤتمر الأكبر، وهذا الملتقى الأوسع، وهذا المؤتمر المتخصص.. في سلسلة لا تكاد تنتهي، وفي شتى المجالات..
وحين ينتهي الملتقى والمؤتمر، فإن جهود الجهة والقائمين عليها تتوجه مباشرة إلى التفكير في الملتقى التالي، ولهذا يقترن اسم المؤتمر والملتقى بالرقم، وتتحول إقامة المؤتمر من مبادرة ذات هدف واضح جليّ – أحياناً- في بداية الأمر إلى واجب يجب القيام به سواء كان هناك شيء جديد يوجب إقامته أم لا، وتتحول مهمة اللجان العلمية للبحث بكل الطرق عن أي ورقة عمل يمكن أن تملأ بها أوقات المؤتمر.

ووجدت أن كثيراً من الجهات ترى أن من المعيب أن يتوقف اللقاء بعد سنوات من انطلاقه، مع أنني أرى أن شجاعة “الإيقاف” و”الإغلاق” لا تقل أهمية عن شجاعة “البدء” و” الإطلاق”

ورغم أني قد حضرت عدداً غير قليل  من الملتقيات والمؤتمرات المتنوعة الموضوعات، من التعليم، إلى التقنية، إلى الإعلام، إلى العمل الخيري، داخل المملكة وخارجها، إلا أنني وجدت – وبشكل واضح جلي- أن كثيراً من تلك المؤتمرات والملتقيات رغم كل تكاليفها العالية ( المالية، والبشرية، والزمنية) فإن جملة كثيرة منها – من وجهة نظري الخاصة – قليلة الإضافة، ضعيفة التأثير، محدودة الفائدة، فالساعات تمضي والقاعات تمتلئ بالحضور الذين تركوا أعمالهم ومهامهم (الأهم) طلباً للفائدة، كما أن المؤتمر يتطلب أحياناً سفراً وسكناً وتنقلات ووعثاء وجهداً، تضاف تلك التكاليف إلى تكلفة اللقاء ذاته خصوصاً مع كثرة المشاركين.

وتلك اللقاءات والمؤتمرات التي أتحدث عنها هنا وإن تقاربت في ضعف مخرجاتها وقلة فوائدها، إلا أنها متباعدة في الجهات التي تقوم بها، ومصادر تمويلها، وطبيعة الحاضرين إليها، ومع ذلك فكثير من الموضوعات المطروحة لا تقدم جديداً، وإنما هي تكرار للكثير من الأدبيات المنشورة سلفاً، والتي لا ينقصها العناوين المثيرة الجذابة التي تظن أن من ورائها محتوى جاذباً كذلك، وإذا هي مما يصدق فيه قول القائل (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه).

أما التوصيات الصادرة عن تلك المؤتمرات والملتقيات، فهي مجرد (بروتوكول) يتم فعله لأن الآخرين فعلوه، ولأنه لا يصلح أن يعقد مؤتمر دون توصيات!، لذا فهي توصيات لم يتفق عليها أحد، ولم تناقش بشكل جماعي، ولا تعدو أن تكون أمنيات ومقترحات من بعض مقدمي أوراق العمل، أو بعض القائمين على المؤتمر، يتم كتابتها وارتجالها على عجل، دون أن تكون مدروسة فعلاً، ويتم اختتام المؤتمر بقراءة تلك التوصيات على الجمهور باعتبارها انتصاراً ونجاحاً عظيماً، ثم تذهب تلك التوصيات أدراج الرياح مع خروج آخر الحضور من القاعات الفندقية الفخمة.

وختاماً .. فإن ما ذكرته هنا يعبّر عن وجهة نظري (الخاصة) حول الملتقيات والمؤتمرات، وأتقبل بصدر رحب اختلاف الكثيرين معي، وأن يكون هناك وجهات نظر مختلفة، وجوانب للمشهد مختلفة كذلك، ولأنني لا أعمم تلك الأحكام على (كل) الملتقيات والمؤتمرات، فإنني حضرت ولا زلت أحضر عدداً منها إن غلب على ظني الاستفادة من الأوراق أو مقدميها أو من المشاركين، خصوصاً لمن جرت العادة أن فريق العمل في إعدادها يحرص على رفع مقاييس الجودة فيما يطرح.

وللحديث صلة في مقال قادم بإذن الله، دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هنـــا

أكتوبر 12, 2019

يا صديقي .. لقد تغيّرت !

لم أنسَ على الإطلاق موقفاً مع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الدويش رحمه الله رحمةً واسعة، والذي كانت بيني وبينه صحبة وصلة، لكنها صحبة التلميذ الذي هو أنا لمعلمه وأستاذه وشيخه، إذ بينما كنا في رحلة بريّة أمضينا منها يوماً وليلة، أخذ بيدي، وخلى بي، ثم قال لي: (يا محمد، ألاحظ عليك البارحة شيئاً من الأرق، ولم تنم -كعادتك -بشكل سريع، وكنتُ قد عهدتك تخلد إلى النوم حين تضع رأسك على الوسادة، وما رأيته البارحة كان على خلاف ذلك، فهل وقع لك شيء ينغص عليك، أم أن لديك مشكلة تستوجب البحث عن حلّ؟).
فأجبته – حينها-أن ليس شيء من ذلك كله، لكنني لم أكن بحاجة إلى النوم حين أويت إلى فراشي، فطال مكثي فيه، وهو أمر غير معتاد، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: (يا محمد، احرص -قبل نومك -أن لا تكثر من التفكير المتعمق، والتحليل والتفسير لما قال هذا أو قال ذاك، فإن ذلك مدعاة لأن يصيبك الأرق، فيتنكد عليك عيشك، فعش متسامحاً ولا تدقق على كل ما يقال)، وقد التزمت وصيته التي أوصاني بها منذ ثلاثة عقود، وانتفعت بها جداً، ولا زلت أذكر حديثه – رحمه الله -وكأنه البارحة.
وشاهدي من هذه القصة أنه حين رأى -وهو المربي القدير -شيئاً من التغيّر لم يسكت، بل بادر مستفهماً، وناصحاً، ومحفزاً، وموجهاً.
وأنت أيها القارئ الكريم. لربما التقيت بأحد أصحابك، وقد بدا لك جلياً أنه لم يعد صاحبك الذي تعرف، وأن ثمة تغييرات حقيقية قد أحسست بها، فماذا فعلت؟
الواقع أن الواحد منا يلتقي بين فينة وأخرى بأشخاص متنوعين، وتتباين عدد مرات اللقيا ومدة كل لقاء بين شخص وآخر، حسب طبيعة العلاقة التي تربطك بهم نوعاً وكيفاً وزماناً، لذا كان من الطبيعي أن لا تلاحظ في اللقاءات العابرة تغييراً في سلوكهم أو تصرفاتهم، إذ أن المجاملات – غالباً – تكون سيدة المواقف القصيرة، فلا يظهر المرء للناس إلا أفضل الوجوه، وإنما يكتشف ويدرك التغيّر الذي وقع للمرء من كانوا يعرفونه جيداً، ويدركون تفاصيله الجسدية والنفسية، ويتابعون هيئته ولباسه، ويعلمون اهتماماته وتفضيلاته وحكاياه، فيشعرون أن فلاناً اليوم ليس كما كان سابقاً، يدركون الخلل، ويدركون التميز في الوقت ذاته.
والذي يهمني الحديث عنه هنا هو الجانب الأول، وهو التغير السلبي الذي يطرأ على البعض بشكل تدريجي، إذ إنه ما لم يكن للصديق والقريب دور حقيقي في إشعار الطرف الآخر بهذا التغير حين حدوثه، والتنبيه إلى البدايات منذ وقوعها، فلا نتوقع أن يكون ذلك من الشخص البعيد الذي لا تسمح له طبيعة العلاقة ولا وقتها بالدخول في التفاصيل، بل لربما اعتبر دخوله تطفلاً غير مقبول.
إننا نحن القريبون والأصدقاء الخلّص مسئولون عن تقديم النصيحة، وإبداء الملاحظة، وسؤال الطرف الآخر سؤال المحب المشفق – لا الفضولي – عن سبب التغير الناشئ، بل والوقوف معه، والعمل – بكل حب – للمساهمة في دلالته وإرشاده وتوجيهه وتوعيته بمظاهر التغير التي طرأت، وتأثيراتها، والسعي الجاد معه لوضع الحلول، ومتابعة تنفيذها حتى يتخطّي هذه الأزمة أو المشكلة التي يعاني منها، وهنا يتبين دور الصديق فعلاً، حيث يصدق صاحبه، ويمحض له النصيحة، لا يرجو من ذلك مصلحة، ولا جزاء ولا شكوراً، وفي حديث تميمِ بن أوسٍ الدَّاري – رضي الله عنه – أن النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: (الدِّين النصيحة)، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتِهم)، وقد قال النوويُّ – رحمه الله – عن هذا الحديث: “هذا حديثٌ عظيم الشَّأن، وعليه مَدارُ الإسلام… وأمَّا ما قاله جماعاتٌ من العلماء أنَّه أحدَ أرباعِ الإسلام؛ أيْ: أحَدُ الأحاديثِ الأربعة التي تَجمع أمورَ الإسلام، فليس كما قالوه، بل المدارُ على هذا وَحْدَه”.
ولعل الزوجة والأبناء والإخوة والأخوات والوالدين هم أقرب الناس لبعضهم البعض، فهم أحوج ما يكونون لتقديم ملاحظتهم الصادقة لمن يحتاج إليها من عائلتهم، ذلك أن المتورط في المشكلة قد لا يلاحظ آثارها، وقد لا يدرك حجم أضرارها، وقد يكون منشغلاً بالتعاطي معها فيغفل عما سواها، فيقصّر ويهمل ويتغيّب.
فما أحوجنا جميعاً إلى أن نتحلى بالجرأة التي تدفعنا لمكاشفة أحبتنا بأي شيء نراه وهو ينقص من قيمتهم، أو يضر بهم، أو يضعف تأثيرهم ودورهم، أو يقلل من فرص نجاحهم.
وغير خاف على القارئ الكريم أن ذلك كله يكون بالأسلوب المناسب، والوقت المناسب، وفي حديث خاص وليس تشهيراً أمام الناس، فذلك مدعاة للقبول، وسبب في تحقيق الأثر، وهو هدف الناصح ومراده وباعثه.
رزقنا الله الناصحين من الأحبة، الذين يبصروننا بعيوبنا، ويساعدوننا بكل حب على تغييرها، وجعلنا ممن يمحض النصيحة لأصحابه، فنكون -بعد الله -خير معين لهم على النمو والارتقاء، والتحسين المستمر طيلة الحياة، ونكون قيمة رائعة في حياتهم، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه.
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا