مارس 28, 2022

أوقاف عينية غير اعتيادية

تتخطى قيمة الأوقاف العامة في المملكة حاجز الــ 50 مليار ريال سعودي، وهو رقم كبير، يبعث على السرور، و غالب هذه الأوقاف عقارات وأراض ومزارع مخصصة للاستثمار، أو مساجد وجوامع بملحقاتها.

ولا شك أن مجال الوقف أوسع بكثير من الممارسات والتصورات الحالية، والتي نظراً لطبيعتها فإنها تحتاج إلى رأس مال كبير ليكون الوقف نافعاً، وهو ما لا يستطيع عليه إلا القلة!

لذا يأتي السؤال الملح : كيف لي أن أضع وقفاً غير تقليدي؟ وكيف يمكن لآلاف الريالات أن تصنع أثراً في المجتمع من خلال مشروع وقفي؟ وماهي خيارات الأوقاف العينية غير الاعتيادية؟

وإجابة على هذا السؤال فقد حرصت في أكثر من مرة، أن أحاول توسيع نطاق الوقف وخياراته، برصد الكثير من الأفكار والمقترحات والصور لتلك الأوقاف العينية غير النقدية، فبدأت بكتابة ما يزيد عن 40 فكرة أولى، ثم تداولتها مع عدد من الزملاء، فزودوني – مشكورين- بأفكار أخرى متنوعة ورائعة، حتى بلغت 75 فكرة.

وهي مسودة أولى لا زال بالإمكان توسيعها، لتبلغ عشرة أضعاف هذا الرقم، وفقاً لكل تخصص ومجال، وهي بين أيديكم لتكون منطلقاً للإلهام فحسب، وأحسب أن هذه التدوينة بذاتها (وقف) أسأل الله أن يجعلها مباركة، فإلى بعض الأفكار العملية للأوقاف العينية:

- حدائق عامة.
- ممرات صحية للمشي.
- رصيف مشي محيط بمباني المدارس الحكومية
- مركز خدمات لفئة متخصصة ( دعم فني للأئمة والخطباء مثلاً )
- باص للحلقات والدور أو الجهات التعليمية غير الربحية.
- سيارات لنقل المرضى الفقراء من المستشفيات وإليها.
- دور ضيافة للمرضى الفقراء بجوار المستشفيات التي يحتاجون إلى البقاء بجوارها أياماً.
- أسرة، وعربات، وتجهيزات، واسطوانات أوكسجين وأجهزة غسيل الكلى للمرضى.
- خزانات مياه حلوة للتعبئة.
- برادات مياه على الطرقات وبجوار المساجد.
- محطات تحلية أو تنقية للمياه.
- محطات توزيع مياه الشرب على البيوت.
- مكتبة ومرسم للأطفال .
- مكتبة عامة في الحي.
- استراحة ترفيهية لطلاب المنح وحلقات التحفيظ ومكاتب الدعوة والجمعيات واللجان.
- دورات مياه لعابري السبيل (يتم إدراجها بخرائط جوجل لتسهيل الوصول إليها)
- قاعات تدريب شبه مجانية .
- ديوانية الكبار(المتقاعدين).
- دار للمسنين.
- نادي ثقافي وترفيهي للفتيات.
- دار ومعهد قرآني نسائي .
- مركز ترفيه لذوي الإعاقات.
- مصلى نموذجي مؤقت مع دورات المياه (قابل للنقل)
- ورشة ترميم وإصلاح الأثاث والأجهزة للفقراء.
- ورشة صيانة مكيفات وبرادات وثلاجات المساجد.
- معمل لترميم المصاحف.
- فرامات كبرى للأوراق المحترمة.
- مركز علاج المتعاطين.
- معدات حفر ودفن للموتى.
- مسارات عزاء مظللة بالمقابر.
- مغاسل للأيدي، وتجهيزات لتعبئة المياه في المقابر.
- منازل جاهزة للفقراء.
- مطبخ خيري.
- مخبز خيري.
- سلوى الحزين (مركز للتواصل مع ذوي المتوفين).
- تدوير المخلفات بما يحافظ على البيئة.
- دور للضيافة.
- محفظة إقراضية لطلاب العلم في منطقة محددة أو مجال محدد.
- محفظة إقراضية للتزويج .
- محفظة إقراضية استهلاكية.
- مدرسة تعليم قيمية.
- روضة أطفال قيمية.
- مركز دراسات وبحوث.
- مركز تنموي اجتماعي.
- ابار مياه (حفر، تحسين، تخزين)
- مركز تأهيل للأسر المنتجة.
- معرض لبيع إنتاجات الأسر المنتجة.
- وقف مساكن لطلاب العلم .
- وقف سكن الوافد (سواء كان  طالب علم أو داعية او غيره ممن لا يجد مأوى)
- وقف سكن المنقطعين الذين لا أهل لهم ولا بيت ولا مال.
- تأسيس أسواق تخصصية (مثل سوق للسمك)
- ورشة لقوارب الصيد للمحتاجين.
- أجهزة حاسوبية للمحتاجين و طلاب المنح.
- تجهيزات عيادات متنقلة (على سبيل المثال عيادة لأمرا ض العيون في أحد المناطق)
- سيرفر لاستضافة المواقع النافعة
- شراء حقوق بعض التطبيقات النافعة غير المجانية وإتاحتها مجاناً.
- وقف ترجمة بعض الكتب النافعة للغات الحية .
- إعداد محتوى نافع لبعض التطبيقات الشهيرة ( مثال : تعليم اللغة العربية في دولينقو)
- حضانات الأطفال الخدج.
- شراء حقوق بعض الأدوية وبذلها لمن يريد تصنيعها من المسلمين (تكلفتها عالية)
- إتاحة كتب ثقافية نافعة في المطارات ومواضع الانتظار المختلفة.
- قاعة زواجات ومناسبات.
- مستودعات للجمعيات الخيرية
- مصنع لتحويل بقايا الطعام إلى أعلاف
- سد مياه
- محطات توليد كهرباء بالطاقة الشمسية
- ابتكار وتصميم التقنيات الزراعية
- بنك للبذور.
- مشتل للأشجار المتعدية النفع.
- لوحات اعلانية خيرية
- مصاحف مسموعة أو مرئية بدون حقوق .
- مخططات هندسية نموذجية لمساجد ذات فئات متعددة، ولمنازل الفقراء.
- حضانة أطفال بجوار الحرمين الشريفين.
- عيادة مجانية بجوار الحرمين الشريفين.
- مناهج لتعليم العربية لغير الناطقين بها.

وبعد هذه الجولة التي أتمنى أن تكون مفيدة وملهمة، فإنه يغلب على ظني أنك حين كنت تقرأ هذه المجموعة الأولى من الأفكار الوقفية العينية قد سرحت، وجال بك الفكر بعيداً ، فانقدحت في ذهنك جملة من الأفكار المتعددة، والصور الأخرى للوقف..

فمن الجميل أن تكتبها، وتنشرها، وتتحدث بها، وأكون شاكراً لو وافيتني بها مشكوراً لكي يكتمل البناء، ونكون جميعاً شركاء في الأجر، ومساهمون بالوقف بشكل أو بآخر.

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

 تم النشر في صحيفة تواصل هــنــا

1443 هـ


مارس 23, 2022

السلال الغذائية (الإلكترونية)

 تقوم الجمعيات الخيرية مشكورة بجهد كبير يستهدف تزويد المحتاجين بالمواد الغذائية الرئيسية، ويتم ذلك من خلال تجهيز حزمة من المواد المتنوعة تحت مسمى «السلة الغذائية»، ويتم وضعها في عبوات مناسبة، أو أكياس بلاستيكية، وإيصالها للمحتاجين في منازلهم، أو دعوة المحتاجين لاستلامها من مقر الجمعية أو مستودعاتها.

ولا شك أن ذلك العمل بوضعه الراهن يقدم خدمة للفقراء، ويلبي جزءًا من احتياجاتهم المهمة، ويسدّ ثغرة من الثغرات.

وسبق لي – خلال السنوات الماضية – الاطلاع على عدد غير قليل من هذه السلال الغذائية، وبدت لي مجموعة من الملاحظات التي يمكن تلافيها، بهدف تعظيم الأثر، وتحقيق النفع.

ولعل التفاوت في محتويات السلال وفقًا لاجتهاد القائمين على المشروع، من حيث الأنواع، والكميات يعدّ ملاحظة تستوجب التوقف خصوصًا مع تفاوت أعداد الأسر وأعمارهم وأجناسهم.

كما أن توحيد محتويات السلة، مع وجود الاختلاف الطبيعي في الذائقة والمزاج لدى الأسر، يجعل بعض الأصناف فوق حاجتهم أو دونها، وقد يتكدس لدى هذا الأسرة صنف غير مفضّل، بينما يتكدس صنف آخر لدى أسرة أخرى، فضلًا عن توقيت نفاذ بعض الأصناف التي يكثر استخدامها لديهم، دون البعض.

وفي مسعى لحل هذا الإشكال، قامت جمعيات أخرى بتوزيع بطاقات شراء – مالية – على تلك الأسر المحتاجة، بحيث يمكنها أن تشتري من متاجر محددة ما تشاء من المشتريات باستخدام هذه البطاقة التي يتم شحنها بمبلغ مالي في كل مرة.

ورغم أن هذه الطريقة قد أدت إلى حل مشكلة تكدس بعض الأصناف، ونفاد أخرى، وألا تقتني الأسرة أي صنف سوى ما تحتاج إليه، إلا أن ذلك الحل قد أورث مشكلات أخرى، تتمثل في شراء الأطعمة غير ذات الأولوية، وصرف تلك المبالغ على أنواع من كماليات الطعام وغيره مما يكون ذا اولوية منخفضة أو بلا أولوية أصلًا، وترك شراء الأصناف التي تمس لها الحاجة، خصوصًا أنه من المعروف لدى العاملين في هذا القطاع أن قدرة الكثير من الأسر المحتاجة على تحديد أولوياتها بشكل صحيح أمر غير شائع، فضلًا عن كون قرار الشراء في هذه الحالة موكول إلى غير الراشدين.

ومن هنا جاءت هذه الفكرة التي أزعم انها ستحقق الكثير من الفوائد، وتتلافى جملة من السلبيات، وهي فكرة أولية تحتاج إلى تطوير وتحسين ومزيد من الإنضاج.

وهي تجمع بين الفكرتين المعمول بهما فيما سبق، فهي تعتمد على بطاقات الشراء مطبوعة كانت أم الكترونية والتي يتم منحها للمحتاج، ثم يتم شحنها في كل مرة ترغب فيها الجمعية بذلك، وفقًا لتقديراتها و توفر السيولة المالية لديها، لكن هذ البطاقة تحدد الشراء من (ركن محدد) في المتجر، لا يمكن تجاوزه إلى غيره، ويتم تنويع أصناف هذا الركن بحيث يشمل أولويات الطعام الرئيسة، وشيء من احتياجات الأطفال الرضّع، والاحتياجات التي لا غنى عنها للمرأة.

كما تتم زيادة أو تغيير تلك الأصناف في ذلك الركن بين حين وآخر وفقًا لطبيعة واحتياجات الفئة المستهدفة بالسلة.

وهذا الحل يحقق عددًا من المكاسب والضمانات، ومنها :

- أن يأخذ الفقير الأصناف التي يحتاج إليها، وقد نفدت عنده.

- أن يأخذ هذه الأصناف في الوقت الذي يحتاجه، وليس في توقيت محدد يلزم به.

- مراعاة الفروق الفردية بين الأسر، والتي هي ناتجة عن العادات السائدة، أو عدد الأفراد، أو أعمارهم، أو وضعهم الصحي.

- إمكانية احتفاظ الفقير بالرصيد المعطى له ونقله من شهر إلى آخر، لمراعاة الأشهر الأكثر حاجة لديه، دون الحاجة إلى استهلاك كامل الكميات المعطاة له أو الإسراف فيها لكثرتها.

- أن قائمة الأصناف، بل وأنواعها، وأحجام عبواتها، تكون أكثر مما يتم وضعه عادة في السلال بكثير، ويمكن إضافة الفواكه والخضار واللحوم والبيض والخبز والحبوب والتمور وغيرها.

- القدرة على تلبية المزيد من احتياجات الأسر من الأصناف، وإمكانية التجاوب السريع مع الأسر حين يتكاثر طلبهم لصنف ذا أولوية، بإضافته إلى الركن المذكور بشكل سريع.

- القدرة على زيادة مخصص السلة لبعض الأسر أو تقليله وفقًا للتغير الحاصل في أعداد الأسرة.

ويمكن أن يكون هذا الركن المشار إليه متوفرًا بالتعاون مع سلاسل المتاجر القريبة من الشريحة المستهدفة بالمشروع، كما يمكن أن يكون ذلك من خلال متجر الكتروني تابع لأحد المحلات القريبة، أو تابع للجمعية ذاتها، بحيث يقوم بتوصيل تلك الأصناف إلى الأسر وفقًا لتفضيلاتهم في حدود الرصيد المتبقي لهم، كما يمكن للجمعية أن تقوم بوضع هذا الركن في مقرها، بحيث يأتي الفقير إلى مقر الجمعية أو المستودع فيجمع من الأصناف ما يريد وفقًا للمبلغ المتوفر في رصيده.

إنني أزعم أن هذا الحل سيغير خط الإنتاج للسلال الغذائية بشكل كبير، وسيعطي الجمعية – من خلال الأتمتة وإدارة المعلومات بشكل كفء- تغذية راجعة حديثة ومكتملة حول سياسات الإنفاق الغذائي التي تتبعها الأسر الواقعة تحت مسئوليتها، وسيطور من العمل بحيث يكشف الأصناف الأكثر طلبًا مما يتيح للجمعية بالشراكة مع باقي الجمعيات المجاورة أن يعملوا مع الموردين الرئيسيين بصورة مختلفة، ويستفيدوا من سلاسل الإمداد بالشراء الجماعي، أو الاشتراك الجماعي في المتاجر الإلكترونية والحصول على العديد من المزايا والتسهيلات للجمعية ومستفيديها.

وأدرك – وأنا في نهاية المقال – أن هذا الحل له استثناءات، فلن يكون مناسبًا لكل الحالات، وبكل الأماكن، والأوقات، حيث توجد أسر لا يمكنها المجيء للمتاجر، ولا تتمكن من استخدام التقنية، أو يكون الظرف العام يتطلب أسلوبًا آخر في تقديم الخدمة، حيث سيكون العمل فيها بنظام السلال الغذائية المعتاد هو الأنسب، لكنني أتحدث في مقالي عن الكثير من الجمعيات والكثير من المحتاجين الذين يمكن تطبيق الحل معهم بكل كفاءة ويسر، وهم السواد الأعظم.

أسأل الله تعالى أن يغني أولئك المحتاجين من فضله وكرمه وجوده، وأن يبارك في جهود العاملين على تلبية احتياجات الفقراء، والمتبرعين لهم، ولا أنسى أن أذكّر القائمين على خدمة هذه الشريحة المهمة، بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر) متفق عليه.

متمنيا أن يتم نقد الفكرة وتطويرها وتحسينها، وصولًا إلى تطبيقها على أرض الواقع، بما يحقق الخدمة للمحتاج والفقير بأيسر السبل وأكثرها نفعًا.

وإلى ذلك الحين، دمتم بخير ،،،

شـــــعبان 1443 هـ

الرياض حرسها الله


محمد بن سعد العوشن

مارس 08, 2022

ما الذي يمنعك من الكتابة و التدوين؟

لا أشك أن لدى كثيرين تجارب، وقصص، وقناعات وأفكار ومقترحات، ورؤية للعديد من القضايا والمجالات، وتراهم في مجالسهم، وحين تتاح الفرصة المناسبة يتحدثون عنها بوصفها خبرات اكتسبوها ومعلومات تحصلوا عليها وأضافوا إليها، ومهارات تمكّنوا من إتقانها، فتعجب بذلك، وتسرّ له، ومع كل يوم إضافي في حياتهم يزيد رسوخ تلك المعلومات والخبرات والمهارات، وتنضج، وتكون أكثر موثوقية.

غير أن كل واحد من هؤلاء يغادر الدنيا وهو مملوء بتلك المعارف والخبرات والمهارات الناضجة والمجرّبة، والمتميزة.. 

يغادرون دون أن يتركوا أثراً باقياً، ودون أن يضعوا إرثاً معرفياً يخدم الناس من بعدهم..

يغادرون والناس في أمس الحاجة لذلك الثراء الذي أنضجته التجربة، وكثرة الممارسة ..

يغادرون ليبدأ الرواد الجدد في التعلم من الصفر، وخوض التجارب مرة أخرى، مع أنه كان بالإمكان أن يبدأوا من حيث انتهى أولئك.

يغادرون دون أي يخطّوا تجربتهم الشخصية والمهنية والتعليمية والتربوية والتخصصية..

وانما حمل أولئك على عدم تدوين خبراتهم زهدهم فيها، وعدم إدراكهم لأهميتها البالغة للآخرين، أو تسويفهم لذلك التقييد، ظانين أنه سيأتي اليوم المناسب للتفرغ لذلك وكتابته..

فيؤجلون ثم يؤجلون حتى يداهمهم القدر المكتوب، فيغادرون دون أن يحققوا هذه الأمنية التي طالما كانوا يؤملون أن يقدموها، يرحلون بصمت، وتنساهم الأجيال سراعاً، ويتوقف نهر من الحسنات التي كان بإمكانهم أن ينالوها لو قيّدوا تجربتهم وأبقوها للأجيال.

اللهم اجعلنا مباركين، وفي الخير مؤثرين، واجعل لنا لسان صدق في الآخرين .

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

فبراير 16, 2022

افتكّت الهوشة!

 يمكن تقسيم الناس في التعامل مع الظواهر، والأزمات، والأشياء المستجدة إلى نوعين: أحدهما من يمتلك مهارة التيسير، والتبسيط، والمبادرة بالانطلاق من أجل الوصول إلى الهدف مباشرة دون وضع الكثير من القيود، أو التعقيدات أو الخطوات.

والآخر: المولع بالتعقيد، الماهر في التنظير، المنشغل بكتابة المراحل والمستويات والخطوات، وإعطاء كل خطوة وزنها المعياري، وتحديد درجة أولويتها، ومدى تأثيرها، والتأمل في التوجهات الاستراتيجية التي ستثمر ثمرة بعيدة – حسب توقعاته-.

وكم يروق لي جدًا تلك المقولة الشعبية الرائجة لدى عائلتي: (افتكّت الهوشة وابونا يحتزم).

وهي تروي حال رجل أخبره أهله وهو جالس بينهم، أن ثمة خصومة كبرى في الشارع المجاور للبيت، وأن الضرب المتبادل بين الطرفين قائم الآن، وأن الحاجة ماسة (الآن) لقيامه شخصيًا بالتدخل السريع لإنهاء الخصومة، وفك النزاع بينهم، فلما سمع منهم ذلك عزم على التدخل فعليًا، واقتنع بذلك، فانصرف لا إلى المتخاصمين، وإنما نحو غرفة ملابسه، وأخذ يخلع ملابسه التي عليه، ويبحث ويستكشف ويختار اللباس الذي يتناسب مع فك الخصومات، ثم يجهز نفسه بالتجهيزات اللازمة لهذا الخطب الجلل، ويلبس الحذاء الأكثر مناسبة لهذه الحال، وفيما هو منشغل بالتجهّز والتحزّم، انتهى الخصوم من خصومتهم، وانتهى النزاع (الهوشة)، وتفرق القوم، وهو لا زال في مرحلة الاستعداد.

وهذا المثل ينطبق – وللأسف – على كثيرين! أولئك الذين حين تحلّ بهم أو بمجتمعهم أزمة ما، فإنهم ينشغلون في دراستها بتأنٍّ بالغ، ويشكلون اللجان المتخصصة التي تجتمع على مهلها لدراسة الأمر، وتتباحث في الأسباب، وتعقد ورش العمل، ومجموعات التركيز، وتقوم بتصميم الاستبانات، وتوزيعها وتحليلها، ومتابعة الوضع عن قرب وعن بعد، من أجل مزيد من الفهم للظاهرة أو الأزمة، ومعرفة الأسباب الفعلية لها، والبحث عن أفضل الممارسات العالمية للتعامل مع أمثالها، وزيارة الجهات التي سبق لها أن قامت بأعمال مشابهة، وتقييم تجربتهم في هذا السياق!.

وأثناء تلك الدراسة العميقة، وعثور أولئك القوم على الخيوط الأولى للحل، وبدايتهم في رسم المسار الذي يرونه أسلوبًا للخروج من الأزمة، يكتشفون أن الأزمة برمّتها قد زالت، وأنهم جاءوا متأخرين جدًا، أو بعد خراب مالطا – كما يقال-.

إن (المبادرة) بالحل، والسعي (العاجل) للتعامل مع المشكلات لا يقل أهمية عن العثور على الحلول (الأنسب)، لأنه في كثير من الأحيان يكون الحل الجزئي، وغير المدروس، وغير الاستراتيجي هو واجب الوقت، وهو الذي ينقذ ما يمكن إنقاذه، أما التأمل المتأني، فربما أودى للكارثة.

وهو أشبه بمن يقوم بدراسة الطرق الآمنة والمضمونة للدخول إلى منزل يحترق الآن، فيحرص على استشارة المكتب الهندسي للحصول على النقاط الأيسر لدخول المنزل، ومعرفة أماكن الأعمدة والأبواب والنوافذ والسلالم، وعدادات المياه والكهرباء، من أجل أن تكون خطة الإطفاء النموذجية جاهزة ومكتملة تمامًا، ولكن بعد أن أصبح البيت رمادًا تذروه الرياح!

ما أحوجنا إلى ترك المبالغة بالتنظير، والتوجّه نحو العمل بإطلاق المبادرات على ارض الواقع. وربّ مبادرة فردية، غير مدروسة، وغير ممنهجة، وبدون دعم مالي، تحدث أثرًا بالغًا، ويتحقق بها خير كثير، وتصل إلى المستفيدين بشكل يشبه العدوى، بما لا تفعله تلك الأطر النظرية، والأدلة المنهجية، والحقائب التدريبية، والورش التخصصية.

وهذا بطبيعة الحال لا يعني التوصية بترك التخطيط، او تجاهل الدراسات، لكنه يعني وبكل تأكيد أولوية التحرك نحو العمل، حتى لا تطير الطيور ونحن منشغلون بدقة التصويب.

شكرًا للمبادرين، الذين يحدثون الأثر.. وإني لأشد على يديهم، وأبارك لهم صنيعهم، وأسأل الله أن يكثر من أمثالهم، فهم القادة الحقيقيون، وهم المؤثرون الفعليون، في وقت كثر فيه الكلام، وقلّ فيه العمل.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا

فبراير 16, 2022

حين يكون البلاء . طريقك للعطاء

رغم أن البلاء مؤلم وموجع، والمطلوب منّا جميعًا أن نسأل الله السلامة والعافية منه. وحين يقع البلاء، ويحل بساحة قوم، فإن التسليم لأقدار الله، والرضا بما قسم الله، والصبر والاحتساب، هي أحوال المؤمنين بالله تعالى وقضائه وقدره وحكمته.

وثمة أشخاص مباركون، فاعلون، مؤثرون، لم يكتفوا – حين حلّ بهم البلاء – بمجرد الصبر والحمد لله، بل حوّلوا تلك المصيبة والمحنة إلى منحة، فانطلقوا في مشاريع خدمية، ومبادرات عملية، وأخذوا زمام المبادرة لأبواب من الخير والخدمة لكل من ابتليَّ بمثل بلائهم، فكانوا ذويّ نفع متعدٍ، وأثرٍ كبيرٍ، وكانوا بركةً على الناس.

ففي بريدة، رزق (خالد السليمان المشيقح) باثني من أبنائه وهما عبد الرحمن وإسماعيل، وقد كانا مبتلين بفقد البصر منذ ولادتهم، فصبر والدهم واحتسب، وأدرك حين خاض المعاناة مع بنيه أن شريحة مهمة من المجتمع (وهم المكفوفون) تحتاج إلى مشاريع نوعية تخدمهم وتلبي احتياجاتهم، فأورثه ذلك البلاء اهتمامًا بهذه الشريحة، فاعتنى بهم، وأخذ زمام مجموعة من المبادرات في خدمتهم، وأنشأ مع ثلة طيّبة جمعية متخصصة في التعامل مع العوق البصري أسموها (مبصرون).

وانطلقت الجمعية بعد تأسيسها في مشروعات متنوعة لخدمة الكفيف، وتخفيف معاناته، وتيسير أموره، وقدّمت خدماتها لمناطق ودول مختلفة، وسعت لتقديم نموذج مميز في خدمة هذه الفئة.

وفي الرياض، حين رزقت (أم عبد العزيز) بمولود يعاني من طيف التوحّد، انكبّت على بحث التوحّد، واهتمت به، وألفت كتابًا متخصصًا موجهًا لمن ليس لديه خبرة في التعامل مع الأبناء التوحديين، كما أنشأت أم أخرى وهي (أم عبد الله) مجموعة إلكترونية متخصصة تجمع فيها ثلة من أهالي الأطفال الذين يعانون من طيف التوحّد، حيث تقوم المجموعة بتقديم الدعم النفسي والمعلوماتي للوالدين، وتدلهم على التسهيلات والخدمات والدعم الحكومي الذي يقدم لهذه الشريحة.

  وفي جدة، قدّمت السيّدة (سلطانة علي رضا) نموذجًا رائعًا في خدمة ذوي الإعاقة، فبحكم تجربتها مع ابن أخيها، ومع أولادها الذين لديهم مشكلات في السمع، وسفرها إلى بريطانيا لعلاجهم وتدريبهم وحضور جلسات التخاطب مرارًا؛ قررت مع زوجها إطلاق مركز جدة للنطق والسمع والتأهيل الطبي (جش)، وهو مؤسسة صحية خاصة لا تهدف الى الربح، ويعد المركز الأول من نوعه على مستوى المملكة العربية السعودية، والمتخصص في تشخيص وعلاج مختلف اضطرابات النطق واللغة والسمع والاضطرابات السلوكية. وافتتح المركز عام 1413هـ، ولا زال يقدم الخدمة المتخصصة والنوعية لهذه الشريحة منذ 20 عامًا.

وخاضت الدكتورة منيرة الشعيبي – رحمها الله – تجربة مريرة مع مرض السرطان، فوجّهت طاقتها لدراسة المرض، والبحث فيه، وتعمقت في دراسة الأطعمة وصلتها به، وبدأت في استعمال جملة من الزيوت الطبيعية كعلاج مع البدائل غير الكيماوية، وكان قدر الله أسبق، فاختارها الله وفاضت روحها الطاهرة، بعد أن
سعت وبذلت لتخفيف البلاء عنها وعن الآخرين، وتحدث عنها د. خالد الجابر فقال: “وأنا خارج المملكة توفيت أختنا د. منيرة الشعيبي، ولأول مرة أفقد القدرة على التعبير، لكني سأتكلم وأقول: كنت أستاذها في الطب، وتلميذها في الصبر والثبات”.

أما أم أوس (عفراء الشميم) فهي أمّ لثلاثة أطفال مصابون بمرض السيلياك، وهو مرض مناعي، يهاجم الجسم فيه نفسه، وتحديدًا الأمعاء الدقيقة عند تناول الجلوتين، فقد دفعها البلاء وإصابة أبنائها إلى أن تنخرط في عالم التطوع لخدمة من ابتلي بذلك، فأصبحت قائدة لمجموعات السيلياك لتبادل الخبرات والمعلومات مع المرضى وأهاليهم، كما أطلقت مبادرة (حياتي بلا قمح) للتوعية والتثقيف، كما باتت تقدم الكثير من المعلومات، بل والدورات التدريبية المجانية والمدفوعة عن تقديم الوجبات، والمخبوزات بدون القمح، ووظّفت شبكات التواصل في نشر الثقافة المتخصصة لهؤلاء المبتلين بهذا المرض.

وأنا على يقين أن ما ذكرته من نماذج ليس سوى نذر يسير من الرجال والنساء الذين حولوا البلاء والمصيبة التي نزلت بهم، أو بأقاربهم إلى نعمة، فانطلقوا نحو العطاء المتخصص، والتطوع الواسع النطاق، فخدموا شرائح محددة في مجالات عديدة، ويسّروا للأهالي مهمتهم، وأعانوهم على خدمة أولئك المرضى بالشكل الذي يحتاجونه، وبما يتناسب معهم.

فكان البلاء الواقع عليهم أجرًا مضاعفًا، أجرًا في الصبر والاحتساب، وأجرًا في خدمة المريض، وأجرًا في خدمة بقية المرضى الذين لا تربطهم بهم صلة، وفي مثل هؤلاء يصدق قول الله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرًا).

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

تم النشــر في صحيفة تواصل من هــــنــــا

يناير 29, 2022

قناة انطلاقة

قناة  انطلاقة

حساب تحفيزي، ملهم، متخصص في تطوير الذات

على تويتر |

 www.twitter.com/ente_laqa

على التيلجرام |

 http://t.me/GObinoshan

يشرف عليه | 

 @bin_oshan

حيث مئات المقاطع الصوتية القصيرة المميزة. 


يناير 29, 2022

السكرتيرة الشخصية!

 يحتاج الرواد والمميزون إلى من يقوم بالكثير من الاعمال اللوجستية المساندة لهم، في تنسيق الاعمال، والسكرتارية، والتصميم، وإدارة المحتوى، وما شابه ذلك، وينقسم اولئك الرواد في تعاملهم مع هذا الاحتياج الفعلي إلى اقسام..

فمنهم من يقوم بنفسه بتلك المهام، رغم انشغال الرائد، وارتفاع تكلفة ساعاته، حينما يصرفها على تلك المهام التي يمكن لغيره القيام بها، وما يترتب على ذلك من تأخر مستمر في تلك المهام، وفقدان الكثير من الفرص وضياعها.

ومن هؤلاء من يقوم بتوظيف الغير، فيعين سكرتيرًا او منسقًا، يقوم بهذه المهام، سواء كان ذلك من خلال دوام كلي أو جزئي، بحيث يقوم الموظف بالالتزام بخطة عمل تكفل انتظام العمل، وتنسيق المواعيد، وتحقيق النجاح ومتابعة الأعمال، من خلال عمل إداري منتظم، وهو أسلوب جميل، رغم ما يشوبه من إشكاليات نابعة من التغير المستمر؛ في ذلك القائم على العمل، والحاجة الى فترة غير قصيرة لاستيعاب الموظف الجديد لأسلوب العمل في كل مرة، وحاجته احيانا إلى التأهيل في بعض الجوانب التخصصية، فضلا عن وجود مساحة كبيرة من الخصوصية لدى الرائد، مما يجعله متحفظا على الكثير من بياناته، وصعوبة كشف تلك الأوراق لذلك الموظف، إلا بعد مدة طويلة من العمل المشترك، ووجود الثقة.

غير انني أسوق هنا فكرة مختلفة، أعتبرها فكرة خلاقة، وجدتها لدى أحد الرواد؛ ممن يقود عددًا من الجهات، وهو مدرب ومهتم بتطوير القطاع غير الربحي، ولديه الكثير من المهام والانشغالات.

هذه الفكرة تشابه القسم الثاني من الرواد، فهي تعتمد على التوظيف والتدريب للغير، غير أن فيها اختلافًا مهمًا وميزة تفضيلية.

إذ يحدثني الرائد في لقائي معه عن معاناته الطويلة في البحث عن منسق ومساعد شخصي له، وفق اشتراطات ومتطلبات تتوافق معه، وأنه بعد كل ذلك الجهد عاد خالي الوفاض، فلم يجد من يناسبه!

وفي لحظة تأمل وهدوء وخلوة؛ لمعت في ذهنه فكرة إبداعية، وتساءل مع نفسه: لماذا يكون التطلع والبحث والاستكشاف للعثور على ذلك الشخص المنشود، صاحب الميزات المتخصصة مقتصرًا على الأباعد، ولماذا أسأل فلانًا وعلانًا؟ ولماذا لا أغيّر نطاق البحث؟ فأبحث في نطاق العائلة؛ فربما كان الشخص المناسب أقرب للواحد منا بكثير، وقد يكون من أفراد عائلته من يصلح لهذه المهمة، وتتناسب معه.

وحين غير ذلك النطاق، عثر على مراده، فوجد أن ابنته القريبة إلى قلبه، والأكثر معرفة به، والأقدر على الوفاء بمتطلباته، والتي تعمل – آنذاك – لدى الآخرين، وجدها أنسب خيار، فكانت الميزة المختلفة هي في توظيف هذه البنت باعتبارها مساعدة شخصية له، ومنسقة للاتصال وللعمل الخاص به، ووجد أنها تتميز بمجموعة من المميزات التي تستدعي التأمل في هذه التجربة، وتدارسها.

فأول تلك المزايا : انها استثمار في الاقربين، فكل تطوير للقدرات، وكل تأهيل متخصص، وكل تدريب يتحقق، فإنه يعدّ استثمارًا في الذات، استثمارًا في هذه القريبة، بحيث تتطور بشكل مستمر، ويحصل لها التعلم والتشبع بذلك المحتوى المميز، والخبرة المتراكمة.

وثانيها: أنه استثمار طويل الأجل، فالموظف الخارجي غير مستقر، فمن السهولة أن ينتقل إلى جهة أخرى لأي ظرف، أما القريبة (البنت او الأخت او الزوجة)، فإن العمل معها متسم بالاستدامة.

وثالثها: أن الاطلاع والقراءة والتلخيص، والتفريغ، والتصميم، والاستماع، والمشاهدة المركّزة للنتاج المعرفي والعلمي للرائد سيجعلها أكثر وعيا بتلك المعلومات، وأكثر تقديرًا لجهود والدها او زوجها أو أخيها.

ورابعها: أن إتاحة البيانات لهذه الموظفة “القريبة” يتضمن نسبة أمان عالية، فلا يوجد تخوف على البيانات، أو كلمات المرور، او المراسلات، او سواها، فهي منك وأنت منها.

وخامسها: أن فرص الالتقاء بين الرائد، وهذه الموظفة “القريبة” أيسر وأسهل، وإمكانية التواصل بكل وسائله أكثر إتاحة، كما أنه ممكن في كل وقت، ولو كان ذلك في ساعة متأخرة من الليل أو النهار، وهو أمر لا يتاح للموظف البعيد، الذي لديه حدود كثيرة للتواصل.

وسادسها: أن هذا التوظيف الداخلي سيحقق لتلك القريبة وظيفة مناسبة تشغل وقتها بالمفيد، في بيئة مناسبة متسمة بالحفاظ على خصوصيتها، كما تمكّنها من العمل وهي في بيتها، دون الحاجة للخروج منه أو ترك زوجها وأولادها، وهي في الوقت ذاته تساهم في تحقيق مورد مالي لها يتناسب مع طبيعة العمل المناط بها.

ولهذه المسببات وغيرها فإنني أجدها فكرة مميزة تستحق الاقتداء، والاحتذاء، وتستحق المزيد من الإثراء.

ولعل من الخطوات المهمة التي يفترض أن يتم العمل عليها لإنجاح الفكرة: وجود خطة عمل سنوية مزمنة، بالإضافة إلى وجود مهام واضحة، ومتابعة منتظمة، وتوفير وسائل اتصال مستقلة لهذا العمل (هاتف، بريد الكتروني) للمحافظة على خصوصية القريبة، ولتسهيل التشارك في تلك الوسائل بين الرائد والموظفة.

فيا أيها الرواد:

تأملوا في هذه التجربة، وأنضجوها، واتخذوا خطوة نحو الأمام، لمزيد من الإنجازات المعرفية، وتقييد الخبرات، ونشر المحتوى المميز، وتجويد التواصل مع الآخرين.

وإلى أن أسمع وأقرأ تجاربكم، وتغذيتكم الراجعة حول الموضوع، أتمنى لكم وقتًا ماتعًا ونافعًا .

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا