أبريل 05, 2023

المنظمات التي تبدو ناجحة!

إعجاب ولايك على شبكات التواصل
يتسامع الناس ويتناقلون الحديث عن هذه المنظمة أو تلك، واصفين إياها بالنجاح، والتميز، والتفوّق، ونحوها من الألفاظ المطلقة والعامة، وربما انطلقوا بعد ذلك إلى طرح الأسئلة حول سرّ تلك النجاحات، وعوامل تحققها.

والحقيقة أنه قبل السؤال عن أسرار النجاحات، فإننا بحاجة  - أولاً – للاستيثاق من هذا الحكم الأولي بالنجاح ابتداءاً، قبل أن نبدأ في دراسة مسبباته.

وهذا يعني أن نعود للمربع رقم واحد، ونسأل: هل هذه المنظمة ناجحة فعلاً؟ وما المعايير التي من خلالها تم إصدار هذا الحكم، وهل جاء اعتبارها ناجحة من خلال فحص فني دقيق، ومعايير محكّمة، مع وجود الشواهد المؤكدة لذلك، أم أننا تقبلنا تلك الأحكام بالتسليم انطلاقاً من بعض الانطباعات الشخصية، والإجابات العامة؟

والذي يدعوني لطرح هذه الأسئلة التي تتناول مدى وجود النجاح أصلاً، أن جملة من المنظمات التي تبدو ناجحة في عملها إنما بدت كذلك لا لنجاحها الفعلي على أرض الواقع، وإحداثها للأثر المنشود، وإنما بسبب جهد إعلامي دؤوب في بناء الصورة الذهنية، وإنفاق الكثير من المخصصات المالية التي تهدف للتلميع والظهور والإبراز الإعلامي، من خلال تقارير براقة، ومعرفات نشطة، وحملات ترويج، ومواد مرئية متقنة، وهي الأدوات التي من شأنها أن تجعل الصغير عظيما، والفاشل ناجحاً، والعكس.

أرقام متناثرة

كما أن الأرقام التي توصف بأنها (لا تكذب)، يمكن استعمالها في الخداع على نطاق واسع، بحيث تبدو الأرقام مقنعة جداً وتدعو للانبهار، وحين يتم تدقيقها ومراجعتها فإنها تتبخر كقطرات من الماء في شمس الظهيرة.

لذا فالمسألة الأولى، والمهمة هي: التأكد من وجود النجاح فعلياً، واستخدام الأدوات المحكمة للوصول إلى هذه النتيجة..

وهي كما يقول المثل : ثبّت العرش ثم انقش .

فحين نتحقق منها نأتي إلى السؤال - الذي يكون في محله حينئذ - من خلال بذل غاية الوسع في معرفة الأسباب التي أدت لذلك النجاح، وعدم الاعتماد على الانطباعات العجلى والسريعة، فإن الأحكام المبنية على مجرد الظنون والتوقعات ليست مما يمكن البناء عليه والاعتماد على نتائجه.

ولاشك أن تقييم المنظمات لمعرفة الناجح منها، والدراسة للأسباب من شأنها أن تنشر ثقافة التميز والنجاح، وتعطي خارطة طريق واضحة للراغبين في اللحاق بركب الناجحين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

(الرياض) حرسها الله

  #الإدارة #التطوير #المنظمات #النجاح #التميز #العمل_الخيري #العمل_غير_الربحي #القطاع_الثالث

مارس 21, 2023

ظاهرة الإذعان للسائد!

أيدي مقيّدة

في بحث ميداني معمّق أجراه عالم الأوبئة الاسكوتلندي "آرشي كوكرين" حول مدى أهمية بقاء المرضى في وحدات العناية بالشريان التاجي بالمستشفيات، والفرق بينها وبين وجود المريض فترة النقاهة في المنزل تحت رعاية منزلية طبية، وجد أن وحدات العناية بالمستشفيات أكثر خطورة على المريض، وأن البقاء في المنزل هو الأكثر أماناً، وهو ما يخالف السائد لدى كافة العاملين في الحقل الطبي!

وقد تحدث "كوكرين" عن جملة من الممارسات السائدة في الحقل الطبي  والتي اكتشف لاحقاً  - بعد الكثير من اللوم للمشككين - أن جملة من تلك المسلمات لدى الناس، بل وربما لدى المتخصصين: غير صحيحة!

وأياً كان موقفك من النتيجة التي توصل إليها كوكرين، فالأمر لا يهمّ، إذ العبرة هنا بالمثال الذي يؤكد على أن التسليم بالأساليب المعمول بها لمجرد أنها "سائدة ومتوارثة ومستمرة" غير صحيح، وأن التوقف عن اختبار الأدوات والأساليب ليس سلوكاً صحياً.

وفي الكثير من مجالات الحياة، اعتاد الناس على طرائق وآليات وأساليب للعمل، شاب عليها الصغير، وباتت في حكم المسلمات والقطعيات، للدرجة التي لم يصبح هناك من يعترض عليها، أو يشكك فيها، بل أصبح الحديث عنها بالتشكيك لون من ألوان النيل من المقدسات!.

وفي كتابه  (تكيّف)، أشار "تيم هارفرد" إلى نموذج آخر للفكرة ذاتها، وهي فكرة التسليم بالموجود، وأشار إلى أحد التطبيقات في العمل الإنساني بأفريقيا، حيث قامت إحدى الجهات غير الربحية بتطبيق أسلوب جديد لاستخراج الماء، ثم انتشر العمل به على نطاق واسع، وكانت خلاصته: أن يتم استخراج الماء من خلال مضخة مبنية على أسلوب اللعب، بحيث يدور الأطفال بشكل مستمر باسطوانة تحيط بالبئر "دوامة"، ويلهون بها، وتساهم كل دورة بهذه اللعبة في استخراج كمية من المياه من البئر، وأشار المؤلف إلى الرواج الإعلامي الكبير لهذه الفكرة، وأنها - من النظرة الأولى عن بعد - كانت فكرة رائعة من حيث الشكل العام، حيث تجمع بين إيجاد مكان للهو، مع تحقيق فائدة للمجتمع المحلي، وأكدت ذلك الصور الفوتوغرافية الملتقطة للأطفال وهم يلعبون ويتضاحكون، والماء يخرج من باطن الأرض، ولاعجب حينها أن يقوم البنك الدولي يمنح جائزة لهذه الفكرة المبتكرة؛ غير أنه حين قام باحثون استقصائيون بدراسة الفكرة، والالتقاء بالأهالي، و الأطفال في مواقع تركيب تلك المضخات، والاستماع إليهم، وجدوا أنها محل سخط وشكوى، وان تلك المضخات باتت نقطة ألم لهم، وأن هذه الفكرة ليس عملية مقارنة بالمضخة اليدوية الاعتيادية، ذلك أن تمضية الوقت الطويل في هذه اللعبة الدائرية غير محبب للأطفال، وهو لون من ألوان العمل الشاق، الذي يضطر الكبار لفعله لاستخراج الماء حيث لا يتاح الأطفال في كل وقت، ولا يمكن الاعتماد عليهم في مهمة حياتية كهذه! 

ولعل الخلاصة التي توصل إليها أولئك الباحثون، والتي نكررها هنا: يجب أن لا نسلم بصحة الأدوات والأساليب المستخدمة، ولا ننساق وراء التسويق الإعلامية لها، بل يكون الحس النقدي حاضراً ، وبشكل مستمر. 

وهو ما يدفعنا إلى دراسة مدى فاعلية الأساليب والأدوات والبرامج والمشاريع المنفذة في كل مجالات العمل الخيري لدينا، ودراسة كل مشروع اعتدنا على فعله، أو رأينا الآخرين يصنعونه، وذلك للتأكد من أننا على الطريق الصحيح، وأن هذا النشاط يحقق  - فعليا - الهدف من إطلاقه، وأنه ليس هناك خيارات أخرى أقل تكلفة أو أعظم أثراً او أقل سلبيات منه، نحن بحاجة إلى التأكد من كفاءة الإنفاق، وأن المال والوقت والجهد المبذول على هذا المشروع يستحق ذلك  أكثر، وهنا يجب أن نعتمد على معلومات حقيقية واستقصاء فعلي وتتبع، لا على مجرد الظنون، والقصص، والانطباعات الذهنية الأولية.

فنحن اليوم في مسعانا لتخفيف الفقر، وإغاثة الفقراء - على سبيل المثال - نمارس مجموعة من الأنشطة التي اعتدنا عليها ( سلال غذائية، ترميم منازل، سداد إيجارات، سداد فواتير، كسوة الشتاء، كسوة العيد، الحقيبة المدرسية، البطانيات، الأجهزة الكهربائية ...) دون ان نقيس مدى الحاجة الفعلية لتلك الأنشطة، ولا الأثر الناتج عنها، ولا رأي الفقير بشأنها، ولم نقم - في الكثير من الأحيان- بالسؤال عن البدائل الأكثر جدوى، أو الأقل تكلفة، أو الأكثر استدامة.

وفي السياق ذاته، هل كان لدورات اللغة الإنجليزية، و دورات الحاسب الآلي التي تقدمها الجمعيات لأبناء الأسر الفقيرة أثر كبير وفاعل، وهل غيّرت من مستوياتهم أو فرصهم الوظيفية؟ وهل كان امتلاك الجمعيات أصلاً لمراكز تدريبية يعدّ أمراً حسناً وإيجابياً؟ هل كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، أما أنها إنفاق للمال في غير وجهه؟

ليس لدي إجابة على هذه التساؤلات، ولم أتخذ موقفاً نهائياً منها، لكنني أرى إخضاع ( كل ) أعمالنا وأنشطتنا للمراجعة والقياس، وأن يكون ذلك من جهات مستقلة تماماً لا مصلحة لها في بقاء تلك الأنشطة أو زوالها، ومن شأن تلك التقييمات المستقلة والمحايدة أن تجوّد العمل، وتصوّبه، وتجعله أكثر كفاءة وفاعلية، وقد تكون نتائج تلك التقييمات أن نزيد من بعض الأنشطة، ونقلل من بعضها، وأن نعدل على بعضها، وأن نلغي البعض الآخر بكل شجاعة.

إن الإبقاء على الحلول المكررة، والسائدة لمجرد ذيوع العمل بها أمر غير مقبول، والتخوّف من التغيير، والخشية من ردّات الفعل من شانها أن تجعلنا نسخاً مكررة لأعمال لم يثبت جدواها بشكل فعلي.

ولأن أخذتنا الأمثلة إلى جمعيات البر، فإن الحديث ذاته يقال عن بقية الجمعيات، وبقية الأنشطة، في شتى المجالات، إذ أن إخضاعها للنقد والتقييم، وعدم التسليم بتلك الممارسات البشرية أمر مهم، خصوصاً حين ندرك – مع الوقت – أن جملة منها لم تكن أو لم تعد تجدي، وحينها نشعر بالأسى لتلك القدسية التي ألقيناها على تلك الأعمال بينما لم تكن تستحق ذلك..

ويجب ألا تكون الممارسة، او الذيوع والانتشار حجاباً عن التقييم والنقد البناء.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

20 / 3 / 2023  

(الرياض) حرسها الله




#تطوير #التطوير #العمل_الخيري #القطاع الثالث #غير_الربحي #الذات #التفكير #القراءة #كتاب

مارس 15, 2023

اندماج منصات التبرع الثلاث



بين فينة وأخرى، يتسامع الناس باندماجات واستحواذات في القطاع الخاص، تتعاظم الحصة السوقية بموجبها للشركة الدامجة، فتستحوذ بموجب ذلك على عدد أكبر من العملاء، والفروع، والأنشطة، ونقاط البيع، والتقنيات، والوصول.

ويفسّر الاندماج بأنه ( ضمّ منشأة أو أكثر إلى منشأة أخرى، مما يجعل الجميع منشأة واحدة، مما يؤدي إلى زوال الشخصية المعنوية للمنشأة أو المنشآت المنظمّة، وبالتالي تنتقل الأصول والحقوق إلى المنشأة الضامّة).

ولأن هذا البلد بلد معطاء، باذل للخير، حكومة وشعباً، فقد انطلقت جملة من منصات التبرع الإلكتروني الرسمية، لتغطي جزءاً من احتياجات المجتمع، وتسابق الناس للاستفادة منها للموثوقية العالية التي تحظى بها.

ويتداول الناس في المجالس اليوم حديثاً وإلماحات عن منصات التبرع الرسمية الرائعة (إحسان – تبرع – وقفي ) وأن هناك مشروعاً قيد الدراسة حول اندماج تلك المنصات كلها في منصة واحدة تحت إدارة واحدة، أياً كنت الجهة المشرفة على المنصة.

ولا شك أن للاندماج عموماً، وفي هذه الحالة خصوصاً فوائد ومزايا، غير أن له عيوباً ومثالب كذلك، والأمر نفسه يقال عن عدم الاندماج.

ومن هنا فإنني أتقدم بمقترح توفيقي يكفل جمع مزايا الخيارين معاً، ويقلل من العيوب قدر الإمكان، وهو مقترح يمكن عقد الورش ومجموعات التركيز المتخصصة لإنضاجه وتجلية تفاصيله.

والمقترح يقضي بأن تكون هناك منصّة واحد فعلاً للتبرع، بحيث يقصدها المتبرع، ولا يحتاج إلى التنقل بين تلك المنصات المختلفة، وفي الوقت ذاته تكون هذه المنصة الموحّدة ذات تبويبات رئيسة هي ذاتها مسميات المنصات المشار إليها سلفاً (إحسان – تبرع – وقفي)، وتتم إدارة كل تبويب من تبويبات المنصّة، ومتابعته، والتسويق له من قبل الجهة التي تدير تلك المنصة حالياً، ويسعى لاستكمال وتطوير العمل فيه..

وفي الوقت نفسه يكون هناك إدارة مركزية للمنصة، فيما يتعلق بالأمن السيبراني، وفي تسجيل وإدارة الجمعيات الخيرية الراغبة في عرض مشروعاتها على المنصة، وفي إدارة المتبرعين، وكبار المتبرعين، وإدارة المنصة بشكل عام.

وفي هذا الاجتماع تحت منصة واحدة تحقيق مجموعة من المصالح، والتي منها: سهولة الدخول والتبرع للمحسنين، ورؤية المتبرعين لكل الفرص المتاحة في شتى المجالات ولدى شتى الجهات.

كما أن من شأن التواجد في منصة واحدة أن ييسر ظهور مشاريع كل جمعية على حدة وإن تعددت مجالات عملها، فيكون الزائر على وعي بحجم وعدد ومبالغ المشاريع المعلنة والمدعومة للجهة الواحدة، مما يجعله يوجّه تبرّعه للجهات والمناطق الأقل دعماً والأكثر حاجة -إن شاء -.

ومن شأن التوحيد كذلك أن يكفّل وجود معايير موحّدة للجهات الراغبة في الانضمام إلى المنصّة مما يعني إمكانية رفع المعايير، وضبط الجودة، وسوف تقوم الجمعيات بالاستجابة لتلك المعايير لأنها تتيح لها الظهور والوصول للمتبرع بيسر وسهولة.

ومن المزايا في المنصة الموحّدة أنها تجعل عمليات التسويق والإعلان لها ذات جدوى أكبر، فبدلاً من بضع حملات تسويقية متفرّدة لكل منصّة، يكون التسويق جماعياً وتستفيد من الحملة كافة الجهات والمجالات.

وحديثي هنا كلّه عن المنصات الرسمية الثلاث، أما المتاجر الإلكترونية للجمعيات الخيرية، فإنني لا أرى أن يتم دمجها، ولا جمعها، بل تبقى مرتبطة بكل جهة خيرية، تستهدف شرائح من الداعمين، وفئات من المحتاجين لخدماتها.

وإنّي على ثقة بأن هذا الحل الوسيط لمنصات التبرعات الرسمية سيكون بين الرأي القائل بإغلاق المنصات، والرأي القائل بترك كل منصة تعمل بمفردها، وسيدعو هذا الحل - في الوقت ذاته -  للتنافس بين تبويبات المنصة، مما يساهم في زيادة حجم التبرعات النهائي.

أما منصّات التبرع المتخصصة كـ شفاء ، وجود، وأمثالها، فلست أرى دمجها مع أي منصة قائمة، فلكل منصة أسلوب عمل مختلف، ووجودها مستقلة أمر مهم يخدم القطاع، وسوف أتحدث عنها في تدوينة قادمة بإذن الله.

سائلاً الله تعالى أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري


مارس 06, 2023

دراسة الجدوى "الخيرية"

غلاف دراسة جدوى

يتوهم البعض أن المشروع "غير الربحي" يكتسب مشروعية إقامته من مجرد كونه "خيرياً" أي أنه لا يحقق أرباحاً للقائمين عليه، وأن كونه غير ربحي فحسب، كاف في إقامته، ودعمه، والتوقف عن نقده او الاعتراض على جدواه.

مع أن الواقع أن المشروع الخيري أو غير الربحي هو مشروع ذا مسئولية أكبر، فالمال فيه مال الله، وهو ناتج عن تبرعات المحسنين، والهدف منه مرضاة الله، وهي أمور تجعل من الجدير أن تتم دراسة جدواه بشكل مدقق وتفصيلي، ولأن كانت أرباح المشروعات التجارية هي أموال يجنيها أصحاب المشروع فتدخل إلى جيوبهم، فإن المشروع الخيري أرباحه هي المزيد من الحسنات المترتبة على بذل الجهد من جهة، وتحقق الثمار من جهة أخرى، إذا تم إحسان الاختيار للمشروع.

ومن هنا كان من المهم التحقق أولاً من طبيعة المشروع الذي نرغب في إطلاقه، خصوصاً حين تكون موارده المالية من أموال الآخرين الذين يريدون بإنفاقها ابتغاء ما عند الله، أما لو كان المال الذي يتم إنفاقه هو من مال صاحب المشروع الخاص فإن الأمر سيكون أيسر بكثير.

ولهذا يعدّ قيام المستثمر بماله الخاص بالدخول في ألوان من المغامرات التجارية، ودخوله في الاستثمارات الجريئة شأن يخصه، ويحق له الدخول في استثمارات مدروسة او غير مدروسة، أما المستثمر تجارياً بأموال الآخرين، فإنه الواجب عليه الحذر الشديد، والاتزان، والعمل بالاحتياط، والتوقف عن المغامرة بأموالهم، والأمر ذاته يقال عن إطلاق المشروعات غير الربحية بالمال الخاص أو مال الآخرين. 

وفحص المشروعات غير الربحية، والاستشارة فيها، وعرضها على أهل الاختصاص، وإنضاجها، ودراسة السوق والتجارب المشابهة، والاستيثاق من رغبات المستفيدين واحتياجهم، أمر في غاية الأهمية، كما أن الاقتصاد في الإنفاق، والبحث عن أساليب التوفير، وضبط المصروفات، وعدم التوسع فيها، كل ذلك أمر واجب.

وإنني هنا أدعو إلى التنادي من أجل وضع المعايير، والنقاط، والأسئلة والمرتكزات التي لابد من السؤال عنها، والتحقق منها بما يجلّي الصورة، ويوضح المشروعية، ويوصل إلى نموذج ميسّر يسهل على الراغبين في إطلاق مشروعاتهم غير الربحية إجراء ذلك التقييم الذاتي، والذي يتم بناء عليه اتخاذ القرار، بالإقدام عليه أو بالإحجام.

وما أجمل أن يتم اتخاذ القرار بإلغاء فكرة المشروع الذي تثبت الدراسة عدم جدواه، حتى وإن تم دفع التكاليف الأولية للدراسة، وإنفاق بعض الأموال في الدراسة والتصاميم، فالعودة من أول الطريق أنسب وأوفر.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


فبراير 28, 2023

نحو تقليل التشتت!

رغم أني كنت شغوفاً بحضور مؤتمر ومعرض جايتكس في دبي لعدة أعوام متتالية، في ظل اهتمامي بالحاسب وتقنياته ومستجداته، كما كنت – في الوقت ذاته - أحضر ملتقيات للتعليم، والإعلام، وملتقيات للعمل الخيري، وكنت أتحسر كثيراً عند فوات حدث كهذا؛ إلا أنه قد تكونت لدي قناعة قوية– حالياً – أن إدراك كل الفعاليات، والملتقيات، والحرص على حضورها، وتوقع الإحاطة بمستجدات الفنون المختلفة، أمر دونه خرط القتاد، وأن الأعمار تفنى دون أن يتمكن المرء من ذلك، وأن ملاحقة تلك الفعاليات تسجيلاً، وحضوراً، ومشاركة هو بذل للأوقات من غير طائل.

كما أنني أدركت جيداً أن النجاح ليس بالضرورة من خلال إضافة المزيد من المناشط واللقاءات وتوسيع الاطلاع بالاستماع أو المشاهدة، وإنما يكون النجاح من خلال (التركيز) والذي يعدّ الاستبعاد الاختياري للكثير من المشتتات أحد أهم عوامله.

وحين أتحدث عن المشتتات فلست أتحدث عن (مضيعات الأوقات) بلا فائدة، وإنما أعني القرار المتعمد بالتخلي عن كافة الأشياء التي تأخذك بعيداً عن مجال تخصصك، وإبداعك، وشغفك، وذلك أن الأوقات – في نهاية المطاف- محدودة جداً، والأعمار قصيرة، ومع تعمّق وتشعّب وتوسّع العلوم والتخصصات، وانشطارها وتفرعها، فإن الإحاطة ببعضها يغدو أمرأ مستحيلاً، فكيف بالتوسع في الفنون؟

لذا تكون مهارة (الاستبعاد) من أهم المهارات التي يجدر بنا العناية بها وتعاهدها، والمراجعة الدورية لجداولنا ومواعيدنا للتحقق من الالتزام بها.

وحين توصلت إلى هذه القناعة واستوعبتها جيدا، زهدت في الكثير من الفعاليات رغم كل الزخم  المحيط بها، وحديث الناس عنها، وقوة التسويق لها، وبتّ قادراً على التحكم في مشاركاتي لتكون في الأكثر أولوية ونفعاً، وليس في هذا الاستبعاد تقليلاً من شأن تلك الفعاليات أو القدح فيها  بالضرورة، لكنني أدرك أن مادحوها إما المنظمون لها، والقائمون عليها ممن يرون الحضور والثناء نجاحاً فعلياً لهم، أو أولئك الذين لامست الفعالية احتياجاتهم، واهتماماتهم الفعلية والمباشرة، وهو ما يشير إلى أن إعجاب أولئك بالفعالية لا يعني بأي حال أنني سأشعر بذات المشاعر والانطباعات حين أحضر.

ولو ألقيت نظرة على أحد جداول الفعاليات المقامة داخل دولتك، بل وداخل مدينتك، لوجدت أن الفعاليات لا تتوقف، بل تتزاحم وتتعارض، وتقام في الوقت ذاته، وهي الفعاليات التي لو تفرغت لها بالكلية، وتركت كل عمل سواها، لما أحطت بها، واضطررت قسراً إلى تفويت جملة منها.

ومن هنا فإن إدراك ذلك والوعي به، والرضا بترك جملة غير قليلة من الفعاليات عمداً، والتغيّب المقصود عنها، وقبول ذلك، وضبط النفس على ذلك يعدّ أمراً مهما لكونه يدفع نحو مزيد من التركيز الذهني، والتخصص النوعي، ويحافظ على الوقت، ويحقق السكينة والهدوء والراحة النفسية في آن واحد.

فإن كنت ممن يتحسر كثيراً على كل فعالية تفوت، فقد يكون هذا الحديث مناسباً لك، وملامساً لاحتياجك.

دمت بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

25 /2 / 2023  (الدمام) 


فبراير 20, 2023

الاحتفاء بالفشل!

تحدث تيم هارفورد في كتابه الجميل المعنون بـ(تكيّف)عن أهمية خوض التجارب تلو التجارب للوصول إلى الحلول، مشيراً إلى أن تحقق النجاح مرتبط - في الكثير من الأحيان – بعدد المحاولات الأولى المتضمنة وقوعاً في الكثير من الإخفاقات، وخوض الكثير من تجارب الفشل.

تلك المحاولات التي ساهمت وتساهم بشكل فعّال في تحقيق التعلّم الذاتي، والمؤسساتي، والتي من خلالها يدرك الأفراد بوعي عميق: ما الذي يجدي، وما الذي يكون بلا جدوى.

وفي واقعنا المعاصر، نجد أننا نسرّ ونبتهج حين يتحقق النجاح، ونكرّم أولئك الناجحين، ونرفعهم فوق الرؤوس عالياً تقديراً لجهودهم ونجاحاتهم التي أحدثت أثراً على المجتمع، غير أننا نغفل - كثيراً - عن تقدير الذين حالفهم الفشل في طريقهم ومساعيهم، رغم بذلهم غاية الوسع والجهد، وفعلهم للأسباب، وبحثهم الدؤوب عن الحلول.

 إذ ننظر إليهم بنظرة تقلل من شأنهم، بل ربما طالتهم الألسنة بالذم والتقريع.

ولعل أي قارئ يعود لتاريخ العلوم، والتقنيات الحديثة التي خدمت البشرية، وينظر في الاكتشافات المذهلة التي تحققت في المائتي سنة الماضية، فإنه سيرى -وبشكل واضح جلي- أن كل نجاح باهر، وإنجاز عظيم، جاء بعد العشرات أو المئات من المحاولات الفاشلة، والتي كان لبعضها نتائج سلبية كبرى، غير أنه تم احتمالها والقبول بها لأن مسار  التعلّم الطبيعي، لا يكون إلا من خلال التجربة والخطأ ، وبشكل مستمر ومنتظم.

ويتحدث المهندس الروسي بيتر بالشينسكي المقتول عام 1928م عن ثلاث مبادئ جديرة بالعناية، للتكيّف مع المستجدات غير المتناهية في عالم اليوم، وفي حياتنا اليومية، وهي :

أولا : البحث الجادة والمستمر عن أفكار جديدة، وتجربتها، مع توقع أن يفشل بعضها، ولا يحقق مبتغاه، فالخوف من الفشل مانع عن الإبداع.

ثانيا : حين نجرب شيئا جديدا، فلنقم به على نطاق يكون من الممكن فيه النجاة في حال الفشل، وهو ما يعني أن تكون التجربة دوماً بخطوات صغيرة ، وفي الوقت ذاته فإنها كبيرة بما يكفي لإحداث الفرق ، دون الخوض في مغامرات كبرى تؤدي للانهيار في حال وقوع الفشل.

أم المبدأ الثالث فهو : حينما نبدأ في خوض التجارب، والمحاولات، فلابد من الحرص التام على البحث عن التغذية الراجعة، والتعلّم من الأخطاء أثناء التقدم نحو الأمام.

ومن خلال هذه الخطوات الثلاث، فإنه يمكننا في الحقيقة الاحتفاء بالفشل، والفاشلين، واستشعار أن الفشل هو الطريق – غالباً – الموصل إلى النجاح.

ما أحوجنا في حياتنا الشخصية، وأسرتنا الصغيرة، ومنظماتنا، ومجتمعنا أن نسمح ونشجع الجميع على أخذ زمام المبادرة، والسعي نحو تقديم الحلول لمشكلاتنا، وخوض الكثير من التجارب في سبيل ذلك، مع مراعاة تلك المبادئ الثلاثة، وتقبّل الفشل الذي وقع رغم كل المحاولات.

وإذا فعلنا ذلك فعلياً، وأوجدنا الأجواء المناسبة له، وتقبلنا بالكثير من الودّ حالات الإخفاق المتوقعة، فإننا موعودون بإذن الله بحاضر مشرق، ومستقبل مبهر، وأن نكون في مصاف الأمم التي تصنع فرقاً كبيراً في حياة البشرية المادية.

ويجب ألا ننتظر أن يكون ذلك بشكل كلي وشامل، وبقرار يصدره مسؤول، بل أن نبادر بأنفسنا ونفتح الباب في حدود صلاحياتنا الشخصية، ونطاق مسئولياتنا، ذلك أن النجاح بطبيعته يغري الآخرين بالاحتذاء والتقليد، فلنقدم نحن بذواتنا النموذج الأمثل للتكيّف مع المتغيرات، وتشجيع الإبداع، والمسابقة إلى الحلول.

وإلى ذلك الحين - وأرجو أن يكون قريباً-  دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن 

1 شعبان 1444 هـ 


فبراير 18, 2023

مبادرة توثيق الموفّقين

مع التقدّم التقني المذهل اليوم، وتوسّع مسارات توظيف التقنية في تيسير الخدمات، وتوثيقها، شهد المجتمع نقلات نوعية في الكثير من الخدمات، فأصبحت الكثير من العمليات البنكية، والعدلية، والوظيفية، والصحية، والأمنية، والتجارية تتم باستخدام التقنية، بما يحقق سرعة الإجراء، ودقته، وكفاءته، وسهولة المحاسبة والمتابعة له، فقد أصبح (النفاذ الوطني) مدخلاً مأموناً ومضموناً للولوج إلى الكثير من المنصات الرسمية.

ومن هنا تأتي مبادرة :  "توثيق الموفّقين" او "توثيق الخطابات" والتي أرى بأنها تأخرت كثيراً في الانطلاق، مع أن طبيعة العمل فيها تقتضي وضع الكثير من الضوابط والاحتياطات، وذلك لأمرين، أولهما : ارتباطها بمعلومات عائلية متسمة بالسرية والكتمان، وثانيهما: وجود التحويلات المالية بين العديد من الأطراف، مما يوجب المزيد من الرقابة والإشراف والتدقيق، حتى لا تكون هذه الخدمة بوضعها الحالي أداة لغسل الأموال.

وتقوم هذه المبادرة على "توثيق الموفّقين"، أي توثيق من يقومون بالتوفيق والدلالة  بين طالبي الزواج من الجنسين، وذلك بتسجيل بيانات كل من يرغب العمل في مجال التوفيق بين راغبي الزواج، ويكون ذلك وفق شروط ومحددات وضوابط، ومن خلال بيانات مكتملة عن الموفّق، وما يثبت شخصيته، وحسابه البنكي، واشتراط التسجيل في بوابة المشروع لدى الوزارة في كل من يمارس هذه الخدمة، بحيث يمكن للراغبين في التعامل معهم أو معهن أن يتأكد من وجود هذا المعرّف برقمه التسلسلي ضمن من تم توثيقهم لدى الوزارة، ويتحقق من سلامة البيانات المالية له.

كما أن المبادرة تقوم – في الوقت ذاته – بتقييد أي حوالات يتم تنفيذها من أجل ضبط العملية، وتوثيقها، وحماية حقوق الطرفين في حال وجود أي خلاف بينهما.

وحينها يمكن اعتبار كل معرّف أو رقم هاتفي يقدم هذه الخدمة دون ترخيص، ودون توثيق، فإنه يقوم بعمل غير مشروع، خصوصاً حين يكون ذلك بمقابل مادي.

لاشك أن تعدّد وسائل التوفيق بين راغبي الزواج، وتيسيرها، وتكثيرها هو أمر في غاية الأهمية، ذلك أن جزءاً غير قليل من العنوسة التي نشتكي منها اليوم ناشئ عن فقدان التواصل المجتمعي بين الناس، وتحولهم من العلاقات المجتمعية المتداخلة – سابقاً - إلى العوائل الصغيرة جداً – حالياً – والمنفصلة عن بعضها البعض رغم التجاور، فدور ( الموفّقين ) دور مهم، وهو دور أصيل، حتى وإن اكتنفت الممارسة العملية لهذا الدور – اليوم-  الكثير من الأخطاء والتجاوزات بسبب عدم التنظيم.

إن الحديث عن أهمية وجود (الموفّقين) لا يعني إطلاقاً أن يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن شاء ليعمل تحت اسم (خطابة)، فالمتصيدون بهذا الاسم كثير، هذا فضلاً عن أن معرف الخطابة ليس بالضرورة أن تديره امرأة تقوم بهذه الخدمة، فأحياناً تكون هذه المعرفات والهواتف وسيلة يسيرة لاصطياد الفتيات، والإيقاع بهن، وربما تكون وسيلة لابتزازهن، فضلا ً عن أن جملة من هذه المعرفات أصبحت وسيلة لأخذ الأموال بغير حق باستغلال حاجة الرجال والنساء للزواج، كما أنه تحت هذه المعرفات يتم الكذب بتزيين وتزوير معلومات  الرجل أو المرأة حيث يتم إضفاء الكثير من الصفات والمزايا والخصائص لضمان إجراء التحويل المالي، وذلك لأنهن – حتى الآن – بمأمن الإشراف والرقابة.

ولأن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مشكورة قد تمكنت من خلال الكثير من مبادراتها أن تضبط وتوثّق العديد من الإجراءات، لكونها الجهة المنظّمة لهذا القطاع (الاجتماعي)، فإنني أقترح عليها ان تطلق هذه المبادرة، والتي ستساهم – بإذن الله – في تقليص عدد المتلاعبين والمتلاعبات بمشاعر الراغبين في الزواج، وسيخفت بريق المخادعين، ويزهد الناس في كل من يعمل وهو غير موثّق رسمياً.

ويمكن للوزارة أن تطلق بوابة إلكترونية تتيح لكل من استخدم خدمات هؤلاء "الموفّقين" أن يقوم تقييم مستوى الخدمة المقدمة، ووضع درجات تعبر عن مستوى الموفّق، وتحديد مدى مصداقيته وحسن تعامله مع المستفيدين، مع الحرص على تطوير أداء هؤلاء الموفّقين، ومساندتهم، ووضع الضوابط لهم، ومراقبة أدائهم، وإعانتهم بالنماذج والبرامج المعينة، بما يحقق للوزارة مساهمة فاعلة في إتمام التوفيق، والتخفيف من العنوسة، من خلال عملية متكاملة موثوقة، ومتابعة مستمرة.

وأحسب أن الوزارة قادرة على ذلك، ولها تجارب متعددة في توثيق المواقع والمعرفات الإلكترونية للأسر المنتجة والأفراد الذين يتولون متاجر خاصة من خلال الإنترنت، فقدرة الوزارة على تكرار التجربة للخطابين والخطابات أمر مؤكد.

بل يمكن للوزارة أن تفرض رسوماً يسيرة للاشتراك في هذه الخدمة يقوم بدفعها الموفّق لضمان جديته، وضمان استدامة المشروع حتى لو قررت الوزارة- لاحقاً- التخلي عن دعمه مالياً.

أرجو أن يجد هذا الاقتراح أذناً صاغية في وزارتنا الموقّرة، وأن نسعد قريباً بإطلاق بوابة (توثيق الموفقين) والإلزام بها، وأن نرى ثمار ذلك على أرض الواقع خيراً وبركة.

وتقبلوا تحياتي ،،،

محمد بن سعد العوشن

كاتب مهتم بالعمل الخيري

binoshan@gmail.com 

28 / 11 / 2022م