يناير 26, 2023

تذوّق لذة الحياة

هل تكمن لذة الحياة في الركون إلى الراحة والدعة والفراغ؟

وهل يُعدّ الخلوّ من الأعمال والأشغال والالتزامات سبباً من أسباب السعادة؟

وهل العمل، والمهام مجلبة للتعاسة؟

إنها أسئلة مهمة، قد تدور بخلد الواحد منا، وربما ظن أن الإجابة بـ نعم، إجابة صحيحة لهذه الأسئلة.. 

غير أنني أتحدث من واقع التجربة الشخصية، والمراقبة المستمرة لحياة الكثيرين ممن قابلتهم، وسمعت منهم، وقرأت عنهم، حيث تكاد تجمع كل تلك المصادر على أن (الفراغ) هو أساس المشكلات الصحية، والنفسية في آن واحد.

نعم، فالفراغ مدعاة إلى الكسل والخمول، وهو سبب رئيس في الفوضى التي تحصل في أوقات النوم والاستيقاظ، وهذه الفوضى تؤدي – في الكثير من الأحيان - إلى النوم وقت استيقاظ الآخرين، والاستيقاظ وقت نومهم، فليس هناك التزامات تجعل المرء يضطر للتبكير بالنوم مثلاً لأن هناك التزاماً او اجتماعاً صبيحة الغد.. وهذه الفوضى المشار إليها تجعل المرء معتزلا مجالس الناس، وبعيداً عن الفعاليات المختلفة في المجتمع بسبب تلك الفوضى.

كما أن من مشكلات الفراغ الكبيرة: شعور صاحبه بأن حياته بلا قيمة، وأن وجوده وعدمه سواء، وأن غيابه لا يؤثر على أحد، ونتيجة ذلك دون شك أنه إن حضر لم يؤبه به، وإن غاب لم يفتقده أحد، والشعور بـعدم الأهمية، شعور قاس وموجع، وجالب للحزن.

ومن شأن الفراغ أن يقلل الحركة الجسدية لصاحبه، فيبقى جالساً أو مستلقياً هنا وهناك، تمر عليه الساعات بلا عمل، ولا أثر، فهو إما أمام شاشة التلفاز، أو على شاشة جواله، وقلة الحركة وكثرة المكث دون عمل تفقد المرء الكثير من المرونة الصحية والنفسية، وتذهب عنه الطاقة واللياقة.

وفي الخلو من المشاغل والأعمال والالتزامات توقّفٌ للإنجازات التي تعطي المرء شعوراً بالسعادة في كل مرة، وتلك السعادات الصغيرة المتكررة الناتجة عن الإنجازات تعطي للحياة طعمها، وجمالها، وتجدد في النفس مشاعر البهجة والرضا.

ولذا فإن من يتوهم بأن الفراغ مجلبة للسعادة فهو يعيش الوهم حقاً، وكم رأينا من سعداء، أصابتهم الأمراض والأوجاع، وتغيّرت نفسياتهم سلباً حينما تقاعدوا من أعمالهم، ومكثوا في بيوتهم، وتوقفت إنجازاتهم.

أما الذين استغلوا الفراغ استغلالاً حسناً، وانخرطوا في أعمال جديدة، أخذت عليهم اهتماماتهم، وشغلت أوقاتهم، فإنهم سيكونون الأكثر سعادة من أقرانهم الذين اختاروا الكسل طريقاً ..

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية باستغلال وقت الفراغ، والحث على استثماره، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وعنه رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يَعِظُه: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناءكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغلِكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ) أخرجه الحاكم

اللهم اجعلنا مباركين، مسددين، ممن استثمروا أوقات فراغهم، هنيئاً لمن طال عمره، وحسن عمله.

محمد بن سعد العوشن

1/ 7/  1444 هـ


يناير 20, 2023

دورات المياه العمومية .. المشكلة والحل.


في مدينة ضخمة كالرياض، ومع هذه الاتساع الشاسع لنطاقها الجغرافي، وتكاثر الأحياء وتباعدها، وسلوك الناس للطرق السريعة والفرعية من أجل الانتقال من خلالها للعمل، و الدراسة، و التسوق، وخلافها، فإن أولئك المتنقلون يحتاجون وبشكل متكرر إلى (دورات المياه) كضرورة بشرية، ويقع الكثير منهم في الحرج الشديد حينذاك، ويزداد الحرج حين يكون ذلك الاحتياج من النساء، أو من مرضى السكري.
وذلك أنه لا تتوفر في الرياض -فضلاً عن بقية مدن المملكة الأخرى- مقرّات يمكن من خلالها قضاء الحاجة، ويسهل الوصول إليها باستثناء الدورات الموجودة في المرافق المختلفة التي يصعب الدخول إليها.

ولهذا يضطر الناس إلى الدخول محطات الوقود، لعلهم أن يجدوا فيها بغيتهم، ومع أنها لا تكون مهيأة غالباً، إلا أنه يغلب عليها أن تكون خاصة بالرجال، وربما يسلك أخرون مسلكاً مختلفاً حين يدخلون إلى المطاعم والمقاهي، لأجل دورات المياه، ويكون الدخول إليها محرجاً وغير مناسب، كما يضطر آخرون لقضاء الحاجة على جانب الطرقات، بشكل غير حضاري ولا مناسب، لكنها الضرورة وأحكامها.

وفي الكثير من دول العالم، تنتشر دورات المياه العمومية المفتوحة على مدار الساعة، فيسهل الوصول إليها، وتكون غالباً برسوم رمزية للقائم على نظافتها، فتحل للناس أزمات، وتخفف عنهم.

وأرى أننا في بلادنا المباركة لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنشاء دورات المياه العمومية لعابري الطرقات مجدداً، فالحل متاح ويسير، وهو لا يتطلب إنشاءً، بل إجراء تطويرات يسيرة يمكنها أن تغيّر الوضع القائم مئة وثمانون درجة، وتجعل هذه المشكلة شيئاً من التاريخ.

ويكمن الحل المقترح في (إعادة توظيف دورات المياه التابعة للجوامع)، وذلك باعتبارها مرافق عامة ووقفية مخصصة للعموم، بإتاحة واحدة منها – على الأقل - للرجال، وأخرى للنساء، ويلتزم عامل الجامع بجعلها مفتوحة طوال الوقت، أو على أقل تقدير من صلاة الفجر وحتى الحادية عشرة ليلاً، كما تكون العناية بتنظيفها جزءاً من مهماته اليومية.

ويأتي اقتراح الجوامع لكونها متوزعة على كافة الأحياء وبشكل منتظم، ولأنها تحتوي على عدد كبير من دورات المياه، كما يعمل في الجامع -غالباً - أكثر من عامل.

وقد يتطلب الأمر تعديلاً معمارياً يسيراً بفصل تلك الدورات، وفتحها على الشارع العام، ووضع علامة مميزة، تدل على أن هذه الدورات مفتوحة على مدار اليوم، كما أن من الممكن إضافة مواقع تلك الدورات العمومية المتاحة إلى خرائط جوجل ليتاح لكل متصفح العثور على أقرب دورات مياه من موقعه الحالي.

ونكون بهذا الحل المقترح قد ساهمنا وبشكل فعال في تحسين الخدمات المقدمة لسكان المدن، وزوارها، وفعّلنا دورات المياه في الجوامع بشكل أكبر، وقدّمنا نموذجاً حضارياً مميزا.

وهو حلّ أفترض أن يكون من خلال الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الشؤون الإسلامية، ويمكن للقطاع الخاص أو القطاع غير الربحي أن يساهم في هذه المبادرة، بأي تحسينات وتطويرات للخدمات المقدمة من خلالها أو المساهمة في التعديلات اليسيرة التي تحتاج إليها، وتقييم مستوى الخدمة من قبل العملاء.

ولست أشك أن مشروعاً كهذا سيكون مساهماً في برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030، و الذي نصّ في سياق شرح البرنامج على تطوير القطاع البلدي من خلال ( أنسنة المدن، وتحسين المشهد الحضري، والارتقاء بالخدمات المقدمة وذلك بهدف تأمين جودة حياة رفيعة لسكان وزوّار المملكة).

ويمكن -كذلك- أن يتم ذات الإجراء في الحدائق العامة التي هي منتشرة في الأحياء، مع أهمية العناية بصيانتها ونظافتها.

وكلّي أمل أن يرى هذا الاقتراح النور، وأن نرى الرياض سباقة إلى حل هذه المشكلة، لتواصل كونها رائدة المدن السعودية في سائر المجالات، وإلى ذلك الحين: ألقاكم على خير ،،،

محمد بن سعد العوشن

binoshan@gmail.com

الرياض – حرسها الله -


ديسمبر 23, 2022

نحو منصة موحّدة لتنسيق العمل الخيري

في جميع الأوقات، وفي كل مكان، يحتاج القطاع الخيري إلى التنسيق وصولاً إلى العمل المشترك.

وفي أوقات الأزمات مثل الحروب والأوبئة و الكوارث الطبيعية يكون التنسيق أولى وأهم وأوجب.

ذلك أن المتبرعين كثير، والمتطوعين بجهودهم كثير، والمحتاجين كثير..

وفي حال فقدان التنسيق والتكامل بينهم فإن الأمر سيؤدي إلى تفاوت كبير في تلبية احتياجات المستفيدين، حيث ستتكدس الإعانات والفرق التطوعية على أشخاص، أو جهات، أو مناطق ، وسينحسر الدعم المالي والبشري عن آخرين..

وربما كانت النتيجة أن أحدهم لا يجد قوت يومه من أي طعام كان، بينما يتاح لفقير آخر اختيارات متنوعة ومتعددة دون قيد.

كما يؤدي فقدان التنسيق إلى تكرار الجهود، فتتكاثر الأعمال مع إنتاجية أقل.

إن الانشغال بحد ذاته ليس مطلباً، ولا دليلاً على الصواب، غير أن  ترتيب الأولويات والانشغال بأهمها هو واجب الوقت، وهو الفعل الصحيح الذي تحمد عواقبه.

وقد رأيت واطلعت وسمعت عن التباين الواسع في طبيعة الخدمات المقدمة للفقراء - على سبيل المثال- في مناطق مختلفة، وذلك حسب الوفرة المادية للجهة، إذا ليس هناك حدّ أدنى ولا أعلى لما يمكن تقديمه لهم.

وبناء عليه فإن التفاوت كبير وقائم، وتبقى - من جراء ذلك - بعض الجمعيات دون داعم، تتعثر مشاريعها الأولية، لأن الدعم قد انصرف لجمعيات أخرى أكثر قدرة على التسويق لمشاريعها، مع قلة حاجتها لتلك الأموال، وكثرة مواردها المالية.

وأنا هنا  أدرك - يقينا - أن تلك الأموال التي يتم جمعها من المتبرعين بأي صورة من الصور، فإنها تصرف على الشريحة المستهدفة، بكل أمانة وصدق، ولا تلام الجمعية التي وصلت إليها التبرعات الوافرة في أن تنفقها على المحتاجين وتزيد من مستوى الخدمات المقدمة  لهم، إذ ليس لها أن تحيل شيئاً من تلك الموارد إلى جمعيات أخرى حتى وإن علمت مقدار حاجتها.

لكنني أزعم أن عدم وجود التنسيق بين مؤسسات العمل الخيري وجمعياته ولجانه أدى وسيؤدي إلى هذا التفاوت الكبير، الذي يضر في نهاية المطاف بالشريحة المستهدفة.

وأدرك أن (وجود منصة موحدة) يتم فيها عرض المشاريع من الجمعيات، ويتم من خلالها كتابة الدعم، من شأنه أن يعطي الجميع تصوراً أدق عن حجم وعدد المشروعات، وطبيعتها، ومدى الحاجة لها، مع مقارنة آلية مع الجمعيات المشابهة داخل المنطقة وخارجها.

 ويمكن ان تحتوي المنصة على موازنة الجمعية للعام الحالي، ومصادر الدخل الثابت وغير الثابت لها، بالإضافة إلى ماتم صرفه في العام المنصرم، ليكون متخذ القرار بالتبرع ( فرداً كان أو جهة) على وعي تام بمسار عمل الجمعية وإنجازاتها.

وهذه المنصة المنشودة ليست أداة لحصر التبرعات أو محاصرتها، ولا التضييق على المتبرعين ولا على الجهات المتبرعة، ولا على الجهات الخيرية، وإنما تكون خطاً مسانداً اختيارياً ..

وإنني لأدرك أن التنسيق مهمة تكتنفها الكثير من الصعوبات دون ريب، لكن الحاجة إليه ماسة جداً، تتطلب منا أن نبذل الغالي والنفيس لأجله.

وإنني متشوّق لسماع ذلك الذي يعلّق الجرس، ويطلق صفارة البدء بعمل تنسيق جماعي مشترك يتبناه المانحون.

إلى ذلك الحين وأرجو أن يكون أقرب من القريب، دمتم بخير.


محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan


نوفمبر 08, 2022

مفتي الحوكمة!

ثمة مصطلحات جميلة، وأنيقة، يتم استخدامها بشكل واسع، وتصبح أكليشة ثابتة، يتم الحديث عنها، والتمسّح بها، والانتساب إليها، وإصدار الأحكام على الناس بموجبها، كما يتم استخدامها كأداة للثناء والإطراء، وللتشويه والذمّ، ومن تلك المصطلحات الرائجة اليوم: مصطلح "الحوكمة".

وإذا أردنا أن نتعرف على معنى الحوكمة، فيمكننا أن تناول التعريف الوارد في لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية السعودية.

حيث نصّت اللائحة على تعريف حوكمة الشركات بأنها:

"قواعد لقيادة الشركة وتوجيهها، تشتمل على آليات لتنظيم العلاقات المختلفة بين مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والمساهمين وأصحاب المصالح، وذلك بوضع قواعد وإجراءات خاصة لتسهيل عملية اتخاذ القرارات وإضفاء طابع الشفافية والمصداقية عليها، بغرض حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، وتحقيق العدالة والتنافسية والشفافية في السوق وبيئة الأعمال".

وهي تعمل وفقاً لمبادئ رئيسية أربعة هي: الشفافية والمسؤولية والمساءلة والعدالة.

ويمكن القول بأن الشركات المساهمة المطروحة اليوم في سوق الأسهم السعودي تُعدّ من الجهات التي تعمل وفقاً لأعلى درجات الحوكمة، ويصعب المزايدة عليها، أو محاولة إظهار أن قطاعاً ما هو أكثر حوكمة منها، خصوصاً مع وجود الكثير من أصحاب المصالح الذين يهمهم أن يتم حماية استثماراتهم من أي تغوّل من مجالس الإدارة أو الإدارات التنفيذية.

ولهذا تقوم (هيئة السوق المالية) باعتبارها الجهة الرقابية والإشرافية المسؤولة عن تنظيم وتطوير السوق المالية بإصدار القوانين واللوائح والتعليمات اللازمة بهدف توفير المناخ الملائم لتحقيق الثقة والعدالة والكفاءة لإصدار الأوراق المالية وتوفير العدالة والإفصاح الكامل في الشركات المساهمة وحماية المستثمرين بسوق الأوراق المالية.

ولأن الحوكمة ممارسة إدارية فضلى على مستوى العالم كله، فثمة أنظمة ولوائح تضبط وتحدد أفضل الممارسات، والقواعد الرئيسة، يما يكفل حدوداً واضحة للعمل، ويمكن التحاكم إلى تلك التنظيمات لبيان الخطأ والصواب.

ومن خلال تعاملي مع عدد من القطاعات، والجهات والأفراد، فإنني لاحظت أن الحوكمة باتت كلأً مباحاً لكل أحد، ورأيت أفراداً -غير قليلين- قرأوا شيئاً يسيراً عن الحوكمة، أو حضروا دورة تدريبية فيها، أو وجدوا أنفسهم في وظيفة تقوم ببعض المهام الإشرافية، ثم توهّم هؤلاء وأولئك أنهم من الخبراء المميزين في مجال الحوكمة، وباتوا يصدرون فتاواهم وأحكامهم في شأن (الحوكمة) بلا علم ولاهدى، يصدرونها بكل ثقة، ودون أي تردد! 

وبمراجعة يسيرة للخبراء الفعليين في المجال، والعودة للمراجع والأدبيات الأصيلة، والجهات العريقة في مجال الحوكمة، فإنك تكتشف أن جملة من تلك الأحكام التي يصدرها متوهمو الخبرة : مجانبة  للصواب، وهي من كيس قائليها، جرّأهم عليها سكوت الكثيرين، وإخباتهم أمام أدعياء العلم.

إننا في حاجة لتجلية الكثير من أوهام الحوكمة، وتحديد المرجعيات الفعلية فيها، وعدم قبول إصدار الأحكام ممن لا يملك المعرفة الكافية والموثوقة، حتى وإن كان يحمل شهادة عليا في تخصصات إدارية أو قانونية أو علمية أخرى، وحتى لو أصبح في وظيفة تنفيذية أو قيادية تعتني بالحوكمة، فالتعيين هنا يعني أن يقود العملية إدارياً لا أن يتحول بمجرد القرار إلى مرجعية علمية في التخصص.

إن الحوكمة أداة مهمة في الضبط، والحماية من التجاوزات، وفصل السلطات داخل المنظمات، وهي – أي الحوكمة- أداة لتحسين الأداء لا للتعقيد والتضييق و المنع، وليست المهارة في أن نقول (لا) لكل تصرّف، تحت ذريعة الحوكمة المتوهمة، بل أن نقولها – فقط – حين تقع المخالفة الصريحة لتلك الأنظمة المعلنة والواضحة، وحين يكون الخلل وتعارض المصالح جلياً لا يقبل التأويل.

ولذا فإن الأصل أن تطلق أيدي الجهات - على اختلاف اختصاصاتها وأعمالها-  في وضع آليات وأدوات إجراءات العمل التي تراها مناسبة، مالم تخرق نصاً صريحاً واضحاً، فتخالف لوائح معتمدة من متخذ القرار، أو المسؤول عن التشريعات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

11 / 4 / 1444 هـ


أكتوبر 05, 2022

لابسوا ثياب الزور!

جاءت نتيجة الدراسة التي أجراها فريق "سينسوسوايد" البريطاني حول الثقة بالنفس ملفتة بشكل كبير، إذ أبانت الدراسة أن 85% من النساء (في بريطانيا) لا يعتقدن أنهن جذابات، وأكثر من نصف النساء لا يعتقدن أنهن محبوبات من قبل الآخرين، كما يعتقد نصف الرجال فقط أنهم أذكياء، وما يقرب من 60% من الرجال غير واثقين من قدرتهم على القيام بأعمالهم.
 كما أن الغالبية العظمى ممن تتراوح أعمارهم بين 35 و54 عامًا رجالاً ونساء يصرحون بأنهم لا يشعرون بالثقة في مظهرهم الخارجي؛ مما يعني أنهم عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق.

وليس بالضرورة أن يكون مصدر هذه الثقة وجود النقص الفعلي لدى الذين أجابوا على تلك الأسئلة، وإنما تأتي هذه المشاعر من جراء الإبراز المستمر للنساء والرجال ذوي المواصفات الجسدية المحددة، والصور المتكررة للألبسة والمراكب والمنازل الفاخرة والفخمة، والترويج لاعتبارها مصدراً ومظهراً للسعادة في آن واحد،  وذلك في وسائل الإعلام الجماهيرية، وشبكات التواصل الاجتماعي، مما يجعل (المقارنات) سيد الموقف، وهي أداة الحكم على الذات وعلى الآخرين.

وإن كان من المنطقي رواج تلك المظاهر المتبجحة بالثراء، وملاحقتها، والترويج لها في تلك المجتمعات الغربية الموغلة في المادية، والرأسمالية، فإنه ليس منطقياً في مجتمعات تدرك أن المال (نعمة من الله) واجبة الشكر، وتعلم أن الواجب على المرء إذا أنعم الله عليه بنعمة، فإنه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، (وأما بنعمة ربك فحدث)، والحديث عن نعمة الله وإظهارها يأتي في سياق شكرها ونسبتها للمنعم المتفضل سبحانه، والثناء على الله بها، واستخدامها فيما يرضيه.

وهو شيء مختلف تماما عما نراه اليوم من صنيع جملة من المشاهير تجاه النعم التي وهبهم الله إياها، وهي ظاهرة لا يمكن تعميمها على الكل، وإنما هو حال الغالبية – وللأسف الشديد -.

فما تفعله بعض تلك المشهورات في وسائل التواصل، وما يقمن ببثه عبر الشبكات المختلفة هو أمر في غاية الخزي والعار، فهو استعراض رخيص للأجساد، وجلب للمزيد من المتابعين والمشاهدين والمعلنين من خلال البحث عن مواضع الإثارة، بالتعري، وارتداء القليل من اللباس، وبيع الجسد في سوق النخاسة الإلكتروني، وكذلك يفعل بعض المشاهير في أفعالهم المشينة، وتصرفاتهم غير اللائقة شرعاً وعرفاً.

ومع كل فضيحة جديدة، يزداد عدد متابعي أولئك المشاهير، وتزداد الإعلانات لديهم، وتزداد إيراداتهم، ذلك أنها باتوا يتكسبون بالجسد، إذ غالب أولئك التافهين لا يملكون شيئا آخر يمكنهم أن يجلبوا المشاهدات بسببه، فلا علم ولا إنتاجية ولا أثر ولا إنجازات في الحياة.

ولأن كثيرا من أولئك المشاهير – رجالاً ونساء - جاءت إليهم الأموال بشكل مفاجئ لم تصل إليه أقصى أحلامهم قبل التعري والشهرة، فإنهم - وبحكم حداثة النعمة عليهم – مع التدني في الوعي، يعيشون في حالة غير طبيعية في التعامل مع المال، ومن علامات ذلك: الإسراف في إنفاق الأموال، والتباهي بها، ومحاولة إظهار الثراء في اللباس والطعام والشراب، والمسكن والمراكب، والذهاب للمنتجعات الفاخرة التي لا يأتيها عادة إلا كبار الأثرياء، والأهم من ذلك كله : توثيق ذلك وإعادة نشره والتفاخر به أمام الناس، وكسر قلوب الفقراء، بل وعامة الطبقة المتوسطة العاجزين عن المجاراة، خصوصا من المراهقين والمراهقات الذين يرون هذا الاستعراض الفج، والإنفاق الكبير على الكماليات، ويجعلهم دائما في حالة من الانكسار الفعلي، الناتج عن الفارق الضخم بين رغباتهم التي أشعلتها تلك الفئة من حديثي العهد بالنعمة، وبين مقدراتهم المالية وإمكانياتهم المادية.

وتعتري أولئك المشاهير حالة من الزهو والفخر والخيلاء الملازمة لهم، مع أن الله تعالى وصف أهل الآخرة بأنهم الذين (لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا)، ولو استعرضنا وصايا لقمان، لوجدنا قول الله تعالى واضحاً جلياً لا يقبل التأويل: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور)، وقول النبي ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

إن ما تفعله تلك الفئة فضلا عن كونه استعراضا محرما بالأجساد، وهبوطا متعمدا في الأطروحات، فإنه تكبّر وتفاخر وتعال على الناس، وكفر بنعمة الله تعالى، وإنفاق للمال في غير وجهه، ومجاهرة بذلك السوء كله أمام العالمين، وهو حال مختلف كليا عن حال العاصي المستتر بذنبه، النادم عليه، الذي يخشى عاقبته، ويسأل الله السلامة منه.

وتأثير ذلك السلوك السلبي على المجتمع، وتبعات صنيع أولئك كثيرة. 

وما أحوج العقلاء إلى التنادي لضبط جماح أولئك المشاهير رجالاً كانوا أم نساء، وحماية المجتمع وأخلاقه وقيمه الأصيلة من تلك الممارسات الشاذة، التي يفعلها نفر من أبناء جلدتنا، ممن يتحدثون بلغتنا، ويتجولون في شوارعنا وأسواقنا، ويكسبون المزيد من الأموال على حساب أخلاقنا وقيمنا وأجيالنا ووطننا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن


أكتوبر 05, 2022

الرؤية والرسالة


طالما تردد مصطلح الرؤية والرسالة للفرد والمنظمة، ويخلط الكثيرون بين هاتين الكلمتين، والمقصود منهما.

وبعملية تكشيف وبحث تستهدف تيسير الأمر وتقريبه ، فإنني أسوق لكم خلاصة ما توصلت إليه لعله أن يقدم للقارئ الكريم إيضاحاً كافياً :

 الرؤية : 

* تتحدث عن  (المستقبل) 

* تجيب عن سؤال رئيس : إلى أين تسهدف المؤسّسة الوصول؟


شرح لمعنى  (الرؤية) :

- الأهداف البعيدة المرغوب في الوصول لها بالمستقبل 

- المستقبل الذي ستظهر عليه المؤسسة

- الطموحات المستقبلية.

- الأهداف البعيدة التي تأمل فيها بتلبية كافة متطلبات عملائها في المستقبل

- الانتقال لمكانة أفضل مما كانت عليه في الماضي عن طريق صياغة الصورة الذهنية المنشودة.

- مجموعة من الآمال والطموحات ويتخلل الخيال جزءا منها.


* للوصول إلى الرؤية، فإننا نحتاج أن نجيب على أسئلة من قبيل :

- إلى أين ستمضي المؤسّسة؟ 

- متى تريد الوصول إلى هدفها؟ 

- كيف ستنفّذ ذلك؟


الرسالة:  

* تتحدث عن (الحاضر) 

* تجيب عن سؤال رئيس :  ماذا تفعل المؤسسة؟ وما الذي يجعلها متميّزة عن غيرها من المُؤسّسات؟

شرح لمعنى  (الرسالة)  :

- الغاية أو الغرض أو السبب التي أُنشأت لأجلها المؤسسة، وفيها الأهداف التي تمثلها في الفترة الحالية

- الهوية الخاصة التي توضح طبيعة العمل والأنشطة في الوضع الراهن والمدى القريب

- الهوية الخاصة بها ووصف لإمكانياتها في الوقت الحالي (أنشطتها وعملائها وكيانها).

- فلسفة المنشأة وأهم الأهداف التي تسعى لتحقيقها في الفترة الحالية


* للوصول إلى الرسالة فإننا نحتاج أن نجيب على أسئلة من قبيل :

- ما الذي يتمّ فعله اليوم؟ 

- لماذا يفعل ذلك؟ 

- ما الفائدة منه؟

آمل أن تكون هذه المادة الموجزة معينة على فهم الفرق بين الرؤية والرسالة
ولعلي أكمل هذه المادة لاحقاً بذكر نماذج عملية وتطبيقية لذلك.

دمتم بخير

سبتمبر 05, 2022

الشيخ عبدالمجيد و الرحيل المفاجئ!


مذ عرفته قبل ثلاثين عاماً، كان الشيخ الدكتور عبد المجيد الدهيشي أخاً لطيفاً، ومعلماً قديراً، ومربياً فاضلاً، كان طوال سنوات معرفتي له على منهج الوسطية المتزن، التزام بالشرع المطهر، ووقوفاً عند حدود الله، وتقديساً للنص الشرعي.

كان مذ عرفته متواضعاً ليّن الجانب، يحدثك بكل تواضع، ويصغي إليك بكل أدب، ينتقي ألفاظه بعناية بالغة، فلا تسمع منه - في كل أحواله- أي لفظ مشين، كان رحمه الله عفيف اللسان.

درس في كلية الشريعة، فكان نعم الطالب، وتخرج منها عام 1410 هـ ، وتعيّن ملازماً قضائياً بمحكمة الرياض، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء، حتى انتهت سنوات الملازمة، فتعيّن قاضياً في سبت العلاية ، عاصمة بلقرن، ثم قاضياً بالمجمعة، ثم انتقل للعمل في وزارة العدل، ومجلس القضاء،..
فكان حيثما حلّ نعم القدوة والأسوة، كان يعمل في القضاء بكل نزاهة متحرياً العدل، مبتعداً عن مواضع الشبهات، ولم يكن قاضياً فحسب، بل كان مجدداً في عمله، وفي مكان التقاضي، وفي خدمة الناس، كما كان في كل بلد ينزل فيها يعمل مصلحاً اجتماعياً، ومرشداً دعوياً، وخطيباً مفوّها، ومدرساً للعلوم الشرعية في المساجد، وقائداً للعمل الخيري والتطوعي، يحفّز ، ويوجّه، وينفق من ماله ووقته وجهده.

كان الشيخ عبد المجيد بركة حيثما نزل، فآثاره الصالحة باقية، والناس تلهج بالثناء عليه، وتذكر إحسانه.

ورغم أنني انقطعت عنه سنين طويلة نظراً لتعيينه خارج الرياض، غير أنني كنت ألقاه كل بضع سنين، فإذا هو صاحبي الذي عهدته، لم يبدّل ولم يغيّر، كان على العهد الأول، فلم تأخذ السنين من حماسته الرصينة، ولا من فكره النيّر شيئاً، ولم تؤثر فيه المناصب العالية على الإطلاق.

وكان للشيخ بصمات واضحات في وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء، بالعمل على مجموعة غير قليلة من الدراسات، والأنظمة، واللوائح، والزيارات، والملتقيات المهمة والمؤثرة على الحالة القضائية في المملكة العربية السعودية، كما عمل الشيخ في محاكم الاستئناف بالمدينة المنورة ثم في مدينة الرياض، وقد أشار الشيخ إلى شيء من تلك الجهود المباركة في سيرته الماتعة الرائعة الموسومة بـ "في مدارج القضاء" والتي روى فيه حياته العملية في القضاء، ولم تكن رواية للأحداث فحسب بل كانت سيرة محشوّة بالفوائد، مملوءة بالدروس المستفادة، والمعاني الجميلة، والمعلومات الثرية جداً .

ومنذ تعيينه في قضاء الاستئناف، وحصوله على شيء من التفرغ في تلك المرحلة، وموضوع "التقاعد" يجول بخاطر الشيخ، فيقدم فيه رجلاً ويؤخر أخرى، حتى جاء موعد اتخاذ القرار في عام 1440 هـ بعد استخارة واستشارة متكررة، حيث تقدّم الشيخ على المجلس الأعلى للقضاء بطلب التقاعد المبكر، مبرراً ذلك بمضي ثلاثين عاماً من العمل في مجال القضاء بكل ما فيه من جهد وضغط وإرهاق، وبرغبته في الاستمرار في العمل الخيري الذي بات جزءاً لا يتجزأ من اهتمامات الشيخ وأولوياته، وخصوصاً في ظل صدور بعض التنظيمات الإدارية التي تحدّ من دور القضاة في الجمعيات الخيرية، وتمنع عضوية مجالس إدارتها من العاملين في سلك القضاء، كما أشار الشيخ إلى تبرير ثالث وهو رغبته في التفرغ لعدد من المشاريع العلمية ، التي تحتاج وقتاً أطول من أجل إنجازها، وقد رفض طلبه، لكنه أصرّ عليه، وسعى لتحصيله، فوافق المجلس في شهر صفر 1441 هـ على طلبه، وتم له ما أراد، وحصل على التقاعد، فانطلق الشيخ وعمل بكل جهده، بحيوية ونشاط وحماسة لم تفارقه منذ التحق بالعمل لأول مرّة، فإذا هو يتحدث عن الأوقاف، ولوائحها، وحوكمتها، وأنظمتها، ويواصل التحفيز عليها..

وقد طلبت منه ذات مرة أن نتفق على الأجرة التي يمكن منحها له مقابل خدماته الاستشارية لأحد الأوقاف، فرفض أن يأخذ أي مقابل على تلك الاستشارات التي يحتاجها الوقف، وتكرر معه الأمر أكثر من مرة، كان يحضر ويتفاعل، ويبدي رأيه بوضوح، مع أدب جمّ قل مثيله، ولطف في التعامل قل نظيره، وكانت سنوات التقاعد القصيرة تحكي مزيداً من العمل الدؤوب، والعمل الجاد لتحقيق الأهداف، حيث أمضى ثلاث سنوات في المجالات التي أحبّها وأرادها، فما إن اكتملت هذه السنوات بالتمام، حتى أصابه مرض مفاجئ، بعد عودته من مؤتمر الأوقاف بالمدينة المنورة، فأدخل على إثره العناية المركزة، بمستشفى الملك فيصل التخصصي، ولم يلبث فيه إلا أياماً قليلة، فكان الموت إليه أسبق، فأدركته الوفاة في يوم الأحد، الثامن من شهر صفر لعام 1444هـ، وصلّي عليه بعد العصر بجامع الجوهرة البابطين، ودفن بمقبرة شمال الرياض، وكانت الجموع التي حضرت للصلاة عليه في  الجامع ودفنه في المقبرة متأثرة غاية التأثر، مصدومة من هذا الفراق العاجل، تلحظ في عيونها دموع الفراق للحبيب، وتلهج ألسنتها بالدعاء له، مرددة : إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا عبدالمجيد لمحزونون.  


رحم الله الشيخ الدكتور أبا أيمن ، عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا به في مستقر رحمته، وألهم الجميع الصبر والرضا والسلوان، وأجارنا في مصيبتنا وأخلف علينا بخير منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد بن سعد العوشن

8 صــــفر 1444 هـ

نشرت التدوينة في صحيفة تواصل هــنــا