سبتمبر 22, 2021

اكتبوا .. قبل رحيل الخبرات

 غيّب الموت كثيراً من رجالات العمل الخيري وقياداته والخبراء فيه، وافتقدهم العمل وهو في أمسّ الحاجة إليهم، افتقدهم وهم في مرحلة النضج، حيث نمت معارفهم، وازدادت خبراتهم، واستوت تجربتهم، وعظم تأثيرهم ودورهم، ففي خضم ذلك الصعود والترقّي، غادرونا دون ميعاد، وغابوا عن المشهد بصمت..، غادروا وذكرياتهم باقية، إذ يتردد اسمهم مرة بعد أخرى، ثم يبدأ ذلك الاسم في الخفوت شيئاً فشيئاً، فيسمع بهم الداخلون الجدد إلى العمل الخيري سماعاً عاماً، تروى فيه لهم بعض الحكايا والقصص عن أولئك الرواد الأوائل، وبذلهم وصنيعهم، ولا يتجاوز الحديث عنهم إلى ما هو أعمق..فتغيب شخوصهم، وتغيب خبراتهم في الوقت ذاته.

ورغم أن أولئك الرواد – والريادة لا تقتصر على جيل دون جيل – كانوا منخرطين في العمل، متسلحين بالعلم والخبرة والتجربة الواسعة، ولديهم مخزون معرفي كبير ومميز، تلحظه في أحاديثهم، وتسمعه في لقاءاتهم،  إلا أن الملاحظ لكل ذي عينين أنهم في الوقت ذاته ومع كل هذا البذل والجهد إلا أنهم مقتصدون (جداً ) في توريث تلك الخبرة والتجربة للذين يلونهم، لا عن تعمّد وقصد، بل انشغالاً باليوميات، وانخراطاً في مجريات العمل.

وهم فيما يتعلق بخبرتهم، إما متواضعون زاهدون فيما لديهم، يشعرون أنه ليس لديهم ما يستحق الكتابة أصلاً، وإما أن يكونوا مدركين أن لديهم الكثير مما يفترض أن يكتب، لكنهم يترقبون الوقت المناسب الذي يتخففون فيه من المشاغل، وتكون فيه الظروف مواتية، ليقوموا حينها بالكتابة، وهذه الظروف المنتظرة لا تجيئ غالباً ، لأن سلسلة المشاغل لا تنتهي، وظروف الحياة متغيرة ومتجددة، ويظل الواحد من هؤلاء يؤجل ويسوّف إلى أن يفجأه الموت على حين غرّة، وتغادر روحه جسده، فتدفن معه كل تلك التجارب والخبرات، وتذهب معه حصيلة ضخمة من المعارف والعلوم التي حل حصادها، وحان وقت قطاف ثمارها.

لذا فليس غريباً أن يعتبر ذلك المدير الأمريكي  (المقابر) أغنى الأراضي في العالم كله ، والسبب في ذلك الغنى أن ملايين البشر قد رحلوا إليها وهم يحملون في عقولهم الكثير من الأفكار القيّمة، والخبرات المتراكمة التي لا تقدر بثمن، رحلت معهم وهي لم تخرج إلى النور ولم يستفد منها أحد.

وهو ما ألهم (تود هنري) لتأليف كتابه الرائع (مُت فارغاً) والذي يدعو فيه البشر إلى أن يفرّغوا كل ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة في مجتمعاتهم، وأن يقوموا بتحويلها إلى شيء ملموس قبل فوات الأوان، وكان من العبارات الجميلة التي ساقها (هنري) في كتابه: “لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً”، فهو يدعو إلى أن تغادر حين تغادر وكأنما فرّغت كل ما بداخلك من خير على أرض الواقع، ولم يبق لديك شيئاً لم تعلّمه للآخرين، أن تسلّم خبرتك وعلمك وأفكارك قبل أن ترحل، ونترك التأجيل والخلود إلى الراحة والتهرّب من تقييد التجربة فإن “حب الراحة هو عدو العظمة”.

ولا شك أن تقييد الخبرة، وتسجيل التاريخ، ليس أمراً يسيراً، ولا ممتعاً بطبيعة الحال، كما أن النفس ميّالة إلى السكون والدعة والبقاء في حدود منطقة الراحة والاعتياد لما ألفته من أعمال، ولقاءات، واجتماعات دورية، إذ لم تعد تتطلب جهداً كبيراً، ولا بذلاً إضافياً، أما التحوّل إلى عمل جديد وهو (الكتابة) وما يتبعها من المراجعة والتدقيق، وتجهيز تلك المادة للنشر، بكل ما يحمله ذلك من احتمالات ناتجة عن عرض عقلك على الناس، وتوقّع لطبيعة ردود الأفعال التي يمكن أن تقال حينذاك، فإن النفس تهابه وتخشاه، وتميل إلى تأجيله أو تبرير عدم القيام به،  خصوصاً مع التقدم في العمر، وحصول المكانة، فيتخوّف المرء من القيام بأي شيء جديد، وينتظر ذلك الخبير أن ينشط أحدهم لهذه المهمة ويسعى ليستخرج منه تلك الدرر دون أي جهد سوى الحديث الشفهي المرتجل فحسب.

إن توريث الخبرات، والتجارب، واختصار الزمن، وتعظيم الأجر يحتاج إلى جهد ووقت وبذل لا يمكن أن يتم إلى من خلال تحويل تلك الأمنيات إلى واقع، وعدم الانتظار ، واتخاذ القرار بالبدء في تقييد التجربة، وتحديد مواعيد نهائية لإنجاز المراحل، والنشر الإلكتروني لكل مرحلة يتم إنجازها بهدف ضمان النشر الفوري، وتلقي التغذية الراجعة سريعاً، وأن يعطى الأمر حقّه من خلال تخصيص الوقت اللائق به، وعدم اعتباره من فضول الأعمال، ولعل مما يعين على ذلك : تذكّر أن الموت يأتي فجأة، وأن كثيراً ممن رحلوا لم يكونوا يتوقعوا المغادرة بهذه السرعة، فاتعظ بمن سبقك، واتخذ قرارك.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن

bin_oshan@


تم النشر في مدونة مجلس المؤسسات الأهلية على هذا الرابط



سبتمبر 21, 2021

التركيز حين يؤتي أُكُله


النجاح ليس ضربة حظ، وليس قرارًا مفاجئًا، بل هو عمل دؤوب وتركيز في تحقيق الهدف والسعي من أجل محطة الوصول النهائية.

لا يأتي النجاح عرضًا، وحين يأتي بهذه الطريقة فإنه سرعان ما يزول، لأن النجاح في حقيقته تركيز للجهود، واستمرارية فيها. والتأمل في سير الناجحين في الحياة –أيًّا كانت دياناتهم أو بلدانهم أو مجالات عملهم– يجعلك توقن بأن النجاح ليس ضربة حظ، ولا نشاط مفاجئ، بل هو عمل دؤوب ومستمر، لا يعرف الكلل ولا الملل، يمضي فيه المرء سنوات متتالية وهو يعمل ويعمل ويعمل، وليس النجاح عملية تذوق للمجالات، وتخبط فيما بينها، فذلك مثله مثل “المُنبَتّ” الذي لا ظَهرًا أَبْقى، ولا أرضًا قَطَع.

وسأستعرض هنا أربعة أمثلة لناجحين حققوا أرقامًا عالية، وأحدثوا آثارًا كبيرة وواضحة، وحرصت في اختيار تلك الشخصيات، أن يكون اثنان منهما من بيئتنا الإسلامية القريبة، وأن يكون الاثنان الآخران من البيئة الغربية، كما تعمّدت أن تكون الشخصية الأولى من كل بيئة متوفاة، والأخرى على قيد الحياة.

ولنستعرض تلك السِّيَر على عَجَلٍ، مع التعريج على نقطة التركيز، والإنتاج الثري بناء على ذلك التركيز

فأما الأمثلة المأخوذة من بيئتنا، فإن الأول منهما هو: الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- حيث يجد المتأمل لسيرته أن التركيز هو سمته الواضحة، والجلية، فهو قد تخصص في مجال السنة النبوية، وبشكل أدق في فحص الأسانيد، وتقييمها، وتتبعها، وتقييم رجال الحديث، ومعرفة العلل، وأمضى ما يقارب الستين عامًا من عمره في ثنايا تلك الكتب قارئًا ومتفحصًا ومدققًا ومعلمًا، مما جعله مرجعًا للأمة في مجاله.

ولذا فليس عجيبًا أن يكون نتاجه: أكثر من ثلاثمائة مؤلّف، بين تأليف وتخريج وتحقيق وتعليق، وبعض تلك المؤلفات تقع في مجلدات عديدة وضخمة، مثل: سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وصحيح الجامع الصغير وزيادته، وضعيف الجامع الصغير وزيادته، بالإضافة إلى صحيح الكتب الأربعة (النسائي، الترمذي، ابن ماجة، أبو داوود)، وضعيفها.

وأما الثاني فالمحقق العراقي بشار عواد معروف العبيدي، وهو مفكّر ومؤرخ متخصص في تحقيق المخطوطات، حيث حصل على شهادة البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه في مجال التاريخ، أما نتاجه العلمي، المبني على التخصص في التاريخ والمخطوطات، فقد أَثْمر عن تأليف أكثر من سبعة عشر كتابًا، وتحقيق ما يزيد عن اثنين وعشرين كتابًا في أكثر من مائة وثلاثة وثلاثين مجلدًا ضخمًا، تعتبر من أمهات الكتب، كما نشر أكثر من ثلاثين بحثًا علميًّا، وراجع أكثر من أربعة وثلاثين كتابًا.

وأما الأمثلة المأخوذة من البيئة الغربية، فإن أولهما هي: الروائية البريطانية الشهيرة أجاثا كريستي، فإنها عند بلوغها سن الخامسة والثمانين كانت قد ألفت خمسة وثمانين كتابًا منها ستة وستون رواية بوليسية، وأربعة عشر مجموعةً قصصيةً. إضافةً إلى عددٍ من المسرحيات. بيع منها أكثر من ملياري نسخة على مستوى العالم.

ولذا فقد أدرجت موسوعة غينيس للأرقام القياسية أجاثا كريستي باعتبارها الروائية الأفضل بيعًا على الإطلاق، كما أن أعمالها تحلّ في المرتبة الثالثة في تصنيف الكتب الأكثر انتشارًا في العالم، بعد أعمال شكسبير والإنجيل فقط. ووفقًا لمؤشر الكتب المترجمة، تحتلّ كريستي المرتبة الأولى كأكثر كاتبة منفردة ذات أعمال مترجمة، بعد ترجمة أعمالها إلى مائة لغة على الأقل، ولذا فقد استند أكثر من ثلاثين فيلمًا من الأفلام الطويلة إلى رواياتها.

وأما الثاني: فهو المتحدث التحفيزي والمؤلف في مجال التنمية الذاتية، براين تريسي، الذي عمل فيما يقارب الثمانين دولة خلال ثمان سنوات، مرّ فيها على ست قارات في العالم، وألّف أكثر من سبعين كتابًا تُرجم إلى عشرات اللغات، كما حقق أربعين من تلك الكتب التي ألفها لقب (أفضل الكتب مبيعًا)، فضلاً عن عدد كبير من المقالات، والنصائح، والبرامج الإعلامية، التي ترجمت لأكثر من 24 لغة.

ولمعرفة أثر التركيز، فإن علينا أن نعلم أنه براين تريسي بتسجيل محاضراته الصوتية في مجال التنمية البشرية في عام 1981، وخلال خمس وعشرين عامًا أصبح لديه أكثر من ثلاثمائة برنامج تدريبي مرئي (فيديو)، كما أنه أصبح يقوم – في كل عام – بتدريب ما يزيد عن ربع مليون متدرب.

إن هذه النماذج المشار إليها ليست إلا عيّنات فحسب، وإلا فإن استعراض حياة الكثير من الناجحين والناجحات، سيثبت لنا جميعًا بأنهم اتخذوا قراراهم الحاسم بالتركيز، ثم انطلقوا نحو العمل المُركَّز رِدْحًا من الزمن، فظهرت آثار قرارهم نجاحًا وتميزًا.

أتمنى أن تثير هذه المقالة في أنفسنا الكثير، وأن تدفعنا نحو تتبع سبل النجاح والسير عليها.

دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan
20 - 8 - 2021


تم النشر في زد على هذا الرابط 


أغسطس 09, 2021

الإبداع الخيري الاستثماري ( TOMS) مثالا!

جلست مع الزميل محمد المطيري في 29 ذي الحجة 1442هـ  وحدّثني عن بعض أوجه الابتكار والإبداع في العمل الخيري، المندمج مع الأعمال التجارية، وكيف يمكن لأعمال كهذه أن تحدث أثراً عظيماً مستداماً، يحقق أهداف العمل الخيري والعمل التجاري في آن واحد، مستشهداً بتجربة علامة تومز(TOMS) التجارية، وروى لي فكرتها وكيف انطلقت.

راق لي جداً هذا الحديث الرائع، وهذه التجربة المميزة، فوجدتني أقلب النظر فيها، ثم بدأت في البحث والتفتيش بعد اللقاء لعلي أن أجد مزيداً من المعلومات..

ولهذا فسيكون الحديث هنا عن بليك ميكوسكي (Blake Mycoskie)، مؤسس العلامة التجارية - تومز(TOMS) والتي هي اليوم أحد الماركات الشهيرة في مجال الأحذية والنظارات والقهوة ...

وقد ابتكر (بليك) نموذج عمل تجاري مميز، والذي أصبح فيما بعد دوراً رئيسياً تقوم به TOMS ، وهذا النموذج يقوم على استخدام الأعمال التجارية بهدف تحسين الحياة، من أجل تعزيز مسؤولية الشركات والدفع نحو النزعة الاستهلاكية الواعية.

جاءت فكرة دمج (العمل الربحي) مع (العطاء) في جوهرها بعد تلك الرحلة التي قام بها (بليك) إلى الأرجنتين في عام 2006 ، حيث رأى (بليك) أثناء زيارته الصعوبات التي يواجهها الأطفال الذين ليس لديهم أحذية، من الافتقار للحماية الأساسية لأجسادهم، بسبب ماتتعرض له أقدامهم من جراء السير حافياً على الأرض بكل ا يحمله ذلك من مخاطر وبما فيها المرور على الأماكن غير النظيفة، ووقوع الإصابات والجروح وتداعيات ذلك على صحتهم، بالإضافة إلى مشكلة عدم قدرة الفقراء على الذهاب إلى المدرسة بسبب عدم توفر الأحذية باعتبارها شرطاً لدخول المدارس.

وفي الوقت نفسه، وجد بليك نوعاً من الأحذية التي يلبسها الأرجنتينيون تدعى (البرقاتا)، وقد لبسها وأعجب بها، وحدّته نفسه بأن يصنع حذاء مشابها للبرقاتا، ويبيعه في أمريكا، ويحقق من خلال ذلك أرباحاً، وشيئاً آخر مهما !!

من هنا عاد بليك إلى أمريكا، وبدأ في خوض التجربة، حيث صنع 250 زوجاً من الأحذية في مصنعه الذي أنشأه في كاليفورنيا، وأعلن عن فكرته، فبيعت الكمية في الحال، بل كانت هناك طلبات كثيرة لم يستطع إتمامها على الفور لنفاد الكمية، حينها أدرك بليك أن الفكرة ناجحة، ووسع نطاق مصنعه، وانطلق خط الإنتاج، حتى أصبحت أحذية تومس معروفة ومطلوبة في جميع أنحاء العالم، وبات شعار تومز الشهير: (مقابل كل زوج من الأحذية المباعة من علامة تومز، فإن الشركة تقوم تلقائياً بتوفير زوج جديد من الأحذية لشخص محتاج).

إنها ضربة معلّم فعلاً ، فبالإضافة إلى تميز الحذاء بما يدفع الناس لشرائه، فقد وجد المشترون قيمة إضافية (إنسانية) في عملية الشراء هذه، وهي أنهم يوفّرون - بدون جهد - حذاء مشابهاً للمحتاج في مكانه.

وقد حققت الفكرة نجاحاً منقطع النظير، وتحقق لبليك ما كان يؤمل منه دون أن يطلق حملة لجمع التبرعات لأولئك الأطفال الحفاة.

وبعد خمس سنوات من نجاح تجربته تلك - والنجاح ولاّد بطبيعته - أدركت تومز أن بإمكان هذا النشاط أن يخدم إحتياجات أساسية أخرى، فتم توسيع وتطوير نموذج TOMS One for One ، وانطلق خط إنتاج نظارات تومز بالفكرة ذاتها، مقابل كل نظارة يتم شراؤها، يمنح تومز شخصاً محتاجاً القدرة على رؤية أفضل. نظارة مقابل نظارة، ومشروع الملابس، كما انطلق المشروع الآخر لتومز والخاص بالقهوة، حيث يتم تأمين الماء الصالح للشرب للفقراء مع كل عملية شراء للقهوة من TOMS ..

إنه الإبداع يا سادة، ولذا  لا عجب أن ينال صاحب هذه المبادرة الإبداعية عددًا لا يحصى من الجوائز، والتي من بينها :

- جائزة وزير الخارجية للتميز المؤسسي (ACE)  عام 2009.

- جائزة الجيل القادم من كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد عام 2015، وهي جائزة تُمنح  للأفراد الذين تقل أعمارهم عن 40 عامًا والذين تلهم قيادتهم والتزامهم بالصحة كحق من حقوق الإنسان الشباب لجعل "الصحة للجميع" أولوية عالمية.

- جائزة Cannes Lion Heart ، والتي تُكرم شخصًا أو شركة كان لها تأثير إيجابي من خلال الاستخدام المبتكر لقوة العلامة التجارية عام 2016. 

كما قام بليك في عام 2011 بتأليف كتاب أسماه ( Start Something That Matters - إبدأ شيئاً ذا أهمية)، والذي أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في النيويورك تايمز، حيث يقدم الكتاب بالتفصيل قصة المؤلف الشخصية، ويقوم من خلال الكتاب بدعوة الآخرين إلى العمل لدمج العطاء في الأعمال التجارية على نطاق أوسع، مشيراً إلى أن بإمكان المرء أن يجني المال ويسعد الأطفال الفقراء في آن واحد.

ليس ذلك فحسب، بل إن شراء أي نسخة من هذا الكتاب يعني أن يتم إعطاء نسخة أخرى من الكتاب ذاته إلى طفل فقير.

كما أسس بليك في عام 2015 صندوق (ريادة الأعمال الاجتماعية) ، الذي يستثمر في الشركات المبتكرة والوعي اجتماعيًا الموجودة لإحداث التغيير، حيث استثمر الصندوق في 15 شركة هادفة للربح في صناعات تتراوح من التكنولوجيا والتعليم إلى المساواة الغذائية حتى الآن، وهو متحمس لإلهام الشباب للمساعدة في صناعة غد أفضل ، وتشجيعهم على تضمين العطاء في كل ما يفعلونه.

محمد بن سعد العوشن

30 / 12 / 1442 هـ 


________

مصادر للاستزادة: 

- موقع شركة تومز على الإنترنت  (www.toms.com) 

- مختصر مسموع لكتاب (إبدأ شيئاً ذا أهمية)  https://www.youtube.com/watch?v=km45XaOhPnA

- بعض المواقع التي تعرّف بالتجربة أو صاحبها.




أغسطس 07, 2021

إنّه طريقك المؤكّد يا هذا!

 من غير شك أن الواحد منا يؤمل كثيرا، ويعيش ويخطط وكأن العمر سيمتد به طويلاً، مع أنه ربما كان الأجل أقرب إليه من شسع نعله، وربما كان الموت يترقبه في منعطف الطريق التالي.. لكن الإنسان بطبعه وجبلّته يطيل الأمل، ويظن أن سواه هو المعرّض للموت بأي من أسبابه. 

فنظرية الناجي الوحيد تلازمه وهو يراقب جموع الموتى وهي تغادر الدنيا رغم أن منهم من هو أصغر منه سنا وأصح منه بدنا، وأبعد عن مسببات الموت منه، وقديما قال الشاعر (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل).

فقد كتب الله على النفوس أن تغادر الدنيا رغم كل ما بنت وشيدت وصنعت وجمعت وخططت وتعلمت..

وكم شاهدنا من يموت بعد أن شيّد دارا رائعة ولم ينزل بها بعد، ومن يموت وقد حصل على شهادة عليا -بعد سفر وكد وكدح - وهو لم يتوظف بها بعد، ومن يموت وقد عُيّن في وظيفة طالما انتظرها ولم يباشر العمل فيها بعد، ومن يموت وهو في ثوب زواجه، أو لم يبق على حفل زفافه إلا أياما قليلة.

إن التحسر على الموتى الذين تصرّمت أعمارهم، وتخطفهم الموت، والتوقف عن التخطيط أو العمل بانتظار ذلك الموت الذي قد يطول مجيئه، أو الخوف الشديد من الموت الذي تقصر به الأحلام، وتترك به الأعمال، كل ذلك لا يصنع شيئا للمرء، بل يحوّله من السعادة إلى الكآبة ومن البهجة إلى الحزن.

فالموت حق، وهو نهاية كل حيّ، وطريق لكل البشر، بكل أجناسهم وألوانهم وأمصارهم،  وإنما يتفاوت الناس في المكان والزمان والطريقة فحسب.

ومع ذلك فالمؤمن مأمور – مادام حيا - بعمارة الأرض، وعبادة الله، وفعل الصالحات، والإحسان إلى الخلق، والبقاء على الإيمان بالله، حتى إذا أتت إليه المنية لم يمت إلا وهو مؤمن بربه، يرجو رحمته، ويخاف عقابه، ويحسن الظن به سبحانه.

والموت ليس النهاية يقينا، بل هو البداية الفعلية للحياة الحقيقية، التي تبدأ بالحياة البرزخية في القبر، ثم الحياة الدائمة السرمدية في الآخرة، إما في الجنة أو النار، وكلا الحياتين البرزخية والأخروية إنما توضع أسسها وتبنى قواعدها، ويحدد المصير فيها أثناء هذه الحياة الدنيا القصيرة زمنيا، فمن أحسن في حياته الدنيا فمصيره في الآخرة بات معروفا ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

إن موقفنا تجاه الموت يجب أن يكون باستحضاره دافعا للمزيد من العمل، ومراقبا للمسيرة، ومشجعا على الاستزادة من الصالحات، وعمارة الأرض بما يرضي الله، حتى ولو قامت القيامة على المرء وفي يده "فسيلة" من النخل "فليغرسها" لأن الغرس بذاته عمل صالح، ونية طيبة، وأما النتائج فهي عند الله.

أسأل الله تعالى أن يجعل أعمارنا مباركة، وخواتيمنا حسنة، وأن يربط على قلوب أهلينا، ويجبر مصابهم، ويصلح لنا آخرتنا ويجعلنا فيها من الفائزين، ويجمعنا مع الأنبياء والصديقين والصالحين وكل أهلينا وأحبتنا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.


محمد بن سعد العوشن

السبت 28 ذو الحجة 1442
مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
خلوة السبت


أغسطس 05, 2021

كيف يمكنك التقاعد في 10 سنوات؟ - مترجم -

في عام 2010 ، كان غرانت ساباتير البالغ من العمر 24 عامًا قد عاد للتو مع والديه بعد انتقاله من وظيفة إلى أخرى ثم تسريحه في خضم الركود. مع أقل من 20 ريالً باسمه وثلاثة أشهر فقط للعثور على مكانه الخاص ، كان ساباتير يعلم أنه بحاجة إلى إعادة موارده المالية إلى المسار الصحيح.

جاء إيقاظه في صباح يوم 24 أغسطس عندما أراد شيبوتلي بوريتو دعوته لتناول طعام الغداء، ولم يكن لديه سوى 10 ريالات في حسابه المصرفي !

حدد "سباتير" هدفًا لنفسه على الفور: اكسب مليون دولار وتقاعد في أقرب وقت ممكن.

بدأ في فعل أي شيء في وسعه لكسب المال ، من البحث في أسماء النطاقات إلى شراء وبيع سيارات فولكس فاجن. يقول: ”كان لدي 13 مصدر دخل مختلف في وقت ما”.

عزز "سباتير"دخله إلى أكثر من مليون ومائة وخمسة وعشرون ألف ريال في السنة. 

كما تمكن من توفير حوالي 80 % مما استطاع تحصيله ، والذي استثمره في السوق. 

بعد خمس سنوات وثلاثة أشهر وستة أيام فقط ، وصل "سباتير" إلى هدفه مع توفير أكثر من أربعة ملايين وخمسمائة ألف ريال  كان ذلك في عام 2015.

(المهم هنا هو إدراك أن الادخار ليس تضحية. إنها فرصة)   "سباتير"

على الرغم من أن قصته تبدو متطرفة ، إلا أن "سباتير"، البالغ من العمر الآن 34 عامًا ، يعتقد أن أي شخص تقريبًا يكسب أكثر من مبلغ معين يمكنه أن يسير على خطاه.

 يقول: ”أعتقد أن الغالبية العظمى من الأمريكيين يمكنهم التقاعد في غضون 10 سنوات أو أقل إذا كانوا يكسبون ما لا يقل عن مائتين وخمسة وستين ألف ريال سنويًا”.

لتحقيق ذلك ، 

يجب أن تكون مستعدًا وقادرًا على توفير 50 ​​إلى 70 في المائة من دخلك باستمرار ، كما يقول ، وقد يتطلب ذلك إصلاحًا جذريًا في أسلوب حياتك. لكن ليس عليك أن تجعل نفسك بائسًا. 

كل ذلك يعود إلى موقفك من الدخول في الموقف ، كما يقول: ”الشيء المهم هنا هو إدراك أن الادخار ليس تضحية. إنها فرصة ”.

ويضيف: 

”عليك أن تعيش بشكل مختلف قليلاً عن معظم الناس”. ربما تفكر ، ”كيف يمكنني العيش على عشرة الاف ريال شهرياً؟ ولكن الحقيقة أنه يمكنك أن تعيش بشكل جيد بالفعل على هذا المبلغ .


يؤكد "سباتير" أن تقديم تضحيات قصيرة المدى يتيح لك الآن حرية الاستقلال المالي لاحقًا. ″ربما تفكر وتقول : ” أوه ، سأضطر إلى الحصول على شقة سيئة حقًا أو قيادة سيارة سيئة حقًا. ” والإجابة هي: ربما يتعين عليك فعل ذلك لفترة قصيرة.


لكننا لا نتحدث عن فعل ذلك إلى الأبد. نحن نتحدث عن القيام بذلك لبضع سنوات فقط من أجل البنك والادخار واستثمار الفرق ”.


إذا كنت مهتمًا بالتقاعد في غضون 10 سنوات ، فإن "سباتير"يقدم ثلاث نصائح لتحقيق ذلك.

1. خفض نفقات السكن الخاصة بك

ما هي أكبر مصروفاتك الشهرية؟ بالنسبة لكثير من الناس ، هذا هو الإيجار. يوصي "سباتير"بمحاولة تقليل هذا الرقم بقدر ما تستطيع لأنه طريقة بسيطة لإحداث تأثير كبير على مدخراتك.

يقول: ”عِش في شقة بأقل تكلفة ممكنة ، واحصل على رفقاء في السكن إن كنت أعزباً، واكتشف منزلًا ، واشتر شقة من غرفتي نوم ، وقم بتأجير الغرفة الأخرى للحفاظ على نفقات السكن الخاصة بك عند أدنى مستوى ممكن”. 

″إذا كان بإمكانك خفض نفقات الإسكان الخاصة بك إلى الثلث  فجأة ، فيكون لديك 10 أو 15 عامًا من الوقت الذي ستستغرقه للتقاعد.”

2. أوجد مصادر دخل أخرى: 

يمكنك فقط خفض نفقاتك كثيرا. لكن المبلغ الذي يمكنك كسبه لا حدود له.

يقول "سباتير":

”اخرج وحاول فقط جني القليل من المال الإضافي”. ″ليس عليك أن تصاب بالجنون ، ليس عليك الخروج وكسب 35 ألف ريال إضافية أو أكثر شهريًا. ولكن كل 4000 ريال تجنيها وتستثمرها بدلاً من ذلك ، سيؤدي ذلك إلى تقليص الأشهر الحرفية للوقت الذي ستستغرقه للتقاعد ”.

ويشير إلى أنه من المهم أيضًا استثمار دخلك الإضافي. من خلال وضع أموالك في العمل ، تكون هذه الأرباح قادرة على النمو ، بدلاً من الجلوس في حساب توفير عادي ، حيث يمكن أن تفقد قيمتها فعليًا على المدى الطويل .

3. الاستمرارية:

إذا كنت تريد التقاعد مبكرًا ، فإن ”أهم شيء” هو الحفاظ على تحفيزك.

يقول "سباتير" :

″أرى الكثير من الناس متحمسين حقًا وهم مثل ،” يا إلهي ، سأخرج وأصبح مستقلًا ماليًا. سوف أتقاعد مبكرا. ثم تعود إليهم بعد 90 يومًا ولم يفعلوا شسئاً لتحقيق الاستقلال المالي".

وقد حافظ "سباتير"على استمراره من خلال تحفيز مدخراته. 

ولهذا فهو يقول: ″هذا هو أحد تلك الأشياء حيث يمكن أن يكون ممتعًا حقًا ، ويمكن أن يصبح مدمنًا حقًا”، وبمجرد حصولك على القليل من الزخم ، ”انظر إلى حسابك المصرفي كل يوم لمدة خمس دقائق. ... ستبدأ في رؤية أموالك تنمو وهذا كل الحافز الذي ستحتاجه ”.

ولا تثبط عزيمتك إذا أدركت على طول الطريق أن 10 سنوات ليست هدفًا معقولًا لنمط حياتك. يقول "سباتير" : ”حتى لو استغرق الأمر 12 عامًا أو 15 عامًا ، ما زلت متقاعدًا مبكرًا”.


المصدر : 

https://www.cnbc.com/2018/12/14/grant-sabatier-of-millennial-money-how-to-retire-in-10-years-or-less.html?

الترجمة من جوجل مع تصرفات يسيرة


يوليو 06, 2021

التوقف عن كتابة التاريخ

لا يستطيع الجيل القادم أن يعرف الكثير عن مجريات الأمس واليوم، ولا حكاياته، وأحداثه المفصلية، ولا يعرف عن محطات التحول التي عاشها المجتمع والعمل الخيري، ولذا فإنه سوف يكرر الكثير من الأخطاء التي وقع فيها من سبقه، وسيكون بعيداً عن سير الرواد الأوائل، وأهل التميز والنجاح الذين كافحوا ونافحوا وشقّوا الطريق لأول مرة، واستطاعوا نقل العمل من أطر التقليدية إلى آفاق أوسع وأرحب، سيبدأ الجيل الجديد في تلمس الطريق مرة أخرى بجهد جهيد، ويبحث عن القدوات فلا يعرفها وإن عرفها لم يجد عنها من المعلومات إلا النزر اليسير.

ولأن التاريخ من أعظم معلمي البشرية، فمنه تؤخذ العبرة من الماضي بهدف فهم الحاضر، ومنهما يتم استشراف المستقبل، فإننا يمكن أن نغيّر في المعادلة، ونصحح المسيرة، ونختصر الوقت، ونوفّر الجهد، وذلك حين نتوجه نحو كتابة تاريخ العمل الخيري، وتقييد وقائعه وأحداثه وفعالياته من وجهة نظر القائمين عليه، وهنا أؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال مشروع موسوعي شامل، وإنما من خلال كتابة كل مجرّب وشاهد على العصر لتجربته وشهادته، وتوثيقها، ونشرها، وإتاحتها للآخرين.

وكما قال ابن خلدون متحدثاً عن التاريخ: “إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات (الحوادث) ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق”.

وإذا لم نقم بكتابة التاريخ الذي عايشناه وتفاعلنا معه بأنفسنا، وإذا لم نتحدث عن نجاحاتنا وإخفاقاتنا ومسبباتها بكل وضوح وشفافية، إذا لم نقم نحن بذلك طواعية واختياراً، فسوف نترك الباب لـ “الآخر” ليعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره القاصرة والمجتزأة، يكتبه وهو إما جاهل به، بعيد عنه، فتفقد الكتابة مصداقيتها، أو مغرض يوجّه الكتابة إلى أهدافه الخاصة، فينتقي من التاريخ ما يوافق توجهاته، وينتزع الوقائع من سياقها، فيتحقق له التشويه أو التضليل أو التلبيس، لنأتي بعد ذلك حاشية على كتابات الآخرين، نحاول الرد، والتبيين، فنتحول من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع ! وما غزي قوم في عقر دارهم إلا هزموا.

وإن من المؤسف – بل المخزي – أن نجد أكثر من يعتني بالكتابة عن تاريخنا وأوثق من يكتبه – من وجهة نظر الكثيرين – هم أقوام من غير بني جلدتنا، ممن لم يعيشوا الواقع بتفاصيله، بل يعجزون عن معرفة الحقيقة لبعدهم، فلا عجب أن تجد حديثهم يخلط السم بالعسل، وأن تجد الصورة النمطية المفتعلة عن العمل الخيري، أو عن تفاصيل المجتمع سارية في أكثر تلك الكتابات، فهي مكتوبة على وجه يختلف مع الحقيقة، ولا يتطابق معها.

إن للعمل الخيري تاريخ مشرق، وبصمات واضحة، وآثار ملاحظة، وقد قام خلال مسيرته الطويلة بالكثير من الإنجازات الضخمة، التي لو كان لدى الآخرين عشر معشارها لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل ذلك فخراً وزهواً، ولذا تجد أن بعضهم يطير فرحاً بخبر قيام أحد المشاهير أو الفنانين ذو العيون الزرقاء بمبادرة خيرية يسيرة جداً، فيرويها بكل إعجاب وإخبات، ويتساءل بكل جهل: أين نحن من أمثال هذه المبادرات؟ أين مجتمعنا “المسلم” عن هذه الأفعال المباركة، وما علم المسكين أن المبادرات الخيرية في بلادنا أوسع انتشاراً وأكثر إبداعاً وأعظم أثراً من تلك الأفكار الصغيرة التي طار بها.

ولست أوجه كل اللوم لهذا ولأمثاله بقدر ما أوجهه للذين كان بإمكانهم القيام بالكثير فلم يفعلوا، كان بإمكانهم تقييد التاريخ المشرّف للعمل، وحكاية القصص الرائعة فلم يفعلوا، فتركوا التدوين الثابت والمستقر من خلال الكتابة العلمية والمتزنة والمنشورة، ومن خلال التأليف، تركوه وانصرف بعضهم إلى التوثيق “المؤقت” من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، ظاناً أنه بذلك يحقق الهدف، وهو الأمر الذي ستكون نتائجه الكارثية بعد سنوات محدودة حين تزول الكثير من تلك الشبكات والتطبيقات، وينخرط الناس في سواها، كما وقع مع المنتديات الحوارية التي كانت مملؤة بالكتابات الناضجة والمفيدة، فزالت شيئاً فشيئاً حتى لا تجد لها ذكراً، بل إن الكثير من مواقع الإنترنت للجهات والأفراد سوف تصبح شيئاً من الماضي، وتزول عن المشهد لعدم الحاجة لها، أو لإشكاليات فنية أو إدارية أو مالية تعترضها مع مرور السنين، حين تزول تلك الشبكات والمواقع، سنكتشف أننا عشنا وهم التوثيق لا التوثيق.

سيذهب ذلك كله ويبقى الكتاب المطبوع، والمقال المنشور على نطاق واسع أ كثر قدرة على البقاء من سواه، سيبقى قابلاً للنشر وإعادة النشر، قابلاً للطباعة والتداول والاحتفاظ، سيبقى مرجعاً يمكن العودة إليه كلما دعت الحاجة.

ومن هنا فإنني أحثّ الجميع على التدوين والكتابة، وعدم انتظار الكمال الموهوم، والبدء بالمتيسر، وتحسينه بعد ذلك، وأرجوا ألا يكون حالي كحال دريد بن الصمة حين كان يقول لقومه:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

06‏/07‏/2021

يونيو 22, 2021

خلطة الأسرار

لطالما أبهرنا النجاح الذي تحققه بعض المؤسسات، سواء كان ذلك النجاح سمة عامة لمشروعاته وأعمالها، أو كان في مشروع أو مشاريع محددة، ولا شك أن النجاح الذي يتم يستحق الثناء والإشادة، وأن المفترض بكل قائد أن يبذل وسعه للاستزادة من النجاحات، ونقل منظمته إلى مراتب التميز والرقي مرة بعد أخرى.

غير أن ثمة إشكالية في المساعي المبذولة لمعرفة سبب النجاح الذي تحقق، حيث يتم إطلاق الأحكام الانطباعية العجلى على ذلك، وربما تكرر إطلاق سبب واحد لتلك النجاحات جميعاً، وهو ما يجعل استنساخ النجاح وتكراره أمراً غير ممكن في ظل قلة المعلومات المعينة على معرفة الأسباب.

وفي ظني أن النجاح في كل مرة لا يعتمد على سرّ واحد، أو سبب وحيد، بل ثمة خلطة “سرية” في كل نجاح يتحقق، تجعله قابلاً للإعادة حين تجتمع مكونات الخلطة بنفس مقاديرها.

ومن الأسباب التي يمكن أن تساهم في تلك النجاحات: توجّه المانحين ومدى قبولهم بالأطروحات غير المعتادة، وموافقتهم على العمل وفقاً لأساليب منح، ومشروعات، ومستهدفات غير تقليدية، كما أن حجم تقبّلهم لخوض التجارب والمغامرة ببعض الأموال على مشروعات قد تنجح وقد تفشل، أمر يوسّع نطاق العمل، ويمكن أن يتحقق بموجبه نجاحات فائقة، وإخفاقات كبرى كذلك!.

ومن الأسباب المؤثرة: قدرة المنظمة على الاستفادة من الطاقات البشرية المتميزة والمتخصصة بشكل فعّال، من خلال توظيف الكوادر البشرية ذات الكفاءة، وتوسيع مجال الاستشارة للمتخصصين، وتوظيف خبراتهم ومعلوماتهم وتجربتهم الطويلة في بناء وابتكار المشاريع وإنضاجها، إضافة إلى الاستفادة من الجهات المتخصصة وبيوت الخبرة المتنوعة بإشراكهم في الدراسة أو التنفيذ، أو فيهما معاً.

كما أن الخبرة التراكمية لمسئولي المنح ومتخذي القرار في المنظمة، ومعرفتهم بالعقبات المعتادة، والمخاطر المحتملة، والجهات الأكثر مناسبة للشراكة معها يعين على وضع الأطر الرئيسة التي يمكنها أن تساهم في تحقيق النجاح.

ويساهم توفّر السيولة المالية المناسبة للمنظمة على إطلاق مجموعة من المبادرات الابتكارية دون تأثير على بقية أعمالها ومشروعاتها المختلفة.

كما أن “العلاقات العامة” للمنظمة وقدرتها على الوصول للمعلومات والجهات والأشخاص، يسهّل عليها الاختيار والانتقاء للمبادرات الأكثر تأثيراً، حيث تكون المنظمة من جراء ذلك وجهةً رئيسيةً لأصحاب المشروعات والمبادرات، فتصل إليهم قبل أن تصل إلى سواهم، ويكونون أقدر على اجتذاب الناجحين والمبادرين، وأكثر فرصة من سواهم في تحقيق الشراكات المثمرة.

وبالجملة فإن ما أريد تقريره هنا أنه ليس لذلك النجاح المبهر الذي نراه في مرحلة قطف الثمار سبب واحد، ولا سرّ واحد، بل ثمة خليط من الأسرار التي تساهم جميعها – وإن بنسب متفاوتة- في الوصول لذلك النجاح، فالتبسيط وتسطيح الأسباب يؤدي لمحاولات فاشلة لتقليد التجربة، ونتائج لا تكون مطابقة لتطلعات المنظمة وإدارتها العليا.

وما أجدرنا بدعم المزيد من الدراسات “المتعمقة” لا السطحية لكل تجربة ناجحة، مما يجعل تلك الدراسات بحثاً علمياً حقيقياً مؤثرا على القطاع، ومغيّرا في الممارسة والسلوك، بعيداً عن مجرد المحاكاة الظاهرية لجزئيات شكلية لدى المنظمة الناجحة، وتوقّع نتائج باهرة من جراء ذلك “التقليد”.

دمتم بخير ،،،



 محمد بن سعد العوشن

bin_oshan@