يناير 29, 2022
يناير 29, 2022
السكرتيرة الشخصية!
فمنهم من يقوم بنفسه بتلك المهام، رغم انشغال الرائد، وارتفاع تكلفة ساعاته، حينما يصرفها على تلك المهام التي يمكن لغيره القيام بها، وما يترتب على ذلك من تأخر مستمر في تلك المهام، وفقدان الكثير من الفرص وضياعها.
ومن هؤلاء من يقوم بتوظيف الغير، فيعين سكرتيرًا او منسقًا، يقوم بهذه المهام، سواء كان ذلك من خلال دوام كلي أو جزئي، بحيث يقوم الموظف بالالتزام بخطة عمل تكفل انتظام العمل، وتنسيق المواعيد، وتحقيق النجاح ومتابعة الأعمال، من خلال عمل إداري منتظم، وهو أسلوب جميل، رغم ما يشوبه من إشكاليات نابعة من التغير المستمر؛ في ذلك القائم على العمل، والحاجة الى فترة غير قصيرة لاستيعاب الموظف الجديد لأسلوب العمل في كل مرة، وحاجته احيانا إلى التأهيل في بعض الجوانب التخصصية، فضلا عن وجود مساحة كبيرة من الخصوصية لدى الرائد، مما يجعله متحفظا على الكثير من بياناته، وصعوبة كشف تلك الأوراق لذلك الموظف، إلا بعد مدة طويلة من العمل المشترك، ووجود الثقة.
غير انني أسوق هنا فكرة مختلفة، أعتبرها فكرة خلاقة، وجدتها لدى أحد الرواد؛ ممن يقود عددًا من الجهات، وهو مدرب ومهتم بتطوير القطاع غير الربحي، ولديه الكثير من المهام والانشغالات.
هذه الفكرة تشابه القسم الثاني من الرواد، فهي تعتمد على التوظيف والتدريب للغير، غير أن فيها اختلافًا مهمًا وميزة تفضيلية.
إذ يحدثني الرائد في لقائي معه عن معاناته الطويلة في البحث عن منسق ومساعد شخصي له، وفق اشتراطات ومتطلبات تتوافق معه، وأنه بعد كل ذلك الجهد عاد خالي الوفاض، فلم يجد من يناسبه!
وفي لحظة تأمل وهدوء وخلوة؛ لمعت في ذهنه فكرة إبداعية، وتساءل مع نفسه: لماذا يكون التطلع والبحث والاستكشاف للعثور على ذلك الشخص المنشود، صاحب الميزات المتخصصة مقتصرًا على الأباعد، ولماذا أسأل فلانًا وعلانًا؟ ولماذا لا أغيّر نطاق البحث؟ فأبحث في نطاق العائلة؛ فربما كان الشخص المناسب أقرب للواحد منا بكثير، وقد يكون من أفراد عائلته من يصلح لهذه المهمة، وتتناسب معه.
وحين غير ذلك النطاق، عثر على مراده، فوجد أن ابنته القريبة إلى قلبه، والأكثر معرفة به، والأقدر على الوفاء بمتطلباته، والتي تعمل – آنذاك – لدى الآخرين، وجدها أنسب خيار، فكانت الميزة المختلفة هي في توظيف هذه البنت باعتبارها مساعدة شخصية له، ومنسقة للاتصال وللعمل الخاص به، ووجد أنها تتميز بمجموعة من المميزات التي تستدعي التأمل في هذه التجربة، وتدارسها.
فأول تلك المزايا : انها استثمار في الاقربين، فكل تطوير للقدرات، وكل تأهيل متخصص، وكل تدريب يتحقق، فإنه يعدّ استثمارًا في الذات، استثمارًا في هذه القريبة، بحيث تتطور بشكل مستمر، ويحصل لها التعلم والتشبع بذلك المحتوى المميز، والخبرة المتراكمة.
وثانيها: أنه استثمار طويل الأجل، فالموظف الخارجي غير مستقر، فمن السهولة أن ينتقل إلى جهة أخرى لأي ظرف، أما القريبة (البنت او الأخت او الزوجة)، فإن العمل معها متسم بالاستدامة.
وثالثها: أن الاطلاع والقراءة والتلخيص، والتفريغ، والتصميم، والاستماع، والمشاهدة المركّزة للنتاج المعرفي والعلمي للرائد سيجعلها أكثر وعيا بتلك المعلومات، وأكثر تقديرًا لجهود والدها او زوجها أو أخيها.
ورابعها: أن إتاحة البيانات لهذه الموظفة “القريبة” يتضمن نسبة أمان عالية، فلا يوجد تخوف على البيانات، أو كلمات المرور، او المراسلات، او سواها، فهي منك وأنت منها.
وخامسها: أن فرص الالتقاء بين الرائد، وهذه الموظفة “القريبة” أيسر وأسهل، وإمكانية التواصل بكل وسائله أكثر إتاحة، كما أنه ممكن في كل وقت، ولو كان ذلك في ساعة متأخرة من الليل أو النهار، وهو أمر لا يتاح للموظف البعيد، الذي لديه حدود كثيرة للتواصل.
وسادسها: أن هذا التوظيف الداخلي سيحقق لتلك القريبة وظيفة مناسبة تشغل وقتها بالمفيد، في بيئة مناسبة متسمة بالحفاظ على خصوصيتها، كما تمكّنها من العمل وهي في بيتها، دون الحاجة للخروج منه أو ترك زوجها وأولادها، وهي في الوقت ذاته تساهم في تحقيق مورد مالي لها يتناسب مع طبيعة العمل المناط بها.
ولهذه المسببات وغيرها فإنني أجدها فكرة مميزة تستحق الاقتداء، والاحتذاء، وتستحق المزيد من الإثراء.
ولعل من الخطوات المهمة التي يفترض أن يتم العمل عليها لإنجاح الفكرة: وجود خطة عمل سنوية مزمنة، بالإضافة إلى وجود مهام واضحة، ومتابعة منتظمة، وتوفير وسائل اتصال مستقلة لهذا العمل (هاتف، بريد الكتروني) للمحافظة على خصوصية القريبة، ولتسهيل التشارك في تلك الوسائل بين الرائد والموظفة.
فيا أيها الرواد:
تأملوا في هذه التجربة، وأنضجوها، واتخذوا خطوة نحو الأمام، لمزيد من الإنجازات المعرفية، وتقييد الخبرات، ونشر المحتوى المميز، وتجويد التواصل مع الآخرين.
وإلى أن أسمع وأقرأ تجاربكم، وتغذيتكم الراجعة حول الموضوع، أتمنى لكم وقتًا ماتعًا ونافعًا .
دمتم بخير،،،
محمد بن سعد العوشن
الرياض حرسها الله
تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا
ديسمبر 25, 2021
إدمان الالتهـــاء
سبق نشرها في 5 / 2015 م
ديسمبر 15, 2021
مشرّف الشهري يعلّمنا بعد وفاته
وفي يوم الاثنين التاسع من شهر جمادى الأولى لعام 1443هـ، وبعد ابتلاء ومعاناة مع المرض؛ غادر الشيخ مشرف الشهري هذه الدنيا، منتقلًا إلى الرفيق الأعلى، غادر بهدوء وسكون، غير أن ألسنة الناس لم تهدأ عن اللهج له بالدعوات إثر الدعوات، وذكر المزايا والحسنات لأنه كان ذا أثر باق، وقدّم عملًا مختلفًا.
يصدق في الشيخ مشرف الشهري أنه (متفق عليه)!
متفق على الثناء عليه، وعلى خدمته للعلم الشرعي، وبذله، وخلقه، وإنجازاته، فهو لم ينشغل بالمعارك الجانبية، ولا الخلافات السطحية، ولم يقبل أن يمضي وقته ونشاطه وحماسته في الخوض مع الخائضين، ولم ينشغل ببنيّات الطريق، وصغائر الأمور، ترك ذلك كله، وتوجّه بكلّيّته نحو “العمل” فحسب.
لذا فإن مشرّف الشهري يعدّ أنموذجًا على “التركيز” و”التخصص” و “الاستمرار”، وهذه الثلاث الثمينة – بعد توفيق الله – كانت سببًا في أن حقق مشروعه النجاح والانتشار الواسع النطاق.
وكانت مجالات العمل التي يمكنها الانخراط فيها كثيرة، لكنه توجّه نحو “منطقة الفراغ” التي لم تسدّ، حيث لم يشأ أن يزاحم الآخرين، بل رأى أن يكون على “ثغر” آخر، فيقدّم فيه “قيمة مضافة”، وتكون له “بصمة” واضحة، لا ينكرها كل من له بالعلم الشرعي صلة.
ومما ميّز مشرّف الشهري – رحمه الله – أنه جعل كل مشروعاته لخدمة “شريحة محددة”، و “مهمة” في الوقت ذاته، وهي شريحة “طلاب العلم”، فقدّم لهم خدمة عظيمة القدر، جليلة النفع، فكانت مما يبقى للمرء بعد وفاته، من العلم النافع الذي يستمر أجره بعد ذهاب صاحبه.
ولعل إطلالة سريعة على تلك المشاريع، تكشف للقارئ كيف أثّر التخصص إيجابًا، فمن موقع الباحث العلمي، إلى الباحث القرآني، إلى الباحث الحديثي، بالإضافة إلى توظيف التيلجرام؛ من خلال ما يزيد عن عشرين قناة متخصصة، اعتنت بجمع أكبر عدد ممكن من الكتب الشرعية، والمخطوطات، والرسائل العلمية، والبحوث المحكّمة، والمتون، وفقًا للتخصصات المختلفة، وتيسير الوصول إليها، والحصول عليها، فضلًا عن قنوات متعددة للدروس والدورات، والكتب الصوتية، والدعوية والتلاوات.وكان أبا محمد، مشرف بن محمد بن حسن الشهري، المولود في قرية خشرم التابعة لمحافظة النماص، عام 1383هـ، ومنذ ما يزيد عن عشرين عامًا يجمع تراث أهل العلم المعاصرين، فيسجل دروسهم، ومحاضراتهم، وبرامجهم المختلفة، ويؤرشفها لديه في وسائط تخزين رقمية، ثم يقوم بإرسالها للمراكز الإسلامية في أنحاء العالم، ولطلبة العلم الذين يطلبونها، ثم توسع في التوثيق للتراث العلمي، فتوسع في توثيق المخطوطات المصورة رقميًا، وكان يقوم بالكثير من الأعمال والمهام وحده.
ومع ذلك كله لم يكن مشرّف الشهري – رحمه الله – كثير الظهور، ولا كثير الحديث، لكنه – باتفاق الجميع – كان كثير العمل، منغمسًا فيه بلا كلل أو ملل، فكانت مشروعاته على أرض الواقع لسان الصدق؛ الذي يسري بين أهل الاختصاص، في كل الأقاليم والبلدان، دون الحاجة إلى حملات ترويجية، أو مشاريع تسويقية.
واليوم، وقد وارينا مشرّف الشهري الثرى، بعد أن قدّم ما يستطيع، وبذل كل طاقته فيما يحسن، فإننا بحاجة ماسّة إلى تحويل عمله المبارك إلى عمل مستدام، ومواصلة مسيرته العلمية التخصصية، والتعهيد بمشروعاته الرائعة لفريق عمل يواصل المسيرة، أو لجهة علمية مهتمّة يمكنها أن تبني على النجاح نجاحًا، فتعمل على التطوير والتحسين والاستمرار لهذه المشاريع المباركة، وذلك خير إحسان يمكن أن نصنعه للفقيد، من خلال إطالة عمر تلك المشروعات وتعظيم أثرها، والاستفادة من هذا الصيت الحسن، والسيرة العطرة التي لهجت بها الألسن بعد وفاته.اللهم اغفر لعبدك مشرّف الشهري، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه.
اللهم اجعلنا مباركين، وشرّفنا بخدمة دينك القويم، وكتابك العظيم، وسنة نبيك الكريم، واختم لنا بذلك ياربّ.
محمد بن سعد العوشن
نشر في صحيفة تواصل هــنــا
ديسمبر 15, 2021
اندماج الأوقاف المتناهية الصغر
لطالما سمعت وقرأت وشاهدت الحديث عن إطلاق وقف جديد هنا، أو البدء بإنشاء وقف هناك، أو شراء مبنى وجعله وقفًا، مع السعي لتسويق تلك الأوقاف وجمع التبرعات لها بكل وسائل التسويق المتاحة، وهي أعمال مباركة موفقة.
غير أنني أرى أن التوجه نحو الأوقاف الصغيرة والمتناهية الصغر ليس أسلوبًا ناجحًا، ولا مستدامًا، على المدى المتوسط والطويل، فالوقف مشروع استثماري، يستهدف التوظيف الأمثل للعين الموقوفة، وتحصيل أكبر إيراد منتظم مستدام منها، ثم توظيفه في شرط الواقف كمصرف وقفي فعّال ومؤثر، وهو ما يصعب تحققه في الأوقاف المتناهية الصغر.
ويعود ذلك لعدة أسباب منها: الخبرة لدى أولئك الأفراد – غالبًا – في موضوع اختيار الوقف المناسب، أو الإشراف على الإنشاء، أو دراسة الجدوى قبل ذلك، فضلًا عن إدارة الوقف وتحصيل عوائده، كلها خبرات محدودة، وربما يكون هذا الوقف هو أول مبنى إنشائي يشرف عليه هذا القائم على الوقف، فلا عجب أن تقع الكثير من الأخطاء في كل المراحل المشار إليها سابقًا.
وتدار تلك الأوقاف – غالبًا – بحماسة وحرص الفرد الذي سعى لهذا الوقف، ومشروعاته التي يقوم عليها، فإذا عجز أو مرض أو مات – وهو أمر سيحدث بالتأكيد – فإن ذلك العمل الفردي يتوقف، ويتولى الوقف أشخاص أقل حماسة للأمر، ويبدأ الوقف في الانحسار، بل ربما توقف الوقف بالكلية وتعطل تمامًا.
يكون إيراد تلك الأوقاف محدودًا أصلًا، وبالتالي يتعذر مع هذه الإيرادات المتدنية أن يتم تعيين الكفاءات المناسبة والمميزة التي يمكنها فعلًا أن تطوّر من الوقف، أو تكون في نظارته، أو تشرف على صرف عوائده.
يعتبر تكاثر الأوقاف بشكل كبير، مع قلة عوائدها، وضعف إدارتها؛ استهلاكًا للكثير من الموارد المالية التي كان من الأولى أن تذهب مباشرة للموقوف عليهم من المستفيدين منها، بدلًا من استنزاف الكثير من الأموال وتجميدها دون عائد يذكر، أو مستقبل مضمون.
ولهذا فإنني أدعو إلى تجميع كل مجموعة متشابهة أو متقاربة من الأوقاف الصغيرة في وقف مشترك، له مجلس نظارة واحد؛ ذلك أن اندماج الأوقاف المتناهية الصغر في وقف واحد، يجعله ذا أصول مناسبة، وإيرادات مرتفعة، وبالتالي، يمكن حينها توظيف القدرات المناسبة، أو التعاقد مع جهات متخصصة لتولي موضوع الاستثمار أو التطوير أو الإدارة، ويتم صرف العوائد وفقًا لشروط النظار أو ما يقاربها من مصارف.
ولنا في اندماج الشركات والبنوك – رغم ضخامة رؤوس أموالها – أسوة وقدوة، ذلك أنها ترغب من خلال الاندماج إلى أن تعظم مكاسبها، وتزيد من حصتها، وهو عين ما تهدف له الأوقاف المتناهية الصغر باندماجها، من خلال تعظيم الأثر، وزيادة الأجر.
وبهذا الاندماج المقترح، فمن المؤكد – بإذن الله – أنه سيكون لتلك الأوقاف عوائد أكبر، وإدارة أكفأ، وحوكمة أقوى، وأثر أعمق، واستدامة أطول.
وأنا هنا لا أعمم، فمن المؤكد أن هناك أوقافًا متناهية الصغر عظيمة الأثر، كما أن هناك أوقافًا كبيرةً فاشلة لا تحقق أهدافها، ولذا فإنني أدعو كل ناظر أو واقف إلى مراجعة وضع وقفه، والتأمل في وسائل تعظيم آثاره، ومن ذلك تدارس هذه الفكرة، وتطويرها، وطرحها في ورش عمل متخصصة، تزيدها تحسينًا وتصويبًا، وتعدل أي اعوجاج فيها بما يحقق المصلحة العامة، وانطلاقًا من الواقفين أنفسهم أو النظار والمشرفين على تلك الأوقاف، دون المساس بأي مكتسبات مشروعة لهم، وأن يكون هذا الاندماج اختياريًا لا إجباريًا بأي حال.
كما أنني اجدها فرصة للحديث عن فكرة أخرى تساهم في تعظيم أثر تلك الأوقاف الصغيرة، وهي أن يقوم كيان إداري متخصص بتقديم خدمات مشتركة في الجوانب المالية والإدارية والحوكمة لتلك الأوقاف بدون مقابل، أو بمقابل يسير، بحيث يتحقق لتلك الأوقاف المزيد من الإنضاج والضبط دون أن يتحمل الوقف مزيدًا من التكاليف المالية التي لا تفي غلة الوقف بها.
وأخيراً .. فإنني أتحدث في مقالي كلّه عن الأوقاف الاستثمارية التي تدر دخلاً ينفق على مصارف الخير، أما الأوقاف العينية التي يستفاد من أعيانها، فشأنها مختلف، والاستفادة منها لا تتطلب ذلك الاندماج المشار إليه.
كلّي تفاؤل وأمل – وأراه قريبًا – أن يكون حديثنا التالي عن هاتين الفكرتين (الاندماج ، الخدمات المشتركة)، وقد تحوّلتا إلى أرض الواقع، وقامت على سوقها، وأينعت ثمارها، وما ذلك على الله بعزيز.
محمد بن سعد العوشن
نشر في تواصل هــنـــا
نوفمبر 30, 2021
تغيير مواقع الصيد!

نتعجب أحياناً من النهوض الذي يتم في بعض المنظمات، بعد سبات طويل، و استقرار على وضع المنظمة الـ "العادي"، ونتساءل : كيف استطاعت هذه المنظمة أو تلك إحداث هذا التغيير الكبير، رغم أن مواردها المالية لم تتغير، وقيادتها التنفيذية، ومجلس إدارتها لم يتغير بالضرورة، لتأتي الإجابة إلينا -في أحيان كثيرة - بأن هناك عدداً من الكوادر المميزة التي التحقت بالمنظمة قريباً، وبالتحاقها تحركت المياه الراكدة، وجاءت الأفكار المتنوعة من أقوام لم يتقولبوا بقالب العمل الموجود، ولهذا فهم ينظرون للمشهد بتجرد تام، وعقلية متفتحة، ويفكرون خارج الصندوق.
ويعد (الأشخاص المناسبون) أهم أصول وثروات المنظمة، كما يقول جيم كولينز في كتابه (من جيد إلى عظيم)، وهو ما أشرت إليه في مقال سابق بعنوان (الرجال أولاً)، ذلك أن الطاقات البشرية هي لبّ المنظمات وروحها النابض، وهي التي يمكن أن ترفع من شأن المنظمة أو تهوي بها إلى الحضيض، فلا يمكن أن تنهض المنظمة بقائد فذّ فحسب، أو مجلس إدارة كفء، مالم يكن معهم فريق حيوي فاعل، يحرّك السفينة نحو بحار جديدة، ومناطق لم تطرق من قبل، إذ اليد الواحدة لا يمكنها التصفيق.
وقد تحدّث جيف سمارت وراندي ستريت في كتابهما (Who) عن حجم الخسائر التي من الممكن أن يتحملها المشروع في حال الاعتماد على موظفين عديمي الخبرة، وتحدثا في الوقت ذاته عن كيفية العثور على الطاقات واستقطابها إلى المنظمات، مؤكدين على أهمية تغيير (مكان الصيد) ومواقعه إذا أردنا الحصول على أسماك مختلفة، وأنواع متباينة، أما الاستمرار في نفس مكان البحث فسيؤدي لنفس النتائج السابقة.
فإذا كنت تشتكي من تشابه قدرات موظفيك أو اهتماماتهم أو مواهبهم، أو معارفهم، وترى أنهم باتوا أشبه بالنسخ المكررة، فالحلّ المتاح أمامك – كما يقول المؤلفان - أن تتوجه إلى مظانّ أخرى للعثور على الموظفين الأكفاء، فإذا كنت تعلن في موقع ما، فأعلن في مواقع أخرى، وإذا كنت تتعاقد دائماً مع أحد الجهات للتوظيف، فغيّر الشريك، وابحث عن مكاتب توظيف أخرى، وإذا كنت تسأل زملاء العمل عن موظفين مناسبين، فجرب أن تسأل زملاء الدراسة، أو زملاء السكن، أو زملاء العائلة أو الأصدقاء، أو العملاء المميزين، وإذا كنت تضع شروطاً تفصيلية دقيقة تجعل الخيارات محدودة، فراجع شروطك وأعد النظر فيها.
كل هذا وأكثر بهدف إحداث تغيير حقيقي في طبيعة الموارد البشرية التي تعمل في المنظمة، وتمكين المنظمة من توسيع خيارات البحث، مما يتيح لها الانتقاء بين أفضل المميزين، بدلاً من اللجوء إلى أحسن المتقدمين، ذلك أن وجود خليط متنوع من الموظفين في تخصصاتهم، وخبراتهم، وعلاقاتهم من شأنه أن يجعل المنظمة قادرة على التوسع والتطوير والتحسين المستمر، وقادرة على السير في طرق جديدة، لم يسبقها إلى خوضها أحد.
ولربما كان من الوسائل الناجعة في اكتشاف الطاقات والمواهب التي لا تظهر بالطرق الاعتيادية للبحث عن الموظفين: إقامة الفعاليات المختلفة، والمسابقات المتنوعة، والمنافسات التخصصية، فذلك من شأنه أن يكشف تلك الطاقات المخفية، البعيدة عن مشهد التوظيف، وقد يكون ذلك الشخص الرائع ممن يسكن في محافظة نائية، أو مدينة بعيدة، فيتعذر عليه قراءة الإعلانات الخاصة بالتوظيف لدى المنظمة، ويصعب عليه المغامرة والتقديم والسفر لأجل مقابلة شخصية، وربما يتخوف من الإقدام على ما لا يعرف، لكنه مستعد لحضور الفعاليات الجاذبة، والتي يحصل فيها تبعاً– وهو مقصود سلفاً -: الالتقاء بالقيادات، وبمسؤولي الموارد البشرية في المنظمات الراغبة في التوظيف.
حينها يمكن للمنظمة فعلاً أن توسّع خياراتها، وتطوّر المورد البشري فيها، ولا عجب حينها أن تحصل الانطلاقة، والتغير الجوهري في المسيرة، والنهوض بعد سبات طويل.
وفكرة كهذه هي أحوج ما تكون إلى (التفعيل) على أرض الواقع، وإطلاق مبادرات الاستكشاف والاستقطاب، وتقديم النموذج القابل للاحتذاء لبقية المنظمات العاملة في المجال نفسه.
وكلّي أمل أن يكون ذلك قريباً، وأن نرى (هاكثون) العمل الخيري وفق التخصصات المختلفة، و(تيد Ted) العمل الخيري في كل منطقة من المناطق ، وأن تنطلق مسابقات (الابتكار والإبداع) في العمل الخيري، إضافة إلى غيرها من القنوات والطرائق والأساليب المبتكرة في هذا السياق.
وإلى ذلك الحين، دعواتي لكم بالتوفيق، والنجاح والفلاح، دمتم بخير،
الرياض
22 / 11 / 2021 م
أكتوبر 15, 2021
الرجال أولاً
لا يمكن للأنظمة واللوائح والإجراءات وحدها أن تصنع عملًا ناجحًا مبهرًا، كما أن كل التقنيات والأجهزة وخطوط الإنتاج – وإن ساهمت في تحقيق النتائج، وزيادتها والتسريع بها – فلا يمكنها تحقيق النجاح الفعلي والوصول إليه وحدها.
إذ أن مردّ تلك النجاحات كلها؛ بل وابتكار تلك الوسائل بأنواعها، يعود إلى “الرجال”!
ولست أعني بهذه الكلمة جنس الرجال، وإنما عنيت “الكوادر البشرية” التي هي لبّ المنظمات، وأساسها القوي، وركنها الركين.
فالكوادر البشرية يمكنها أن تضع الأنظمة وتطبقها وتتابع تطويرها وتحسينها بما يحقق الهدف المنشود منها، وهي تدرك متى تكون تلك الأنظمة أداة للتحسين أو حجر عثرة أمام العمل.
والكوادر البشرية يمكنها أن تبتكر التقنيات وخطوط الإنتاج، وتصنع الآلة، وتوظفها بشكلها الأمثل، وتستمر في تحسينها مرة بعد أخرى؛ ذلك أن الكوادر البشرية مخلوقات غير محدودة القدرات، سواء من جهة الأفكار أو القدرة على الإنجاز.
لقد وهب الله البشر من القدرات العقلية وآفاق التفكير والإبداع ما تعجز عنه كل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تفتقر إلى كثير من المدخلات العاطفية، وأدوات الربط المختلفة، وهي القدرات التي يمكنها أن تخرج لنا من اللاشيء شيئًا مذكورًا.
ولأن البشر أعرف الناس بذواتهم وببني جنسهم؛ فيمكنهم – والحالة هذه – معرفة الدوافع والأسباب لتلك المشكلات القائمة؛ ومن ثم السعي إلى حلها، كما أنهم يستطيعون توظيف التقنيات الحديثة، والسرعات العالية، وإمكانات البحث لتحقيق أهدافهم، والوصول إلى مبتغاهم. ولهذا فإن أي نجاح نراه في هذه الحياة؛ يكمن خلفه كوادر بشرية مميزة جعلت النجاح لها هدفًا وعملت بكل جهدها لتحقيقه.
فإذا كان لديك فريق عمل مميز؛ فثق أن النجاح حليفك حيثما يممت، ما دمت قد أحسنت اختيار تلك الكوادر التي تعمل معك، وتعينك على الوصول.
ولأن الكوادر البشرية بهذه الأهمية والأولوية، فإن واجب القادة بذل غاية الجهد في البحث عن الأشخاص المناسبين، والتحقق من مناسبتهم، واختبار قدراتهم، وقبل ذلك أن يختبروا نفوسهم وأرواحهم وهممهم. فالنفوس المتقدة بالنشاط، المقبلة على العمل، الراغبة في الإنجاز، يمكنها أن تتعلم، وتجرّب، وتخوض؛ وبالتالي تحقق النجاح مرة بعد مرة.
ولا يمكن قياس نجاح المنظمات بكثرة “الرجال” فيها، بل بنوعيتهم، فالأعداد القليلة المميزة تصنع الكثير، خلافًا لجموع العاديين.
ولا يغيب عنا ذلك المدد الذي طلبه عمرو بن العاص – رضي الله عنه – من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حينما كان يحاول فتح مصر، فرد عليه أمير المؤمنين بكتاب قال فيه: (أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد)، فانظر كيف عدّ عمر – رضي الله عنه – الواحد منهم بألف.
والمطلّع على تجارب النجاح العالمية؛ يجد القاعدة ذاتها في كل مرة، فجاك ويلش، اعتمد على اختيار القادة الاستثنائيين الذين جعلوه يصل بشركة جنرال الكتريك إلى القمة بين الشركات العالمية الأكثر شهرة، حيث تميز أولئك القادة بطاقة غير محدودة، تدفعهم للنهوض كل يوم بحماسة شديدة لمتابعة مهامهم، كما أنهم يعرفون كيف يحفزون غيرهم على الإنجاز، بالإضافة إلى امتلاكهم للشجاعة على تحمل مسؤولية الأخطاء التي يقعون فيها، كما كانوا يتسمون بالقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وحذف “الأعذار” من قاموسهم، وهم – كذلك – ليسوا أصحاب أقوال؛ بل متوجهون نحو التنفيذ، يفعلون ما يقولون، ويحولون الطاقة والحماس إلى أفعال ونتائج ملموسة.
ولعلي أختم بما أشار إليه جيم كولينز في كتابه (من جيد إلى عظيم) في حديثه عن القادة الذين يصنعون ذلك التغيير الكبير قائلًا: إنهم يبدأون رحلتهم ليس بالسؤال عن اتجاه الحافلة، بل عن “ركابها”.
ولهذا حين تم تعيين ديفيد ماكسل مديرًا لشركة ماي في عام (1981)، وكانت الشركة تخسر مليون دولار في كلّ يوم عمل، تساءل عن طبيعة الركاب، أي عن طبيعة الفريق الإداري الموجود، وأهمية أن يكونوا من أفضل الأفراد، لأن أمامهم مهمة شاقة تتطلب الصبر والقدرة والعزيمة في آن واحد؛ وبعد جلسات فردية، ومكاشفة مع ستة وعشرين مديرًا، قرر نصف المديرين التنفيذيين الانسحاب من الرحلة، ليقوم بعدها بتوظيف الأكفاء مكانهم؛ فاستطاع في وقت غير طويل أن يصل للهدف المنشود، ونقل الشركة إلى العظمة.
لذا: حيثما كنت وأينما عملت أو أدرت أو أشرفت: اجعل توظيف الكوادر المميزة أولى أولوياتك، وأهم خطواتك، واعتن باختيار ركاب الحافلة الذين تصل أنت وإياهم إلى برّ الأمان.
دمتم بخير،،،
محمد العوشن
نشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط






