يوليو 06, 2023

الواهمون الفاهمون العارفون!

يمر بك في حياتك العامة، والوظيفية صنف عجيب من الناس!

ذلك الصنف الذي يظن ويتوهم أنه خبير ومتخصص في أحد المجالات، وتراه ينظر للمتخصصين وأصحاب التجربة الطويلة بشيء من الانتقاص، والتقليل من شأنهم، زاعماً أن مشكلتهم أنهم "لا يفهمون"!!،

هؤلاء الأشخاص لديهم "متلازمة دانينغ كروجر" وهي انحياز في الإدراك يشير إلى ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم، وتتلخص النظرية في أن:"الجهل على عكس المعرفة الحقيقية، يزيد الثقة بالنفس" -كما ينقل طارق الأحمري-.

وحين تعرض على احد هؤلاء أهمية الاستفادة من الدكتور أو البروفسور فلان بحكم تخصصه في ذات المجال سنين طويلة، تراه يرد عليك قائلاً : هذا الدكتور أكاديمي!، ومشكلة الأكاديميين دوماً أنهم خبراء في التنظير، وفي غرفة الدرس، ورائعون في إعداد البحوث العلمية المكتبية، لكنهم يفتقرون تماماً للخبرة العملية، فرأيهم لا اعتبار له، وهو يصدر من أبراج عاجية لم يخوضوا غمار التجربة العملية، فدعهم عنك.

فإن عرضت عليه الاستفادة من رجل الأعمال الممارس في ذات المجال، قال لك : مشكلة رجال الأعمال أنهم بعيدون عن التنفيذ المباشر، ودورهم إشرافي عام، ونجاحهم بسبب علاقاتهم، أو فريق العمل العامل لديهم، ولذا فإن أفكارهم مختلفة، وطرائق النظر عندهم ليست مناسبة،  فدعه عنك.

فإن أشرت عليه بالاستفادة من خبرة المدير التنفيذي لهذه الشركة أو تلك وهي شركة ناجحة تعمل في مجال مشابه منذ عقد من السنوات، قال لك: لا أسلّم لك بأن الشركة ناجحة أصلاً، وإن كان هناك شيء من النجاح، فهو بسبب الملاك ، أو العلاقات، أو أسبقيتهم في المجال، والحقيقة أن مثل هؤلاء إن استشرته فإنه سيقيد أفكارك المنطلقة، وسيكون محصوراً بتجربته المحدودة، فدعه عنك.

فإن قلت له : المشروع بحاجة إلى خبير مالي، قال : المالية ليست سراً، وكلنا نعرف كيف يمكن أن تتم الإدارة المالية، لا تصدّق ما يحاول المتخصصون إيهامنا به من كونهم يعرفون ما لا نعرف، وكم رأيت من خبير مالي لا يفقه في تخصصه شيئاً.

فإن طلبت منه الاستفادة من خبير إداري، قال : كل حياتي مضت في الإدارة، فلا أحتاج إلى من يمارس الأستاذية عليّ، وقد حضرت مجالس إدارة بعض الشركات فما وجدت من يملك ما أملكه من خبرات متنوعة، ووجدت جملة منهم خبرته متواضعة رغم المناصب التي عمل فيها، بل لقد أبديت عدداً من الملاحظات الإدارية فقوبلت باستحسان الكثيرين، مع أنها كانت من طرف الذهن، دون تحضير مسبق.

ثم عقّب قائلا .. أتعرف ماهي مشكلتنا؟

فأجبته : لا ، ولكن ربما قلة القيادات المتمكنة والمتخصصة.

فقال لي : أخطأت في إجابتك ..

 مشكلتنا يا أبا سعد .  أننا نقلل من ذواتنا، ولا نعترف بقدراتنا، ولا ندرك مكانتنا الحقيقية المتميزة!!!!!


يا سلام عليك .. 

لقد أقفلت الأبواب ..

يا نادرة الزمان، وفريد عصره، ووحيد دهره.

فأنت رجل المهمات الكبرى.

وأنت البطل المغوار لكل كريهة.

وأنت المعلم للجيل، بل للأجيال الحالية والقادمة.

أنت مدرسة تستحق أن يتعلم الناس فيها ومنها.

ما أعظم تقصير الناس في حقّك..

وكان الأجدر بهم أن يضعوا لك نصباً تذكارياً يخلّد أعمالك المجيدة، وسماتك العجيبة، لكي يراه الناس رغم تقادم الدهور.

لكنه زمان سوء ذلك الذي لم يعرف فيه قدر أمثالك.


أعان الله من كنت له رئيساً ، وأعان أهلك بيتك عليك، وأعانك على نفسك.


محمد بن سعد بن عوشن

06 / 07 / 2023


تنويه : أخي القارئ، إن شككت لبرهة أنني أقصدك بهذا المقال، فراجع نفسك، وردد "رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي".

يونيو 13, 2023

الاقتباس الأعمى في العمل الخيري

في خضم السعي نحو تطوير العمل الخيري تشيع العديد من المصطلحات المستوردة والتي يحلو للكثيرين الحديث بها باعتبارها نجاحاً وتميزاً.

ولا شك أن الاستفادة من الحق حيثما وجده المرء يعدّ أمرا مطلوباً أياً كان القائل به.

غير أن بعض تلك الاقتباسات والنماذج تتسم بالخصوصية التي تتناسب مع مجتمعاتها، ولا تتناسب بالضرورة مع المجتمعات الأخرى، وحينها يكون الانشغال بها، والعمل من خلالها لونا من ألوان العبث لا التجديد والابتكار.

ففي مجتمع مسلم يقوم على الإعلاء من قيمة الإنسان، ويؤمن أهله بأولوية الإنسان، ويستشعرون أن كل ما في الكون مسخر لأجله، " ولقد كرمنا بني آدم"، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض" ، لا يمكن في مجتمع كهذا أن نرى انطلاق جمعيات تهتم بإيواء القطط الضالة التي لا تجد لها أسرة تأويها! في الوقت الذي لا يزال فيه أفراد من الآدميين لا يجدون الطعام أو أحد أبرز الاحتياجات الرئيسية.

فالقطط والكلاب في الأصل حيوانات يمكن لها العيش بشكل تلقائي دون تدخل البشر، فهي تحمل وتلد وتأكل وتموت في الشوارع والافنية والحدائق والأراضي الخالية، وهي بطبيعتها وما حباها الله من سمات قادرة على العيش في تلك الأجواء والأماكن دون الحاجة للتدخل البشري، وانما جاءت فكرة العناية المبالغ فيها بتلك الحيوانات من واقع مجتمع غربي يعلي من شأن القطط والكلاب، فاعتاد تربيتها في المنازل، وصارت جزءا من ثقافته، فخصص لها بيوتا وألعابا وأطعمة وعيادات، بل وفنادق!، و ربما مات الواحد منهم فأوصى بجل ثروته أو كلها لكلبه الوفي، وحرم ذريته وأهله من ذلك الميراث.

وفي ظني أن توجيه العناية للحيوانات- مع وجود آدميين في المجتمع ذاته أكثر حاجة – عبث بالأموال، وتصرف غير منطقي.

فندق مخصص للقطط
وثمة فرق شاسع بين أن يقوم أحد الأفراد بإطعام حيوان رآه جائعاً، او سقياه حين وجده يكاد يموت عطشا، فذلك إحسان في كبد رطبة، و"في كل كبد رطبة أجر" وهو أمر حسن.  وبين أن تخصص لها الجهود الجماعية المنظمة، وتنشأ الجمعيات والمباني وتجمع لها الأموال من المتبرعين الذين ينشدون الأجر، ويبحثون عن الاحتياجات الأولى بالرعاية، فذلك أمر آخر تماما، ولا أظنه يسوغ في مجتمعاتنا.

ولا يمكن اعتبار نشاط كهذا إلا لوناً من ألوان التقليد الأعمى، وهو يشبه من يبني بيتا في المملكة ثم يترك الفناء مكشوفا للناظرين والعابرين اقتباساً من منازل الغربيين التي رآها هناك، ذلك أن مفهوم الستر والحشمة وستر العورات و الخصوصية تختلف كليا بيننا وبينهم، فاقتباس كهذا ليس ممدوحاً ولا يدل على سعة المدارك ولا الابتكار بل هو دليل على قلة الوعي، وأن عقدة الخواجة تلازم الكثيرين حتى أصبحوا يرون أن مشابهة القوم بحد ذاته نجاحا كبيرا!.

وعوداً على بدء، فإنني أؤكد على أهمية اقتباس الأفكار الرائعة بعد التأكد من مناسبتها لنا، فالحق ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، لكنه اقتباس متبصّر واع .

دمتم بخير 

محمد بن سعد العوشن
الرياض - حرسها الله - 



#العمل_الخيري #القطاع_الثالث #ق3 #الابتكار #الإبداع #القطط #أفضل_الممارسات

أبريل 08, 2023

يالها من تجربة .. سر الدبابيس الملونة!

صورة دبابيس الملونة
دعيت ذات مرة إلى فعالية أقامتها إحدى الجمعيات المعنية بالفقير، وحين دخلت الجمعية مع جملة من الزوار الآخرين، وجدت أمراً عجيبا، حيث تم وضع خارطة داخل أحد مكاتب الجمعية، توضح النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه، وقد امتلأت تلك الخارطة بالنقاط الحمراء، والخضراء، والصفراء على هيئة دبابيس ملونة، فلم أكن لأتجاوز هذا الشكل غير المعتاد، وبادرت المشرف على الجمعية بالسؤال عن سر هذه النقاط الملونة، فأخبرني أنها أحد أسرار الجمعية، التي تعمل عليها بكل جدّ، وتترقب نتائجها، ثم ألمح إلى الإجابة قائلاً أن كل نقطة من النقاط تدل على مكان سكن أحد الأسر التابعة للجمعية، وأن اللون يدل على حال تلك الأسرة. واكتفى بذلك وأحجم عن الاستطراد.

وبعد جولة على مرافق الجمعية ومكاتبها، وأقسامها المختلفة، والاستماع إلى عرض رائع عن أنشطة الجمعية، اختتمنا الزيارة، وخرجنا منها بذات الحفاوة التي لقيناها عند دخولنا.

خرجنا من الجمعية، ولا زال سر الدبابيس الملونة قائما، ومر على ذلك الأمر ثلاث سنوات.

ثم التقيت بالمشرف على الجمعية مرة أخرى، وسألته مسترشداً : لو أن أحد المحسنين أراد أن يصنع أثراً بيناً مع الفقراء، ويحدث تغييراً حقيقياً فما تراه يصنع؟

فالتفت إليّ وقال : على الخبير وقعت، وإني سأحدثك وأخبرك بتجربتنا التي خضنا غمارها في الجمعية، و ساهمت فعلياً بنقل مئات الأسر من حالة الاحتياج إلى حالة الاكتفاء، نعم إنها مئات الأسر، وليست عينات مختارة.

أحياء مدينة الرياض
فأقبلت عليه إقبال المتعلم المستفيد، وطلبت منه أن يعجل عليّ بالسر الذي نقل به تلك الأسر، فأشار إلى مسارين اثنين، سأكتفي بالحديث عن أحدهما ألا وهو: "التعليم" لأبناء الأسر، حيث وجه جملة من جهود الجمعية في هذا الاتجاه، فطلب من الأمهات – والتي كان غالبهن بلا معيل – ترك الأعمال التي تأخذ أوقاتهن، وتعطيهن فتاتاً من المبالغ التي لا تسد احتياجهن، وقرر لكل واحدة منهن مكافأة ثابتة، شريطة أن يولين الأولاد اهتمامهن، ويضبطن سلوكياتهم، ويعتنين بالمستوى الدراسي لهم، وتابع معهن توفير متطلبات المدرسة، وتجهيزاتها، واستوثق من التحاق جميع الأبناء والبنات بالتعليم، وخصص مكافأة إضافية لكل أم يحصل أبناؤها على درجة (ممتاز)، ثم أقام برنامجاً تعليمياً وترفيهياً وتربوياً في أحد المدارس الأهلية في الحي ذاته، بحيث يحضر الأبناء عصراً ويمارسون شيئاً من الرياضة، ثم التعليم الجاد الخاص، ثم ينصرفون عشاءاً والنوم يداعب أعينهم، فلا يكادون يصلون إلى منازلهم إلا ويخلدون إلى النوم العميق، فلا مجال للسهر، ولا لرفقة السوء.

ومع عمل جاد ومستمر في تحسين مستوى تعليمهم، استطاع الأبناء من طلاب المرحلة الثانوية أن يتخرجوا منها بدرجات عالية، ثم الالتحاق بالجامعة، وهو الأمر الذي غيّر كثيراً من ثقتهم بأنفسهم، فارتفعت كثيراً، كما قدّم أولئك الأبناء لبقية إخوانهم نموذجاً وقدوة في الجدية والنجاح، ورأوا كيف أنهم استطاعوا تجاوز الكثير من العقبات وأن يكونوا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع الذين هم خارج نطاق الفقر، وأصبح الواحد منهم يرى نفسه على مسار النجاح، وأخذ عدد منهم يسعى بكل جدّ للعمل في وظيفة مسائية بعد الخروج من الجامعة، ومع هذا الشعور بالمسؤولية بات يساهم بشكل فاعل في تغيير حالة أسرته، ومع وصول عدد من الأبناء إلى الجامعة، تغيرت الكثير من الجوانب النفسية والثقافية لدى الأسرة، وتغيرت نظرتهم لأنفسهم، وباتوا يترقبون اليوم الذي يتجاوزون فيه وصف الفقر، ثم بدأت الأسر واحدة تلو الأخرى، تتقدم للجمعية طالبة شطبها من قوائم الاحتياج، والتوقف عن توزيع السلال الغذائية و الإعانات المختلفة عليها.

وشيئاً فشيئاً، أخذت أعداد الأسر التي كانت تعمل معها الجمعية في التناقص، كما انضمت أسر أخرى فقيرة للجمعية ممن انتقلوا إلى نطاقها الجغرافي، لتبدأ معها مسيرة التغيير الفعال، في نجاح يتبعه نجاح.

ثم عرّج صاحبي على تلك الدبابيس الملونة، مشيراً إلى أنها ترمز فعلاً إلى المستوى الذي تعيشه الأسرة، ومدى اقترابها من حالة الاكتفاء، وأن مؤشرات الأداء التي كانت تعمل عليها الجمعية لم تكن بعدد ما يتم توزيعه من إعانات، بل بمن يتم تعليمه من أبناء، ومن يتم توظيفه، ومن يتم تزويجه، ومن يتم إخراجه من حالة الفقر، وعلى تلك المؤشرات تتنافس الوحدات والأقسام المختلفة، كما أشار في ختام حديثه إلى الدور الرائد الذي كان يقوم به مجلس الإدارة في تفهم هذه المستهدفات ودعمها، وتخصيص الموارد المالية لها. 

خرجت من صاحبي وأنا في حالة من الدهشة والإعجاب، وأنا فرح غاية الفرح بذلك النموذج المميز، الذي لم يكن ليتم ويحقق آثاره الرائعة – بعد توفيق الله -  لولا وجود مثل هذا البطل، بهمته العالية، وعزيمته التي لا تلين، وإصراره على المضي قدماً وخوض تجربة جديدة في التعامل مع الفقر والفقير، متجاوزاً السائد من الممارسات، راسماً مساراً مختلفاً، مقدماً أنموذجاً يحسن به الاقتداء.

إن وجود أمثال هذه المبادرات التي تعمل بكل هدوء، ودون ضجيج، يجعلنا نطمئن، أن هذه البلاد ولاّدة معطاءة، وأننا بخير.  

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله


أبريل 05, 2023

المنظمات التي تبدو ناجحة!

إعجاب ولايك على شبكات التواصل
يتسامع الناس ويتناقلون الحديث عن هذه المنظمة أو تلك، واصفين إياها بالنجاح، والتميز، والتفوّق، ونحوها من الألفاظ المطلقة والعامة، وربما انطلقوا بعد ذلك إلى طرح الأسئلة حول سرّ تلك النجاحات، وعوامل تحققها.

والحقيقة أنه قبل السؤال عن أسرار النجاحات، فإننا بحاجة  - أولاً – للاستيثاق من هذا الحكم الأولي بالنجاح ابتداءاً، قبل أن نبدأ في دراسة مسبباته.

وهذا يعني أن نعود للمربع رقم واحد، ونسأل: هل هذه المنظمة ناجحة فعلاً؟ وما المعايير التي من خلالها تم إصدار هذا الحكم، وهل جاء اعتبارها ناجحة من خلال فحص فني دقيق، ومعايير محكّمة، مع وجود الشواهد المؤكدة لذلك، أم أننا تقبلنا تلك الأحكام بالتسليم انطلاقاً من بعض الانطباعات الشخصية، والإجابات العامة؟

والذي يدعوني لطرح هذه الأسئلة التي تتناول مدى وجود النجاح أصلاً، أن جملة من المنظمات التي تبدو ناجحة في عملها إنما بدت كذلك لا لنجاحها الفعلي على أرض الواقع، وإحداثها للأثر المنشود، وإنما بسبب جهد إعلامي دؤوب في بناء الصورة الذهنية، وإنفاق الكثير من المخصصات المالية التي تهدف للتلميع والظهور والإبراز الإعلامي، من خلال تقارير براقة، ومعرفات نشطة، وحملات ترويج، ومواد مرئية متقنة، وهي الأدوات التي من شأنها أن تجعل الصغير عظيما، والفاشل ناجحاً، والعكس.

أرقام متناثرة

كما أن الأرقام التي توصف بأنها (لا تكذب)، يمكن استعمالها في الخداع على نطاق واسع، بحيث تبدو الأرقام مقنعة جداً وتدعو للانبهار، وحين يتم تدقيقها ومراجعتها فإنها تتبخر كقطرات من الماء في شمس الظهيرة.

لذا فالمسألة الأولى، والمهمة هي: التأكد من وجود النجاح فعلياً، واستخدام الأدوات المحكمة للوصول إلى هذه النتيجة..

وهي كما يقول المثل : ثبّت العرش ثم انقش .

فحين نتحقق منها نأتي إلى السؤال - الذي يكون في محله حينئذ - من خلال بذل غاية الوسع في معرفة الأسباب التي أدت لذلك النجاح، وعدم الاعتماد على الانطباعات العجلى والسريعة، فإن الأحكام المبنية على مجرد الظنون والتوقعات ليست مما يمكن البناء عليه والاعتماد على نتائجه.

ولاشك أن تقييم المنظمات لمعرفة الناجح منها، والدراسة للأسباب من شأنها أن تنشر ثقافة التميز والنجاح، وتعطي خارطة طريق واضحة للراغبين في اللحاق بركب الناجحين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله

  #الإدارة #التطوير #المنظمات #النجاح #التميز #العمل_الخيري #العمل_غير_الربحي #القطاع_الثالث

مارس 21, 2023

ظاهرة الإذعان للسائد!

أيدي مقيّدة

في بحث ميداني معمّق أجراه عالم الأوبئة الاسكوتلندي "آرشي كوكرين" حول مدى أهمية بقاء المرضى في وحدات العناية بالشريان التاجي بالمستشفيات، والفرق بينها وبين وجود المريض فترة النقاهة في المنزل تحت رعاية منزلية طبية، وجد أن وحدات العناية بالمستشفيات أكثر خطورة على المريض، وأن البقاء في المنزل هو الأكثر أماناً، وهو ما يخالف السائد لدى كافة العاملين في الحقل الطبي!

وقد تحدث "كوكرين" عن جملة من الممارسات السائدة في الحقل الطبي  والتي اكتشف لاحقاً  - بعد الكثير من اللوم للمشككين - أن جملة من تلك المسلمات لدى الناس، بل وربما لدى المتخصصين: غير صحيحة!

وأياً كان موقفك من النتيجة التي توصل إليها كوكرين، فالأمر لا يهمّ، إذ العبرة هنا بالمثال الذي يؤكد على أن التسليم بالأساليب المعمول بها لمجرد أنها "سائدة ومتوارثة ومستمرة" غير صحيح، وأن التوقف عن اختبار الأدوات والأساليب ليس سلوكاً صحياً.

وفي الكثير من مجالات الحياة، اعتاد الناس على طرائق وآليات وأساليب للعمل، شاب عليها الصغير، وباتت في حكم المسلمات والقطعيات، للدرجة التي لم يصبح هناك من يعترض عليها، أو يشكك فيها، بل أصبح الحديث عنها بالتشكيك لون من ألوان النيل من المقدسات!.

وفي كتابه  (تكيّف)، أشار "تيم هارفرد" إلى نموذج آخر للفكرة ذاتها، وهي فكرة التسليم بالموجود، وأشار إلى أحد التطبيقات في العمل الإنساني بأفريقيا، حيث قامت إحدى الجهات غير الربحية بتطبيق أسلوب جديد لاستخراج الماء، ثم انتشر العمل به على نطاق واسع، وكانت خلاصته: أن يتم استخراج الماء من خلال مضخة مبنية على أسلوب اللعب، بحيث يدور الأطفال بشكل مستمر باسطوانة تحيط بالبئر "دوامة"، ويلهون بها، وتساهم كل دورة بهذه اللعبة في استخراج كمية من المياه من البئر، وأشار المؤلف إلى الرواج الإعلامي الكبير لهذه الفكرة، وأنها - من النظرة الأولى عن بعد - كانت فكرة رائعة من حيث الشكل العام، حيث تجمع بين إيجاد مكان للهو، مع تحقيق فائدة للمجتمع المحلي، وأكدت ذلك الصور الفوتوغرافية الملتقطة للأطفال وهم يلعبون ويتضاحكون، والماء يخرج من باطن الأرض، ولاعجب حينها أن يقوم البنك الدولي يمنح جائزة لهذه الفكرة المبتكرة؛ غير أنه حين قام باحثون استقصائيون بدراسة الفكرة، والالتقاء بالأهالي، و الأطفال في مواقع تركيب تلك المضخات، والاستماع إليهم، وجدوا أنها محل سخط وشكوى، وان تلك المضخات باتت نقطة ألم لهم، وأن هذه الفكرة ليس عملية مقارنة بالمضخة اليدوية الاعتيادية، ذلك أن تمضية الوقت الطويل في هذه اللعبة الدائرية غير محبب للأطفال، وهو لون من ألوان العمل الشاق، الذي يضطر الكبار لفعله لاستخراج الماء حيث لا يتاح الأطفال في كل وقت، ولا يمكن الاعتماد عليهم في مهمة حياتية كهذه! 

ولعل الخلاصة التي توصل إليها أولئك الباحثون، والتي نكررها هنا: يجب أن لا نسلم بصحة الأدوات والأساليب المستخدمة، ولا ننساق وراء التسويق الإعلامية لها، بل يكون الحس النقدي حاضراً ، وبشكل مستمر. 

وهو ما يدفعنا إلى دراسة مدى فاعلية الأساليب والأدوات والبرامج والمشاريع المنفذة في كل مجالات العمل الخيري لدينا، ودراسة كل مشروع اعتدنا على فعله، أو رأينا الآخرين يصنعونه، وذلك للتأكد من أننا على الطريق الصحيح، وأن هذا النشاط يحقق  - فعليا - الهدف من إطلاقه، وأنه ليس هناك خيارات أخرى أقل تكلفة أو أعظم أثراً او أقل سلبيات منه، نحن بحاجة إلى التأكد من كفاءة الإنفاق، وأن المال والوقت والجهد المبذول على هذا المشروع يستحق ذلك  أكثر، وهنا يجب أن نعتمد على معلومات حقيقية واستقصاء فعلي وتتبع، لا على مجرد الظنون، والقصص، والانطباعات الذهنية الأولية.

فنحن اليوم في مسعانا لتخفيف الفقر، وإغاثة الفقراء - على سبيل المثال - نمارس مجموعة من الأنشطة التي اعتدنا عليها ( سلال غذائية، ترميم منازل، سداد إيجارات، سداد فواتير، كسوة الشتاء، كسوة العيد، الحقيبة المدرسية، البطانيات، الأجهزة الكهربائية ...) دون ان نقيس مدى الحاجة الفعلية لتلك الأنشطة، ولا الأثر الناتج عنها، ولا رأي الفقير بشأنها، ولم نقم - في الكثير من الأحيان- بالسؤال عن البدائل الأكثر جدوى، أو الأقل تكلفة، أو الأكثر استدامة.

وفي السياق ذاته، هل كان لدورات اللغة الإنجليزية، و دورات الحاسب الآلي التي تقدمها الجمعيات لأبناء الأسر الفقيرة أثر كبير وفاعل، وهل غيّرت من مستوياتهم أو فرصهم الوظيفية؟ وهل كان امتلاك الجمعيات أصلاً لمراكز تدريبية يعدّ أمراً حسناً وإيجابياً؟ هل كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، أما أنها إنفاق للمال في غير وجهه؟

ليس لدي إجابة على هذه التساؤلات، ولم أتخذ موقفاً نهائياً منها، لكنني أرى إخضاع ( كل ) أعمالنا وأنشطتنا للمراجعة والقياس، وأن يكون ذلك من جهات مستقلة تماماً لا مصلحة لها في بقاء تلك الأنشطة أو زوالها، ومن شأن تلك التقييمات المستقلة والمحايدة أن تجوّد العمل، وتصوّبه، وتجعله أكثر كفاءة وفاعلية، وقد تكون نتائج تلك التقييمات أن نزيد من بعض الأنشطة، ونقلل من بعضها، وأن نعدل على بعضها، وأن نلغي البعض الآخر بكل شجاعة.

إن الإبقاء على الحلول المكررة، والسائدة لمجرد ذيوع العمل بها أمر غير مقبول، والتخوّف من التغيير، والخشية من ردّات الفعل من شانها أن تجعلنا نسخاً مكررة لأعمال لم يثبت جدواها بشكل فعلي.

ولأن أخذتنا الأمثلة إلى جمعيات البر، فإن الحديث ذاته يقال عن بقية الجمعيات، وبقية الأنشطة، في شتى المجالات، إذ أن إخضاعها للنقد والتقييم، وعدم التسليم بتلك الممارسات البشرية أمر مهم، خصوصاً حين ندرك – مع الوقت – أن جملة منها لم تكن أو لم تعد تجدي، وحينها نشعر بالأسى لتلك القدسية التي ألقيناها على تلك الأعمال بينما لم تكن تستحق ذلك..

ويجب ألا تكون الممارسة، او الذيوع والانتشار حجاباً عن التقييم والنقد البناء.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

20 / 3 / 2023  

(الرياض) حرسها الله




#تطوير #التطوير #العمل_الخيري #القطاع الثالث #غير_الربحي #الذات #التفكير #القراءة #كتاب

مارس 15, 2023

اندماج منصات التبرع الثلاث



بين فينة وأخرى، يتسامع الناس باندماجات واستحواذات في القطاع الخاص، تتعاظم الحصة السوقية بموجبها للشركة الدامجة، فتستحوذ بموجب ذلك على عدد أكبر من العملاء، والفروع، والأنشطة، ونقاط البيع، والتقنيات، والوصول.

ويفسّر الاندماج بأنه ( ضمّ منشأة أو أكثر إلى منشأة أخرى، مما يجعل الجميع منشأة واحدة، مما يؤدي إلى زوال الشخصية المعنوية للمنشأة أو المنشآت المنظمّة، وبالتالي تنتقل الأصول والحقوق إلى المنشأة الضامّة).

ولأن هذا البلد بلد معطاء، باذل للخير، حكومة وشعباً، فقد انطلقت جملة من منصات التبرع الإلكتروني الرسمية، لتغطي جزءاً من احتياجات المجتمع، وتسابق الناس للاستفادة منها للموثوقية العالية التي تحظى بها.

ويتداول الناس في المجالس اليوم حديثاً وإلماحات عن منصات التبرع الرسمية الرائعة (إحسان – تبرع – وقفي ) وأن هناك مشروعاً قيد الدراسة حول اندماج تلك المنصات كلها في منصة واحدة تحت إدارة واحدة، أياً كنت الجهة المشرفة على المنصة.

ولا شك أن للاندماج عموماً، وفي هذه الحالة خصوصاً فوائد ومزايا، غير أن له عيوباً ومثالب كذلك، والأمر نفسه يقال عن عدم الاندماج.

ومن هنا فإنني أتقدم بمقترح توفيقي يكفل جمع مزايا الخيارين معاً، ويقلل من العيوب قدر الإمكان، وهو مقترح يمكن عقد الورش ومجموعات التركيز المتخصصة لإنضاجه وتجلية تفاصيله.

والمقترح يقضي بأن تكون هناك منصّة واحد فعلاً للتبرع، بحيث يقصدها المتبرع، ولا يحتاج إلى التنقل بين تلك المنصات المختلفة، وفي الوقت ذاته تكون هذه المنصة الموحّدة ذات تبويبات رئيسة هي ذاتها مسميات المنصات المشار إليها سلفاً (إحسان – تبرع – وقفي)، وتتم إدارة كل تبويب من تبويبات المنصّة، ومتابعته، والتسويق له من قبل الجهة التي تدير تلك المنصة حالياً، ويسعى لاستكمال وتطوير العمل فيه..

وفي الوقت نفسه يكون هناك إدارة مركزية للمنصة، فيما يتعلق بالأمن السيبراني، وفي تسجيل وإدارة الجمعيات الخيرية الراغبة في عرض مشروعاتها على المنصة، وفي إدارة المتبرعين، وكبار المتبرعين، وإدارة المنصة بشكل عام.

وفي هذا الاجتماع تحت منصة واحدة تحقيق مجموعة من المصالح، والتي منها: سهولة الدخول والتبرع للمحسنين، ورؤية المتبرعين لكل الفرص المتاحة في شتى المجالات ولدى شتى الجهات.

كما أن من شأن التواجد في منصة واحدة أن ييسر ظهور مشاريع كل جمعية على حدة وإن تعددت مجالات عملها، فيكون الزائر على وعي بحجم وعدد ومبالغ المشاريع المعلنة والمدعومة للجهة الواحدة، مما يجعله يوجّه تبرّعه للجهات والمناطق الأقل دعماً والأكثر حاجة -إن شاء -.

ومن شأن التوحيد كذلك أن يكفّل وجود معايير موحّدة للجهات الراغبة في الانضمام إلى المنصّة مما يعني إمكانية رفع المعايير، وضبط الجودة، وسوف تقوم الجمعيات بالاستجابة لتلك المعايير لأنها تتيح لها الظهور والوصول للمتبرع بيسر وسهولة.

ومن المزايا في المنصة الموحّدة أنها تجعل عمليات التسويق والإعلان لها ذات جدوى أكبر، فبدلاً من بضع حملات تسويقية متفرّدة لكل منصّة، يكون التسويق جماعياً وتستفيد من الحملة كافة الجهات والمجالات.

وحديثي هنا كلّه عن المنصات الرسمية الثلاث، أما المتاجر الإلكترونية للجمعيات الخيرية، فإنني لا أرى أن يتم دمجها، ولا جمعها، بل تبقى مرتبطة بكل جهة خيرية، تستهدف شرائح من الداعمين، وفئات من المحتاجين لخدماتها.

وإنّي على ثقة بأن هذا الحل الوسيط لمنصات التبرعات الرسمية سيكون بين الرأي القائل بإغلاق المنصات، والرأي القائل بترك كل منصة تعمل بمفردها، وسيدعو هذا الحل - في الوقت ذاته -  للتنافس بين تبويبات المنصة، مما يساهم في زيادة حجم التبرعات النهائي.

أما منصّات التبرع المتخصصة كـ شفاء ، وجود، وأمثالها، فلست أرى دمجها مع أي منصة قائمة، فلكل منصة أسلوب عمل مختلف، ووجودها مستقلة أمر مهم يخدم القطاع، وسوف أتحدث عنها في تدوينة قادمة بإذن الله.

سائلاً الله تعالى أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري


مارس 06, 2023

دراسة الجدوى "الخيرية"

غلاف دراسة جدوى

يتوهم البعض أن المشروع "غير الربحي" يكتسب مشروعية إقامته من مجرد كونه "خيرياً" أي أنه لا يحقق أرباحاً للقائمين عليه، وأن كونه غير ربحي فحسب، كاف في إقامته، ودعمه، والتوقف عن نقده او الاعتراض على جدواه.

مع أن الواقع أن المشروع الخيري أو غير الربحي هو مشروع ذا مسئولية أكبر، فالمال فيه مال الله، وهو ناتج عن تبرعات المحسنين، والهدف منه مرضاة الله، وهي أمور تجعل من الجدير أن تتم دراسة جدواه بشكل مدقق وتفصيلي، ولأن كانت أرباح المشروعات التجارية هي أموال يجنيها أصحاب المشروع فتدخل إلى جيوبهم، فإن المشروع الخيري أرباحه هي المزيد من الحسنات المترتبة على بذل الجهد من جهة، وتحقق الثمار من جهة أخرى، إذا تم إحسان الاختيار للمشروع.

ومن هنا كان من المهم التحقق أولاً من طبيعة المشروع الذي نرغب في إطلاقه، خصوصاً حين تكون موارده المالية من أموال الآخرين الذين يريدون بإنفاقها ابتغاء ما عند الله، أما لو كان المال الذي يتم إنفاقه هو من مال صاحب المشروع الخاص فإن الأمر سيكون أيسر بكثير.

ولهذا يعدّ قيام المستثمر بماله الخاص بالدخول في ألوان من المغامرات التجارية، ودخوله في الاستثمارات الجريئة شأن يخصه، ويحق له الدخول في استثمارات مدروسة او غير مدروسة، أما المستثمر تجارياً بأموال الآخرين، فإنه الواجب عليه الحذر الشديد، والاتزان، والعمل بالاحتياط، والتوقف عن المغامرة بأموالهم، والأمر ذاته يقال عن إطلاق المشروعات غير الربحية بالمال الخاص أو مال الآخرين. 

وفحص المشروعات غير الربحية، والاستشارة فيها، وعرضها على أهل الاختصاص، وإنضاجها، ودراسة السوق والتجارب المشابهة، والاستيثاق من رغبات المستفيدين واحتياجهم، أمر في غاية الأهمية، كما أن الاقتصاد في الإنفاق، والبحث عن أساليب التوفير، وضبط المصروفات، وعدم التوسع فيها، كل ذلك أمر واجب.

وإنني هنا أدعو إلى التنادي من أجل وضع المعايير، والنقاط، والأسئلة والمرتكزات التي لابد من السؤال عنها، والتحقق منها بما يجلّي الصورة، ويوضح المشروعية، ويوصل إلى نموذج ميسّر يسهل على الراغبين في إطلاق مشروعاتهم غير الربحية إجراء ذلك التقييم الذاتي، والذي يتم بناء عليه اتخاذ القرار، بالإقدام عليه أو بالإحجام.

وما أجمل أن يتم اتخاذ القرار بإلغاء فكرة المشروع الذي تثبت الدراسة عدم جدواه، حتى وإن تم دفع التكاليف الأولية للدراسة، وإنفاق بعض الأموال في الدراسة والتصاميم، فالعودة من أول الطريق أنسب وأوفر.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan