مايو 29, 2017

العادات.. طريق النجاح


اعتاد كل منا على مجموعة من "الأفعال" و"الأقوال" و"السلوكيات" في يومه وليلته، وصارت تلك الأفعال سهلة يسيرة تحدث منه دون تكلف أو مشقة، وما ذلك إلا لأنها انتقلت من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي وصارت عادة بعد أن كانت التزاما.
وهذا الانتقال من حال التكلف إلى حال التلقائية يحدث بمجرد الالتزام الزمني بالفعل أو القول ومواصلة ذلك حيناً من الدهر.
ويتحدث المختصون في تطوير الذات عن قاعدة الـ21 يوماً، والتي تشير إلى أن الاستمرار على سلوك محدد لمدة 21 يوماً متواصلة كفيل بتعويد النفس عليه وجعله جزءاً من أفعالها التلقائية متى صاحب ذلك قناعة بالسلوك وأهميته.

والأمر ذاته يقال عن الصفات والسمات الخيرة والأفعال الحميدة كافة، فإذا عوّد المرء نفسه على الاستيقاظ في ساعة معينة أو النوم فيها، أو على أداء الواجبات في أوقاتها المطلوبة، أو التلطف في الحديث وانتقاء أطايب الكلام، فإنه يفعل تلك العبادات والسلوكيات دون شعور بالتعب أو التكلف، ومن هذا ما ورد عن بعض السلف أنه جاهد نفسه على قيام الليل سنين عديدة ثم ارتاح بعد ذلك وأصبح يستيقظ لقيام الليل من تلقاء ذاته دون الحاجة إلى منبه خارجي.

"العادات نصنعها أولاً ثم تصنعنا "
د. سلمان العودة
لذا كان من خير ما يصنعه الراغب في النجاح أن يعوّد نفسه على السلوكيات الإدارية الحميدة، ويلتزم بأدائها بشكل متواصل دون تراجع أو ملل، فتصبح هذه السلوكيات عادة مألوفة، وسجية طبيعية.

والعادات –في بدايتها– تشبه الخيط الخفي الدقيق، فكلما تم تكرار هذا السلوك المؤسس للعادة أضيفت قوة لهذا الخيط حتى يصبح حبلاً بعد أن كان خيطاً رفيعاً، ومع التكرار يصير هذا الحبل متيناً لايمكن الفكاك منه كما يقول "أوريسون سوت".

وعندما تعتاد على السلوكيات الإيجابية وترسخها فإنك تبدأ مسيرة النجاح الحقيقية، ذلك أن النجاح هو نتاج تطبيق سلسلة طويلة من سلوكيات الناجحين، والتزام طويل المدى بالقواعد المنظمة للنجاح والمنثورة في سير الناجحين ومؤلفاتهم.

ذلك أن أغلب ما يعيق الطامحين ويفشل مسيرتهم: مللهم في بداية الطريق، وتركهم (الالتزام والاستمرار) في فعل ما يفعله الناجحون عادة، ذلك أن الصبر على الأفعال الخيرة والصحيحة حتى تصبح سلوكاً طبيعياً أمرٌ ليس باليسير، ولذا فإن الذين يستمرون في درب النجاح ويصلون للهدف قليل في مقابل الأعداد الضخمة الراغبة في ذلك، ومردّ كثير من ذلك إلى القدرة على التحمل والصبر والالتزام، والوقت الذي يستطيع المرء فيه مقاومة ميل النفس للراحة والدعة والسكون والإخلاد إلى الأرض.

نَصَحْتُكَ لاَ تَأْلَفْ سِوَى الْعَادَةِ الَّتِي
يَسُــرُّكَ مِنْهَا مَنْشـــــــَأٌ وَمَصـــِيرُ
فَلَــمْ أَرَ كَالْعَــادَاتِ شَـــيْئًا بِنَاؤُهُ
يَسِــيرٌ وَأَمَّـــا هَدْمُهُ فَعَسِـــــــيرُ


محمد بن سعد العوشن
@binoshan 

مايو 21, 2017

ماذا نقول للغربيين عن "تعدد الزوجات" ؟


موضوع تعدد الزوجات..
هو موضوع ذائع الصيت، وهو موضوع مثير للكثير من الحوارات، والنزاعات ، والنقاشات..
والحديث عنه لم يتوقف، لا من جهة المقتنعين بأنه يعتبر حلاً لكثير من المشكلات، ولا من الذين يعتقدونه مشكلة تقع في البيوت فتفرّقها وتشتت شملها، ولا من جهة المشككين في مشروعيته أصلاً، وهم غالباً (يريدون) تحريمه، لكنّ الأدلة الشرعية، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفتاوى العلماء قديماً وحديثاً لا تساندهم في ذلك.


وأنا في هذه المقالة لن أتحدث عن حكم تعدد الزوجات، ولا شروطه، ولا عوامل نجاحه أو فشله، ولا عن أحكام العدل وتفاصيله، كما أنني لست بصدد إقناع القراء بوجهة نظر محددة حول التعدد، ولا دعوتهم للعمل به أو تركه.

لكنني سأتحدث – وأنا مشحون بالأسى – عن بعض الذين تدفعهم مجاراة الآخر ومحاولة الظهور بالمظهر اللائق – وفق ظنونهم – إلى محاولة التبرؤ من تعدد الزوجات والتنصل منه لكي نبدو لدى الغربيين أكثر حضارة!

لست أدري كيف يخجل بعضنا في حديثه مع الغربيين من موضوع “تعدد الزوجات”!!

فتراه يحاول إظهار التعدد على أنه حالة استثنائية، يعمل بها في ظروف خاصة، محاولا التملص منه، وكأنما هو يستحيي من دينه عند قوم تجردوا من الحياء والدين جملة وتفصيلاً.

إنه لأمر عجيب.

الغرب قوم إباحيون، يمارس المتزوج منهم فضلاً عن الأعزب عدداً غير قليل من العلاقات الجنسية مع كثير من النساء العازبات والمتزوجات، وتفعل النساء الأمر ذاته!

ويشرّعون الزنا، والحمل خارج إطار الزوجية، فتكثر لديهم “الأمهات العازبات” دون شعور بالحرج، وتلد المرأة في بعض الأحيان عدداً من الأولاد من حبيبها، قبل أن يقررا الزواج بعد ذلك!

ويعتبرون “العذرية” مثلبة ونقصاً، وينظرون إلى صاحبها على أنه مريض حقيقي يحتاج للعلاج النفسي!

ويتعرّون في ألبستهم فيكشفون من العورة أكثر مما يسترون، ويلبس الرجل دوماً لباساً أستر من لباس المرأة الفاضح!

وتختلط لديهم المرأة بالرجل في المسابح والمراقص ودور الفجور والخمور، وهم في عقولهم حينا، وسكارى في أحيان أخرى.

ويواصلون مسلسل الانحدار باستباحة الشذوذ بين الرجل والرجل، والشذوذ بين المرأة والمرأة واعتبار تلك العلاقة المنحطّة والتي هي أقل من البهائم منزلة (زواجا للمثليين)، ثم يشرّعون هذه العلاقة ويعتبرون محاربتها تخلفاً عن ركب الحضارة، وإخلالاً بحقوق الإنسان!

ويقيمون دُوراً للبغاء، كما يبيحون إنتاج وبيع الصور والأفلام التي تهدف لنشر الإباحية وترويجها في العالم برمته علانية، ويحمونها بوصفها تجارة رائجة تحقق لهم الكثير.

هذه حقيقة الغرب من الناحية الأخلاقية ..

ومع كل هذه المخازي التي يرتكبونها بل ويحوّلونها من ممارسات شاذة إلى حقوق إنسانية ثابتة، ويجاهرون بها، رغم منافاتها للطبيعة البشرية، بل وحتى الحيوانية؛ مع كل هذا لا يزال بعضنا يراعي مشاعر القوم، فيستحيي من الحق، ويحاول تبرير تعدد الزوجات بأنه إنما يشرع في حالات خاصة جدا، و في أضيق الحدود.

والحقيقة أن عقول هؤلاء هي الضيقة عن فهم الشريعة وفهم الطبيعة البشرية واحتياج الرجل والمرأة على حد سواء.

فالله سبحانه قد أتاح لمن وجد في نفسه الرغبة والقدرة أن يقوم علنا بالزواج الشرعي بأكثر من امرأة، زواجا مكتمل الأركان، يؤدي فيه كافة الواجبات، لا أن يشبع شهواته مع فتيات الليل بالزنا والفجور، ثم ينصرف تاركاً تلك النسوة دون أي حقوق.

إنها شريعة الرحمن، العليم

شريعة تلتزم بالوضوح التام، والحقوق المتبادلة، والعدل،  ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

شريعة تلتزم بـ “الطهارة” من أدران الرذيلة والأخلاقيات الرديئة، وفتيات الليل، وأنواع الفجور.

شريعة من لدن حكيم خبير، يعرف الخلق، ويعرف ما يصلح لهم وما يضرّهم.

وإنه لعيب على المسلم أن يقف هذا الموقف المخزي والمهين أمام قوم امتهنوا كل أنواع الممارسات الشاذة علانية، فتراه وقد علاه الخجل منهم!.

يجب أن نتخلّص من عقدة الضعف والانهزامية والمسكنة التي تجعلنا معجبين بما لديهم، خجولين مما لدينا.

يجب أن نقولها علانية:

لن نُخفي شيئاً من ديننا لأجلهم، ولن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض لأجلهم، ولن نستحيي من إظهار كل شعائر الإسلام لأجلهم.

فنحن  يا قوم “الأعلون” لو كنا نعلم.

يجب أن يكون لدينا من الثقة والوعي ما يجعلنا نعلنها دون مواربة : التعدد أمر مشروع ومسموح به، رضي من رضي، وسخط من سخط.

ولنعلم يقيناً بأن أولئك لن يرضوا عنا حتى ندخل في الفجور كما دخلوا، فنكون وإياهم سواء، ونتبع ملتهم.

هذا كلّه من حيث التنظير و(المشروعية) و(الجواز) و(عدم التحريم)، وليس التطبيق للتعدد على أرض الواقع.

ذلك أن تطبيق التعدد في الواقع أمر يخضع لظروف الرجل والمرأة، ولكثير من العوامل التي تحتاج إلى دراسة ممن يريد الإقدام، وذلك شيء مختلف تماماً عن مبدأ الاعتزاز بالدين جملة وتفصيلاً، و التعدد أحد شرائعه الحكيمة، ويمكن لكل رجل أو امرأة أن يترك التعدد ولا يقبل به في حياته الخاصة دون أي حرج.

والحديث عن التعدد ذو شجون، فلعل مقالة أخرى تغطّي جانباً آخر منه بإذن الله .

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

مايو 11, 2017

لعنة المعرفة


هناك مايسميه شيب هيث و دان هيث، مؤلفا كتاب (أفكار وجدت لتبقى)  بـ لعنة المعرفة ! وهي مشكلة شائعة وان لم نسمها بهذا الاسم!
ألم يمرّ عليك وقت عجزت فيه عن شرح ماتعتبره أنت من البديهيات لشخص لم يسبق له أن عرف هذا الشيء؟
فتراك تشرح، ثم توجز، ثم تمثّل، وتكون - ربما - بعد ذلك كله كما قيل:
أراد أن يعربه فأعجمه

والمعنى التفصيلي لهذا المصطلح : أن يكون المرء مدركاً بشكل تفصيلي لـ (المعرفة) حول موضوع محدد، ومن شدّة فهمه وإدراكه واطلاعه على تفاصيل التفاصيل فيه، فإنه حين يريد إيصال هذه المعرفة للآخرين، يعجز عن تبسيطها لهم لكي يفهموها، فتراه بعد كل الشرح للفكرة، لا يزيدها إلا غموضاً، ويصاب الحاضرون بالعجز عن فهم مراده.
وتجد أنه يتعجب كيف توقفت عقولهم عن فهم كلامه، وكيف قصرت أفهامهم عن إدراك مقصده وحديثه "الواضح جداً"، و"البدهي" بينما في الحقيقة أن المشكلة لديه هو، وليست لديهم!

ذلك أنه بعد أن كان جاهلاً بالفكرة - مثلهم اليوم تماماً - ، قد بذل كثيراً، و أمضى مدة غير قصيرة في فهمه للفكرة واستيعاب تفاصيلها، وبذل جهداً كبيراً في ذلك، وبدأ في بناء تصوّره للفكرة شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت الصورة لديه واضحة جداً، وباتت الكثير من المعلومات المهمة حول الفكرة عادية ومعروفة ويسيرة.

فحين يحاول إيصال الفكرة للغير، فإنه يعجز عن تصور حاله قبل العلم بها، ولذا يستخدم مصطلحات ومفاهيم ويرددها على المستهدفين، ويعجز عن تبسيطها بأسلوب واضح، وتجد أنه يريد من الناس أن يفهموها بسرعة لشدة وضوحها في ذهنه.

لهذا عُرف عن بعض الخبراء أو العلماء فشلهم في التعليم ونقل المعرفة أو الخبرة من جراء هذا الخلل، بل وفشلهم في إدراك المشكلة، وأن سببها الرئيس ليس (الجهل) بل (المزيد من العلم والمعرفة المتوفر لديهم)، فلا يفهم حديثهم إلا القلة ممن لديهم مقدمات هذا المعرفة وأجزاء منها.

وفي أرض الواقع : يقع بين يدي بين حين وآخر مطويات تعريفية بمشروع، أو موقع إلكتروني لمشروع، يصوغ محتواها (الخبير ذو المعرفة) فلا تفهم شيئاً من مراده، وتتعجب كيف لمثل هذا النص أن ينشر بهذه الصيغة غير المفهومة.

لذا كان مهماً أن لا يترك أمر إيصال الرسالة للجماهير للمختصين في الفكرة فحسب، فتغدو المادة كالألغاز، بل لابد أن يناقش الخبير أحداً ممن يحسن الصياغة، ويطيل النقاش معه والتنبيش والاستيضاح ووضع البدائل اللفظية، والأمثلة، ثم يكتب مختص الصياغة النصوص المعبّرة عن الفكرة، ويعيد عرضها على الخبير، مع عدم قبول عباراته وجمله العلمية كما هي، فمن ضمن (لعنة المعرفة) كذلك أن يطمح المتخصص إلى حشو تلك النشرات والمواقع بالكثير الكثير من المعلومات التي يعتبرها مهمة، وهي في الحقيقة ليست كذلك.

و يقال : (إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل صغير بكل سهولة، فلديك مشكلة في التعبير) .

والآن: ارجع بالذاكرة إلى وقت مضى، وحاول تذكّر أوقات كنت فيها عاجزاً عن إفهام الآخرين ماتعتبره بديهياً، وتذكّر كذلك معلمين أو خبراء كانوا يسعون جاهدين لشرح بعض القضايا دون نتيجة تذكر، وتدارك فيما بقي، فأحسن تبسيط المعرفة وتيسيرها، تكون بذلك قد قدمت رسالة مختلفة، وواضحة ومؤثرة.

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هـنـا

مايو 08, 2017

خيران و الخواجة | قصة قصيرة


كان “خيران” يسكن في الصحراء.. في خيمة تذروها الرياح.
يربّي بعض الأغنام ويرعاها بنفسه أو ترعاها زوجته “خيرية”..
وذات يوم قرر “خيران” أن يفتتح نشاطاً تجارياً لبيع الماشية في ذات المكان الذي يعيش فيه، لعل ذلك أن يجلب له شيئاً من المال الذي شحّت مصادره، وكثرت مصارفه.
لم يكن تجهيز المتجر شاقا، فقد نصب خيران عدة أعمدة خشبية من بقايا احتطابه في الشتاء الماضي، وأحاطها بألواح من هنا، وأغصان من هنا، وبقايا شبك سابق من هناك.
ووضع عاملاً على تلك الأغنام، يسقيها ويطعمها نهاراً، ويحرسها ليلاً من اللصوص والذئاب.
وحين يأتي المشتري لشراء شيء من الأغنام، كان العامل يصيح بأعلى صوته منادياً صاحب الحلال للتفاوض مع المشتري حول سعر الماعز أو الضأن الذي يريده.
سارت أمور “خيران” بشكل جيد، وازدهر سوقه بشكل جيّد، وبات يحقق دخلاً من هذه التجارة، وكان يذهب بين فنية وأخرى للقرية لكي يشتري بعض الأعلاف لإطعام الأغنام حين يقل العشب في المرعى بغية المحافظة على سمنتها وصحتها، الأمر الذي يفضله الزبائن دوماً.
وذات يوم، سمع “خيران” أن مندوباً من الحكومة قد مرّ على عدد من المناطق المجاورة، وأنه سوف يمر بمنطقتهم قريباً، وأن ذلك يأتي ضمن مشروع لوزارة التجارة يستهدف تنشيط التجارة الفردية كما يقولون.
وكان زبائن “خيران” وضيوفه يتحدثون معه دوماً عن آخر منطقة وصلت لها الوزارة، مؤملاً أن يكون مع المندوب “شرهات حكومية” تخفف شيئاً من مصروفات الأغنام في هذا الصيف القائض.

وفي صبيحة يوم صيفي معتاد، سمع “خيران” صوت محرّك سيارة تجتاز الرمال، رآها تقبل عليه من بعيد إلى أن وصلت السيارة ذات الدفع الرباعي إلى خيمته، وترجّل منها سائق بدا متمرساً، ومعه “خواجة” ذو شعر أشقر، وعيون زرقاء، يرتدي بنطالاً وقميصاً وقبعة على رأسه، عرف خيران بعدها أنه مستشار وخبير أجنبي يدعى “جون”.
كان متخصصاً أمريكياً في مجال تربية المواشي وبيعها – كما يقول السائق المترجم-، وإن كان لم يظهر من لباسه ما يوحي لخيران بذلك.
ترجّل الخبيرُ وصافح خيران والبسمة تعلو وجهه، وكان يخبره عن صعوبة الطريق وشدّة الحرّ في هذه المنطقة، وكان السائق هو المترجم بينهما.

بدأ الخبير في طرح أسئلته على خيران، حول فكرة المشروع، ودراسة الجدوى، وطلب الاطلاع على خط الإنتاج، وموازنات المشروع، ومؤشرات الأداء، والخطة الاستراتيجية، والكي بي آيز، والنظام المالي، وأدلة الإجراءات، وأسلوب الأرشفة، والسير الذاتية لفريق العمل.
وكان الخواجة يحمل معه نماذج مطبوعة على ورق فاخر، ومع كل إجابة يضع علامة × أمام نص إنجليزي بدا غير طويل.
كان الاعتذار سيد الموقف، فأكثر مطالب الخبير لا يدري “خيران” ما المقصود بها، وهو يسمع بها لأول مرة، فضلاً عن أن يكون قد عملها.
انتقل الخبير والسائق و”خيران” بعد ذلك إلى مكان وجود الأغنام، والتقى بالعامل هناك وقدم له التحية.
وبعد نظرة يسيرة على هذا الحوش المتهالك والأغنام التي بداخله والتي لا يتجاوز الثلاثين رأساً، أبدى الخبير تعجّبه من عدم وجود بطاقة تعريفية في أذن كل واحدة من الأغنام توضح عمرها للزبائن!
وعدم استخدام الباركود في بيع المنتجات.
وعدم وجود نقطة بيع بنكية تسهل للمشترين الذين لا يحملون الكاش لكي يشتروا باستخدام بطاقة ATM أو الفيزا والماستركارد.
كما اعتبر أن بيئة العمل التي يعيشها العامل غير محفزة، مقترحاً وجود زي موحد للعمالة، وهوية بصرية للمشروع، ومطبوعات، وموقع إنترنت، وبريد إلكتروني يمكن من خلاله متابعة مشروع التطوير أونلاين.
وانتقد عدم توفير كاونتر استقبال للزبائن، وجلسة استراحة لهم لحين اكتمال الطلب، بالإضافة إلى ماكينة للكوفي، وبعض أشجار الزينة التي تحفّز العامل على العمل، وتحفّز المشترين على إعادة الشراء!
وتحدّث الخبير كذلك عن الخطط الاستراتيجية، وعن الكثير من الأشياء التي لم يعد خيران يتذكرها، حيث كانت الترجمة نفسها تحتاج إلى ترجمة لتقريبها للفهم.
ونسي المستشار الأجنبي أن تجربته وخبرته في بلاده مبنية على مجموعة كبيرة من المدخلات التي يبني عليها مقترحاته وهي ليست موجودة هنا!
نسي أنه لا توجد كهرباء في المنطقة.
ولا مصممو جرافيك.
ولا بنوك.

ولا أحد يعرف الكوفي أو يشتريه أو يستسيغه.
وأن الماء بالكاد يكفي الرجل وأغنامه وعامله.
وأن أشجار الزينة تموت في هذه الأجواء الصحراوية.
وأن الزبائن يعرفون أعمار الأغنام من أسنانها فهم لا يقرؤون البطاقات المقترحة.
وأن سكن العامل في هذه الخيمة الحارّة هو نفسه سكن خيران وكل سكان المنطقة.

واستمر الخواجة في بيان المثالب والمعايب، وحين انتهى، دعاه خيران لتناول القهوة العربية والتمر، إلى حين نضج وجبة الطعام التي حرص خيران على أن تكون من أطيب أغنامه، لكن الخواجة اعتذر بلطف، وغادر مع سائقه، لأنه سيزور مجموعة من القرى المجاورة.

قفل خيران خيمته مستاءً، وجلس مع عامله يشربان القهوة التي تم إعدادها للضيف حيث كانت من القهوة البرية التي لا يصنعها إلا لأكابر القوم.


دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan

نشرت في صحيفة تواصل من هــنا 

أبريل 23, 2017

الكثير من "الدرعمة"

كشفت وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيراً من الناس – وللأسف – مستعد للقتال دون قضية، والحماسة لموضوع لا يعرف أبعاده، ومخاصمة الناس على الـ”لا شيء”.
وفي كل يوم تأخذنا الهاشتاقات التويترية نحو قضايا بعينها تحقق “ترنداً” عالمياً، وأرقاماً قياسية في حجم المشاركات، وترى تفاعل الصغير والكبير فيها، تفاعلاً غير متزن، و”درعمة” دون وعي.
لقد أتاحت شبكات التواصل لكل أحدٍ أن يعبر عن رأيه كما يرى، لكنها في المقابل لم تجعل لذلك حداً، والحرية المطلقة شر مطلق، كالمنع والكبت والحصار، لأن تلك الحرية تجعل الناس يهرفون بما لا يعرفون، ويكذبون، ويضخّمون الصغائر، ويطالبون بالحلول غير المنطقية، ويخوضون في النوايا، وينالون من الأعراض، تحت ستار الأسماء المستعارة حيناً والحقيقية أحياناً، ولا يمكنك في الحالتين التحقق من صحة الأسماء أو نسبة تلك الأقوال لأصحابها.

والمشكلة الكبرى، أن الناس يظنون أنهم باتوا إيجابيين وفاعلين ما داموا قد غرّدوا في هذا الهاشتاق أو ذاك، يشعر الواحد منهم أنه أدى رسالته، وقام بمهمته، لأنه ذمّ ذلك القطاع، أو نال من ذلك الشخص، ويعتبر نفسه مؤثرا لمجرد أنه كتب في ذلك الهاشتاق جملة من عبارات السبّ والشتم والدعوات، ولهذا فهو قد بات عنصراً فاعلاً في مجتمعه خلافاً للآخرين!

وما درى المسكين أنه أصبح كالفرّوج (صغير الدجاج) الذي سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها، وهو لا يدري ما الموضوع أصلاً ولا مسبباته.

لقد أصبح وجود مقطع مرئي لامرأة تبكي أو تشتكي، أو هاشتاق يزعم تعنيف امرأة كفيلاً باستنفار تويتري كبير!

مع أنه ربما كانت تلك المرأة ظالمة ومتجنيّة ومفترية، فلا يمكن اعتبار جنس “النساء” أو فئة “العمال” أو عمر “الأطفال” كافياً في اعتبار القضية عادلة، ولا أن تكون الدموع دليلاً على المصداقية، ولذا فسجون النساء ودور الأحداث فيها ألوف السجينات الواقعات في جرائم حقيقية.

إن الاهتمام برفع المظالم، والسعي لإعادة الحقوق لأصحابها، والدفاع عن المساكين، والوقوف في وجه المعتدي أياً كان اسمه ووصفه يعدّ أمراً محموداً مادام يتم وفقاً للشرع المطهر، ومن خلال الأنظمة والوسائل المسموح بها، لكن وكما قيل:

أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا يا سعد تورد الإبل

وكما قال الآخر – في الإبل كذلك -:


أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل

ليس الإنجاز أن نلعن ونسبّ ونشتم الفاعل، قبل أن نستوثق من الأمر برمته، من حيث ثبوته، ومن حيث مسبباته، وأن نكمل أجزاء الصورة قبل الحكم عليها، وقد قال عمر بن عبدالعزيز لأحد قضاته: (إذا أتاك الخصم وقد فُقئت عينه، فلا تحكم له حتى يأتي خصمه؛ فلعله قد فُقئت عيناه جميعاً).

إنها دعوة للتريّث والتحقق والتثبت، وامتثال قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، وليست دعوة للتخاذل والقعود عن إنكار المنكر أو نصرة المظلوم.

ولنرفع شعاراً دائماً: لا للدرعمة*.

_________________
* الدرعمة : الانطلاق مع الجموع دون وعي، والتعجّل في إصدار الأحكام دون وجود معلومات كافية.


دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan


تم نشر المقال في صحيفة تواصل هـنـا

أبريل 23, 2017

متعة الحياة المؤجلةّ

تمتّع بإجازاتك الأسبوعية والسنوية، ولا تفوّتها تحت تأثير الانهماك في العمل.
فالإجازة "عملية ترميم شاملة للنفس والجسد"..
تتضمن  إصلاح الخلل، وتفقد جوانب النقص، وتعديل المعوجّ، وإعطاء النفس راحة بعد طول عناء، واستجماماً واسترخاء بعد كدّ وعمل متواصل طوال العام.
وهي تأتي لتعوّض النقص الحاصل في تلبية حاجات النفس والجسد خلال أيام العمل والجدّ، ولا يشعر بطعمها الحقيقي إلا من كان في باقي أيامه منهمكاً في خضم العمل.
أما النائمون طوال العام..
الذين لا يحملون بين جنباتهم أي اهتمامات أو مشاريع، الذين أعطوا أجسادهم كل ما تريد من راحة ومتعة واسترخاء، وأعطوا أنفسهم كل ما تشتهي، فليس هناك من جديد يرونه في الإجازة، بل ربما أصبحت الإجازة في أنظارهم هماً وغماً لتواصل الفراغ بالفراغ، فترى الواحد منهم يفرح لانتهائها، ويسعد بانقضائها..
خلافاً للناجحين الذين يضعون لأنفسهم الخطط التي تجمع بين حصول الراحة والترفيه والاستجمام والاسترخاء من جهة، وبين إنجاز مشاريعهم الشخصية التي لم تكن لتنجز لولا هذا التفرغ، إذ إنهم لا يرون في الأعمال والمشاريع تكليفاً بل تشريفاً، ويعتبرونها منحة حين يعتبرها غيرهم محنة وبلية.
لذا:
التزم  بأخذ إجازة منتظمة من عملك، برمج فيها وقتك، وأعط نفسك حقها من الراحة والسكون، واقتطع جزءاً منها للاستطلاع والسفر، والتغيير في المأكل والمشرب والملبس، وأعط أهلك من وقتك نصيباً تدخل به السرور عليهم، وتنمي معرفتهم، واجعل من وقتك نصيباً آخر للتفكر والتأمل والمراجعة للمسيرة، والتخطيط للمستقبل، فبها تحلو الإجازة وتزدان وتتحقق فائدتها المثلى.

* إجازة طويلة أم  قصيرة ؟
بينما يتمتع البعض بأخذ إجازة طويلة لا تقل عن شهر متواصل، يرى غيرهم أن الإجازات القصيرة المفعمة بالجدة والحداثة أكثر فائدة وأقوى أثراً، فالإجازة الطويلة تعوّد الإنسان على الكسل والخمول، وتكرّه إليه العودة إلى العمل مرة أخرى، وتحتاج إلى عمل مكثف يسبقها لتسليم المشاريع والأعمال القائمة، إضافة إلى أن أيامها تمر دون أن يشعر صاحبها بأنه قد استمتع فيها بما يريد.
والأمر مختلف في "الإجازات القصيرة" إذ يتم استشعار أيامها، وجدولة المرح والراحة والسفر فيها بشكل أكثر دقة مما يجعل الشخص يشعر بكل يوم يمر، ويحس ببركة اليوم وألوان المتعة والترفيه التي أمكن عملها خلال هذا الوقت، كما أنها لا تحتاج إلى ترتيب مسبق للأعمال القائمة لدى الموظف إذ سرعان ما يعود إلى عمله لاستكماله، كما أن العودة للعمل تكون أكثر سهولة على النفس وأيسر.
كما يمكن أن تخصص كل إجازة قصيرة لقضاء أمر من الأمور، أو زيارة منطقة لم يسبق زيارتها، أو بلد جديد يختلف عن البلد المزار في الإجازة السابقة، مما يعني تغييراً أكبر في حجم الاستفادة من الإجازة، وهو ما يعطي شعوراً بطول الأيام التي نقضيها في الإجازة خلال العام.
فإن كان زمام إجازتك بيدك، وكانت وجهتك قريبة، فجرّب الإجازات القصيرة ( 8 إلى 10  أيام)، وستجد أنك تعود بنشاط وحماسة وتجديد أكثر من ذي قبل، وهو رأي مجرب، وإن كان الأمر كما قيل:
لكل امرئ من أمره ما تعودا

* الإجازة ليست ضياعاً !
يتعامل البعض مع الإجازة وكأنها وقت مخصص للإضاعة، وأن إشغال وقت الإجازة بغير ذلك خطأ، وهذا المفهوم غير صحيح البتة، فالراحة والاسترخاء وإعطاء النفس مرادها أمر مهم فعلاً، لكن توظيف الإجازة لتحقق الأهداف المحددة أمر مهم كذلك.
 فهناك حاجة لتقسيم أوقات الإجازة لتحمل بين طياتها جزءاً للراحة والنوم والاسترخاء بعد الكد والتعب، وجزءاً للقراءة والتأمل والاطلاع، وجزءاً للاستكشاف والاطلاع، وأجزاء أخرى لصلة الرحم وإدخال السرور على الأهل والأبناء والأقارب.
ويمكن أن تصبح الإجازة منطلقاً لبناء الذات، في الجوانب الروحية، والمعرفية، والثقافية، وفي مجال العلاقات، وهي بهذا الاعتبار وقت عمل حقيقي، لكنه من نوع آخر، يتميز بدرجة أعلى من الحرية في تنظيمه وإدارته وتوجيه لتحقيق الأهداف الفردية.

* الإجازة ليست نوماً:
يعتقد كثيرون أنهم كلما زادوا من ساعات النوم كان ذلك صحيًا بشكل أكثر، وهذا اعتقاد خاطئ – كما يقول أهل الطب-إذ لو كنت تنام مدة خمس ساعات بالليل فقط، وتشعر بالنشاط في اليوم التالي فإنك لا تعاني من مشكلات في نومك.
بل يشير المختصون إلى أن من الخطأ الاعتقاد بأن الوقت الصحي للنوم هو 8 ساعات لمن تجاوزت أعمارهم الخمسين عاماً، و ثمة دراسات أثبتت أن النوم لمدة 6 ساعات كاف في الحصول على الراحة وتحقيق أكبر فائدة ممكنة لصحة الإنسان، وأن ذلك يمثل وضعاً طبيعياً صحيحاً للجسم، ولهذا ينبغي التعامل مع (النوم) بوصفه حاجة للجسم لابد من تحقيقها، لا باعتباره لوناً من المتعة يتم الاستكثار منها.

*  قبل العودة من الإجازة ..غيّر إطار  تفكيرك:
يشعر الكثيرون عند عودتهم إلى أعمالهم بعد انقضاء الإجازة السنوية بشيء من الكآبة جراء تحمل الهموم والمشكلات الناشئة عن بداية العمل وانتهاء وقت الراحة، وهذا الشعور لا يغير من واقع الحال شيئاً، فالإجازة قد انتهت، والعمل قد أقبل شئنا أم أبينا.
 فمتى فرغت من إجازتك، فاحرص على أن تأتي للعمل بروح جديدة، مليئة بالحيوية والنشاط، والرغبة في النجاح والتجديد وإحداث التغيير، ولتستفد من هذا الهدوء في إعادة النظر في طبيعة الأعمال التي تمارسها بشكل روتيني، والتفكير في طرائق التجديد التي يمكنك تنفيذها لكي تضفي على العمل الممل طعماً رائعا جديداً.
إنك بذلك تصنع من الليمون الحامض شراباً حلواً، فإننا مهما تحدثنا عن حموضة الليمون وصعوبة تجرعه فلن يخفف ذلك الحديث من طعم الليمون شيئاً، ولن تحل المشكلة، غير أن  وضع قطع السكر على ذلك العصير الحامض يمكنه أن يحل المشكلة.
إذا فالحل في تغيير تصوراتك القديمة عن عملك ورتابته وإملاله، و اتخاذ عدد من الخطوات العملية لإضفاء السكر، وستجد نفسك وقد أصبحت أكثر إقبالاً ونشاطاً وإنتاجاً.

أخيراً .
حذاري من تجميع الإجازات وجعلها رصيداً ، وتأجيل المتعة المنتظمة إلى حين التقاعد والاستقالة، فإنك لا تدري عن حالك يومها، وهل تدركها أصلاً .

( إن العقل قادر على أن يصنع من الجحيم نعيماً، ويصنع من النعيم جحيماً )
جون مولتون

دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan

أبريل 20, 2017

أصوات المرجفين!


أيها المدير الجديد، أو المقبل حديثاً على تولي مهمة إدارية:
حين تدرس العرض المقدم لك لكي تعمل "مديراً" فيجب عليك أن لا تصغي للفاشلين والمنزوين وغير المجربين، أصحاب الهمم المتدنّية الذين يخوّفونك من أشياء لم يعرفوها ولم يجربوها..
وحديثهم فيها كحديث المفلس عن مخاطر الثروة..
أو حديث العاميّ عن سلبيات القراءة والتعليم!.
لا أقول هذا الكلام تنظيراً فحسب، بل إنني أتحدث عن تجربة عايشتها بنفسي.
ففي حياتي العملية الوظيفية، حين قررت الانتقال من العمل (معلماً) إلى العمل (وكيلاً لمدرسة)، وقمت بالترشّح لذلك، جاء إليَّ جملة من المُخذّلين من زملائي في المدرسة، يخبرونني عن صعوبات العمل في مهمة "وكيل مدرسة"، وعن خطورة التفريط في بيئة العمل الحالية التي أعمل فيها معلماً، ويذكّرونني بأن المدرسة التي سأصبح وكيلاً لها تقع في حيّ من أحياء من مدينة الرياض التي يغلب على الظن صعوبة ضبط الطلاب فيها، وأخذ بعضهم يتطوّع فيروي لي قصصاً وأساطير عن وكلاء ومديرين تعرضوا للاعتداء على ذواتهم، أو على ممتلكاتهم، وأخذوا يسوقون لي من التخويفات الشيء الكثير!
( إذا لم تحاول أن تفعل شيئا  أبعد مما قد أتقنته، فإنك لا تتقدم أبدا)
رونالد اسبورت
ولو أنني استمعت لنصائحهم حينها لكنت - حتى اليوم - في مدرستي وبنفس مستواي وقدراتي وعلاقاتي وخبراتي، غير أنّ الله أعانني على تجاهل تلك الوصايا المسمومة التي كانت مغلّفة بمشاعر الخوف والحبّ أحياناً.
لقد أقدمت على المهمّة، وتقبّلت المخاطرة، وعملت بالمبدأ الذي يقول (الحياة التي ليس فيها مغامرة : لا تستحق أن تعاش)، وأدركت أنه لن تحدث كارثة كبرى حين أفعل هذا الأمر، واعتبرت أن "الأوهام" التي ساقوها هي مجرّد ظنون، و (إنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئاً) .

وكنت أقول لنفسي :  (لو أنني فشلت في المهمة بعد بذل الجهد والطاقة، فالعمر لم ينته، وخيارات العودة لم تغلق، فعودتي للعمل معلماً هي الخطوة الأيسر)، لذا فقد واصلت التقدّم، فانتقلت بعد عام واحد من العمل وكيلاً لمدرسة متوسطة ، إلى العمل وكيلاً لمدرسة هي من أكبر ثانويات الرياض حجماً ، وكان عدد طلابها يجاوزون الألف طالب، وواجهت حين هممتُ بهذا الانتقال الآخر موّالاً من التثبيط والتخويف، وكنت قد وعيت الدرس فلم أعر هذا الموال اهتماماً ، فتقبّلت المهمة، ووجدتني أتعلم منها الكثير، وأكتسب من الخبرات والمعلومات والعلاقات مالم أكن لأحصل عليه لو رضيت بالبقاء في موقعي السابق.

وقد يسّر الله لي بعد ذلك الانتقال للعمل مشرفاً تربوياً، ثم مديراً لأكثر من وحدة إدارية في مجال الإشراف، ورئيساً لعدد من اللجان، ثم نائباً لمدير مركز التجهيزات المدرسية وتقنيات التعليم بمنطقة الرياض التعليمية لعدّة سنوات.

وقد وجدتني في كل مهمة جديدة أنمو وأتقدم وأتعلم وأتعرف، وجدتني شخصاً آخر في كل مرّة، بفضل الله وتوفيقه، ثم باصطحاب شعور الإقدام لا الإحجام، والتعامل مع مشاعر الخوف بطريقة تحدّ من تأثيراته.
مردداً : لن تحدث كارثة كبرى حين أجرب العمل في هذه المهمة.

( أفضل وسيلة للهجوم على الخوف ..
 هي الإقدام على الشيء الذي تخشاه)
روبن شارما

دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan