مارس 06, 2023

دراسة الجدوى "الخيرية"

غلاف دراسة جدوى

يتوهم البعض أن المشروع "غير الربحي" يكتسب مشروعية إقامته من مجرد كونه "خيرياً" أي أنه لا يحقق أرباحاً للقائمين عليه، وأن كونه غير ربحي فحسب، كاف في إقامته، ودعمه، والتوقف عن نقده او الاعتراض على جدواه.

مع أن الواقع أن المشروع الخيري أو غير الربحي هو مشروع ذا مسئولية أكبر، فالمال فيه مال الله، وهو ناتج عن تبرعات المحسنين، والهدف منه مرضاة الله، وهي أمور تجعل من الجدير أن تتم دراسة جدواه بشكل مدقق وتفصيلي، ولأن كانت أرباح المشروعات التجارية هي أموال يجنيها أصحاب المشروع فتدخل إلى جيوبهم، فإن المشروع الخيري أرباحه هي المزيد من الحسنات المترتبة على بذل الجهد من جهة، وتحقق الثمار من جهة أخرى، إذا تم إحسان الاختيار للمشروع.

ومن هنا كان من المهم التحقق أولاً من طبيعة المشروع الذي نرغب في إطلاقه، خصوصاً حين تكون موارده المالية من أموال الآخرين الذين يريدون بإنفاقها ابتغاء ما عند الله، أما لو كان المال الذي يتم إنفاقه هو من مال صاحب المشروع الخاص فإن الأمر سيكون أيسر بكثير.

ولهذا يعدّ قيام المستثمر بماله الخاص بالدخول في ألوان من المغامرات التجارية، ودخوله في الاستثمارات الجريئة شأن يخصه، ويحق له الدخول في استثمارات مدروسة او غير مدروسة، أما المستثمر تجارياً بأموال الآخرين، فإنه الواجب عليه الحذر الشديد، والاتزان، والعمل بالاحتياط، والتوقف عن المغامرة بأموالهم، والأمر ذاته يقال عن إطلاق المشروعات غير الربحية بالمال الخاص أو مال الآخرين. 

وفحص المشروعات غير الربحية، والاستشارة فيها، وعرضها على أهل الاختصاص، وإنضاجها، ودراسة السوق والتجارب المشابهة، والاستيثاق من رغبات المستفيدين واحتياجهم، أمر في غاية الأهمية، كما أن الاقتصاد في الإنفاق، والبحث عن أساليب التوفير، وضبط المصروفات، وعدم التوسع فيها، كل ذلك أمر واجب.

وإنني هنا أدعو إلى التنادي من أجل وضع المعايير، والنقاط، والأسئلة والمرتكزات التي لابد من السؤال عنها، والتحقق منها بما يجلّي الصورة، ويوضح المشروعية، ويوصل إلى نموذج ميسّر يسهل على الراغبين في إطلاق مشروعاتهم غير الربحية إجراء ذلك التقييم الذاتي، والذي يتم بناء عليه اتخاذ القرار، بالإقدام عليه أو بالإحجام.

وما أجمل أن يتم اتخاذ القرار بإلغاء فكرة المشروع الذي تثبت الدراسة عدم جدواه، حتى وإن تم دفع التكاليف الأولية للدراسة، وإنفاق بعض الأموال في الدراسة والتصاميم، فالعودة من أول الطريق أنسب وأوفر.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


فبراير 28, 2023

نحو تقليل التشتت!

رغم أني كنت شغوفاً بحضور مؤتمر ومعرض جايتكس في دبي لعدة أعوام متتالية، في ظل اهتمامي بالحاسب وتقنياته ومستجداته، كما كنت – في الوقت ذاته - أحضر ملتقيات للتعليم، والإعلام، وملتقيات للعمل الخيري، وكنت أتحسر كثيراً عند فوات حدث كهذا؛ إلا أنه قد تكونت لدي قناعة قوية– حالياً – أن إدراك كل الفعاليات، والملتقيات، والحرص على حضورها، وتوقع الإحاطة بمستجدات الفنون المختلفة، أمر دونه خرط القتاد، وأن الأعمار تفنى دون أن يتمكن المرء من ذلك، وأن ملاحقة تلك الفعاليات تسجيلاً، وحضوراً، ومشاركة هو بذل للأوقات من غير طائل.

كما أنني أدركت جيداً أن النجاح ليس بالضرورة من خلال إضافة المزيد من المناشط واللقاءات وتوسيع الاطلاع بالاستماع أو المشاهدة، وإنما يكون النجاح من خلال (التركيز) والذي يعدّ الاستبعاد الاختياري للكثير من المشتتات أحد أهم عوامله.

وحين أتحدث عن المشتتات فلست أتحدث عن (مضيعات الأوقات) بلا فائدة، وإنما أعني القرار المتعمد بالتخلي عن كافة الأشياء التي تأخذك بعيداً عن مجال تخصصك، وإبداعك، وشغفك، وذلك أن الأوقات – في نهاية المطاف- محدودة جداً، والأعمار قصيرة، ومع تعمّق وتشعّب وتوسّع العلوم والتخصصات، وانشطارها وتفرعها، فإن الإحاطة ببعضها يغدو أمرأ مستحيلاً، فكيف بالتوسع في الفنون؟

لذا تكون مهارة (الاستبعاد) من أهم المهارات التي يجدر بنا العناية بها وتعاهدها، والمراجعة الدورية لجداولنا ومواعيدنا للتحقق من الالتزام بها.

وحين توصلت إلى هذه القناعة واستوعبتها جيدا، زهدت في الكثير من الفعاليات رغم كل الزخم  المحيط بها، وحديث الناس عنها، وقوة التسويق لها، وبتّ قادراً على التحكم في مشاركاتي لتكون في الأكثر أولوية ونفعاً، وليس في هذا الاستبعاد تقليلاً من شأن تلك الفعاليات أو القدح فيها  بالضرورة، لكنني أدرك أن مادحوها إما المنظمون لها، والقائمون عليها ممن يرون الحضور والثناء نجاحاً فعلياً لهم، أو أولئك الذين لامست الفعالية احتياجاتهم، واهتماماتهم الفعلية والمباشرة، وهو ما يشير إلى أن إعجاب أولئك بالفعالية لا يعني بأي حال أنني سأشعر بذات المشاعر والانطباعات حين أحضر.

ولو ألقيت نظرة على أحد جداول الفعاليات المقامة داخل دولتك، بل وداخل مدينتك، لوجدت أن الفعاليات لا تتوقف، بل تتزاحم وتتعارض، وتقام في الوقت ذاته، وهي الفعاليات التي لو تفرغت لها بالكلية، وتركت كل عمل سواها، لما أحطت بها، واضطررت قسراً إلى تفويت جملة منها.

ومن هنا فإن إدراك ذلك والوعي به، والرضا بترك جملة غير قليلة من الفعاليات عمداً، والتغيّب المقصود عنها، وقبول ذلك، وضبط النفس على ذلك يعدّ أمراً مهما لكونه يدفع نحو مزيد من التركيز الذهني، والتخصص النوعي، ويحافظ على الوقت، ويحقق السكينة والهدوء والراحة النفسية في آن واحد.

فإن كنت ممن يتحسر كثيراً على كل فعالية تفوت، فقد يكون هذا الحديث مناسباً لك، وملامساً لاحتياجك.

دمت بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

25 /2 / 2023  (الدمام) 


فبراير 20, 2023

الاحتفاء بالفشل!

تحدث تيم هارفورد في كتابه الجميل المعنون بـ(تكيّف)عن أهمية خوض التجارب تلو التجارب للوصول إلى الحلول، مشيراً إلى أن تحقق النجاح مرتبط - في الكثير من الأحيان – بعدد المحاولات الأولى المتضمنة وقوعاً في الكثير من الإخفاقات، وخوض الكثير من تجارب الفشل.

تلك المحاولات التي ساهمت وتساهم بشكل فعّال في تحقيق التعلّم الذاتي، والمؤسساتي، والتي من خلالها يدرك الأفراد بوعي عميق: ما الذي يجدي، وما الذي يكون بلا جدوى.

وفي واقعنا المعاصر، نجد أننا نسرّ ونبتهج حين يتحقق النجاح، ونكرّم أولئك الناجحين، ونرفعهم فوق الرؤوس عالياً تقديراً لجهودهم ونجاحاتهم التي أحدثت أثراً على المجتمع، غير أننا نغفل - كثيراً - عن تقدير الذين حالفهم الفشل في طريقهم ومساعيهم، رغم بذلهم غاية الوسع والجهد، وفعلهم للأسباب، وبحثهم الدؤوب عن الحلول.

 إذ ننظر إليهم بنظرة تقلل من شأنهم، بل ربما طالتهم الألسنة بالذم والتقريع.

ولعل أي قارئ يعود لتاريخ العلوم، والتقنيات الحديثة التي خدمت البشرية، وينظر في الاكتشافات المذهلة التي تحققت في المائتي سنة الماضية، فإنه سيرى -وبشكل واضح جلي- أن كل نجاح باهر، وإنجاز عظيم، جاء بعد العشرات أو المئات من المحاولات الفاشلة، والتي كان لبعضها نتائج سلبية كبرى، غير أنه تم احتمالها والقبول بها لأن مسار  التعلّم الطبيعي، لا يكون إلا من خلال التجربة والخطأ ، وبشكل مستمر ومنتظم.

ويتحدث المهندس الروسي بيتر بالشينسكي المقتول عام 1928م عن ثلاث مبادئ جديرة بالعناية، للتكيّف مع المستجدات غير المتناهية في عالم اليوم، وفي حياتنا اليومية، وهي :

أولا : البحث الجادة والمستمر عن أفكار جديدة، وتجربتها، مع توقع أن يفشل بعضها، ولا يحقق مبتغاه، فالخوف من الفشل مانع عن الإبداع.

ثانيا : حين نجرب شيئا جديدا، فلنقم به على نطاق يكون من الممكن فيه النجاة في حال الفشل، وهو ما يعني أن تكون التجربة دوماً بخطوات صغيرة ، وفي الوقت ذاته فإنها كبيرة بما يكفي لإحداث الفرق ، دون الخوض في مغامرات كبرى تؤدي للانهيار في حال وقوع الفشل.

أم المبدأ الثالث فهو : حينما نبدأ في خوض التجارب، والمحاولات، فلابد من الحرص التام على البحث عن التغذية الراجعة، والتعلّم من الأخطاء أثناء التقدم نحو الأمام.

ومن خلال هذه الخطوات الثلاث، فإنه يمكننا في الحقيقة الاحتفاء بالفشل، والفاشلين، واستشعار أن الفشل هو الطريق – غالباً – الموصل إلى النجاح.

ما أحوجنا في حياتنا الشخصية، وأسرتنا الصغيرة، ومنظماتنا، ومجتمعنا أن نسمح ونشجع الجميع على أخذ زمام المبادرة، والسعي نحو تقديم الحلول لمشكلاتنا، وخوض الكثير من التجارب في سبيل ذلك، مع مراعاة تلك المبادئ الثلاثة، وتقبّل الفشل الذي وقع رغم كل المحاولات.

وإذا فعلنا ذلك فعلياً، وأوجدنا الأجواء المناسبة له، وتقبلنا بالكثير من الودّ حالات الإخفاق المتوقعة، فإننا موعودون بإذن الله بحاضر مشرق، ومستقبل مبهر، وأن نكون في مصاف الأمم التي تصنع فرقاً كبيراً في حياة البشرية المادية.

ويجب ألا ننتظر أن يكون ذلك بشكل كلي وشامل، وبقرار يصدره مسؤول، بل أن نبادر بأنفسنا ونفتح الباب في حدود صلاحياتنا الشخصية، ونطاق مسئولياتنا، ذلك أن النجاح بطبيعته يغري الآخرين بالاحتذاء والتقليد، فلنقدم نحن بذواتنا النموذج الأمثل للتكيّف مع المتغيرات، وتشجيع الإبداع، والمسابقة إلى الحلول.

وإلى ذلك الحين - وأرجو أن يكون قريباً-  دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن 

1 شعبان 1444 هـ 


فبراير 18, 2023

مبادرة توثيق الموفّقين

مع التقدّم التقني المذهل اليوم، وتوسّع مسارات توظيف التقنية في تيسير الخدمات، وتوثيقها، شهد المجتمع نقلات نوعية في الكثير من الخدمات، فأصبحت الكثير من العمليات البنكية، والعدلية، والوظيفية، والصحية، والأمنية، والتجارية تتم باستخدام التقنية، بما يحقق سرعة الإجراء، ودقته، وكفاءته، وسهولة المحاسبة والمتابعة له، فقد أصبح (النفاذ الوطني) مدخلاً مأموناً ومضموناً للولوج إلى الكثير من المنصات الرسمية.

ومن هنا تأتي مبادرة :  "توثيق الموفّقين" او "توثيق الخطابات" والتي أرى بأنها تأخرت كثيراً في الانطلاق، مع أن طبيعة العمل فيها تقتضي وضع الكثير من الضوابط والاحتياطات، وذلك لأمرين، أولهما : ارتباطها بمعلومات عائلية متسمة بالسرية والكتمان، وثانيهما: وجود التحويلات المالية بين العديد من الأطراف، مما يوجب المزيد من الرقابة والإشراف والتدقيق، حتى لا تكون هذه الخدمة بوضعها الحالي أداة لغسل الأموال.

وتقوم هذه المبادرة على "توثيق الموفّقين"، أي توثيق من يقومون بالتوفيق والدلالة  بين طالبي الزواج من الجنسين، وذلك بتسجيل بيانات كل من يرغب العمل في مجال التوفيق بين راغبي الزواج، ويكون ذلك وفق شروط ومحددات وضوابط، ومن خلال بيانات مكتملة عن الموفّق، وما يثبت شخصيته، وحسابه البنكي، واشتراط التسجيل في بوابة المشروع لدى الوزارة في كل من يمارس هذه الخدمة، بحيث يمكن للراغبين في التعامل معهم أو معهن أن يتأكد من وجود هذا المعرّف برقمه التسلسلي ضمن من تم توثيقهم لدى الوزارة، ويتحقق من سلامة البيانات المالية له.

كما أن المبادرة تقوم – في الوقت ذاته – بتقييد أي حوالات يتم تنفيذها من أجل ضبط العملية، وتوثيقها، وحماية حقوق الطرفين في حال وجود أي خلاف بينهما.

وحينها يمكن اعتبار كل معرّف أو رقم هاتفي يقدم هذه الخدمة دون ترخيص، ودون توثيق، فإنه يقوم بعمل غير مشروع، خصوصاً حين يكون ذلك بمقابل مادي.

لاشك أن تعدّد وسائل التوفيق بين راغبي الزواج، وتيسيرها، وتكثيرها هو أمر في غاية الأهمية، ذلك أن جزءاً غير قليل من العنوسة التي نشتكي منها اليوم ناشئ عن فقدان التواصل المجتمعي بين الناس، وتحولهم من العلاقات المجتمعية المتداخلة – سابقاً - إلى العوائل الصغيرة جداً – حالياً – والمنفصلة عن بعضها البعض رغم التجاور، فدور ( الموفّقين ) دور مهم، وهو دور أصيل، حتى وإن اكتنفت الممارسة العملية لهذا الدور – اليوم-  الكثير من الأخطاء والتجاوزات بسبب عدم التنظيم.

إن الحديث عن أهمية وجود (الموفّقين) لا يعني إطلاقاً أن يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن شاء ليعمل تحت اسم (خطابة)، فالمتصيدون بهذا الاسم كثير، هذا فضلاً عن أن معرف الخطابة ليس بالضرورة أن تديره امرأة تقوم بهذه الخدمة، فأحياناً تكون هذه المعرفات والهواتف وسيلة يسيرة لاصطياد الفتيات، والإيقاع بهن، وربما تكون وسيلة لابتزازهن، فضلا ً عن أن جملة من هذه المعرفات أصبحت وسيلة لأخذ الأموال بغير حق باستغلال حاجة الرجال والنساء للزواج، كما أنه تحت هذه المعرفات يتم الكذب بتزيين وتزوير معلومات  الرجل أو المرأة حيث يتم إضفاء الكثير من الصفات والمزايا والخصائص لضمان إجراء التحويل المالي، وذلك لأنهن – حتى الآن – بمأمن الإشراف والرقابة.

ولأن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مشكورة قد تمكنت من خلال الكثير من مبادراتها أن تضبط وتوثّق العديد من الإجراءات، لكونها الجهة المنظّمة لهذا القطاع (الاجتماعي)، فإنني أقترح عليها ان تطلق هذه المبادرة، والتي ستساهم – بإذن الله – في تقليص عدد المتلاعبين والمتلاعبات بمشاعر الراغبين في الزواج، وسيخفت بريق المخادعين، ويزهد الناس في كل من يعمل وهو غير موثّق رسمياً.

ويمكن للوزارة أن تطلق بوابة إلكترونية تتيح لكل من استخدم خدمات هؤلاء "الموفّقين" أن يقوم تقييم مستوى الخدمة المقدمة، ووضع درجات تعبر عن مستوى الموفّق، وتحديد مدى مصداقيته وحسن تعامله مع المستفيدين، مع الحرص على تطوير أداء هؤلاء الموفّقين، ومساندتهم، ووضع الضوابط لهم، ومراقبة أدائهم، وإعانتهم بالنماذج والبرامج المعينة، بما يحقق للوزارة مساهمة فاعلة في إتمام التوفيق، والتخفيف من العنوسة، من خلال عملية متكاملة موثوقة، ومتابعة مستمرة.

وأحسب أن الوزارة قادرة على ذلك، ولها تجارب متعددة في توثيق المواقع والمعرفات الإلكترونية للأسر المنتجة والأفراد الذين يتولون متاجر خاصة من خلال الإنترنت، فقدرة الوزارة على تكرار التجربة للخطابين والخطابات أمر مؤكد.

بل يمكن للوزارة أن تفرض رسوماً يسيرة للاشتراك في هذه الخدمة يقوم بدفعها الموفّق لضمان جديته، وضمان استدامة المشروع حتى لو قررت الوزارة- لاحقاً- التخلي عن دعمه مالياً.

أرجو أن يجد هذا الاقتراح أذناً صاغية في وزارتنا الموقّرة، وأن نسعد قريباً بإطلاق بوابة (توثيق الموفقين) والإلزام بها، وأن نرى ثمار ذلك على أرض الواقع خيراً وبركة.

وتقبلوا تحياتي ،،،

محمد بن سعد العوشن

كاتب مهتم بالعمل الخيري

binoshan@gmail.com 

28 / 11 / 2022م

يناير 26, 2023

تذوّق لذة الحياة

هل تكمن لذة الحياة في الركون إلى الراحة والدعة والفراغ؟

وهل يُعدّ الخلوّ من الأعمال والأشغال والالتزامات سبباً من أسباب السعادة؟

وهل العمل، والمهام مجلبة للتعاسة؟

إنها أسئلة مهمة، قد تدور بخلد الواحد منا، وربما ظن أن الإجابة بـ نعم، إجابة صحيحة لهذه الأسئلة.. 

غير أنني أتحدث من واقع التجربة الشخصية، والمراقبة المستمرة لحياة الكثيرين ممن قابلتهم، وسمعت منهم، وقرأت عنهم، حيث تكاد تجمع كل تلك المصادر على أن (الفراغ) هو أساس المشكلات الصحية، والنفسية في آن واحد.

نعم، فالفراغ مدعاة إلى الكسل والخمول، وهو سبب رئيس في الفوضى التي تحصل في أوقات النوم والاستيقاظ، وهذه الفوضى تؤدي – في الكثير من الأحيان - إلى النوم وقت استيقاظ الآخرين، والاستيقاظ وقت نومهم، فليس هناك التزامات تجعل المرء يضطر للتبكير بالنوم مثلاً لأن هناك التزاماً او اجتماعاً صبيحة الغد.. وهذه الفوضى المشار إليها تجعل المرء معتزلا مجالس الناس، وبعيداً عن الفعاليات المختلفة في المجتمع بسبب تلك الفوضى.

كما أن من مشكلات الفراغ الكبيرة: شعور صاحبه بأن حياته بلا قيمة، وأن وجوده وعدمه سواء، وأن غيابه لا يؤثر على أحد، ونتيجة ذلك دون شك أنه إن حضر لم يؤبه به، وإن غاب لم يفتقده أحد، والشعور بـعدم الأهمية، شعور قاس وموجع، وجالب للحزن.

ومن شأن الفراغ أن يقلل الحركة الجسدية لصاحبه، فيبقى جالساً أو مستلقياً هنا وهناك، تمر عليه الساعات بلا عمل، ولا أثر، فهو إما أمام شاشة التلفاز، أو على شاشة جواله، وقلة الحركة وكثرة المكث دون عمل تفقد المرء الكثير من المرونة الصحية والنفسية، وتذهب عنه الطاقة واللياقة.

وفي الخلو من المشاغل والأعمال والالتزامات توقّفٌ للإنجازات التي تعطي المرء شعوراً بالسعادة في كل مرة، وتلك السعادات الصغيرة المتكررة الناتجة عن الإنجازات تعطي للحياة طعمها، وجمالها، وتجدد في النفس مشاعر البهجة والرضا.

ولذا فإن من يتوهم بأن الفراغ مجلبة للسعادة فهو يعيش الوهم حقاً، وكم رأينا من سعداء، أصابتهم الأمراض والأوجاع، وتغيّرت نفسياتهم سلباً حينما تقاعدوا من أعمالهم، ومكثوا في بيوتهم، وتوقفت إنجازاتهم.

أما الذين استغلوا الفراغ استغلالاً حسناً، وانخرطوا في أعمال جديدة، أخذت عليهم اهتماماتهم، وشغلت أوقاتهم، فإنهم سيكونون الأكثر سعادة من أقرانهم الذين اختاروا الكسل طريقاً ..

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية باستغلال وقت الفراغ، والحث على استثماره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وعنه رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يَعِظُه: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ) أخرجه الحاكم

اللهم اجعلنا مباركين، مسددين، ممن استثمروا أوقات فراغهم، هنيئاً لمن طال عمره، وحسن عمله.

محمد بن سعد العوشن

1/ 7/  1444 هـ


يناير 20, 2023

دورات المياه العمومية .. المشكلة والحل.


في مدينة ضخمة كالرياض، ومع هذه الاتساع الشاسع لنطاقها الجغرافي، وتكاثر الأحياء وتباعدها، وسلوك الناس للطرق السريعة والفرعية من أجل الانتقال من خلالها للعمل، و الدراسة، و التسوق، وخلافها، فإن أولئك المتنقلون يحتاجون وبشكل متكرر إلى (دورات المياه) كضرورة بشرية، ويقع الكثير منهم في الحرج الشديد حينذاك، ويزداد الحرج حين يكون ذلك الاحتياج من النساء، أو من مرضى السكري.
وذلك أنه لا تتوفر في الرياض -فضلاً عن بقية مدن المملكة الأخرى- مقرّات يمكن من خلالها قضاء الحاجة، ويسهل الوصول إليها باستثناء الدورات الموجودة في المرافق المختلفة التي يصعب الدخول إليها.

ولهذا يضطر الناس إلى الدخول محطات الوقود، لعلهم أن يجدوا فيها بغيتهم، ومع أنها لا تكون مهيأة غالباً، إلا أنه يغلب عليها أن تكون خاصة بالرجال، وربما يسلك أخرون مسلكاً مختلفاً حين يدخلون إلى المطاعم والمقاهي، لأجل دورات المياه، ويكون الدخول إليها محرجاً وغير مناسب، كما يضطر آخرون لقضاء الحاجة على جانب الطرقات، بشكل غير حضاري ولا مناسب، لكنها الضرورة وأحكامها.

وفي الكثير من دول العالم، تنتشر دورات المياه العمومية المفتوحة على مدار الساعة، فيسهل الوصول إليها، وتكون غالباً برسوم رمزية للقائم على نظافتها، فتحل للناس أزمات، وتخفف عنهم.

وأرى أننا في بلادنا المباركة لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنشاء دورات المياه العمومية لعابري الطرقات مجدداً، فالحل متاح ويسير، وهو لا يتطلب إنشاءً، بل إجراء تطويرات يسيرة يمكنها أن تغيّر الوضع القائم مئة وثمانون درجة، وتجعل هذه المشكلة شيئاً من التاريخ.

ويكمن الحل المقترح في (إعادة توظيف دورات المياه التابعة للجوامع)، وذلك باعتبارها مرافق عامة ووقفية مخصصة للعموم، بإتاحة واحدة منها – على الأقل - للرجال، وأخرى للنساء، ويلتزم عامل الجامع بجعلها مفتوحة طوال الوقت، أو على أقل تقدير من صلاة الفجر وحتى الحادية عشرة ليلاً، كما تكون العناية بتنظيفها جزءاً من مهماته اليومية.

ويأتي اقتراح الجوامع لكونها متوزعة على كافة الأحياء وبشكل منتظم، ولأنها تحتوي على عدد كبير من دورات المياه، كما يعمل في الجامع -غالباً - أكثر من عامل.

وقد يتطلب الأمر تعديلاً معمارياً يسيراً بفصل تلك الدورات، وفتحها على الشارع العام، ووضع علامة مميزة، تدل على أن هذه الدورات مفتوحة على مدار اليوم، كما أن من الممكن إضافة مواقع تلك الدورات العمومية المتاحة إلى خرائط جوجل ليتاح لكل متصفح العثور على أقرب دورات مياه من موقعه الحالي.

ونكون بهذا الحل المقترح قد ساهمنا وبشكل فعال في تحسين الخدمات المقدمة لسكان المدن، وزوارها، وفعّلنا دورات المياه في الجوامع بشكل أكبر، وقدّمنا نموذجاً حضارياً مميزا.

وهو حلّ أفترض أن يكون من خلال الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الشؤون الإسلامية، ويمكن للقطاع الخاص أو القطاع غير الربحي أن يساهم في هذه المبادرة، بأي تحسينات وتطويرات للخدمات المقدمة من خلالها أو المساهمة في التعديلات اليسيرة التي تحتاج إليها، وتقييم مستوى الخدمة من قبل العملاء.

ولست أشك أن مشروعاً كهذا سيكون مساهماً في برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030، و الذي نصّ في سياق شرح البرنامج على تطوير القطاع البلدي من خلال ( أنسنة المدن، وتحسين المشهد الحضري، والارتقاء بالخدمات المقدمة وذلك بهدف تأمين جودة حياة رفيعة لسكان وزوّار المملكة).

ويمكن -كذلك- أن يتم ذات الإجراء في الحدائق العامة التي هي منتشرة في الأحياء، مع أهمية العناية بصيانتها ونظافتها.

وكلّي أمل أن يرى هذا الاقتراح النور، وأن نرى الرياض سباقة إلى حل هذه المشكلة، لتواصل كونها رائدة المدن السعودية في سائر المجالات، وإلى ذلك الحين: ألقاكم على خير ،،،

محمد بن سعد العوشن

binoshan@gmail.com

الرياض – حرسها الله -


ديسمبر 23, 2022

نحو منصة موحّدة لتنسيق العمل الخيري

في جميع الأوقات، وفي كل مكان، يحتاج القطاع الخيري إلى التنسيق وصولاً إلى العمل المشترك.

وفي أوقات الأزمات مثل الحروب والأوبئة و الكوارث الطبيعية يكون التنسيق أولى وأهم وأوجب.

ذلك أن المتبرعين كثير، والمتطوعين بجهودهم كثير، والمحتاجين كثير..

وفي حال فقدان التنسيق والتكامل بينهم فإن الأمر سيؤدي إلى تفاوت كبير في تلبية احتياجات المستفيدين، حيث ستتكدس الإعانات والفرق التطوعية على أشخاص، أو جهات، أو مناطق ، وسينحسر الدعم المالي والبشري عن آخرين..

وربما كانت النتيجة أن أحدهم لا يجد قوت يومه من أي طعام كان، بينما يتاح لفقير آخر اختيارات متنوعة ومتعددة دون قيد.

كما يؤدي فقدان التنسيق إلى تكرار الجهود، فتتكاثر الأعمال مع إنتاجية أقل.

إن الانشغال بحد ذاته ليس مطلباً، ولا دليلاً على الصواب، غير أن  ترتيب الأولويات والانشغال بأهمها هو واجب الوقت، وهو الفعل الصحيح الذي تحمد عواقبه.

وقد رأيت واطلعت وسمعت عن التباين الواسع في طبيعة الخدمات المقدمة للفقراء - على سبيل المثال- في مناطق مختلفة، وذلك حسب الوفرة المادية للجهة، إذا ليس هناك حدّ أدنى ولا أعلى لما يمكن تقديمه لهم.

وبناء عليه فإن التفاوت كبير وقائم، وتبقى - من جراء ذلك - بعض الجمعيات دون داعم، تتعثر مشاريعها الأولية، لأن الدعم قد انصرف لجمعيات أخرى أكثر قدرة على التسويق لمشاريعها، مع قلة حاجتها لتلك الأموال، وكثرة مواردها المالية.

وأنا هنا  أدرك - يقينا - أن تلك الأموال التي يتم جمعها من المتبرعين بأي صورة من الصور، فإنها تصرف على الشريحة المستهدفة، بكل أمانة وصدق، ولا تلام الجمعية التي وصلت إليها التبرعات الوافرة في أن تنفقها على المحتاجين وتزيد من مستوى الخدمات المقدمة  لهم، إذ ليس لها أن تحيل شيئاً من تلك الموارد إلى جمعيات أخرى حتى وإن علمت مقدار حاجتها.

لكنني أزعم أن عدم وجود التنسيق بين مؤسسات العمل الخيري وجمعياته ولجانه أدى وسيؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، الذي يضر في نهاية المطاف بالشريحة المستهدفة.

وأدرك أن (وجود منصة موحدة) يتم فيها عرض المشاريع من الجمعيات، ويتم من خلالها كتابة الدعم، من شأنه أن يعطي الجميع تصوراً أدق عن حجم وعدد المشروعات، وطبيعتها، ومدى الحاجة لها، مع مقارنة آلية مع الجمعيات المشابهة داخل المنطقة وخارجها.

 ويمكن ان تحتوي المنصة على موازنة الجمعية للعام الحالي، ومصادر الدخل الثابت وغير الثابت لها، بالإضافة إلى ماتم صرفه في العام المنصرم، ليكون متخذ القرار بالتبرع ( فرداً كان أو جهة) على وعي تام بمسار عمل الجمعية وإنجازاتها.

وهذه المنصة المنشودة ليست أداة لحصر التبرعات أو محاصرتها، ولا التضييق على المتبرعين ولا على الجهات المتبرعة، ولا على الجهات الخيرية، وإنما تكون خطاً مسانداً اختيارياً ..

وإنني لأدرك أن التنسيق مهمة تكتنفها الكثير من الصعوبات دون ريب، لكن الحاجة إليه ماسة جداً، تتطلب منا أن نبذل الغالي والنفيس لأجله.

وإنني متشوّق لسماع ذلك الذي يعلّق الجرس، ويطلق صفارة البدء بعمل تنسيق جماعي مشترك يتبناه المانحون.

إلى ذلك الحين وأرجو أن يكون أقرب من القريب، دمتم بخير.


محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan