فبراير 18, 2018

لا تسعّر طعامك!


يكون المرء منطقيًا أحيانًا في موضع ليس للمنطق فيه موضع!
ويحرم نفسه من أمور وأشياء تحت ذريعة (هذا تلاعب في الأسعار ومخادعة لا يمكن قبولها).
ولربما سكن المرء أحيانًا في فندق ذو خمس نجوم، أو في فندق بمنطقة بعيدة عن المدينة، يندر الوصول إليه، أو يكون في المطار، أو في قرية تقل فيها الخدمات من هذا النوع، ويكون في حاجة لهذه الخدمة المقدّمة أو تلك ويمنعه من الاستفادة منها أو شراؤها أو اقتناؤها.. أن (سعرها مبالغ فيه)، وربما كان أضعاف السعر الأصلي لها!


لذا يرى أن كرامته، وعزّته، وقوّته تكمن في الامتناع عن الاقتناء وحرمان نفسه من ذلك لأجل تأديب هؤلاء الذين يستغلون المواقع بكل جشع، ولا يخشون من رقيب أو حسيب.
إنني أدرك أن ثمّة استغلالاً وخداعاً – إن صح أنه خداع فعلاً – يوجد أحياناً.

وإنني أعترف -و لأول مرّة – أنني كنت من هؤلاء الذين يرون أن الشراء في هذه الحالة – حتى لوكنت بحاجة للطعام أو السلعة – يعتبر قبولاً بالإذلال والخداع من هذا التاجر الطمّاع، وأن الامتناع عن الشراء لتأديبه هو أكثر إبهاجاً لنفسي، وتحقيقاً للرضى الداخلي (المزعوم)، لقد كنت – في الحقيقة – أخدع نفسي!!

كنت – وإلى وقت قريب – إذا دخلت مطعمًا أو مقهى لأجلس فيه وأتناول شيئًا من أطعمته أو أشربته، فيكون أول ما ألقى عليه نظري (قائمة الأسعار) وأجعلها أحيانًا أحد المقاييس لاختيار الطعام، مع الاهتمام طبعاً بالنوع والطعم والشهرة.

وربما دخلت المطار مرّة فلم أشرب شيئًا مع رغبتي في ذلك، مع مكثي ساعة أو ساعتين، لأن الأسعار غير عادلة! وأقول لنفسي: لا يكافئ هؤلاء الطمّاعون بالشراء منهم.

لكنني اليوم أزعم أنني تغيّرت! وأرجوا أن تتأملوا الأمر فربّما تغيرتم، أو أنكم من المتعافين أصلاً، وذلك أنني بدأت أتفهم أموراً في هذا السياق ..

أولاً: ارتفاع السعر له مسبباته غالبًا فطبيعة المكان، وأسعار الإيجار فيه، وصعوبة الوصول، ونوعية وحجم المكان والأثاث وعدد فريق العمل ونوع الفريق، وكل التفاصيل ذات الصلة مؤثرة جدًا في موضوع السعر فضلاً عن حجم المبيعات، ونقل البضائع، والمنافسة للحصول على هذا الموقع.

قد لا يكون الارتفاع بهذا القدر مبررًا كلّه، لكن المقارنة بالسوق ليست عادلة كذلك، فمن يستأجر محله بخمسين ألفًا سنويًا لا يقارن بمن يستأجره بخمسين ألفًا شهريًا.

ولو تأملت فيما تدفع قيمته أحيانًا لوجدت أنك تدفع قيمة المكان، قيمة الإطلالة، قيمة السمعة والمكانة، قيمة الوجاهة والمظهر، قيمة الجلسة والاجتماع المميز.

وأنت في كثير من الأحيان لا تطلب (الخدمة) ثم تذهب، بل تجلس طويلاً وتأخذ حيزًا، مما يعني أنك في الواقع استأجرت مكانًا للجلوس وحرمت المطعم أو المقهى من زبائن آخرين.

كما أن مبلغ التوفير – لو لم تشتر من هؤلاء – ليس كثيرًا في نهاية الأمر فقد يكون عشرات الريالات في غالب الأحايين، وهو مبلغ أقل من أن تكدر صفوك أو تؤجل متعتك أو تحرم نفسك لأجله، مع أنك ربما أنفقت أضعاف هذا المبلغ دومًا في غير وجهه.

ففي المطار، وفي السفر تدفع ألوف الريالات، ثم تماكس في عشرات الريالات التي تكمل المتعة!

وأوصيك هنا بأن تترك عنك دعوى التأديب المزعومة، فهم أولاً – أعني التجار – لم يعلموا بك، ولم يشعروا بوجودك، أو انصرافك، ولا تهمهم انطباعاتك الخاصة، ثم إن طوابير المشترين والمستفيدين أكبر من أن تجعلهم حريصين على سماع وجهة نظرك، أنت في الحقيقة إنما تحرم نفسك مما تحتاجه، وأخص بالذكر الحالات التي تكون زيارتك لهذا الموضع أو ذاك قليلة أو نادرة، وليست سلوكاً يومياً تصنعه بحيث يجدي فيه البحث عن البدائل.

لهذا، خذ نصيحتي التي عملت بها حديثاً فوجدت ارتياحاً نفسياً كبيراً : إذا ذهبت لمطعم مميز، أو لمطار، أو في منتجع سياحي، أو على شاطئ جميل، وأردت طعاماً فوجدته، فلا تسعّر طعامك حين تشتهيه، ولا مشروبك حين تكون مريداً له، ولا تتوقف عن شراء سلعة أو خدمة تحتاجها الآن لأنها في مكان أو وقت آخر ستكون بمبلغ أقل.

وقتك أهم، ومتعتك الآنية أهم، واستفادتك من المرافق المتاحة، والخيارات الموجودة أولى من التقتير على نفسك لأجل مبلغ يسير، و(نفسك) تستحق منك إكراماً وتقديراً واهتماماً، فلا تبخل عليها.

دمت موفقاً

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

فبراير 18, 2018

رجاء .. لا تصوّر حياتك!

حيثما حللت، وأينما جلست، وجدت الناس يمسكون بجوالاتهم الخاصة، يصورون!
 يصورون كل شيء، ويقوم الفئام منهم بتصوير المشهد ذاته، فسفرة الطعام التي يتم وضعها في المنزل أو المطعم يقوم أكثر أفراد العائلة بالتقاط صورها في جوالاتهم أو في حساباتهم في شبكات التواصل، ويرون منظرًا طبيعيًا، فيفعلون الشيء ذاته، ويصورون أنفسهم في السيارة والطائرة وفي الوليمة، ويصورون المعالم، والحدائق، والزهور، والسماء، والقهوة، والتمر، والشاي، والفطائر، والصحون المملؤة والفارغة، ويصورون فرادى وجماعات.

وتكاد تجزم بأن مجموع ما تصوره العائلة الواحدة من الصور في سنة واحدة يجاوز عشرين ألف صورة!
بغض النظر عن هذا الرقم وضخامته، غير أن من المؤكد أننا نصور بشكل مهول ومبالغ فيه ومن غير حاجة إطلاقًا.

وثمّة أسئلة مهمة قد تدفعنا للتوقف عن 80% من الصور التي نقوم بالتقاطها. وهي: (لماذا نصور؟ ولمن نصوّر؟ ومتى سنعود لهذه الصور؟، وكيف سنؤرشفها؟).

أرأيت حين نصوّر (الورود والأزهار) في الشارع أو الحديقة أو المكتب، فإن الصور التي تلتقطها – غالباً - تكون غير احترافية، فإننا لن نصل لمستوى مئات الآلاف من الصور الاحترافية المتاحة اليوم على شبكة الإنترنت لكل أنواع الزهور وألوانها وعددها وطريقة ترتيبها. إذا فنحن نصوّر المشاهد الطبيعية مع أن ثمة صوراً كثيرة جداً هي أفضل من صورنا.

ثم لمن نصورها؟ 
ما الذي تجنيه العائلة أو الفرد من إرسال صورة الموادي، أو النهر أو الجبل إلى أقاربهم وزملائهم هل يريد إثبات أنه مصور محترف! أم يريد أن يقول أننا ذهبنا إلى هذا المكان الجميل دونكم أو ماذا؟
ثم إنّ هذه الصور يتم حفظها آلياً ويكون اسم الصور أرقاماً وتواريخاً وليست أسماء واضحة، وتجد أن هاتفك المحمول بات مملوءاً بالصور والمقاطع الكثيرة، فتقوم بعد مدة بحذف جملة كبيرة منها،  أو نقلها لحاسوبك أو حسابك السحابي، وتستمر عملية النقل هذه مرة بعد أخرى، وربما أصبح لديك عشرات  النسخ المكررة والاحتياطية من الصورة الكئيبة ذاتها.

إنني أشعر بأننا قد أصبنا بـ (إدمان التوثيق) دون داع، وصار هوس التصوير مما عمّت به البلوى.
إنني أتفهم أن يكون لبعض الصور الاجتماعية أهمية نسبية، وتبرير منطقي، لكونها صوراً خاصة غير متاحة على الشبكة، ولأنها تروي مرحلة عمرية محددة، تتغير بعدها الملامح، ويكبر الصغير، ويموت البعض، مما يجعل الاحتفاظ بها مبرراً، شريطة عدم التكرار المزعج للصورة ذاتها، فلا داعي لعشرات المصورين ولا لعشرات الصور للمشهد الواحد فتكفي صورة واحدة يتم التأكد من وضوحها فقط، ولا تحتاج في الرحلة ذاتها إلى سلسلة من الصور (صورتنا في المكان أو صورة المكان الذي كنّا فيه...) فالأماكن لها صور كثيرة في محركات البحث، فالعبرة بصورتكم في المكان، والتي تكفي فيها واحدة أو اثنتان.

وقد يستثنى من ذلك الصور التي يتم إرسالها لباقي أفراد العائلة الذين لم يشاركوا في المناسبة أو الرحلة بغية تطمينهم على مسيرة العائلة ومستجداتها وإشراكهم في الرحلة حين حبسهم العذر، لكنها تبقى صورًا مؤقتة قد لا يناسب الاحتفاظ بها جميعًا.

إننا نفوّت على أنفسنا فرص الاستمتاع بالأشياء كماهي، وننشغل بإظهار الاستمتاع بها من خلال الصور التي نرسلها هنا وهناك وننشرها في السناب والواتساب والانستغرام! وربما تحقق للبعيد من الاستمتاع مالم يتحقق للمشارك الفعلي، لأنه كان خارج المشهد في الواقع منشغلاً بإعدادات التصوير وزوايا الالتقاط، ونشر الصور للآخرين.

وقد رأيت ذات مرة مشهداً لأحد الرياضات، حيث كان كل الواقفين على المسار للفرجة يحملون في أيديهم جوالاتهم أو كاميراتهم الرقمية لتوثيق الحدث، بينما كانت تلك العجوز الطاعنة في السنّ تنظر للمشاركين في هذه الرياضة بكل استمتاع، دون أن تشغل يديها أو عينيها بشيء سوى الفرجة.

تفكّر ملياً في مسيرتك مع التصوير، وتساءل بجدّ، ما مصير تلك الصور؟

دمتم بخير

ديسمبر 28, 2017

إذا سافرت فلا تقلق


لم تكن أمور السفر أيسر منها هذا اليوم، وقد تعددت وسائل النقل وتنوعت وتباينت في أحجامها وأشكالها وسرعاتها و أسعارها بشكل كبير جدًا، ولم يعد دورك كمسافر  أن تبحث عن أي وسيلة تنقلك لوجهتك،  بل باتت مهمتك هي اختيار الوسيلة الأكثر مناسبة لك، كما أن الأسعار أصبحت كذلك منخفضة مع تعدد هذه الخيارات، فلم يعد هناك داع للقلق يومًا بشأن الحجز ومدى توفره، ولم يعد هناك حاجة لحمل همّ السفر قبله بأشهر، فالمسألة أصبحت يسيرة جدًا.
بل أكاد أجزم أنك لو ذهبت للمطار أو للقطار أو لمحطة الحافلات في أي وقت لوجدت رحلة متاحة في اليوم نفسه إلى الكثير من الوجهات، فموضوع الانتقال للوجهة المقصودة  – والحالة هذه – لم يعد يوجب القلق.

وأما السكن فهو الآخر بات أمر ميسراً للغاية،  وأخذت المواقع المعنية بالحجز للفنادق والشقق والفلل والمنتجعات تتكاثر وتتميز، فمن بوكينج إلى أجودا إلى مواقع أخرى كثيرة، ولم يعد الأمر يتطلب منك دخولاً لكل مبنى أو فندق أو مجمع للشقق للسؤال عن التوافر من عدمه، ولا عن المواصفات أو عن السعر، بل ولا عن مكان ذلك المسكن وقربه أو بعده من بعض المعالم أو الخدمات، بل أصبحت مهمتك أن تتصفح مواقع الحجز وتشاهد بكل يسر جميع المعلومات وتنظر في مختلف الخيارات وتحدد متطلباتك وفلاترك الخاصة، لتجد بغيتك مزوداً بالصور الوافية، وتقييمات العملاء السابقين لهذا السكن المختار، فموضوع السكن – والحالة هذه – لم يعد يوجب القلق.

وفي طرائق الوصول، وخرائط الدول والمدن، وطرقاتها الرئيسة والفرعية، ومعالمها المختلفة، هي الأخرى  لم تعد بحاجة كذلك لسؤال من سبق له زيارة هذا البلد أو ذاك، ولم تعد بحاجة للتوقف عند كل عابر للاستيضاح منه، فقد أصبحت خرائط جوجل تغطي الاحتياج وزيادة، وتدلك بالصورة وبالصوت إلى الوجهة التي تريد، بما يفوق متطلبات العميل.

وأما المحلات التجارية، والمطاعم وغيرها فقد باتت هي الأخرى قريبة المنال واضحة جداً، والوصول إليها أصبح يسيراً للغاية، وصارت التطبيقات تدلك على أقرب محل لموضعك الحالي، وتدلك عليه، وتزودك بتقييمات الناس له، وصور له كذلك، وأوقات العمل بداية ونهاية، بل وتتيح لك تطبيقات أخرى إمكانية توصيل تلك المشتريات إلى باب غرفتك.

كما أنك لم تعد بحاجة لحمل النقود معك بعملة البلد المستهدف، وأصبحت “الشيكات السياحية” شيئاً من الماضي،  فمكائن الصرف الآلي ونقاط البيع وبطاقات الائتمان تؤدي المهمة بكل اقتدار، ويمكن لك أن تسافر شهراً كاملاً في عدد من الأمصار، وليس في جيبك ريال واحد.

ولم تعد بحاجة إلى البحث عن سيارة تقلك، أو سائق يقود بك السيارة، فقد وفرت التطبيقات والمواقع الإلكترونية كأوبر وكريم إمكانية عالية للنقل من موضع إلى آخر، وبأسعار مناسبة، كما أن مواقع كثيرة تتيح لك استئجار السيارة التي تريد لتقوم بقيادتها في البلد الذي تسافر إليه.

ومع كل ما سبق يبرز تساؤل حقيقي : لم لا يزال البعض مصطحباً صورة السفر السابق، بكل عنائه وصعوباته، فتراه قلقاً مرتبكاً لمجرد أنه سيسافر؟

ولماذا هذا  القلق وقد زالت أسبابه؟

ليس لدي إجابة حقاً سوى أن البعض ألِف العيش بمشاعر السابقين، وأصبح يحاكيهم ويحذو حذوهم، رغم أنه قد كان لديهم ما يقلقهم، ولم يعد ذلك موجوداً لدى المعاصرين.

ومن هنا .. أدعوك للاستمتاع بالرحلة، وأخذ الأمور بيسر، وبساطة، وترك القلق، وعدم الاهتمام بصغائر الأمور.

دام توفيقك،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

ديسمبر 02, 2017

هرمنا .. فأين إكسير الشباب؟

نعيش يومنا وكأنما عمر الشباب والقوة والنشاط سيلازمنا دومًا، ناسين أو متناسين أننا سنودع هذا العمر المملوء حيوية وقوة ونشاطاً، ونصبح إن أمدّ الله في أعمارنا – من المسنين، وسوف نعجز عن ممارسة الكثير من الأنشطة والفعاليات التي يمكننا اليوم ممارستها.
وسوف يأخذ أصدقاؤنا في مغادرة الدنيا واحدًا بعد الآخر، وسيكبر الأولاد ويغادرون المنزل لبيوتهم وحياتهم الجديدة الخاصة بهم، وسوف تحدث تغييرات كثيرة فينا وفيمن حولنا، وهذا أمر طبيعي يحصل للناس كلهم، لكن كثيرين – وأنا أحدهم- لا نخطط لذلك المستقبل جيدًا، بل نستمر على وتيرتنا الحالية حتى نكتشف أننا قد هرمنا فجأة.

وقد يسأل البعض: وما الذي يمكننا أن نصنعه لنمنع الهرم فلا تمر بنا تلك المرحلة، وهل ستحدّثنا عن عقار النشاط والشباب، وأكسير الحياة الذي يعيد الشيخ شاباً؟
والحقيقة أنني لا أعرف شيئًا يمكنه منع الهرم، ولا تأخير الشيخوخة، لكنني أعرف الكثير مما يمكن فعله اليوم لهرم أكثر سعادة، وشيخوخة أطيب عيشًا، ويبقى ذلك من فعل السبب، وإلا فالمقادير والأعمار بيد الله، فلا يدري الواحد منا هل يمهل الله له حتى يدرك الهرم أم لا؟

أحد أهم الأشياء التي يفترض بالمرء فعلها ألا يستسلم للشيخوخة، ولا يقنع نفسه يومًا أنه قد فات الأوان، وأنه الآن في مرحلة الاستسلام ولزوم الدار وانتظار الموت..
بل ليستيقظ من نومه وكأنه سيعمّر مائة عام، أو تزيد، فلا يتوقف عن الأمل والتخطيط والأهداف والطموحات، فتلك “وقود الحياة” التي متى ذهبت؛ توقفت الحياة فعلاً حتى لو كان المرء في الثلاثين أو الأربعين.

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
أن يستمر المرء في التعلم والاستكشاف، فالتعلم المستمر ينشّط العقل ويحرّكه، كما أنه يضيف للمرء من المعلومات ما يستحق أن ينصت له الناس من أجله، فيسعدوا ويسروا بكلامه.
كما أن شغف التعلّم يجعل المرء مستمرًا في الاستمتاع بلذة الاكتشاف والمعرفة، وانشغاله بهذا التعلّم يأخذ منه وقتًا طويلاً، فينصرف عن الأحاديث الفارغة، والانشغال بلوم هذا وذاك، والندم الذي لا يصنع شيئًا. وكان ولا زال الكتاب ومصادر المعرفة الأخرى أوفى صديق لا يكل ولا يمل ولا يذهب، والناس بخلاف ذلك إلا ما رحم ربي.


ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة كذلك : 
أن يعتقد المرء أن سعادته وحياته بيده هو، وليست مرهونة بأحد من الناس، فلا يرهن السعادة بزيارة الأولاد، أو لقيا الأصحاب، فذلك يعني أنه لا يملك التصرف في حياته، بل أن زمام أمره، وسعادته، وحزنه مرهونة بما يقرره الآخرون، وهذا الأمر في غاية الإحباط.

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
 تنويع الأصدقاء، والحرص على إضافة أصدقاء جدد أقل عمرًا، ممن تجمعك بهم اهتمامات مشتركة، علمية، أو رياضية أو غيرها، فذلك يعني في نهاية المطاف أن يستمر أصحابك معك، يساندونك، ويسعدونك، ويعرضوا عليك دومًا الحضور للمناسبات المختلفة، والفعاليات المتنوعة، والجلوس أو السفر معك، فإن كان أصدقاؤك محصورين فيمن كانوا في عمرك فسوف تشعر أن عددًا منهم لم يعد قادرًا أو راغبًا في الخروج من عزلته التي فرضها على نفسه، فضلا عن تناقصهم التدريجي من جراء المرض أو الموت.
وهؤلاء الأصدقاء الأصغر سنًا هم غالبًا سيكونون أطول بقاء ممن هم في سنك، فضلاً عن المعارف والمعلومات والخبرات والأحاديث المتجددة التي ستسمعها منهم، فتضيف لعمرك أعمارًا، وتصبح من بين أقرانك الكبار متميزًا بحيويتك ونشاطك وهمتك..

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
أن تجعل لنفسك أبوابًا من الخير لا تتوقف عنها، فتجعل القرآن جليسك، والصلاة مع الجماعة والتبكير إليها هجّيراك، والقيام على المحتاجين عادتك، فالطاعات والإحسان للخلق من أعظم ما يحفظ على المرء جوارحه وعقله وصحته.

ولا زال في الأمر المزيد لبسطه والحديث عنه في قابل الأيام بإذن الله، أسأل الله تعالى أن يبارك لكم في أعماركم وصحتكم وجوارحكم كلها حتى تلقوه على خير حال.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن 

ديسمبر 01, 2017

التشويش في الترجمة الفورية


تجربتي في حضور عدد من اللقاءات والفعاليات التي تحتوي على متحدثين باللغة الإنجليزية، مع وجود الترجمة الفورية، وجدتها مملة ومشوشة في وقت واحد.
فأنت حينها لا تدري: هل تستمع لصوت المتحدث بالإنجليزية حيث يعلو صوته في القاعة، أم تصغي لتلك السماعات التي وضعتها في أذنيك؟
أم تتابع العرض التقديمي باللغة الإنجليزية؟
فأنت في اللحظة نفسها تتلقى 3 مدخلات غير متوافقة ( حديث باللغة الإنجليزية، حديث المترجم باللغة العربية، عرض تقديمي أو أوراق العرض مصممة باللغة العربية أو الإنجليزية).
وهذا الأمر لا ينطبق على الترجمة الفورية للقاءات التلفزيونية التي تقوم بها القنوات الإخبارية غالباً ، ذلك أن أمرها مختلف، فهي غالباً تصريحات وأحاديث عاجلة ومقتطفة، وهي تخلو من عروض تقديمية يفترض متابعتها، كما أن القناة تقوم بخفض صوت المتحدث الرئيسي بشكل كبير ليعلو عليه صوت المترجم، وبناء عليه يمكن للمشاهد أن يستوعب المراد بيسر.

ليس لدي حلّ لإيصال المفاهيم - فوراً - من المتحدث بلغة إلى المتحدثين بلغة أخرى، لكنني أظن أن بالإمكان إيجاد حلول أخرى، غير ما أعيشه الآن من تناقض.
وربما يكون من الحلول أن يقسم الحضور إلى مجموعتين، الناطق بلغة المتحدث يكون جالساً بشكل مباشر أمام المتحدث، أما الحضور الناطق باللغة الأخرى فيكون في قاعة زجاجية معزولة صوتياً بحيث يرون المتحدث ولا يسمعون صوته، ولا يصلهم إلا صوت الترجمة فحسب.
وأن تكون العروض موجودة باللغة العربية.
وأن يكون ظهور النصوص في العروض التقديمية وفقاً لما يقوله المتحدث، ولا يخرج النص مرّة واحدة.

أما الوضع الراهن، فبكل صراحة .. أشعر بأنني أستمع لشخصين يتحدثان سوياً في موضوعين مختلفين، ويطلب مني أن أفهم المراد منهما! .

لكن :
حين تكون في موضع للاستفادة، وثمة عوائق وعقبات تعترضك، وتقلل من استفادتك، فالمفترض أن تسعى لتقبل الأمر، وتحاول تقليل الخسائر، فالتذمر لن يصنع شيئاً.

تعوّد تقبّل ما لا يمكنك تغييره، وتخيل نفسك وقد طلب منك أن تعيد تقديم خلاصة مافهمته لآخرين لم يحضروا هذا اللقاء!

ستجد أنك نقلت تركيزك إلى جانب آخر، فبعد أن كنت تفكّر في ( ما هي العقبات؟)، أصبح تفكّر في (كيف يمكن لي أن آخذ ما يمكن أخذه؟)

دمتم بخير ،،،

نوفمبر 20, 2017

وهم الأرياف

في أثناء تصفحنا لبعض الصور الجميلة للريّف بكل بساطته وجماله وتلقائيته، يردد البعض بأنه يتمنى أن ينتقل كلياً للسكن في أحد هذه الأرياف الوادعة، بعيدًا عن ضجيج المدن وزحامها وصخبها، وأنه طالما تمنى حياة الدعة والسكون، حيث لا توجد انشغالات تذهب بالأوقات ولا مسافات طويلة يتم قطعها يوميًا.
فهناك .. في الريف يمكن للمرء الاكتفاء بخضار المزرعة التي يزرعها بنفسه، والخبز الذي يصنع في البيت، يستيقظ مع الصباح الباكر ليشاهد إشراقة الشمس، ومن قبله طلوع الفجر، حيث رائحة القهوة تعمّ المكان، وزقزقة العصافير يجلب السعادة، ونقاء الأجواء يسلب الألباب.
وربما تمنى أن يأخذ حينها غنيماته ليرعى بهن، وقد خلا ذهنه من الهموم وزالت عنه الغموم.
يا سلام!
كم هي صورة مثالية متوهمة يصنعها المرء ويوهم نفسه بأن تلك الحال هي أحد أمنياته، وما ذلك إلا لأنه لا يعرف من حياة الريف سوى بعض المظاهر اليسيرة التي يراها في الصور، أو التي يجرب بعضها لأيام محدودة، يأتيها متفرغاً من أعماله، ثم يغادرها سراعاً .. فهو لا زال في سكرة الإعجاب، فحكمه غير دقيق، ومشاعره في الحقيقة غير حقيقية.
ولكي تعلم حقيقة الأمر اسأله وما الذي يمنعك من الانتقال للريف فعلاً؟  فلسوف يحاول جاهدًا اختلاق المعاذير التي تجعله غير قادر على مفارقة المدينة والابتعاد عنها، مع أن هذه الأعذار -غالبًا- مجرد أعذار متوهمة يمكن له تخطيها لو كانت العزيمة صادقة فعلاً.
حياة الريف – ياصاحبي  ليست كوخًا خشبياً متقن الشكل، وليست خيمة أو بدوي في وسط الخضرة الغناء فقط، بل هي انقطاع عن الناس، وبعد عن الخدمات، وصعوبة في التواصل الاجتماعي، وهي حياة جد وتعب وإرهاق، فالحياة في الريف أقل تنوعًا وإثارة إشباعًا للحواسّ، وكل شيء يسير في المدينة، يبدو عسير المنال في الريف.
إن حياة أهل الريف – من واقع رؤيتي لها – مشوبة بالكثير من المصاعب، التي ربما صرفت أهلها عن التمتع بتلك الجوانب التي تظهرها الصور، فهو مشغول برعي الدوابّ، وسقيها، وحلبها، وعلاجها، وحراستها، وهو مشغول بحفظ الطعام وفقاً للموارد المتاحة، وحرث الأرض، والعمل الجاد لاستصلاحها، وإصلاح مقرّ السكنى، وغيرها كثير..
ولهذا فإنه - في الأغلب - لو زالت كل الأسباب لما غادر صاحبنا مدينته إلا لماما، ليمتّع ناظريه بشيء من المناظر غير المألوفة فحسب.

وأختم تدوينتي هذه بقصّة تؤكد ذلك، وقد وقعت للوالد  حفظه الله  مع أحد جيرانه، حيث كانا يلتقيان في المسجد دوماً فيتبادلان أطراف الحديث، فكان الجار يردد على مسامع الوالد بشكل متكرر رغبته في ترك الرياض، والانتقال للمدينة النبوية، وأن تلك أمنية قديمة كانت تراوده، وأنه يوشك على القيام بذلك قريباً، فلما طال حديثه عن هذا الأمر، قال له والدي ذات مرّة : إنك لست جاداً في أمنيتك هذه، ثم أردف الوالد : انتقل للمدينة المنورة الآن، واسكن هناك، وسألتزم لك بسداد إيجار مسكنك للسنة الثانية كاملة إن كنت صادقاً.
يقول والدي : ومن ذلك اليوم المبارك، لم أعد أسمع منه ذكراً للمدينة ولا للسكنى بها قط، وباتت أحاديثنا في شؤون أخرى مختلفة.

الريف جميل للعابرين على عجل، وليس للإقامة فيه غالباً .


دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

نوفمبر 17, 2017

الغرفة الفندقية

حين تقرر البحث عن غرفة فندقية لتمكث فيها ليلة أو أكثر، وتبدأ في تصفح مواقع الحجز عبر الإنترنت، فلا تهمل أثناء بحثك معلومة مهمّة ..
ألا وهي (مساحة الغرفة أو المسكن)، ففي بعض الأحايين تكون الغرفة جميلة التصميم، أو ذات إطلالة جاذبة ورائعة، لكنها بحكم مساحتها المحدودة تجعلك كالمسجون!.
فلا يوجد بها مكان للقراءة والاطلاع، ولا لتناول الطعام، ولا للاسترخاء بعيداً عن سرير النوم، فهي غرفة نوم فقط! أو هي على الأصح سرير فحسب.
 وربما كانت دورة المياه ضيّقة هي الأخرى، بما لا يتيح لك الحركة فيه بشكل سلس.
لذا فالتأمل في مساحة الغرفة، والاطلاع على مرافقها أمر مهم جدًا.

وأذكر أنني ذات مرة استأجرت غرفة في أحد البلاد العربية  وحين دخلت الغرفة، وكنت قد ركزت أثناء الحجز على المرافق العامة الخارجية فحسب، كالبهو، والنافورة، والمطعم، والإطلالة، والتراس، وماشابهها.. وحين دخلت الغرفة المنشودة وجدتها أشبه بالسجن فعلاً، أو هي كغرفة السائق!
فالسرير مخصص لـ (نفر واحد)، والمساحة ضيّقة للغاية، ويبدو وكأن جزءاً منها واقع تحت السلم (الدرج)!..
لذا رفضت دخولها، بل بادرت بطلب البحث عن غرفة أوسع، ودفعت الفارق في القيمة، فلم آت لأجرب تجربة السجن الاختيارية، وإنما أتيت مستمتعاً.
ومما يجدر الانتباه له أثناء البحث كذلك، أن لا تكون المساحة وحدها هي المقياس، فربما كانت الغرفة واسعة المساحة فعلاً لكنها خالية من الأثاث والأدوات، فتشعر حينها أنك في منزل لم يكتمل شراء أثاثه.

وتذكر ختامًا :
أن الصور خدّاعة، فلا تصدّق كل ماتشاهد، خصوصاً حين يكون ناشر الصور هو مقدّم الخدمة ذاته، فهو يصور بشكل احترافي، ويلتقط الصور قبل أن يتم استخدام مرافق الفندق فتبدو جديدة ورائعة، وربما كان قد مرّ على تلك الصور سنين عدداً، فغدت بالية متسخة، وتذكّر أن مهمة المصور المحترف الذي يتعاقد معه الفندق : إظهار المزايا وإخفاء العيوب بشكل احترافي.
فكن حذراً..
وأقرأ تعليقات الزوار، وانطباعاتهم، وشاهد الصور المرفوعة من قبل الزوار، لكي تكوّن حكمك النهائي على مدى مناسبة هذه الغرفة الفندقية من من عدمه.  


29 محرم 1439هـ  كتابة الصباح


دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan