فبراير 13, 2019

التناغم | لنتفق رغم كل خلافاتنا

ما من شكّ أن ثمة أصدقاء تتوافق معهم في كثير من الجوانب، وثمة أعداء تختلف معهم في الكثير من الجوانب، وهي سنة الله في خلقه، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ)، غير أنه من المؤكد أن بإمكاننا العثور على مصلحة مشتركة يمكن العمل عليها مع أولئك “الأعداء”، مع بقاء العداوة الأساسية كما هي، وإذا كان هذا ممكناً مع (الأعداء)، فكيف بالمختلفين عنك (جزئياً) في مسائل (محددة)، والذين لا ينطبق وصف العداوة عليهم؟

ويتوهم البعض أن الاتفاق مع الغير على (خطوات محددة)، أو العمل معهم في (مشروع واحد) يستلزم بالضرورة الاتفاق معهم على (كل شيء)، والقبول بآرائهم كلها، والانسياق وراء توجهاتهم المختلفة جميعاً، ويتوهم كذلك أن وجود الطرفين على طاولة واحدة، وقرارهما بالشراكة في عمل محدد يعني أنهما باتا شيئاً واحداً، ونسخة من بعضهما البعض!

وهذا (وهم كبير) يعوّق ويعطّل الكثير من المشروعات المهمة والأفكار الخلاقة، ويزيد من شقّة الخلاف الموجود أصلاً بين الأطراف المتعددة، ويدفع لمزيد من التباعد في النفوس وفي الأعمال.
فبرغم كل (نقاط الخلاف والاختلاف) الموجودة بين البشر، وتنوعها، واختلاف طبيعتها ومسماها، فإن ثمة (نقاط اتفاق) كثيرة يمكن أن تجمعهم، فما من مختلفين إلا وبينهم من نقاط الاتفاق الكثير، غير أن المشكلة المنتشرة اليوم أن كثيراً من الناس ركنوا إلى (نقاط الخلاف) ولم يبحثوا عن (نقاط الاتفاق)، ويتحدث أهل التنمية البشرية عن سنّة ثابتة فيقولون: “ما تركّز عليه يتعاظم في حياتك ويكثر ويزداد”، فالتركيز السلبي -إن صحت التسمية- الباحث عن نقاط الاختلاف والتباين يساهم بشكل أو بآخر في تفاقم الخلافات، واشتداد العداوات، وتأزم العلاقات.

والحديث عن (العمل المشترك) في الجوانب المتفق عليها، لا يتعارض إطلاقاً مع الاعتراف بالخلاف الموجود في جملة من القضايا الأخرى التي قد تقلّ وقد تكثر، ولا يتعارض العمل المشترك -كذلك- مع المنافحة عما نعتبره حقاً، ولا يتعارض مع الحديث بكل وضوح عن الأخطاء الموجودة لدى الغير، وعرض تجاوزاتهم، ونقدها نقداً بناء، فالعمل سوياً لا يتعارض مع ذلك كله إطلاقاً.

وهذا الحديث كلّه ليس تنظيراً فحسب، وليس من باب مثاليات “المدينة الفاضلة” الأفلاطونية، بل هو حديث عملي قابل للتطبيق على أرض الواقع.

وقد ثبت أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ “، وقد كانت قُرَيْشًا تَتَظَالَمُ بِالْحَرَمِ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَعَواهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ ، وَالأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، فَأَجَابَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَتَحَالَفُوا  وَسَمَّوه (حِلْفَ الْفُضُولِ).

كما تضمن صلح الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة ما يلي: ( وإنَّ على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، وإنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن النصر للمظلوم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين)، ويمكنك أن تلاحظ -في هذا السياق- أنه رغم الاختلاف الكبير بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، واليهود؛ إلا أن كونهم في مدينة واحدة، ولهم فيها مصالح مشتركة، وثمة عدو محدد يفكّر في استهداف المدينة بمن فيها؛ فقد تم التوصل إلى العمل على النقاط التي يتفق عليها الطرفان، وهي (حماية المدينة)، و(المشاركة في الدفاع عنها)، و(مناصرة المظلوم)، مع بقاء العداوة قائمة، وموقف المسلمين من اليهود كما هو.

ويروى عن يونس الصفدي قوله: «ما رأيت أعقل من الشافعي ، فلقد ناظرني يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال : يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة »

و هذا “التناغم” من حيث الأصل أمر يقضي به العقل السليم، والتفكير السوي، كما أنه معمول به في الكثير من المجتمعات الناضجة اليوم، حيث يعمل المختلفون سوياً، فيحققون نجاحات كبرى على أرض الواقع، لم تكن لتتحقق لولا العمل وفقاً لـ(نقاط الاتفاق).

واستكمالاً لهذا الحديث المهم، فإنني أعد  في المقال التالي -بإذن الله – أن أعرض لجملة من النماذج الواقعية التي نراها كل يوم لـ “التناغم”، لعلها أن تلهمنا التفكير في الأمر، وتوقظ لدينا هذا الحسّ في مجتمعنا، فنطور من أدوات تعاملنا، ونحسّن من أساليب التنسيق فيما بيننا، بما يحقق المصلحة العامة، ويقرّبنا إلى أهدافنا المشتركة، ويخدم ديننا ومجتمعنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل هــنــــا

فبراير 03, 2019

مزيج التميّـــز

الحصول على التميز، والاتصاف به، أمر يطلبه الجميع، والنفس بطبيعتها ميالة لأن تتميز عن الآخرين بما يستوجب المديح والثناء.
ومن ضمن الجوانب التي يطمح المرء للتميز فيها " عمله الوظيفي"، باعتباره موضعاً لقضاء ثلث يومه فيه، لخمسة أو ستة أيام في الأسبوع، ولأن ذلك العمل هو مصدر الدخل المادي الذي به يستكمل المرء تلبية احتياجاته وتحقيق ذاته.

ولكي تحقق نجاحاً في عملك الوظيفي، وتكون ضمن القلة المميزين في مجالك، وتكسب الكثير من المال من جراء ذلك، فإنك تحتاج - كما يقول تيم فريس- إلى أن تكون أحد أفضل المتخصصين في مجالك على مستوى العالم، أو على مستوى بلادك أو مدينتك، فذلك يكفل أن تكون أحد الذين يشار إليهم بالبنان، وتنشد الجهات استقطابك للانضمام إلى فريق العمل لديها.
ولأن الوصول إلى مرحلة "الندرة" والتميز المنفرد بهذه الصورة أمر عسير على الكثيرين، ويتطلب مزايا استثنائية لا يمكن مطالبة الناس بالحصول عليها أو الوصول عليها، فإن "تيم" يقترح سبيلاً آخر لتحقيق التميز، ألا وهو أن يكون لدى المرء تميز "نسبي" وليس "مطلقاً " في مجالين أو ثلاثة معاً، ذلك أن وجود هذه المساندة بين جوانب التميز المتعددة -ولو قلّت-، من شأنها أن توجد مزيجاً فريداً يحقق للمرء جاذبية خاصة تجعله مطلوباً للعمل في العديد من الجهات، غيرغارق في التخصص الدقيق الواحد.
ومن أجل تجلية فكرة "مزيج التميز" بشكل أكبر، يمكن الإشارة إلى هذا المثال:
لو أن موظفاً متخصصاً في الموارد البشرية، ولديه "شيء" من التميز النسبي في ذلك، وجمع مع هذه المزية النسبية ميزة إتقان استخدام الحاسب الآلي بكفاءة، كما كانت لديه قدرة جيدة في الصياغة الأسلوبية كذلك؛  فإن هذا المزيج المتنوع من شأنه أن يجعل عمله في الموارد البشرية في منظمته عملاً متميزاً يفوق به الكثير من أقرانه الذي لديهم "تميز كبير" في مجال الموارد البشرية فحسب، حتى ولو كانوا يفوقونه فيها بمراحل، ذلك أن بإمكانه توظيف معرفته الوثيقة بالحاسب الآلي في جلب الكثير من النماذج الإلكترونية وتصميمها، وتخصيصها من أجل تيسير إجراءات الموارد البشرية، كما أن أسلوبه الجميل في الصياغة يمكّنه من إعداد الكثير من الرسائل التحفيزية للموظفين، وإعداد الخطابات المتنوعة، والتأكد من صياغة الرسائل الموجهة من المنظمة وإليها، وإعداد مادة التقرير الدوري أو السنوي لقسم الموارد البشرية، وهو ما يجعله "عملة نادرة" في منظمته.
وهذا مجرد مثال على دور "المزيج" في تحقيق "التميز"، ووفقاً لهذا المثال يمكنك التفكير ملياً في وضعك وتخصصك الحالي، والتساؤل عن المزيج الذي يتناسب معك، ومع ميولك، ومع منظمتك، ثم العمل الجاد لتحقيق هذا المزيج المنشود، من خلال قرار تتخذه بصنع ذلك "المزيج".
وسوف تحمد العاقبة حين تفعل ذلك، وتجد أنه في الكثير من الأحيان، لا يوجد لدى المنظمة الكثير من الخيارات لاستبدالك، إذ أنه في الوقت الذي قد يجدون من هو متميز في ذات تخصصك، لكنهم في الكثير من الأحيان لن يجدوا من يحقق مع التخصص هذا الخليط الرائع الذي ينتج أمراً مختلفاً.
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

فبراير 03, 2019

خارج صناديق الاعتياد

الإنسان بوضعه الاعتيادي يجب المألوفات لديه، ويعتاد عليها، ويصعب عليه مفارقتها، لذا ترى كثيرين يأكلون ذات الطعام ويشربون ذات الأشربة التي اعتادوا عليها منذ سنين طويلة، ويحجم الواحد منهم عن تجربة الجديد، ويعرض عنها صفحًا لأنها تخرجه من دائرة الاعتياد، وتجعله في دائرة التجريب والاختبار بكل احتمالاتها.
وهذا الصندوق يسير شأنه، إذ أننا نمكث في (صندوق العلاقات المعتادة)، وربما افتخر المرء بأن كل علاقاته الحالية قديمة، تعود للمرحلة الثانوية أو الجامعية أو سواهما!

إن وجود العلاقات الوثيقة، طويلة الأمد أمر مطلوب لكن المرء محتاج لكي ينضج ويتعلم ويتوسع إدراكه ويحيط علمًا بجوانب ليس يعرفها، بحاجة إلى الخروج من صندوق العلاقات المعتادة لتجربة صداقات وعلاقات مختلفة كليًا، مختلفة اجتماعيًا، وجغرافيًا، وفكريًا، وطباعًا..

ومع كل تجربة جديدة يدرك المرء كم فرّط في ذلك الأمر سنينًا، وأغلق أمام نفسه أبواب المعرفة الكثيرة تحت أسر العادة، ويمكن أن يقال ذلك عن الكتب المعتادة، والمشايخ المعتاد على السماع لهم، والقراء، والشعراء، والمنشدين، والبلدان، والألبسة، والمراكب، والمساكن، في قائمة لا تنتهي من الصناديق التي بتنا أسرى لها لا نجاوزها، فإذا ما تجاوزناها وارتفع وعينا أدركنا أنه كان من الأولى بنا أن نفعل ذلك منذ زمن طويل.

وحتى لا يفهم حديثي على غير ما أريد به، فإن ذلك كله يجب أن يكون وفق المباح والجائز شرعًا، فلا يجرّب المرء الخمرة للخروج من صندوق الأشربة المعتاد، ولا يصاحب أهل الضلال ويسايرهم بهدف الخروج من الاعتياد وتجربة التغيير..
ولنتذكر دوماً الدافع من هذا الخروج عن صندوق الاعتياد .. وهو توسيع دائرة المعرفة والإدراك ورفع الوعي، وإطلاق الفكر لمزيد من التأمل والتفكر.

يناير 21, 2019

طقوس الحياة الاجتماعية!

أحد آثار الترف التي يراها كل ذي عينين "زيادة الطقوس الاجتماعية" في بيوتنا ومجتمعاتنا، وتعقيد إجراءات الحياة البسيطة في أصلها، فترى الناس يتسابقون لإضفاء المزيد من السلوكيات التي تصبح "واجباً " والإخلال بها "مذموماً" عند الناس، بل ويعدّ الذي لا يتجاوب مع تلك الطقوس موصوفاً بأنه غير متطور، فهو من طراز قديم لا يعرف الإتيكيت، ولا يحسن التعامل مع معطيات العصر ومستجداته، ولا يزال على "الدقّة القديمة"!.


ونقوم نحن - من جراء هذا الترف الذي حلّ بنا – بـالتفنن كل يوم في إضافة تعقيد جديد على كل فعالية اجتماعية تلقائية ومعتادة، فعلى سبيل المثال: كان من المعتاد أن تبقى النفساء في بيتها فيزورها القريبات والزميلات، يوماً بعد يوم، ويجلبون معهم شيئاً من القهوة والشاي من صنع أهل البيت، ويؤانسون تلك المرأة ويدخلون عليها السرور، ويكفونها شأن الضيافة وعبئها تقديراً لوضعها الصحي، فتحول الوضع اليوم وبات للزيارة أيام محددة، لا يسمح بتجاوزها، وفي جناح فخم بالمستشفى الشهير، ويتم تقديم أنواع التوزيعات التي يتم تصميمها بعناية، ويكتب عليها اسم المولود، وتتحول الولادة - بكل عنائها - إلى عناء مضاعف، في اختيار الجناح، وتجهيزه، وإعداد وتصميم الكثير من التفاصيل، وتحول الموضوع إلى مشروع معقد تنفق فيه الكثير من الأوقات والجهود والأموال، وكلما ولدت امرأة سعت لمنافسة من سبقها، ليتحدث الناس عن صنيعها فيمجدوه ويمدحوه، وأنها أتت بما لم تستطعه الأوائل!

وسواء كانت تلك المصروفات الكبيرة - التي لا جدوى منها سوى التفاخر - من مال الزوجة الموظفة أو من مال زوجها، فإن ذلك في كل الأحوال هو من إضاعة المال، وتبذيره، وإنفاقه في غير وجهه، والله تعالى يقول (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).

والحديث عن هذه الطقوس المصطنعة والوافدة على مجتمعنا المحلّي ليس قاصراً على الاحتفال بقدوم المولود، بل هي في الخطبة والملكة والزواج أضعاف ذلك، وفي حفلات النجاح والتخرج من ذلك الكثير.

إن كثرة انشغال الناس بهذه التفصيلات والجزئيات دليل واضح على ما يعانونه من الفراغ الداخلي من جهة، والشعور بالنقص الذي يسيطر عليهم من جهة أخرى، ويتوقعون أن يكون سدّ ذلك النقص من خلال تلك القشور التي تعلي ذكرهم، وتجعل فعلهم حديث الآخرين وهجّيراهم، لذا تراهم  يفكّرون طويلاً في كيفية إحداث إضافة جديدة، وطقس جديد يضاف لطقوس من سبق.

ويقوم مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي بالترويج للكثير من هذه الطقوس المصطنعة - بوعي أو بغير وعي - سعياً للتظاهر بالعلوّ حيناً، وترويجاً لأصحاب السلع المستفيدين من هذه الطقوس حيناً آخر.

إن التجاوب مع هذه الطقوس والعمل بها هو في حقيقة الأمر لون من ألوان التخلّف الحضاري، والسباحة ضد التيار، فالعالم المتقدم (مادياً) يتوجّه بشكل واضح نحو التيسير والبساطة، أو كما يسمونها "السمبلة"، والسعي للتخلص من التعقيدات والطقوس والإضافات في المكان، والزمان، والفعاليات، واللباس، والإهداء، والتي باتت عبئاً كبيراً على الناس في أموالهم وأوقاتهم واهتماماتهم. وإزالة كل ما علق بها.

وما أحوجنا إلى التنادي للتوقف عن هذا الهدر الكبير، وهذا الإنفاق غير المنطقي في هذه الأبواب التي لا نفع فيها، وأن يسعى الكبار والأثرياء والوجهاء والمشاهير لتقديم النماذج العملية، وأن يكونوا قدوة حسنة في هذا الأمر، فالناس مولعون دوماً بتقليد الكبار.
ولعل الحديث عن هذه الموضوع وإثارته، والمناداة بالتوقف عنه تساهم في إيجاد صوت إيجابي مختلف، وسلوك عملي مختلف يوقف الهدر، ويوقف التعقيد، وينشر البساطة في المجتمع.
دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

نشــر في صحيفة تواصل من هــنــا

يناير 01, 2019

الحلول اليسيرة للمشكلات الكبيرة



ذات مرّة، طلبت من أحد فنّيي الحاسب الذين كانوا يعملون تحت إدارتي أن يقوم بنقل أحد أجهزة الحاسب بكل ملحقاته من مكتب إلى آخر، وحين تم النقل، جاء إليّ الموظف الذي يستخدم الجهاز طالباً الموافقة على إعادة تهيئة الجهاز، وتركيب البرامج عليه مجدداً،
فسألته: لم، وما الحاجة إلى ذلك؟ خصوصاً أنني من أعداء الفورمات “إعادة التهيئة”، فأفاد بأن ذلك هو قرار فني الصيانة الذي أخبره أن نظام التشغيل قد حصلت له مشكلة من جراء النقل، مما يتطلب إعادة مسح محتويات الجهاز وتركيب النظام مجدداً! وبحكم تعاملي زمناً طويلاً مع الحاسب، فإنني لم أتقبل أن يكون مجرد نقل الجهاز بضعة أمتار سبباً في تعطّل نظام التشغيل والجهاز، فذهبت للمكتب لأنظر في شأن الجهاز، وجاء فني الصيانة، فسألته فأخبرني الخبر، وقال إن علامة ذلك صوت يخرج من الحاسب بشكل منتظم ( تووت .. تووت ..) وأنه رغم كل محاولاته لإطفاء الجهاز وإعادة تشغيله بغية حل المشكلة فإن الجهاز لم يتوقف عن إصدار هذا الصوت، وأنه ليس في وسعه -والحالة هذه- إلا القيام بالفرمتة (إعادة التهيئة) فالنظام قد “ضرب” كما يقول! نظرت في الجهاز وملحقاته وكيابله، فوجدت أن الفأرة اللاسلكية (الماوس) قد وضعت فوق لوحة المفاتيح عند نقل الجهاز، وبقيت كذلك، وكان نتيجة ذلك أنأحد أزرار لوحة المفاتيح لا يزال مضغوطاً مما جعل الحاسب يصدر هذا الصوت،ويتسبب في توقف نظام التشغيل عن الإقلاع..أخذت الفأرة، ونحيتها جانباً فانقطع الصوت تماماً، واستكمل الجهاز – من ذاته – عملية الإقلاع للنظام، ثم ظهرت علامة ويندوز على الشاشة معلنة أنا لجهاز يعمل بشكل سليم، وأنه ليست هناك حاجة لأي تدخل فني أو برامجي!، وعدت إلى مكتبي، وذلك الفنيّ يتابع المشهد ولا يدري ماذا يقول.

 وفي مرة أخرى، حدثني أحد الأبناء عن مشكلة في سيارة العائلة، وهي أن المفتاح قد علق في مكان التشغيل، وأنه كان عاجزاً عن تشغيلها!، وأنه ظل يحاول الأمر وقتاً طويلاً، دون نتيجة، وبعد الفجر أتيت إلى السيارة متأملاً هذا الحالة الغريبة، مستعلماً عن الخطب، وباحثاً عن المشكلة ومعرفة سببها.. حاولت إخراج المفتاح فلم يخرج، حاولت التشغيل فلم تشتغل السيارة، نظرت في مقبض التغييرات (القير)، وحركته للأمام والخلف، ثم شغلت السيارة فاشتغلت، ثم أطفأتها وحاولت التشغيل أخرى، فلم تعمل، تيقنت أن هناك مشكلة ما تتعلق بذلك المقبض، نظرت إليه جيداً ووجدت أنني حين أضع السيارة في وضع الـ p وهو التوقف، فإن المقبض يتوقّف قبل أن يكتمل وصوله إلى مكانه المعتاد، ونظرت فإذا “كيبل شحن للجوال” قد رُمي بجوار المقبض،فبات يعيقه عن ذلك! رميت بالكيبل جانباً فاستقر المقبض في مكانه، فحركت المفتاح لتشغيل السيارة فاشتغلت، وحركته لإطفائها فانطفأت، فجربت إخراج المفتاح فخرج بكل سهولة ويسر كالمعتاد، أعدت العملية أكثر من مرّة فلم تواجهني أية مشكلة!

 وفي حالة ثالثة، زارني أحد الرفاق متذمراً من وضعه في منظمته، مبدياً استياءه الكبير من أسلوب إدارة وإجراءات العمل التي تم استحداثها، وأفاد بأنه يفكر جدياً في تقديم استقالته خلال فترة وجيزة.. رغم معرفتي بدورها المهم جداً والفاعل في المنظمة..فسألته : هل قمت بأي إجراء لإشعار الرئيس بالمشكلات التي تواجهها ممن دونه؟ هل بينت له المخاطر التي تهدد المنظمة من جراء تلك الإجراءات التي تم استحداثها؟ هل أخذت إجازة استرخائية لتفكّر في الموضوع بعيداً عن ضغوطات العمل التي تجعلك تتصرف بدون رؤية المشهد كاملاً؟ هل مطالبك واضحة ومحددة؟ فأجاب بالنفي عن كل تلك الأسئلة، ثم التفت إلي وقال: لقد وعيت الدرس، سأخبر الرئيس بكل المشكلات والتحديات التي تواجهني، وأطلب منه إجازة شهر أو أكثر، فأفكر ملياً في الأمر، ويكون لديه الوقت الكافي لتدارس الوضع والحلول بعيداً عن الحاجة للرد الفوري. ثم انصرف الرجل فرحاً جذلاناً، وقد شعر أن همّا كبيراً قد انزاح عن قلبه، و علم أنه لازالت هناك طرق يسيرة لم يسلكها رغم قربها منه.

فأدركت في الحالات السابقة – وفي حالات كثيرة تمرّ علينا – أن المشكلات تكون في الكثير من الأحيان أبسط مما نتوقع، وأن مسبباتها ليست دوماً بحاجة إلى تخصص دقيق، أو غوص في الأعماق، إذ تكون المسببات ظاهرة جلية يراها كل ذي عينين إذا تأمل المشكلة جيداً، وجرّب النظر في المتغيرات المحيطة، وفكّر في البدهيات.كما أدركت في الوقت ذاته أن الحلول الناجحة ليست – بالضرورة – حلولاً جذرية، ولا كبرى، وليست مرتبطة على الدوام بعمل صعب وإجراءات معقدة، أوتكلفة عالية، فهي أحياناً أقرب للمرء من شسع نعله، وفي متناول يده، لو دقق ملياً. 
أعد النظر في المشكلات التي تواجهك، وتأمل بكل هدوء مسبباتها التي تتوقعها، وفكر كذلك في أيسر الحلول التي يمكنك القيام بها، فلا يوجد أي ارتباط بين صعوبة الحل، ونجاح الحل أو فشله.

دمتم بخير
محمد بن سعد العوشن
إعلامي، مهتم بالعمل الخيري

ديسمبر 26, 2018

النمذجة المظلومة!


لا شك أن المشاريع المميزة والناجحة التي تحدث أثراً في ميدانها وتخصصها جديرة بالاقتباس والاحتذاء، ذلك أن كل من واجه المشكلة التي جاء المشروع لحلها، أو أراد الحصول على الخدمة التي يحققها المشروع فإنه سيقوم بمشابهة هذا النموذج المميز ومحاكاته بغية تحقيق نجاح مشابه، وهذه خطوة لا غبار عليها.

لذا فإن الخطوة التالية بعد التحقق من نجاح مشروع ما، هي “نمذجته”، من خلال كتابه إجراءات العمل ونماذجه، وخطوات النجاح، وعوامل الإخفاق، وتحديد العقبات التي واجهت المشروع وكيف تم تجاوزها، والصعوبات التي عايشها المشروع وكيف تم تذليلها، وكيف تم ضمان تحقيق النتيجة المطلوبة، وما هي الدوافع لتنفيذ المشروع، ومبرراته، وبيئة نجاحه.



و”النمذجة” في هذه الحالة، تعتبر خطوة مهمة لتكرار هذا النجاح “المميز” في مواضع أخرى.. مع تقليل الأخطاء التي يمكن أن تقع عند المحاكاة، فضلاً عن كونها توثيقاً للتجربة، وتطبيقاً رائعاً لإدارة المعرفة وتوريثها.

‏ولهذا فإن (الفرنشايز) في المجال التجاري يحقق نجاحات واسعة في شتى المجالات إذ يمكن – من خلال اشتراطاته وأدلته – ضمان أن كل النماذج المأخوذة عنه مطابقة لمستوى النموذج الأول.. شكلاً ومضموناً.

‏غير أن المشكلة اليوم – وللأسف – أن تتم نمذجة جملة من المشاريع التي ما زالت في مرحله البداية، وما زالت تخضع للاختبار والتجربة، تلك الأعمال التي لم تحقق نجاحاً حقيقياً بعد، ولم تثبت فعاليتها؛ أي أنها لم تنجح حتى الآن!.

‏فما أن يبدأ مشروع ما، ويمضي عليه سنة أو سنتان؛ وهو ما زال في مرحلة “الطفولة” – إن صحت التسمية – ولم يخضع لاختبار أداء حقيقي ولم يتم قياس نتائجه العملية ولا مخرجاته بشكل نهائي، ولم يتم وضع أدوات ضبط الجودة اللازمة له؛ ما أن يبدأ حتى نتسامع بالدعوات لنمذجة هذا المشروع الاستثنائي الفريد! ‏وتصبح أحد العبارات السائدة من كل زائر استلبت لبّه بعض التقارير الجميلة عن المشروع، أو أحبّ أن يجامل القائمين عليه أن يردد: (لا بد من النمذجة، لعلكم بدأتم بالنمذجة، متى ستنقلون التجربة للغير؟) ‏إنه التسرع يا سادة.. والاستعجال في إصدار الأحكام دون تريّث.

والحقيقة أنه لا بد من التمهل في استنساخ المشروعات ونقلها، ويجب أن نكون منطقيين، ونعطي التجربة وقتها وحقّها من التجريب والاختبار على أرض الواقع، ونعطيها حقّها في خوض الخطأ والصواب، والتعديل والتصويب والتحسين المستمر؛ للوصول إلى النموذج الناجح فعلاً، كما أن علينا أن نقوم بقياس المخرجات ومعرفة أي جوانب المشروع يؤثر بشكل أكبر، الذي يعتبر لبّ المشروع وأصله، وما هي الحواشي والقشور والكماليات التي لا تؤثر على أصل المشروع، بالإضافة إلى قياس العوامل التي ساهمت في النجاح والعوامل التي ساهمت في الإخفاق، وكيف لنا أن نستديم النجاح ونحقق المقصود، والشيء المهم جداً هو التحقق من تحقيق المشروع لأهدافه على أرض الواقع وحدوث التغيير المنشود فعلاً.

‏وفي رأيي الشخصي أن الانتظار وحساب النتائج يعدّ أمراً مهماً قبل التفكير في استنساخ التجربة، كما أن الحديث عن “النمذجة” يحتاج لتقييمات مستقلة وعادلة للمشروع، فلا تؤخذ تقييمات القائمين على المشروع فحسب، بل يقوم فريق مستقل بمقابلة المستفيدين، وأخذ آرائهم، وقياس التغيّر، ومقارنة المشروع بالمشروعات المشابهة؛ وهو يحتاج إلى نظر أوسع من الحدود المكانية والزمانية للمشروع محل النقاش؛ إذ قد تبدو للفريق طرائق أيسر وأكثر فعالية وأقل تكلفة، أو مشروعات أعظم تحقيقاً للمقصود.

‏إن ما يحدث في الواقع اليوم – وللأسف – هو استنساخ للتجارب الأولية غير الناضجة، ونشرها، والتبشير بها، الذي يصبح – أحياناً – تكراراً مملاً للأخطاء والإخفاقات باسم “النمذجة” التي ظلمناها بهذه التطبيقات المشوّهة التي تستهلك المال والجهد اللذين لا تستحقهما.

ومما يزيد الطين بلّة أن يتحول ذلك النموذج التجريبي الأولي الذي لم ينضج إلى كيان مستقل يوصف بأنه “بيت خبرة” يرجع له كل مؤمل لتحقيق الأهداف، ليظن أصحابه أنهم المستشار الأول، والخبير الذي لا ينازع في هذا المجال؛ وهو تشويه للمصطلح كذلك، وربما صدق في بعضها قول الشاعر:

‏أسماء مملكة في غير موضعها

‏كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

وأختم هاهنا بـالتأكيد على أهمية كتابة كل شيء عن المشاريع التي يتم إطلاقها، وتقييد إجراءاتها، وحفظ نماذجها؛ بهدف توثيق التجربة التي قد تنجح، أو لا تنجح، وفي كلتا الحالتين فالتوثيق يخدم العمل ويطوّره، وينقل الخبرة والتجربة بكل جوانبها للعاملين في هذا المجال، فهو أشبه بالسيرة الذاتية لتلك المشاريع، لكن التوثيق شيء، واعتبار المشروع نموذجاً يُحتذى شيئاً آخر مختلفاً تماماً.

دمتم بخير،،.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي، مهتم بالعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنا 

ديسمبر 08, 2018

أنت طبيب نفسك

يمكنك اللجوء إلى خبير في مجال تطوير الذات بهدف تحقيق النجاح، ويمكنك كذلك أن تحضر عدداً من الدورات التدريبية ذات العناوين الجذابة، والألوان الزاهية، كما أن بإمكانك شراء جملة من الكتب التطويرية الجميلة التي تعدك بأن تكون أفضل وأن تكون ضمن الناجحين المميزين إذا اقتنيتها.

وهي أمور حين تفعّلها بشكل جيد، وتتفاعل معها، فسوف تحقق الكثير من الفائدة فيما تطمح إليه..
لكن الأمر يعتمد - أولاً وأخيراً - على وجود العزيمة الصادقة والمتبوعة بالعمل الجاد في تطوير ذاتك بنفسك.
فأنت أقدر الناس على سياستها، ومعرفة أساليبها في التهرب من المهمات، وطرائق الخداع التي اعتادت أن تعمل وفقاً لها.


ومهما حدّثك المدرب والخبير والكوتش والمؤلف، فإن دورهم يقتصر على إعطائك مقادير الوصفة فحسب، أما جمع تلك المقادير، وعملية "الطبخ" ذاتها فتلك مهمتك أنت، وأنت فقط.
وتخليك عن هذا الدور، بانتظار أن يقوم أولئك بالطبخ ، ثم إطعامك، لتنتقل فجأة من حال إلى حال، هو في الحقيقة عيش في "الأوهام" وترقب لكوب الماء من مساحات "السراب".

ولهذا ترى الجموع الغفيرة، تحضر الدورات إثر الدورات، وتجوب معارض الكتب والمكتبات، وهي مع ذلك كله (مكانك ســر)، لا تجاوز موضعها، ولم يتغير فيها شيء يذكر، والسبب – من وجهة نظري – هو توقعها أن إصلاح الذات يكون من خارجها، وتوقع أن الفشل مثل المرض، وأن النجاح مثل العلاج، فما أن يصرف الطبيب لك العلاج، أو يضع لك الممرض الإبرة حتى تبدأ في الإحساس الفعلي بالتشافي، وهو ظن خاطئ بلا ريب.

فليس ثمة طرق سحرية للنجاح، وليست هناك أساليب تعمل من تلقاء ذاتها، فالنجاح يعتمد كلياً - بعد توفيق الله - على جهدك المتواصل لتحقيقه، دون كلل أو ملل.
وأنت أقدر الناس على معرفة ما ينجح مع نفسك ومالا ينجح، ومعرفة ما يحقق الثمرة وما لا يحققها.
كما أنك أقدر الناس على تكرار التجربة والتعلم منها، والأقدر على الغوص في غمار نفسك لاستكشاف عوامل تحفيزها، ومثيرات الإقدام والإحجام لديها.

فإذا أردت تحقيق النجاح، فاعلم أن الأمر يعتمد عليك، فلا تعوّل على أحد من العالمين.
واحرص على عدم الاتكال على جهد، بل اسأل الله التوفيق والبركة والسداد، وتذكر قوله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يقضي عليه اجتهاده

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بالعمل الخيري


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنا