ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

ديسمبر 05, 2023

الاستثمار في الأعمال الخيرية

       يحرص الكثير من المستثمرين الهادفين للربح المحض لتحديد شريحة المستهدفين لديه، وينتقيهم بعناية، وهو ما يعين على تحقيق المزيد من الأرباح نتيجة التخصص.
 وقد وجد بعض أولئك المستثمرين أن العمل مع الجمعيات الخيرية أو مع فاعلي الخير يحقق لهم بغيتهم ومقصودهم الربحي بامتياز، لأن ذلك القطاع بحاجة إلى شراء الكثير من المنتجات والخدمات .
وترى الكثير من أولئك يقدمون الخدمات للقطاع بسعر السوق أو زيادة، وبجودة السوق أو أقل، وهم في ترويجهم لمنتجاتهم وأعمالهم لا يكلّون من استخدام النصوص الشرعية لحث الناس على التعاقد معهم!.

        فتراهم يتحدثون عن فضل سقيا الماء وماورد فيه من الأجور، ويتحولون إلى واعظ في شأن السقيا، لا لشيء إلا لأنهم يبيعون كراتين المياه المعبأة، ويوصلونها للمساجد أو لغيرها من الأماكن التي يريدها المتبرعون أفراداً أو مؤسسات.

         وتراهم كذلك يتحدثون عن أهمية العناية بالعمال المساكين الذين يعانون من البرد الشديد القارس، لأنهم في الواقع يسوّقون للحقيبة التي أسموها (كسوة الشتاء)، والأمر نفسه يقال عن إطعام الطعام، وتوزيع السلال، والتمور..

        ولأن العمل تجاري صرف، فإنهم لا يقومون هم أو كثير ممن يتعامل معهم بالتدقيق في مجال جودة المنتج، وفائدته للمستفيد النهائي، ومدى الحاجة الفعلية إليه، والأمر نفسه يقال عن الكثير من الخدمات التي يحرصون على التكسّب من خلال بيعها باسم البحث عن الخير وابتغاء الأجر.

        ومن الطريف كذلك أن ترى ذلك المستثمرالتجاري يتحدث بين الحين والآخر عن دوره الكبير في (العمل الخيري)، وحرصه عليه، وإنجازاته في توزيع أكبر عدد ممكن من سلعته باسم (الخير).

      وربما سعى للحصول على المزيد من العقود باعتباره أولى من غيره، لأنه من (رجال العمل الخيري) – على حدّ زعمه- مع أنه في هذه الحالة ليس سوى أحد المستفيدين من العمل الخيري، المتكسّبين منه، وهو مقدم خدمة ليس غير، هدفه الرئيسي تحقيق الربح المالي، وتأتي باقي الأهداف الأخرى – إن وجدت – تبعاً لذلك الهدف.

       لذا تراه لا يتغاضى عن أي شيء من الأرباح لصالح العمل الخيري، ولا يقبل بتأخير شيء من الدفعات، بل ولا يكلف نفسه بذل مزيد من الخدمة من حيث النوع أو الكم أكثر مما هو متفق عليه، فضلاً عن أن يتبرع بجزء من موارده للمشروع الذي يقدّم المواعظ الناس بشأنه.

     إن قيام رجل الأعمال بتحديد مجال عمله في خدمة قطاع ما، لا يجعله بالضرورة من رجالات ذلك القطاع، ويجب ألا يعتبر جهده التجاري ذاك عملاً تطوعياً يفاخر به، بل هو عمل تجاري صرف، فالمقاول الذي جعل اختصاصه بناء المساجد، أو الشركة التي تخصصت في إنتاج البرمجيات التعليمية، أو إصدار المواد الإعلامية الهادفة، أو تجهيز الاستوديوهات للمؤسسات غير الربحية، كل أولئك (رجال أعمال) يبحثون عن الربح الخالص وقد وجدوه هناك.

         ومن الخطأ أن نتعامل معهم كما نتعامل مع منظمات القطاع الخيري، من حيث مبدأ التجاوز وعدم التدقيق، وقبول المتاح، واعتبارهم محتسبين في خدمة العمل، ذلك أن أولئك المستثمرين حينما يكون الأمر مرتبطاً بحقوقهم ومصالحهم -عند التعاقد- فإنك تراهم تجاريين جداً ، ودقيقين جداً، فإذا جاء وقت الاستلام منهم، ومراجعة أعمالهم، لبسوا لباس التطوع والعمل الخيري، مطالبين بالمراعاة والتسهيل.

        إنك حين تقدّم الخدمة بشكل تطوعي صرف  لا تبتغي منها جزاءا ولا شكورا، فإنه ينطبق عليك قول الله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل)، فعملك مشكور، وسعيك محمود، وبذلك للوسع كاف تماماً.

       أما حين تقدّم تلك الخدمة بمقابل مادي تكسب من خلاله، فإن الأمر مختلف كلياً، ويعتبر إخلالك بالعمل أو تقصيرك فيه مرتبطاً بأكل الأموال بالباطل.

        وما من شك أن احتساب الأجر في كل عمل يقوم به الإنسان أمر محمود، حتى ولو كان أمراً دنيوياً صرفاً، لكن ذلك شيء بين المرء وبين الله، لا يمكن الاطلاع عليه، ولا الاستيثاق منه، لأن محله القلب، ودعوى الاحتساب فيه غير كافية لقبول الإخلال بالأعمال والعقود، أو المطالبة بما هو غير مستحق، وخصوصاً حين يكون المال مال الله، ناتج عن تبرعات الناس وصدقاتهم، فإن التحرز فيه يجب أن يكون عالياً ، وأن يأخذ المرء فيه بالعزيمة لا بالرخصة، فـ (كل جسد نبت من سحت؛ فالنار أولى به).  

        وحديثي هذا عن المستثمرين هو حديث عن عدد غير قليل،  وإن كانت الوقائع تثبت قيام (بعض) أولئك، بإطلاق مشروعاتهم الخيرية الخاصة في مجال تخصصهم، وبذلهم في ذلك من مالهم الخاص، وهو أمر يذكر فيشكر.

        كما أنني لا أشك أن الكثير من الجمعيات العاملة في القطاع حريصة دوماً على الحصول على أفضل المنتجات، بأفضل الأسعار المتاحة، إدراكاً منهم للمسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه هذا المجال، وتجاه المستفيدين، وتجاه المتبرعين كذلك.

        جعلنا الله وإياكم من المباركين، ومن المتورعين عن أخذ ما فيه شبهة، فضلاً عما لا يحل، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

        دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

21 - 5 - 1445 هـ

الرياض (حرسها الله)

نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله


نوفمبر 20, 2023

وماهو بهيّن!

نتوقع أحياناً أن الأعمال الكبيرة والمؤثرة بل والخطيرة كذلك هي أعمال "عظيمة الحجم"، أو "كثيرة العدد" بالضرورة، وهو توقع غير صائب، فهي أحياناً تكون شيئاً يسيراً، لكنه يحدث أثراً عظيماً يصعب إزالة آثاره.

غير أن التشبيه الرائع في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الشهير عن حال أهل السفينة الذين نزل بعضهم أعلاها، ونزل بعضهم أسفلها، ثم إن الذين نزلوا أسفلها اقترحوا اقتراحاً مفاده لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. 

فكان النص الحاسم هنا (فإن تركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) يجعلنا دوماً نعيد النظر في الفعل ذاته، وفي آثاره المتعدية بعد ذلك، بالنظر في مآلات الأمور ونتائجها الإيجابية أو السلبية قبل أن نقرر أن الأمر هين ويسير، وليس الحديث مقتصراً على الجانب السلبي، إذ الأمر ذاته ينطبق على أفعال الخير والإحسان، فرب فعل يسير استهان به صاحبه، وظن انه لا يصنع أثراً، لكن بركته وأجره وتأثيره كانت عظيمة.

فلا تستهن بأي إحسان تصنعه، أو صدقة تنفقها في سبيل الله ولو صغرت، فقد دخلت امرأة بغيٌّ مِن بني إسرائيل الجنة بسبب كلب أسقته على حين ظمأ، فوقوفك مع المسكين والمحتاج ولو بالشيء اليسير، قد يكون فيه خلاصك، وفي الحديث (اتقوا النار ولو بشقّ تمرة)، كما ثبت في الحديث كذلك (سبق درهم مائة ألف درهم)، وفي المتفق عليه صال صلى الله عليه وسلم : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة).

ولا تستهن بأي تأثير إيجابي تحدثه، أو عمل مبارك تقوم به، واحذر من التقاعس عنه بسبب قلة المستفيدين، فالعدد ليس المعيار الوحيد في الحكم على الفاعلية والتأثير، ورب كلمة لم يستفد منها إلا شخص واحد، غير أنها أثرت عليه وصنعت منه إنساناً مختلفاً، وربما أحدث بعد ذلك آثاراً عظيمة ناشئة عن تلك الكلمة اليسيرة.

ولا تستهن بأي نصيحة تقدمها للغير، ولا تهوّن من تأثير كلمة الحق التي تقولها، فرب كلمة جاءت بغير إعداد مسبق، وبشكل عفوي، أحدثت تغييرا جذريا في الآخرين، وكان بها خلاصك وخلاصهم.

ولا تستهن بتفاصيل البر بوالديك، وتتبع ما يرضيهما، وتفقد صغائر احتياجاتهما، ولا تستهن بالوقت الذي تمضيه معهما، فكم من حسرة ستعانيها حين يفارقان الحياة وأنت مقصر في حقهما، وتذكر أن القرآن الكريم نهى عن صغائر الأمور معهما، ( ولا تقل لهما أفّ).

ولا تستهن بالدقائق والسويعات التي تذهب هباء، فإن العمر هو تلك الدقائق التي تمضي، وإنما السيل اجتماع النقط، وتفريطك وتهاونك مرة بعد مرة يجعل سنوات عمرك تتصرم، وانت على نفس حالك.

ولا تستهن باي خطوة تقوم بها لتخفيف الإدمان الإلكتروني، والتخلص من عبودية الجوال والإنترنت.، فكل خطوة -ولو صغرت- يمكنها أن تمنحك وقتا إضافيا تصرفه في جوانب الحياة الأخرى المهمة، ولا يغرنّك كثرة المدمنين، فهم متورطون وإن تظاهروا بغير ذلك.

ولا تستهن بدقائق معدودة تنفقها في تلاوة آيات من الذكر الحكيم، أو السجود لله، أو حمده وشكره عل نعمه، وتسبيحه وتعظيمه، والتأمل في عظيم صنعه.

ولا تستهن بالحديث الإيجابي للتخفيف عمن وقعت عليه مصيبة، أو حلت به كارثة، ذلك أن جبر الخواطر، ومشاركة الناس همومهم من أعمال البر المحمودة، وفي الحديث (لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق).

ولا تستهن بأي معصية ترتكبها، وتعتبرها هيّنة يسيرة، و تذكر (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، ففكّر دوما في عظمة وجلال من عصيت.

ولا تستهن بالمجاهرة بالمعاصي أمام الناس، ففعل المعصية ذنب، غير أن المجاهرة بها ذنب آخر، وربما كان أكبر من الذنب الأصلي ذاته، ففي الحديث (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).

ولا تستهن بكلمة تثبيط أو تحطيم توجهها لمبادر اجتهد في عمل يقوم به، أو مسعى بذل فيه وسعه، فكم من كلمات كانت أشد من اللكمات على وجوه المبادرين.

لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

ولا تستهن بالخوض في أعراض الناس، ونواياهم، وإصدار الأحكام عليهم، وتذكر قول الله تعالى (وتحسبونه هيّنا، وهو عند الله عظيم).

وفي حديث تقشعر له الأجساد، يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم.).

ولعلي أكتفي بتلك النماذج المشار إليها،إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، جعلنا الله وإياكم من المعظمين لشعائر الله، الحريصين على ما يرضيه، المجتنبين لمواضع سخطه وغضبه.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

5 / 5/ 1445 هـ


نوفمبر 18, 2023

لست وحدك | النهيدي

نعم،  ففي الخير ( لست وحدك )

فلا تمنن فهناك الكثير يعملون بصمت يقدمون ولا يمنَّوُن يتسابقون للعطاء ويحزنون إن فاتت عليهم الفرص ثم ينزوون كأن لم يعملوا شيئا {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير }.

و في البلاء ( لست وحدك )

فهناك أناس يُبتلَون بأكثر مما أنت فيه ويصبرون، ويشير المصطفى ﷺ إلى ذلك في حديث خباب «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري

وفي الإبداع ( لست وحدك )

فهناك مبدعون كثر، تعريجك عليهم وعلى إنجازاتهم يجعلك تستصغر عملك وتتطلع للمزيد، وبعدم الإلتفات إليهم يتسرب إليك الغرور فيفشلك.

وفي الإخفاق ( لست وحدك )

فهناك الكثير فشلوا وحاولوا ونجحوا ولو بعد حين وهناك فاشلون سقطوا وأحبطوا وكانت النهاية، كلاهما يعطيك حافز لأن تقوم من عثرتك أقوى ما تكون فلست وحدك.

و في الخطأ ( لست وحدك )

فلا تجعل الخطأ يقودك إلى الخطأ الآخر والأصغر إلى الأكبر فمعظم النار من مستصغر الشرر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» رواه مسلم

وفي الإصابة ( لست وحدك )

فهناك موفقون مسددون ملهمون يقولون الحق ويهدون الرشد فلا تكن وصيا على الناس فلست وحدك  وكأن لا حجة على الخلق إلا أنت, ولا موافق للشرع إلا فعلك 

فتيقن دوماً أنك ( لست وحدك )


بقلم المغرّد : عبدالله النهيدي
5 / 5/ 1445 هـ

نوفمبر 14, 2023

||| تحديث على المدونة |||


 أخي الزائر الكريم .
يمكنك الآن التعليق على التدوينات المنشورة .
ممتن لنقدك الهادف، ومقترحاتك، وإضافاتك النيّرة.

                            محمد

نوفمبر 13, 2023

الصديق الحقيقي!

لطالما كانت أوقات الرخاء والمسرات والسعة أوقاتا يتكاثر فيها الرفاق، ويشعر المرء أنه محاط بالكثير من الأصدقاء، والزملاء، من الأقارب، أو سكان الحي، أو من تعرّف عليهم في مراحله التعليمية المختلفة، أو عمل معهم في وظيفة ومنظمة واحدة.

وربما ظن المرء أنه حين يجد الجد، ويقع المكروه، وينشد "الفزعة" منهم، فإن تلك الأعداد غير المحدودة، جاهزة للمبادرة، تنتظر الإشارة منه، بل ربما توقع أن يسبقوا لذلك دون انتظار النداء.

والحقيقة أن هذا وهم كبير، فالناس الذين تعرفهم أو عشت معهم، أو تزاملت معهم في دراسة أو عمل، يتعايشون معك بوصفك جزءاً من مجتمعهم، وهم يعدونك جزءاً يسيراً من علاقاتهم الكثيرة، فلا تتوقع أن تكون لدى كل واحد منهم في المنازل الأولى، وأنه ينظر إليه كأقرب صديق، ذلك أن تلك التوقعات حين يجد الجدّ ستكون مؤلمة جداً.

لذا فإن من المهم لك أن تفرّق جيداً بين الزملاء والأصحاب الكثر، والذين تتعايش معهم، وتأنس بهم، وتمضي جملة من الأوقات معهم، وبين الأصدقاء الحقيقيين الذين تدّخرهم للنوائب، ممن سيتفانون في تقديم الخدمة لك، وسيسعون بكل جهدهم لمساعدتك على النهوض بعد الوقوع، وسيلازمونك ملازمة الأخ الشقيق، وسيتألمون مثلما تتألم، فـ"الصديق وقت الضيق" كما يقول المثل الشائع.

وما أجمل بيت الشاعر عبد الله بن عون في هذا التفريق المهم بين الأصحاب، حيث يقول:

بعض العرب للتمشية والتساهيل  * وبعض العرب للمعضلات وخطرها

ومثله بيت الشاعر فهد الصميدي، الذي يقول فيه:

أحدن أجيه اضيع الوقت واياه * واحدن إلى ضيعني الوقت جيته

إنه أسلوب حياة في التعامل مع الآخرين، يقتضي وضع كل واحد منهم في منزلته التي تليق به، وهو يعني الانفتاح واللطف مع الجميع، مع إدراك أن ذلك يأتي من باب الإحسان وفعل الخير، وبذل المعروف، الذي يرجى نفعه في الدنيا، وأجره في الآخرة، فالتبسم في وجوه الآخرين، وأن يكون المرء ممن يألف ويؤلف هو أمر ممدوح ومرغّب فيه، غير أنه في الوقت نفسه يجب الانتباه جيداً لتلك  القلة القليلة، والنخبة المنتقاة من الأصدقاء الصدوقين المقرّبين، الذين يعلم المرء أنهم أهل لهذه المنزلة، وأنهم جديرون بتخصيصهم بالبذل والوقت والاهتمام والعناية، هؤلاء القلة جديرون بأن يحظوا بامتيازات خاصة، لا أن تعاملهم كما تعامل بقية الرفاق.

وفي الوقت الذي تتساءل وتتلفت في وجوه أصحابك متسائلاً في نفسك: أيهم "للمعضلات وخطرها"؟  وأيهم إذا ضيّعك "الوقت جيته"؟ وهو تساؤل مشروع ومطلوب؛ عليك أن تسأل نفسك: أي أولئك ينظر إليك تلك النظرة ذاتها، ويعلّق عليك الآمال حين تنزل به النازلة، أيهم سيقصدك قبل أن يفكر في سواك، وأيهم سيلجأ بعد الله إليك، وأيهم يؤمل أن تبادر لـ"الفزعة" معه قبل أن يسأل؟ وهل ستكون عند حسن ظن أصدقائك بك، أم أنك وقت حاجتك كثير الإلحاح، ووقت حاجتهم كثير الأعذار.

إن من الحصافة والحكمة أن يختار المرء أصدقاءه الخلّص، وأن يفي للصداقة بحقوقها، وأن يسأل الله تعالى ألا يحوجه إلى أحد، لكنه حين يحتاج فسوف يراهم إلى جانبه وقوفاً، لا تصرفهم عنه المعاذير، والجزاء من جنس العمل.

أيها القارئ الكريم.. إنني أدعوك لأن تكون لطيفاً مع الكل، لكنك أكثر لطفاً وأثراً مع أولئك النفر القليل، وأدعوك لأن تكون كريماً، لكنك أكثر كرماً مع الأصدقاء الحقيقيون، وأدعوك لأن تكون ذا نجدة، وفزعة، ونصرة لمن تستطيع، لكنك أكثر وأسرع إلى الثلة المختارة. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

29 ربيع الثاني 1445

الموافق 12 /11 / 2023