أغسطس 04, 2020

شبيه البحث العلمي


كثيرة هي البحوث التي تصدر بوصفها رسائل ماجستير ودكتوراه وبحوث ترقية، وتتناول جميع الموضوعات والشؤون المجتمعية في عناوينها!.

فحين تبحث في مكتبات الدراسات العليا فسوف تتفاجأ بحجم الدراسات عن الظواهر والسلوكيات المجتمعية، ومسببات المشكلات، وحلولها، وسوف تتأسف على عدم استفادة المجتمع من تلك البحوث الكبيرة الحجم، وتتعجب من تواجدها بشكل حصري في مكتبات الجامعات.
لكنك حين تفتح أوراق جملة غير قليلة من تلك الدراسات، وتبدأ في قراءة المضمون، وأنت في غاية التفاؤل بأنك ستجد فيها التشخيص الدقيق للواقع، ومعرفة الأسباب، والغوص في أعماق المشكلات، لأن تلك الصفحات الكثيرة لابد أن تعثرعلى جذور المشكلات وتتناولها بالتفصيل الممل .. وتتبعها بالحلول المتنوعة لتلك المشكلات..

وحين تقرأ ثم تقرأ سوف تصاب بالصدمة، والإحباط، وانخفاض مستويات التفاؤل، ثم تدرك حينها أنك أمام منتج وضع للحصول على شهادة، لكنه غير قابل للاستهلاك!

ستدرك أنها ليست بحوثًاً علمية وإن كانت في ظاهرها كذلك، لوجود مشابهة شكلية بينها وبين البحوث الفعلية المؤثرة والتي تخدم المجتمع..

ستشعر - فعلاً - أن الذي بين يديك ليس إلا "شبيه البحث العلمي" ! على وزن "شبيه القشطة"!

نعم ، يشابهه في تنظيم المحتويات، يشابهه في العناوين، يشابهه في وجود كم كبير من المراجع، مجرد شبه ( يخلق من الشبه أربعين) بحيث يظنه الضمآن ماء، حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً.

إذ بات الاعتماد على الاستبانات - مثلا - سمة سائدة في أشباه البحث العلمي، وبتنا نحكم على المجتمع من خلال هذه العينات (اليسيرة)، التي تقوم بتعبئة الاستبانة ( بغير دقّة)، لتخرج منها (نتائج مشوهة)، هي في الواقع تحوم حول الحمى ولا تقع فيه.

ويتم ملء صفحات الرسالة بالكثير من الحشو والتجميع لنصوص وردت في أشباه أخرى للبحث العلمي، باعتبارها دراسات سابقة، يتم إقحامها بسبب أو بدون سبب، إذ أن الإشارة إليها ووجودها في شبيه البحث غير مؤثر، فهي مجرد زيادة في الصفحات، ومحاولة لإظهار الجهد الكبير الذي قام به الباحث، وهو جهد لا أنكره، لكن الذي أنكره هو النتيجة والخدمة التي تحققها تلك الدراسة.

السؤال المهم الذي يمكن طرحه على الباحث : ماهي الفائدة التي تم يجنيها المجتمع أو المتخصصون من رسالتك، باستثناء استفادة باحثين آخرين  منها في إضافة أسطر جديدة لفصل الدراسات السابقة!؟

وحتى تدرك أن الموضوعات محل الدراسة ليست ذات جدوى، فإن الباحث ينص في عنوان رسالته على ما ينبئ بذلك، أعني بعدم الفائدة! 

وحتى يتضح الأمر دونك هذا المثال ( وضعت العنوان من عندي حتى لا يؤخذ الموضوع بشكل شخصي) لأن أشباهه في الدراسات العليا كثيرة جداً ..

عنوان البحث ( أسباب تدني الأداء الوظيفي للموظفين من وجهة نظر المديرين) ، ثم يقول الباحث  أنه أجرى الدراسة على عينة من مديري المرحلة الثانوية بمدينة كذا!

فالدراسة إذا لم تكن على المديرين عموماً بل على مديري المدارس!
وهي لم تشمل موضوع البحث فعلاً بل اقتصرت على وجهة نظر أحد أطراف المشكلة وهم (المديرين)
ولم تكن لعينات ممثلة لمجتمع البحث بل اقتصرت على (مديري مرحلة واحدة من مراحل التعليم الثلاث)،
ولم تشمل كل مديري تلك المرحلة، بل اقتصرت على مديري مدينة من المدن، 
ثم هي حتى مع هذا الجزء من الجزء من الجزء .. اقتصرت على عينة منهم!

وهذ ه العينة غير الممثلة للمشكلة تم إعطاؤهم استبانة مصممة بطريقة لا تأخذ من الشريحة ما لديها، بل تحاول تأطيرها ضمن خيارات محدودة، وأسئلة افتراضية قام بها الباحث من تلقاء نفسه.. وجعلها وفقاً لخيارات غير واضحة ( حتى وإن وسموها بمقياس ليكرت الخماسي) وهو :  (موافق بشدة -  موافق - محايد - غير موافق - غير موافق بشدة).

فضلاً عن كون الاستبانة مصابة بلعنة المعرفة إذ تستخدم عبارات (تخصصية) لا يفهم معانيها من يقوم بالتعبئة، لأن الذي كتبها وراجعها موغل في التخصص فيكتبها لمن يعرف مثل معرفته! فيختار تخميناً للإجابات المتوقعة على أسلوب ( شختك بختك).

ثم يأتي الباحث في نهاية المطاف ليعرض لك نتائج تلك الاستبانة على هيئة رسوم بيانية مضللة، وموهمة، ومملوءة بالتناقض، وكأنه قد سحب لك الأسد من ذيله - كما يقال-.

إننا أمام مشكلة حقيقية :
فالعمل والتنمية والنجاحات على أرض الواقع منفصلة كلياً عن البحث العلمي بالجامعات، وبينهما سد عظيم كسد يأجوج ومأجوج.
فما أحوجنا إلى التداعي لإيقاف هذا الهدر وهذا النزيف الكبير للجهود والأموال والأوقات التي تذهب في غير طائل.

وأختم بأن حديثي هذا عن (كثير) من البحوث، والنظري منها خاصة، وإن كان في وسط تلك الظلمات بحوث مميزة، ذات تأثير، لكنها مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود.

فإن وجدت في نفسك شيئاً أيها القارئ الباحث من مقالي هذا، وشعرت أنه ينال منك ومن بحوثك، فربما كان ذلك مؤشراً على أنني لمست الجرح، فليس الحل في الهجوم عليّ بل في إدراك الواقع والسعي لتصحيح المسيرة، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب في أن نستمر في التبرير للخطأ والدفاع عنه.

وأنا أدرك كذلك أن المشكلة ليست في الباحثين، لأنهم - غالباً - وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل وفق قالب جامد، ينتج منتجات غير مفيدة، ولم يكن أمام الواحد منهم إلا الاستمرار في هذا العمل غير النافع، لأنه الطريقة الوحيدة للحصول على مؤهل دراسي عالي.

فواجب الأقسام والكليات أن يعيدوا النظر في عملهم، ويراجعوا الأدوات، ويكفّوا عن التقليد والمحاكاة، وأن يكون حرصهم الأكبر هو في إحداث الأثر في المجتمع من خلال تخصصهم، وليس المزيد من الصفحات والأرقام والجهود وحملة الشهادات العليا فحسب.

دمتم بخير،،،
6 – 12 – 1441
الرياض

تم النشر في صحيفة تواصل على هذا الرابط

يوليو 26, 2020

خطة الاثني عشر أسبوعا


نعرف جميعاً أن العام مكوّن من اثني عشر شهراً، وهي معلومة بدهية يعرفها الجميع، ومن هنا يتحدث المخططون دوماً عن الخطة السنوية بوصفها أداة لرسم المسيرة المقترحة للعام، ويتم في نهاية العام تقييم وتحديد نسبة الإنجاز التي تمت، والإخفاقات التي وقعت.
والحديث عن الخطة السنوية (للمؤسسات والأفراد) حديث متوافر وكثير جداً..
غير أنني هنا أود الحديث عن منهجية جديدة في التخطيط تلجاً إلى تقليل الفترة الزمنية التي يتم التخطيط لها، وبدلاً من أن تكون اثنا عشر شهراً فإنها تكون اثنا عشر أسبوعاً فحسب أي ربع العام، وحين تنتهي هذه الأسابيع المذكورة فإن المخطط يأخذ أسبوعاً فاصلاً يقيّم فيه وضع تلك الخطة، والجوانب المميزة فيها فيعظمها ويستثمر فيها، ويتدارك الخطأ فيصلحه أو يصوبه وهو لا زال في الربع الأول من العام، فتكون نسبة المتابعة للخطة، ونسبة الصواب فيها أفضل بكثير من كونها خطة سنوية.

ليس هذا فحسب بل إن التخطيط لـ 12 أسبوعاً يعين على أن تكون البداية بالتنفيذ فورية فمنذ أن يتم الانتهاء من رسم الخطة في أي وقت من العام، فإن الأسبوع التالي لرسم الخطة هو أول أسبوع من هذه الإثني عشر، فلا يتطلب الأمر انتظاراً لشهور عديدة حتى يبدأ العام التالي.

ومن المؤكد أن وجود هدف لكل أسبوع، والعمل وفق خطة ربعية أفضل بكثير في جوانب المتابعة والتقييم والتنفيذ للخطة، وهو مقصد التخطيط الرئيس وهدفه الأعظم.

وفي كل الأحوال، سواء اقتنعت بهذه المنهجية في التخطيط أم لم تقتنع فإن من المؤكد أن وجود منهجية معتمدة لديك في مجال التخطيط هو أحد أهم عوامل النجاح، والوضوح التام.

ومتى ما جربت أسلوباً في التخطيط فاستبان لك أنه لا يناسبك، وأنك من خلاله لا تحقق مبتغاك، فتيقن أن هناك العشرات من الأساليب الأخرى، وأن النجاح يكمن في اختيار المنهجية التي تروق لك، كما هو الحال في اختيار الملابس التي نرتديها، نختار منها ما يناسبنا ولا يخالف الذوق العام. 

وختاماً ، اختر المنهجية التي تريد، غير أن أسوء حال يمكن تصوره هو أن لا يكون لك خطة، وأن تعمل وفق صوارف الزمان، ومتطلبات الآخرين، فتكون كالريشة في مهب الريح.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

يونيو 15, 2020

مبادرة | مكتبة الحي للأطفال

من الأخطاء الكبيرة المشاهدة اليوم : أن تكون خيارات الطفل لقضاء الوقت محصورة في العبث بالأجهزة الذكية، ومشاهدة التلفاز، والمطاعم أو زيارة مدن الألعاب الترفيهية!
لأننا بذلك نغفل عن بناء الكثير من الجوانب المهمة للطفل، ولعل من أهمها بناء العقل والوعي وملكة التعلم لديه، وبناء المهارات المختلفة.
إننا اليوم بحاجة – ماسة – وخصوصاً مع أوقات العطل والإجازات -غير القصيرة – ومع نهاية الأسبوع، نحن بحاجة إلى مرافق أخرى يمكن للطفل زيارتها وإمضاء الوقت فيها بما يعود عليه بالنفع، وبتكلفة رمزية، وبما لا يتطلب من العائلة بذل الجهد والوقت لتحقيق ذلك.

ويتمثل هذا في وجود (مكتبات للأطفال داخل الأحياء)، يمكن لأهل الحي الوصول إليها دون قطع مسافات طويلة. 

ويفترض أن تحتوي المكتبة على مجموعة كبيرة من القصص والكتب المناسبة للأطفال دون المرحلة المتوسطة، ويمكن أن يوضع بجوارها موضع للجلوس والاستفادة من الوقت للأباء، وآخر للأمهات الذين يرغبون في البقاء بجوار أطفالهم، مع أهمية تزويد مكان الجلوس هذا بمجموعة من الكتب المناسبة  للآباء والأمهات والتي تحتوي على ما يناسبهم، وما يتناول الثقافة العامة، وإدارة المنزل وتطوير الذات، بالإضافة إلى بعض الكتب الشرعية الأساسية.

إننا بهذا سندفع بأطفال الحي إلى عالم القراءة الواسع، حيث يصعب على كل أسرة أن تجد المكان والوقت والمال الكافي لإنشاء مكتباتهم الخاصة، فتكون مكتبة الحي مكاناً يجمع الأطفال على الثقافة .

إن فكرة كهذه يجب أن لا تسلك مسلك التكلّف في الإنشاء ولا تضخيم المصاريف، لأن ذلك مدعاة للتوقف والانحسار، فنحن بحاجة إلى أن تكون هذه المكتبة بسيطة من جميع الجوانب، واقتصادية، وذاتية التشغيل، حيث يكون لكل مكتبة أمينة أو اثنتان من أهل الحي، تقومان برعايتها والاهتمام بها وتوزيع العمل بينهن بحيث لا تغلق المكتبة في أوقات عملها، وتقوم الأمينات كذلك بالسعي لتزويدها بالكتب من خلال ما يتبرع به الأهالي من كتبهم، ومن خلال ما تتبرع به مكتبات الحي التجارية من كتب أو أوراق أو مراسم ونحوها.

إننا بحاجة إلى مبادرة أولى، وإطلاق الشرارة، حيث يمكن أن تكون المكتبة بجوار حديقة الحي، أو في أحد المرافق المجاورة للجامع، وثمة فكرة أخرى أيسر وأسرع، وهو أن تكون مكتبة المدرسة الابتدائية في الحي هي ذاتها مكتبة الطفل، مع فتحها من بعد صلاة العصر حتى التاسعة أو العاشرة مساء، وفتحها يومي الجمعة والسبت صباحاً ومساءً، والعناية بجعلها بيئة جاذبة، وتيسير عملية الاستفادة منها بعيداً عن الإدارة البيروقراطية.

ما أحوجنا اليوم إلى من يعلّق الجرس، ويبادر، وإنني على ثقة تامة بأن الفكرة سوف تتطور، وتتجدد، وتتوسع.. وسوف يكون لها الأثر الكبير.

فمن لها؟

يونيو 01, 2020

دروس من حياة أحمد توتونجي


في يوم الاثنين التاسع من شوال 1441 هـ وقعت في يدي نسخة إلكترونية من كتاب (دروس من حياتي) للدكتور أحمد توتونجي، والذي يقع في 131 صفحة من القطع المتوسط.
وقد قرأته لأنه كان خفيف المحمل، ومن رجل له إساهامات شهيرة في العمل الخيري على مستوى العالم.
واقتبست لكم ما اعتبرتها نقاطاً مهمة  تناولها المؤلف حرصت فيها على الإيجاز:
* الشباب يتعطش دوماً لرؤية القدوات، فمهمتنا أن نكون قدوة، وأن نبرز القدوات.
* أعمدة القدوة ثلاثة ( الشفافية - الشورى - الحسبة)
* رسالتنا تنمية جيل الشباب لتحمل المسؤولية .
* يجب العمل على أن يكون لكل فرد في المجتمع مسار تطوعي يختاره ويعمل فيه.
* اسأل نفسك : هل ثمة مكان على خارطة العالم تستطيع أن تخدمه بجهودك، وتصنع فيه أثراً.
* أهمية بثّ روح استشعار المسؤولية في العاملين (أنك المسؤول الأول عن الأمر).
* المسؤولية التي يتحمّلها المفكرون والكتاب المؤمنون عظيمة جداً ، ذلك أن من الصعوبة إنتاج هذا الصنف من الناس.
* (الملاطفة والحوار) هما عماد العلاقة مع المناوئين والمخالفين، لا سيما أن وجود المخالفين لك سنة كونية لا يمكن التخلص منها.
* القراءة والكتابة مثل الساقين للمرء لا يتم المسير إلا باستخدامهما سوياً، فلا يكفي أحدهما عن الآخر.
* من المهم دراسة التجربة المصرية واليابانية في نقل التجربة الأوروبية والاستفادة منها حيث كانت النتائج مختلفة جداً بينهما.
* قيمة الاجتماع والتعاون وعدم التنازع عظيمة، ولا يصلح التنازل عنها.
* الإسلام دين (الوحدة)، فابحث دوماً عمّا يوحّد الناس ويجمعهم، لا عما يشتتهم.
* العمل المؤسسي المنظم هو (كلمة السر) لمن أراد تحقيق النتائج.
* السؤال المهم : كيف نخرج بأعمالنا من إطار الفردية إلى إطار العمل الجماعي المنظم.
* المؤسسات تبقى، والأفراد زائلون.
* لن يتم أي تطوير للعمل الخيري إلا بالعمل الجاد على ذلك، إذ لا شيء يتطور من تلقاء نفسه.
* قِف على الأعمال في أرض الواقع ولا تكتفِ بالتقارير والمعلومات التي تصل إليك عنها.
* وقت (بعد صلاة الفجر) من أجمل الأوقات للتأمل الهادئ، حيث الهواء النقي والسكون والصفاء.
* من أكثر حظوظ الحياة أن يطول عمرك في طاعة الله وحسن عمل.
* كل ما تحصده وقت الحصاد هو ثمرة ما زرعته وقت الزرع.
* ركّز على إيجابيات إخوانك لا سلبياتهم.
* قيمة كل أسرة فيما تنجزه من أعمال لا فيما تملكه من أموال وأعيان.
* من تساوى يوماه (الأمس واليوم) فهو مغبون.

مايو 07, 2020

فليغرسها | أول مقطع في قناتي على اليوتوب





ويمكنك قراءة تدوينة بهذا الشأن من هنا 

مايو 07, 2020

اكتشف نفسك بنفسك (3)

تقرأ في سيَّر بعض من حققوا نجاحات وتميزاً في مجالات معينة، فتجد أن الواحد منهم يكتب في سيرته الذاتية أنَّ الذي اكتشفه فلان، ممن عَمِلَ معه أو عاش معه، أو درّسه، أو صاحبه، فتلمّس عنده موهبة معينة، فأشاد بها، وأثنى عليها، فلما سمع الناس يشيدون بهذه الموهبة أكثر من مرة، ومارسها عملياً، أدرك حقيقة هذه الموهبة، وربما نمَّاها ذلك المكتشف، أو دلَّه على كيفية تنميتها، ففتح له طريق النجاح والتميز.
وهذه الحالة تمر على عدد من الناس، لكنها ليست الحالة السائدة!

ذلك أن كثيراً من الناس يولدون بمواهب فطرية، وهبهم الله إيَّاها، ويعيشون كل حياتهم دون أن يكتشفوها، ودون أن يستثمروها، ويموتون وهي لا زالت مدفونة، لم يعلم بها أحد، مع أنه كان بإمكان تلك الموهبة أن تصنع للبشرية الشيء الكثير، وكان بإمكانها أن تصنع لأصحابها تأثيرًا وسمعة وأموالًا ومكانة، لكنهم – نظراً لأنَّهم لم يبالوا بها- ذهبت أعمارهم دون أن يستفيدوا منها.

لذا فمن غير المناسب - أيُّها القارئ- أن ينتظر الواحد منَّا أن يكتشفه أحد ما، ويجلس في وضع الانتظار تحت رحمة المكتشفين، فإن اكتشفوه فبها ونعمت، وإن لم يكتشفوه بقي كما هو!

هذا الأسلوب لا يصلح إطلاقًا، فالمفترض بمريد النجاح أن يبذل الجهد، وغاية الوسع في معرفة نقاط التميز، ونقاط القوة، ولا بد أن تدرك أنَّ هذا الواجب واجب فردي وشخصي عليك أنت، وليس مناطًا بغيرك، فإن بذل غيرك جهدًا لخدمتك فهذا فنور على نور، لكن المهمة مهمتك، والواجب واجبك، فهي قدراتك، وطاقاتك، وحياتك، ونجاحك، وهذا هو تأثيرك.

وهي نعم وهبك الله إيَّاها، فلا يليق أن تجعلها تحت رحمة الناس الذين ربما اكتشفوك حيناً، وأهملوك أحياناً. 

نبِّش، وابحث، واسأل، وجرّب، ومارس، وستكتشف بذلك وتعرف مهاراتك، أما الجالس – على وضع الانتظار - لا يحاول شيئاً، فمن الطبيعي أنَّه لن يكتشف شيئًا!

لكن الذين يخوضون تجارب مختلفة، ويجرّبون مجالات متعددة، ويختبرون أنفسهم وقدراتهم، سيكتشفون بعد تجربة أولى وثانية وثالثة ورابعة أنَّ هناك تجربة قد أبدعوا فيها وحققوا فيها تميزًا مختلفًا، ثم حين يعيدون هذه التجربة كل مرّة يحققون نفس التميز..
هنا يمسك الواحد منهم بطرف خيط الموهبة والنجاح، ويمكنه بعد ذلك أن يسأل ويجرّب، ويسأل المختصين، ثم يكتشف فعلًا أنَّ هذا التميز موجود، ثم يبدأ في خط منتظم ومرتب لتنمية هذه الموهبة، ونقلها من كونها مجرد موهبة ربانية أساسية أعطاك الله إيَّاها، إلى موهبة تم صقلها من خلال التجربة والتعلّم، والمعايير والمقاييس الخاصة بهذه الموهبة.

أتمنى أن تثمر هذه التدوينة التفات كل واحد منَّا إلى نفسه باحثًا عن نقاط القوة والتميز والمواهب الموجودة لديه ليكتشفها بنفسه، بالاستعانة بمن يعرفه، ثم ينميها حتى يرى منها بإذن الله ثمارًا مباركة.

محمد بن سعد العوشن

التدوينة التالية | .......................
(سيتم تفعيل الرابط حين ينشر )

مايو 01, 2020

التدوين الباقي (2)

 كنت ذات مرّة أبحث عن مقالات تتناول فنون "التدوين"، فوجدت مقالاً جميلاً جدًّا لـ عبد الغني مزوز -وأظنه من المغرب-  تحدّث فيه عن كون التدوين قد تأثّر تأثيراً سلبياً بالغاً من جراء طغيان التدوين المصغّر!.

وحين نتأمل الواقع الفعلي للكثير من المؤثرين والفاعلين والناشطين الذين يبذلون جهوداً كبيرة في كتابة التغريدات على تويتر، أو ينشرون الصور ويعلقون عليها في إنستجرام، أو يقومون بالتعليق الصوتي أو المرئي عبر السناب، أو من خلال برنامج (واتس آب) و(الرسائل الجماعية) و(المجموعات) التي يكتب فيها المرء كلامًا جميلًا، ويبذل ما في وسعه في تنسيقه وتجويده، ثم يبعثه للناس من خلال هذه البرامج ...
حيث نتأمل ذلك كله، نجد أنَّ هذه التدوينات الصغيرة جعلت الواحد منا يتوقع أنَّه ما دام قد كتب (نصاً) مناسبا، وبعث به لخمسين أو مائة ممن لديه، وقرأها ألف أو ألفان من متابعيه في تويتر، بات يتوقع  أنَّه قَّدم المطلوب منه، وأنه قد قام بالتدوين فعلاً!، مع أنَّ عدداً غير قليل من حسابات تويتر يتم إغلاقها كل مرّة،  إمَّا بفعل فاعل، أو باختراق تلك الحسابات، أو إغلاقها من شركة تويتر ذاتها، وأحياناً ينسى المرء كلمة المرور الخاصة به، وفي كل هذه الحالات تضيع تلك المواد، أو توشك على الضياع، فضلاً عن كونها – دوماً - تغريدات ونصوص قصيرة ومجزأة، وليست موضوعًا مكتملًا يُمكن الاتكاء عليه للحصول على معرفة حقيقة حول أي قضية من القضايا التي يتم تناولها.

فتجد أحدهم يعمل في منظمة مميزة تملك نشاطاً مميزاً يستحق الذكر والإشادة، وتجارب موفقة،  فيكتب شيئاً من سيرتها - إن كتب –بنصوص قصيرة ومفرَّقة خلال بضعه أشهر.. ثم تندثر كل تلك الكتابات في وسط الكم الكبير من التغريدات والحسابات..

وحين يقام "حدث" مهم، وتنطلق "فعالية" ذات نفع كبير يقدّم فيها جملة من البحوث و المحاضرات وأوراق العمل المميزة، فإنك بعد انقضاء الحدث بأشهر لا تكاد تجد معلومات كافية، وتكون المادة الأساسية التي تم التعليق عليها في شبكات التواصل غير متاحة في الغالب، ذلك أن الكاتب قد تحدث عنها في بضع تغريدات، في وسم (هاشتاق) نشط آنذاك، غير أن تلك الوسوم تموت، كما أن التغريدات تبتعد عن عين القارئ، بوجود الجديد الكثير، مما يصعّب الرجوع إليها لاحقًا، بل إنك  لو حصلت عليها كاملة  كما هو متاح في تويتر، فسوف تجد معاناة كبيرة في جمع التغريدات المكتوبة في موضوع واحد، فضلاً عن الجهد الكبير الذي يتطلبه التنسيق والربط والتقديم والتأخير، وإكمال النص بالكثير من المواد.

ما الذي أريد أن أخلص إليه؟

أريد أن أخلص إلى أنّ شبكات التواصل المختلفة -على تنوعها- يجب ألَّا تكون بديلة عن التدوين المكتوب للعمل أيًّا كان، فإن كان عندك ملخص أو وقفات مع كتاب قرأته، فلا تنثرها على هيئة تغريدات فحسب، ولكن اجعل الخلاصة في صفحة، أو صفحتين، أو ثلاث، واجعل لها عنواناً واضحاً، وانشرها بمختلف الوسائل، وأتحها للتحميل، وانشرها في مدونة خاصة بك، واحفظ عندك نسخة مكتملة منها في الوقت ذاته.

فإذا قمت بهذا التدوين الحقيقي المطوّل فقد قمت بالخطوة المهمة، ويمكنك حينها أن تقوم بتحويل هذه التدوينة أو خلاصتها إلى مجموعة من التغريدات، حيث سيكون ذلك أدعى للانتشار الفوري لها، وستكون التغريدات حينها وسيلة لتسويق الأصل، والذي هو التدوين المطول، والكتابة التفصيلية المتكاملة.

مع أنك حين تقرر أن تكتب تدوينة غير قصيرة عن الموضوع، فسوف تشرح للقارئ الحدث الذي تعلق عليه، وتشير لتاريخ وقوعه، وتبين موقفك منه، فتكون تلك المادة المكتوبة واضحة لمعاصري الحديث، ولمن لم يعاصره، فكل قارئ لتدوينتك يمكنه بيسر أن يستفيد منها بشكل كبير، بل قد تكون تلك المقالة أو التدوينة مرجعاً موثوقاً لذلك الحدث الذي قل الكاتبون عنه.

ومن هنا فإنني أبث نصيحة، أوجهها لجميع الإخوة والأخوات العاملين في الجهات المختلفة التي تحقق إنجازات تستحق الاطلاع، وإلى جميع  الإخوة والأخوات الذين يمتلكون رأياً خاصاً في التعليق على أحداث معينة؛ أو تجربة قاموا بها فنجحت أو فشلت، أنصحهم جميعاً  ألَّا يكتفوا بالتغريدات القصيرة، بل يكتبوا رأيهم ناضجًا كاملًا مبررًا مفسرًا معلقًا به على الحدث، بحيث تكون تلك المادة المكتوبة صالحة لأن تُقرأ في كل زمان، وفي كل مكان، وسيجدون – بكل تأكيد - أنَّ هذه المادة مع مادة أخرى، وثالثة ورابعة يُمكن جمعها في كُتيِّب أو كتاب سواءً كان مطبوعًا أو إلكترونيًّا متاحًا للناس ليقرؤوه، ذلك أن التدوين المطوّل، وأعني به الكتابة المتكاملة لون مختلف، وباقٍ، يؤدي إلى معرفة متكاملة، صالحة للاستفادة منها في أوقات لاحقة.

أما الاقتصار على التغريدات والكتابات والتدوينات المصغرة القصيرة فخيار غير مناسب؛ ذلك أن مدة صلاحيتها قصيرة جدًّا وسوف تذهب مع أي ريح عاصف، وستزول مع انصراف الناس عن أحد تلك البرامج. بين يدينا مثال واضح جلي، وهو (منتديات النقاش على الانترنت)، والتي كانت سوقاً رائجة للنقاشات، وكتابة الآراء، والمعلومات والخبرات، .. فإذا بحثت اليوم عن ذلك الكم الكبير، وجدته قد ولى وذهب!

وباستثناء الذين كانوا يجمعون كلامهم في ملفات خاصة بهم في أجهزتهم الشخصية قبل نشرها، فإن البقية قد وجدوا أنَّ كل جهدهم المبذول ذهب هباءً منثورًا.

حذاري من الاعتماد على شبكات التواصل في نقل رأيك ووجهات نظرك وتقييماتك ومنتجاتك، وخبراتك، وعلمك، ولكن اجعلها وسيطاً من الوسائط، واجعل الأصل (مادة ناضجة متكاملة) مكتوبة لديك.

تمنياتي لكم بوقت سعيد تقضونه في كتاباتكم وتقييداتكم ومرئياتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد بن سعد العوشن

العنوان التالي | اكتشف نفسك بنفسك