يوليو 23, 2019

بيني وبينك : لا تنضبط في المؤتمر!

تحفل كل بلاد الدنيا بعدد غير محدود من المؤتمرات والملتقيات وورش العمل والندوات التي لها أول وليس لها آخر، وتنعقد تلك الفعاليات على مستوى محلي وإقليمي ودولي، وتحرص كل جهة على أن تضع عناويناً براقة تلفت أنظار الناس للفعالية، وترغّبهم في حضورها.
لهذا تجد عدداً من العبارات التسويقية والتشويقية في المطبوعات والإعلانات الخاصة بهذه الفعالية، مثل:( المؤتمر الدولي الأول - أكبر ملتقى يجمع .. - أضخم فعالية في تخصص..- بمشاركة خبراء دوليين، ينعقد مؤتمر ...).
ويقع المرء في حيرة من أمره تجاه ما يفعله تجاه هذه الدعوات التي لا تنتهي، والتي قد تلامس شيئاً يسيراً من اهتمامه، وقد لا تلامس.

ومن هنا جاءت هذه التدوينة من خلال معايشة ليست قصيرة لأمثال هذه الفعاليات، في جملة من التوصيات..

أولا: لا تحضر!
الفعاليات والملتقيات والمؤتمرات عن أي موضوع ليست اختراعاً لا يقبل التكرار، ولا تخشى فوات شيء منها، فكل موضوع من هذه الموضوعات المطروحة تكرر الحديث عنه أو سيتكرر، فليست - في أغلب فقراتها – أمراً نادراً، ولا سراً يتم إفشاؤه لأول مرّة فاطمئن.

ثانياً : شاهد عن بعد!
عدد غير قليل من هذه الفعاليات يتم توثيقها ونشر ذلك لاحقاً وإتاحته للعامة من خلال مواقع الجهة أو معرفتها أو حسابها في اليوتيوب، بل ويتم مؤخراً بث تلك الفعاليات بالصوت والصورة وبشكل مباشر أثناء انعقاد الفعالية، فلا يوجد ما يجبرك على ترك أعمالك، أو الدخول في دوامة الزحام ذهاباً وإياباً، ويمكنك متابعتها عن بعد حين تريد.

ثالثاً: للعاطلين!
مالم تكن تشكو من الفراغ القاتل، فليس هناك ما يدعوك لحضور أي مؤتمر أو ملتقى أو ندوة يتم عقدها هنا أو هناك.. ولتعلم أنك لو أمضيت كل عمرك في حضورها لما استطعت الإحاطة بها، فلا تقلق بشأن فوات الكثر منها.

رابعاً : حالات الحضور الاستثنائية؟
يكن الحضور للفعالية مطلوباً ومبرراً حين تلامس الموضوعات المطروحة احتياجاتك، سواء بموافقتها لشغفك وميولك واهتماماتك، أو موافقتها لوظيفتك ومهمتك وعملك، فحينها يكون الحضور مثمراً في بعض الأحايين حين يوفق منظم الفعالية لاختيار الضيوف الأكفاء، والعرض المميز.

خامساً : الحضور للتشبيك والتشخيص!
يمكن الحضور للملتقى الذي لا يلامس احتياجك، حين يكون لك هدف آخر من الحضور، وهو إقامة الصلات وتوثيق العلاقات والبروز لدى المهتمين، فيكون حضورك حينها لمجرد التشبيك وبناء العلاقات فحسب، وهذا يقتضي منك اختياراً أمثل لمكان جلوسك، ولطبيعة مداخلاتك، ويتطلب منك اصطحاب كروت العمل الشخصية التي تعرّف بك.

سادساً: لا تكن منضبطاً!
حين تحضر أحد هذه الفعاليات فلا يوجد ما يجبرك على الالتزام بحضور (كل) فقرات البرنامج المعدّ سلفاً، فالذي يدخل مكتبة عامة ليس ملزماً بقراءتها وفق تصنيفها بل وفق ما يريد، وفي الفعاليات احضر ما تميل إليه نفسك، وما تتوقع أن يحقق لك هدفك من المشاركة، وأما في الفقرات التي لا تروق لك، سواء بسبب موضوعها، أو مقدميها، فيمكنك – بدون أي تأنيب للضمير- أن تخرج من القاعة لتشرب الشاي أو تتحدث مع الرفاق! لكنني أوصي باستعراض جدول الفعالية قبل الحضور، وتحديد الفقرات التي ستحضرها، والتي لن تحضرها، ومن المهم -في الوقت ذاته- أن تحدد آلية استفادتك من الأوقات البينية التي ستتغيب عن الحضور فيها، وهذا ربما يدفعك لترتيب مواعيد لقاءات أو اجتماعات أو اصطحاب كتب أو ملفات للاطلاع عليها.
دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

يوليو 15, 2019

البرّ الأعمى !

 وصف النائب الأمريكي كلو دبير ذات مرّة وضع المسنين في أمريكا بأنه (عارٌ وطني مرعب) وذلك تعليقاً على دراسة لجنة من مجلس النواب الأمريكي عن وضع المسنين في بلادهم، التي أفادت بأن أكثر من مليون مسن ومسنة ممن تجاوزت أعمارهم 65عاماً يتعرضون لإساءات خطيرة، فيتم ضربهم وتعذيبهم عذاباً جسدياً ونفسياً، كما تتم سرقة أموالهم من قبل ذويهم.


وفي بريطانيا تلقت الشرطة ما يزيد على 22 ألف شكوى من والدين ضد أبنائهم خلال عام واحد!

ويتحول كثير من كبار السن في الغرب إلى دار العجزة والمسنين ليقضوا بقية حياتهم هناك، ويموتون بعيدين عن كل قريب.

والنموذج الأمريكي والبريطاني موجود ومتكرر في باقي الدول الغربية؛ إذ يخرج الشاب والشابة منذ بلوغهم الثامنة عشرة عن كنف والديهم، ويفقد الوالدان السيطرة على تصرفاتهم أو الإشراف عليهم، ويقتصر التواصل بينهم على أقل القليل، فربما احتفل الواحد منهم بعيد الأم، أو عيد الأب، ويقوم من كان منهم باراً بإرسال بطاقة تهنئة ومعايدة أو هدية يسيرة أو باقة ورد لهما في عيد ميلادهما، وربما وضع – كل بضعة أعوام – باقة من الورد على قبريهما.

ولهذا فما نعايشه في مجتمعنا المحلي – خصوصاً – من صلة بين الأولاد والآباء، وبر وإحسان واحترام وتقدير وإجلال، هو شيء مستغرب في الثقافة الغربية، وخصوصاً حين ترى الطاعة التامة لأوامر الوالدين وإعطائهم الاهتمام والاحترام اللائق بهم، ومراعاة رغباتهم، والانصياع لتوجيهاتهم حتى وإن خالفت رغبات الأولاد.

وليس غريباً أن تسود مظاهر البرّ بالوالدين في مجتمعنا، ذلك أن برهما والإحسان إليهما أمر أوجبته الشريعة؛ وهو المتوافق مع الفطرة السليمة، فهما كانا – بعد الله – سبب في وجود المرء، كما أنهما ربياه منذ كان صغيراً حتى بلغ هذه السن، وعلماه، وأطعماه، وأسقياه، وعالجاه، وكانا سنداً له في كل حين.

ويلاحظ أن (اللين واللطف، والاحترام والتقدير، والطاعة) هي أبرز ألوان البر المنصوص عليها في نصوص الشريعة، فلم تأت الأدلة بمجرد الطاعة فحسب، فجاءت الآية الكريمة بالنهي عن التأفف، ومن الخصومة معهما، ولما رأى النبي ﷺ رجلاً ومعه غلام، قال للغلام: (من هذا؟) فقال: أبي، فقال له ﷺ:(فلا تمش أمامه، ولا تستسب له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه).

غير أن الملاحظ – في السنوات الأخيرة – أن ثمة ظاهرة سلبية آخذة في الانتشار، وهي انصراف عن أوجه البر الحقيقية المذكورة، وانشغال ببعض مظاهر البر السطحية، فيفرّط الأولاد في القيام بحقوق الوالدين، وطاعتهما، ويتأففون من خدمتهما، وربما رفعوا الصوت عليهما، فضلاً عن الانشغال التام – بحضرتهما – بالجوالات الذكية، ووسائل التواصل، فيكون الولد معهما بجسده دون روحه وقلبه، ويشعر الوالدان في فترات اللقاء التي تباعدت وقلّت بأنهما يعيشان في عزلة عن الأولاد، فلا يستمعون لأحاديثهما، ولا يجدان من يخبرانه بمشاعرهما، وقصصهما، واحتياجاتهما.

وفي الوقت ذاته تجد أن أولئك المقصرين في البر الحقيقي منشغلون ببعض الفعاليات والحفلات المؤقتة لهما، وبالتغريد عن فضلهما، ومسيس الحاجة إليهما، وبوضع خلفيات الجوال وحالاتهم في برامج التواصل مذيلة بالدعوات لهما، أو بأنهما في القلب، مع تقصيرهم الكبير في البر الفعلي؛ وهو ما يمكنني أن أصفه بـ(البر الأعمى).

إن البرّ بالوالدين – يا سادة – ليس فعالية مؤقتة، ولا حفلة مكلّفة، ولا حملة إعلامية، ولا تظاهراً أمام الناس بالبر، ولكن البر الحقيقي الذي يمكن التعويل عليه هو تحقيق رضاهما فعلياً، وأن تكون مصدر سعادة وبهجة وفرح لهما، وألا تجدهما غاضبين بشكل متكرر من صنيعك أو قولك أو تفريطك وانشغالك.

كما أن من البر بهما أن تسأل عنهما، وتلبي احتياجاتهما، وتبتسم في وجهيهما، وألا تتركهما يقومان بأعمال البيت بمفردهما، وألا تشغلهما بتفاصيل همومك ومشكلاتك ما لم يكن ذلك بهدف أخذ رأيهما أو إشعارهما بأهميتهما، وألا تجعلهما يكتمان عنك طلباً أو يترددان معك في أمر خشية من ثورة غضبك عليهما.

وما أحوجك إلى أن تراجع كل فعل أو قول تقوم به تجاههما، أو تتركه لأجلهما، وتنظر فيه إلى موقعه من (اللين واللطف)، و(الاحترام والتقدير)، و(الطاعة) لتقيّم برّك بهما، وهل هو من البر الحقيقي أم من البرّ الأعمى.

جعلنا الله وإياكم من أبر الناس بوالدينا، دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

يوليو 01, 2019

في عالم الإنترنت : ثمّة خطّابات ونصّابات!

 تحفل مواقع الإنترنت وشبكات التواصل بالمعرفات الموسومة بأنها "خطّابة"، فتجد هذا الاسم منتشراً في تويتر، وانستغرام، وتيلجرام، ومنتديات الإنترنت، وصفحات الفيسبوك، بل حتى في شبكة LinkedIn للتوظيف!
كما يتبادل الناس فيما بينهم أرقاماً لخطابات مختلفات، ويروون تجاربهم في ذلك بارتياح حيناً، وبارتياب وذم أحياناً كثيرة أخرى.
وبينما تقوم بعض الخطابات بالتوفيق لكل راغبي الزواج، تقوم خطابات أخريات بالعمل التخصصي! فثمة خطابات للمسيار، وللزواج المعلن، وخطابات للتعدد، وخطابات لجنسية أو مدينة محددة، وخطابات عابرات للدول والقارات!، وتضع الخطابة غالباً رقم جوالها من أجل التواصل المباشر معها للحصول على المزيد من المعلومات وترتيبات التحويل البنكي، وأي تفاصيل يجب ألا تقال على الملأ!

اشتراطات ــــــــــــــــــــــــــــ

كما تشترط كثير من الخطابات أن يتم إيداع مبلغ مالي تحت مسمى "عربون" لإثبات الجدية – كما يقلن- ويجعلن المبلغ الكامل والمكافأة على جهدها بعد الانتهاء من التحليل الطبي، أو بعد إتمام عقد الزواج، حيث تشترط أكثرهن أن يكون الدفع من الرجل والمرأة على حد سواء، وتتراوح المبالغ المأخوذة ما بين 500 ريال و5000 ريال غالباً، وقد يزداد المبلغ حين يكون لدى الخاطبة عرضاً مميزا أو كما يسمى : "لقطة" رجلاً كان أو امرأة .

ممارسات ــــــــــــــــــــــــــــ

كما تقوم الخطّابات في الكثير من الأحيان بتزيين وتزويق المخطوبة - كما يقول المتعاملون معهن- فيجعلونها درة زمانها التي لم تكتشف، وحسناء بلادها التي لم تعرف، وينسجن لها من الصفات والمزايا والخصائص ما يجعل الخاطب يشعر أنه أمام صيد ثمين ومكسب كبير، وأنها ربما تكون فرصة العمر للظفر بهذه الفتاة الكاملة!، ويفعلن ذلك تجاه الرجل الخاطب فيقمن بتزيينه للفتيات جمالاً ولوناً وشعراً ومالاً وأخلاقاً وغير ذلك.
ولا تتورع الخاطبة عن أخذ المبالغ المالية على جهد أيسر من اليسير، حيث أن كثيراً من تلك الخطّابات لا تقوم بجهد يذكر، والمتميزة منهن من تضع جدولاً إلكترونيا مبسطا تكتب فيه المعلومات والصفات والمتطلبات، ثم تربط الخاطب بالمخطوبة أو بوليها، وتترك الأمر بينهم، دون جهد حقيقي في الاستيثاق، فإن توافقوا فيما بينهم طالبتهم بإيداع مخصصها المالي في حسابها دون تأخير، بل تجدهن يطالبن بتكرار الطلبات مما يوحي بأنهن لا يقمن بالتسجيل بل يعتمدن على الذاكرة فقط.
ولا تخلو حسابات الخطابات من صور رسائل المستفيدين ( سواء كانت حقيقية أم ملفقة) والتي تشيد بمصداقية الخاطبة وحسن بلائها، وتتحدث عن السعادة التي غرق فيها الرجل مع الزوجة الرائعة التي جاءت له بها (الخطابة أم فلان).

وسائل التوفيق ــــــــــــــــــــــــــــ

ولست هنا بصدد التنفير من الخطابات، ولا تشويه صورتهن، لأنني كنت - ولا زلت - أرى أن تعدّدّ وسائل التوفيق بين راغبي الزواج، وتيسيرها، وتكثيرها أمر في غاية الأهمية، لإن جزءاً غير قليل من العنوسة اليوم ناشئ عن فقدان التواصل المجتمعي بين الناس، والتحول من العلاقات المجتمعية المتداخلة – سابقاً - إلى العوائل الصغيرة جداً اليوم، وأن الحاجة ماسة إلى تعويض ما نراه اليوم من فقدان للتواصل السابق بين العائلات المختلفة واستبداله بالتواصل الإلكتروني، مما أثر سلباً على طبيعة ونوع وحجم العلاقات المجتمعية، ومن هنا فدور "الخطّابات" في الأصل دور مهم، حتى وإن لم تكن الممارسة العملية بالشكل المطلوب.

ليست خطابة ــــــــــــــــــــــــــــ

ومع أهمية وجود (الخطابات) فإنني في الوقت نفسه لست مع ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل أحد ليعمل تحت تسم (خطابة)، فالمتصيدون بهذا الاسم كثير، هذا فضلاً عن أن معرف الخطابة ليس بالضرورة أن يعود لامرأة تقوم بهذه الخدمة، فأحياناً يكون الحساب خاصاً بفتاة تبحث عن زوج، ويكون أحياناً لرجل يبحث عن زوجة أو عن صديقة! فهناك من يجعل هذه المعرّفات وسيلة يسيرة لاصطياد الفرائس والإيقاع بهن، وتكون وسيلة للابتزاز حين تطالب الخطابة الفتاة بإرسال صورتها للتأكد من مدى مطابقة مواصفاتها لطلب ذلك الخاطب المميز الثري الرائع الخلوق، وتحت ضغط هذه الأوصاف النادرة ربما تبادر الفتاة وترسل صورتها، ثم يبدأ مشروع الابتزاز، فضلا ً عن أن جملة من هذه المعرفات أصبحت وسيلة لأخذ الأموال بغير حق باستغلال حاجة الرجال والنساء للزواج.

دور الوزارة ــــــــــــــــــــــــــــ

ولأن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية مشكورة قد تمكنت من خلال الكثير من مبادراتها أن تضبط وتوثّق العديد من الإجراءات، لكونها الجهة المنظّمة لهذا القطاع (الاجتماعي)، فإنني أقترح عليها مشروعاً جديداً باسم  "توثيق الموفّقين" او "توثيق الخطابات" والذي يقوم على تسجيل بيانات كل من يرغب العمل في مجال التوفيق بين راغبي الزواج، ويكون ذلك وفق شروط ومحددات ضابطة، ومن خلال بيانات مكتملة، وحساب بنكي محدد، وتسجيل في بوابة تابعة للمشروع، بحيث يمكن للراغبين في التعامل معهن أن يتأكد من وجود هذا المعرف برقمه التسلسلي ضمن من تم توثيقهم لدى الوزارة.

وسوف يكفل هذا المشروع تقليصاً كبراً لأعداد المتلاعبين بمشاعر الراغبين في الزواج، وسيخفت بريق المخادعين، ويبقى المجال للأصدق، إذ أن الناس سيزهدون في كل من يعمل وهو غير موثّق رسمياً.

منصّة تقنية ــــــــــــــــــــــــــــ

ويمكن للوزارة أن تطلق بوابة إلكترونية تتيح للمستفيدين من هؤلاء "الموفّقين" تقييم مستوى الخدمة المقدمة، ووضع درجات تعبر عن مستوى كل موفّق، وتحديد مدى مصداقيته وحسن تعامله مع المستفيدين، مع الحرص على تطوير أداء هؤلاء الموفّقين، ومساندتهم، ووضع الضوابط لهم، ومراقبة أدائهم، وإعانتهم بالنماذج والبرامج المعينة، بما يحقق للوزارة مساهمة فاعلة في إتمام التوفيق، والتخفيف من العنوسة، من خلال عملية متكاملة موثوقة، ومتابعة مستمرة.
وأحسب أن الوزارة قادرة على ذلك، ولها تجارب متعددة في توثيق المواقع والمعرفات الإلكترونية للأسر المنتجة والأفراد الذين يتولون متاجر خاصة من خلال الإنترنت، فقدرتهم على نقل التجربة للخطابين والخطابات أمر مؤكد.

ليست مجاناً ــــــــــــــــــــــــــــ

بل يمكن للوزارة فرض رسم يسير للاشتراك في هذه الخدمة يقوم بدفعه الموفّق لضمان جديته، ولضمان استدامة المشروع حتى لو قررت الوزارة التخلي عن دعمه لاحقاً.
أرجو أن يجد هذا الاقتراح أذناً صاغية في وزارتنا الموقّرة، وأن نسعد قريباً بإطلاق بوابة (توثيق الموفقين)، وإنّا وإياكم  لمنتظرون.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

يونيو 20, 2019

هواوي على شفير الهاوية

أعلنت شركة جوجل عن وقف توفير نظام أندرويد لتشغيل الهواتف الذكية على أجهزة هواوي الصينية، والذي يعني - في الأصل- انهياراً تاماً للشركة المستهدفة، لأن أجهزتها المحمولة تعتمد كلياً على نظام أندرويد "المفتوح المصدر".
 غير أن شركة هواوي أثبتت – وفقاً لما هو معلن – عن وجود سلاح ردع قوي لدى الشركة، حيث كانت تعمل جادة لإيجاد نظام تشغيل خاص بهواتفها، وكانت تحضّر -منذ سنوات- لاحتمال فقدانها القدرة على الوصول للبرمجيات والخدمات  التي تقدمها الشركات الأمريكية الكبرى، مثل جوجل ومايكروسوفت.

وعملت هواوي على تطوير نظامها التشغيلي الخاص والذي من المتوقع أن يدعم جميع الهواتف الذكية و الأجهزة اللوحية، بالإضافة إلى الأجهزة الأخرى كالتلفاز و الساعات الذكية و الحواسيب، وقد أشار مؤسس شركة هواوي إلى أن الشركة توقعت حصول معظم هذه السيناريوهات واستعدت لمثل هذه التحديات، غير أن الجديد في الأمر هو (التسارع الكبير) في وتيرة الأحداث ومستجداتها على أكثر من صعيد.
إنني لا أقرأ الخبر بصيغته التقنية على الإطلاق لكنني أراه خبراً غير عادي في الجانب السيادي للمجتمعات والدول!، واعتبره مؤشراً واضحاً وخطيراً على قدرة الشركات العابرة للقارات - من تلقاء ذاتها، أو بالضغط الحكومي عليها- أن تقطع شرياناً رئيسياً عن بلد ما أو شركة محددة أياً كان حجمها ودورها!
إذ بينما تتمتع المجتمعات المختلفة بالتقنيات الحديثة "المستوردة"، والبرمجيات المتقدمة "العالمية" التي تصل إليه بثمن معقول، يكون هناك تواجد ضعيف، لبعض المنتجات المحلية والإقليمية الأقل مزايا وموثوقية، وفي الوقت ذاته تخوض الشركات العالمية حرباً شرسة لإنهاء المنافس، وضرب الأسواق، مما يضطر الكثير من شركات التصنيع والبرمجة المحلية، إلى التخلي عن المنافسة في هذا السوق الذي لا يرحم، وهو ما يدفع الطاقات المميزة في تلك المجالات التقنية إلى التفكير بكل جدية في الانضمام لتلك الشركات العالمية، والتحول من السعي للمنافسة إلى التحوّل إلى ترس صغير في ماكينة ضخمة، وتصبح كل تلك الطاقات الإبداعية المحلية "داعمة ومفكرة ومبتكرة وعاملة" جزءاً منها، وتعمل في بيئة تحفّز على الإبداع، وتكافئ عليه، وتعطي مرتبات عالية مضمونة بدلاً من العمل المحلي غير المنافس.
وتكون النتيجة الطبيعية لمثل تلك الممارسات - في ظل قلة الوعي الكافي لدى المجتمعات- أن يكون زمام الأمر بيد "الغريب"، وتكون المجتمعات مرهونة في كافة نواحي حياتها إلى القرار "الخارجي"، وهو ما يعني أن بأيدي تلك الدول "الكبرى" جميع خيوط اللعبة، وأن قراراً واحداً - حكيماً أو سقيماً - يمكنه أن يشل حركة المجتمع في أحد جوانبه!
ولكي نتصور حجم المشكلة ولو بشكل يسير، لنتخيّل أن شركة مايكروسوفت -مثلاً - قررت أن توقف عمل نظام تشغيل ويندوز أو برامج الأوفيس في أحد البلدان، وأنه منذ أن يتم اتصال الجهاز بالإنترنت فإن الشركة تصل لتلك التطبيقات وتوقفها عن العمل، فكيف ستسير الأمور في تلك الدولة المستهدفة؟
ولنتخيّل - كذلك- أن شركة واتساب أو تويتر أو يوتيوب أو فيسبوك قررت -فجأة- حجب برامجها مواقعها عن إحدى الدول! وكيف سيتسبب ذلك في انقطاع التواصل بشكل كبير، ويؤثر على الكثير من مجريات الحياة، ويحدث شللاً كبيراً داخل المجتمع، وتعطيلاً للكثير من الأعمال، وهدراً للأموال والأوقات والجهود.
ولهذا فأنا أنظر بعين الريبة وعدم الارتياح لعمليات الاستحواذ التي تمت قريباً، كاستحواذ أمازون على سوق دوت كوم، واستحواذ أوبر على كريم، لأنني أراها افتراساً لمشروعات محلية بدأت في أخذ حصة سوقية ممتازة، وأخذت تنافس تلك الشركات العالمية محلياً..
ولعل أحد القراء الكرام - وقد قطّب جبينه - يتساءل بحنق: وما المطلوب منّا؟ هل نترك هذه التطبيقات المميزة، والأجهزة الرائعة، لنبقى في إطار التجارب المحلية الضعيفة تحّوطاً من تلك المخاطر التي قد تقع وقد لا تقع؟
وإنني إذ أتفهم هذا السؤال - جداً- وأدرك بواعثه، فإنني أود الإشارة إلى أنني لست أطالب على الإطلاق بترك الأجود، واللجوء إلى البرمجيات المحلية الصنع ولا الأجهزة كذلك لعموم المستخدمين، لكنني أؤكد على أهمية بقاء المنافسة، وإعطاء المنتج المحلي فرصة للنمو والترعرع -ولو على نطاق محدود- بهدف استخدامه إن نجح، واللجوء إليه عند الحاجة وليس باعتباره - اليوم - قادراً على تلك المنافسة بالضرورة، مع أنني أثق أن لدينا من القدرات الشابة من يمكنهم صنع المستحيل، ولنا في تجربة "سابك"، و"علم" وأمثالهما والنجاحات الضخمة المتحققة منهما بالكوادر الوطنية ما يؤكد ذلك.
وحتى لو كانت المنتجات المحلية أقل وأضعف، فيجب ألا نطلق عليها رصاصة الموت، بل نبقيها لتكون مثل المولّد الاحتياطي الذي يستخدم عند الطوارئ، ومثل إيجاد البدائل للإضاءة الكهربائية، من أجل الاستفادة منها في حال وقع انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي، فلو طال ذلك الانقطاع أياماً، فإن البدائل جاهزة، مدعومة، مجرّبة، مطوّرة، فإن عادت الكهرباء سريعاً لم يضرنا وجود البديل، وإن تأخرت عودتها وطال الانقطاع، لم تتوقف الحياة أو تتعطّل بسببها.
إننا -والحديث هنا للجميع - مطالبون بإتاحة الفرصة لنمو المنتجات المحلية، والسعي لتشجيعها، وتعزيز مبادراتها، وتحمّل إخفاقاتها، ومطالبون في الوقت ذاته بعدم الارتهان لأي جهة (دولة أو شركة أو نظاماً)، وأن ندرك أن المنتج المحلي (الأقل تقدماً) سيكون أحد أسلحة الردع التي نستخدمها في مواجهة الابتزاز الذي يمكن أن نتعرض له يوماً ما، وسيجعل "الآخر" يفكّر كثيراً قبل أن يتجرأ على أي خطوة تصعيدية في هذا المجال.
خصوصاً أن لدينا - اليوم - من الموارد المالية، والطاقات البشرية المميزة، والوعي، ما يجعلنا قادرين اليوم على التوسّع في صنع البدائل، والسعي - دون ضغط الحالات الطارئة - للبناء المتأني والمتقن في مجال التقنية، والأجهزة، والتصنيع.
كما أن رؤيتنا الوطنية تتضمن (أن نصنّع نصف احتياجاتنا العسكرية على الأقل محلياً)، و(أن نكمل بناء بلادنا لتكون مزدهرةً قويةً تقوم على سواعد أبنائها وبناتها وتستفيد من مقدراتها، دون أن نرتهن إلى قيمة سلعة أو حراك أسواق خارجية).
فما نحن فاعلون؟
دمتم بخير.

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل هــنــا

يونيو 03, 2019

فُرِجَت وكنت أظنها "قد" تُفرَجُ

في الرابع والعشرين من شهر رمضان 1440هـ، دشّنت وزارة الداخلية مبادرة (فرجت) وهي منصة رقمية رسمية موحدة من أجل مساندة المحكومين بالسجن بسبب عجزهم عن سداد ما عليهم من حقوق مالية، حيث تسهّل المنصة عملية الإفراج هن هؤلاء من خلال تواصل مباشر ودقيق بين الجهات ذات العلاقة، (المتبرع، المصرف، إدارة السجون، المحتاج).
وجاءت خدمة (فُرجت) باعتبارها خدمة جديدة تضاف لسلسلة الخدمات الإلكترونية الرائعة لوزارة الداخلية في منصة (أبشر) التي أحسنت في توظيف التقنية بشكل فعّال، ولا يسع المرء إلا أن يشكر ويبارك هذه الخطوة الرائدة والمميزة.

ومن المهم عند الحديث عن (الإفراج عن السجناء)، الإشارة إلى أن هذه لم تكن أول مبادرة في هذا السياق الخيري في بلدنا المباركة، حيث سبق أن أصدر مجلس الوزراء في المملكة قراراً عام 1422هـ بإنشاء لجنة وطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم (تراحم)، ينبثق عنها لجان فرعية لرعاية السجناء بالمناطق، ثم قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بإعطاء تصاريح لتلك اللجان في مناطق المملكة المختلفة.

وقامت تلك اللجان - طوال السنوات الماضية - ولا زالت تقوم بأدوار كبيرة في مجال العناية بالسجناء وأسرهم، ويشمل ذلك رعاية أسرة السجين، وسداد إيجارات منازل تلك الأسر، والسعي للإفراج عن المسجونين بسبب المطالبات المالية.

وفي عملية تكشيف سريعة حول موضوع "الإفراج عن السجناء" وجدت جملة الأخبار التي هي غيض من فيض، وهي تؤكد على أن هذا المجتمع (أفراداً وجمعيات ومسئولين) يسعون في هذا العمل الخيري دون انتظار الشكروالثناء من أحد.

ففي عام 2006 أفرجت المديرية العامة للسجون ليلة عيد الأضحى عن ثمانية وأربعين سجيناً من سجناء الحق الخاص بتبرع من مؤسسة الجميح الخيرية، وفي 2010 ساهمت مؤسسة السبيعي الخيرية بإطلاق سراح 30 سجينا، وفي 2014 كانت تبرعات فاعلي الخير قد أطلقت سراح ٢٨٠ سجيناً ، وفي 2016 قامت أوقاف صالح الراجحي بمنح 10 ملايين ريال لـبرامج (تراحم)، ومنها : برنامج تسديد مديونيات السجناء، وفي العام ذاته انطلقت حملة لتفريج كربة 100 سجين بحائل، بالشراكة مع (تراحم حائل) وعشرات المشاهير، وفي العام التالي انطلقت حملة (تراحم الطائف) لإطلاق سراح 70 سجينا ب 6 ملايين، وفي عام 2018 أفرجت (تراحم حائل) عن 54 سجيناً بما يزيد عن 4 مليون ريال، وساهمت حملة (تراحم الرياض) في النصف الأول من العام ذاته في الإفراج عن 129 نزيلاً كما أطلقت (تراحم الباحة) في العام نفسه سراح 23 من السجناء بمبلغ يزيد عن 4 ملايين ريال، وهذه ليست (كل) الأخبار بطبيعة الحال، وإنما هي ( جزء يسير) منها.

ولم يكن الإفراج عن السجناء مقتصراً على لجان (تراحم)، بل إن الجهات الخيرية المختلفة ورجال الأعمال وأمراء المناطق، وعدد من الإعلاميين، يبذلون في المجال ذاته، فضلاً عن الأوامر الملكية الكريمة التي تصدر دورياً بالسداد عن المعسرين وفق ضوابط مهمة ودقيقة، ويدرك الإخوة الفضلاء في (المديرية العامة للسجون) حجم تلك المشروعات وآثارها الحميدة، فالعمل على الإفراج عن السجناء ليس عملاً جديداً وإن ظنّ البعض أنه كذلك.
كما أن عدداً من مشاهير شبكات التواصل أطلقوا قبل ذلك مبادرة للإفراج عن السجناء في الحقوق المالية في القصيم، ثم كررت المبادرة في 47 مدينة ومحافظة، وتم الإفراج من خلالها عن 1414 سجين، بمبلغ يتجاوز 62 مليون ريال.

قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم

وفي ختام حديثي عن هذه المبادرة المميزة (فرجت) فإنني أود الإشارة إلى أن العجب لا ينقضي من فئام محدودة من راغبي الظهور الإعلامي، الذين بدلاً من قيامهم بالتركيز على مباركة هذه الخطوة، والدعوة لمواصلة توظيف التقنية بشكل فعال، وجّهوا أقلامهم وسهامهم، وأصابع اتهامهم ولومهم وتشكيكاتهم لقطاع عريض من الجهات الخيرية التي اعتبروها مقصّرة في أداء هذه المهمة، معتبرين أن مجال الإفراج عن السجناء مجال مهم و لم يعمل فيه أحد!.

وما علم أولئك أن الجهات الخيرية كانت ولازالت تقوم بعمل عظيم في هذا الشأن – تحديداً وفي الأخبار المذكورة في صدر مقالي هذا ما يثبت ذلك، كما أن عملية الربط الإلكتروني بين بيانات الموقوفين في القضايا المالية والبنوك هي من الخدمات التي لا تملك الجمعيات الخيرية أن تقوم بها لطبيعة البيانات وخصوصيتها.

إن النقد الرصين المبني على الحقائق والمعلومات أمر إيجابي مطلوب، وهو يستحق الترحيب والتقدير، حتى إن كان حديثاً عن الأخطاء والسلبيات الموجودة فقط، ذلك أنه أداة مهمة للتطوير والتحسين المستمر والرقي بالعمل الخيري، لكن ذلك مشروط بأن يكون عن علم ودراية وخبرة، أما إذا كان الحديث مبنياً على الظنون والتخرصات والأوهام، ومرتكزاً على قلة الوعي بالشيء الذي يتم انتقاده، فإنه والحالة هذه يكون من إلقاء الكلام على عواهنه، ويكون هدفه التشكيك في جهود الآخرين والتقليل منها.

إن العمل الخيري في المملكة عمل عريق، وعميق، ومتنوع، وله أثر كبير على المجتمع، وجدير بنا الإشادة بكل مبادرة جديدة، والثناء عليها، وهذا لا يقتضي بالضرورة لعن الوضع السابق، أو تناسي المجهودات الأخرى أو تهميشها، كما أن من المهم أن يتم – وبشكل مستمر - توظيف التقنية الحديثة بشكل فعال لخدمة المستفيدين وتحقيق الأثر، والحرص على التنسيق والتكامل بين الجهات المختلفة لتحقيق أعلى مستويات الخدمة وأدقها ( الجهات الحكومية - القطاع الخيري - القطاع الخاص).

ولندرك أن واجبنا - جميعاً - أن نكون مدافعين عن كل عمل خيري مبارك، ومقوّمين لأي اعوجاج نراه بوعي وعلم ويقين، كما أننا يجب أن ندفع عن أعراض الباذلين أموالهم وجهودهم وأوقاتهم في خدمة الناس، وعدم فتح المجال لكل أحد للنيل من الجهات الخيرية أو الحكومية أو غيرها، بدون دليل، ومحاسبة المتجاوزين في ذلك، فالكلمة أمانة يجب رعايتها، والقلم والإعلام أداة للبناء فلا يصلح أن تستخدم للهدم.
دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري.
@bin_oshan

يونيو 02, 2019

النور يخرج من «غيابة الجب»

 وسط مشاعر الانكسار والإحباط واليأس للفرد، سواء كان ذلك في شأنه الاجتماعي والعائلي، أو كان في شأنه المالي، أو في وضعه الصحي، أو في طموحاته وأحلامه، أو في غير ذلك ، يأتي النور -من الله- ليبدد تلك المشاعر السلبية الموحشة، فيبدّل اليأس أملا، والإحباط تفاؤلاً، والانكسار قياماً ونهوضاً.
يأتي هذا النور هادئاً، ومن غير ميعاد، يأتي للمرء من حيث لم يحتسب، يأتي في أشد لحظات الأسى إرهاقاً، وفي أكثر أوقات الإحباط إيلاماً..، ولا يحتاج ذلك النور حين يأمر الله بمجيئه إلى أحداث كونية كبرى، ولا جهود عظيمة، بل يكون بما لم يتوقعه المرء، ولم يحسب له حساباً، وكما قال الشاعر:
ما مـرّ بي قـلـقٌ إلا و أنـقـذني * ”بـيـتٌ“ يحـوّلُ أحزاني لأفراحِ
سيفتحُ الله باباً كنت تحسبهُ * من شدة اليأس لم يخلق بمفتاحِ



وقد جرت العادة الكونية أن لا يبزغ الفجر إلا بعد أن يكون الليل في أشد حالاته حلكة وسواداً، فيكون النور هنا أجمل ما يكون، ولعلنا نتجول سوياً في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، لنجد النماذج المتتالية التي تؤكد هذا المعنى وتجلّيه، والذي خلاصته أن الفرج يأتي بعد الشدّة، وأن اليسر يأتي بعد العسر، غير أن المرء يستعجل دوماً الفرج قبل أوانه، كما قال الله تعالى ( وكان الإنسان عجولاً)، وكما قال صلى الله عليه وسلم : (ولكنكم قومٌ تَستَعْجِلونَ).

فأين النماذج التي في سورة يوسف؟

إنها كثيرة، وتتابعها عجيب، فقبل أن يصل يوسف لقصر العزيز، فيعيش فيه مكرماً مدللاً؛ كان معرضاً للموت بالقتل، الذي عدل عنه إخوته، وقرروا إلقاءه في غيابة الجب، في ذلك البئر الموحش وحده، دون طعام ولا شراب ولا أنيس رغم أنه كان الفتى الصغير المدلل عند والده.

وقبل أن يعيش يوسف في العزّ والثراء والغنى، ويرى الأموال في ذلك القصر المنيف، كان قد بيع بثمن قليل، بدراهم معدودة من قلّتها وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ.

وقبل أن تعلن براءة يوسف من الاتهامات في شرفه وطهارته وعفته، بتدخل شاهد من أهل امرأة العزيز لصالحه؛ كان يوسف متهماً بإرادة السوء بامرأة العزيز، متوعداً بالسجن والتعذيب جراء تلك التهمة المكذوبة،) قالت مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(.

وقبل أن يكون في ذلك الموضع الذي تحته خزائن الأرض يتصرف فيها كيف يشاء، وقبل أن يتم الاعتراف بفضله وخبراته وقدراته التي تخوله ذلك المنصب الرفيع؛ كان يوسف في غيابة السجن بِضْعَ سِنِينَ، دون تهمة توجب ذلك.

وقبل أن يبصر يعقوب ابنه المفقود يوسف، ويكحلهما برؤيته مع أخيه، ويعود إليه بصره حين ألقي عليه قميص يوسف؛ كانت حاله كما رواها القرآن ( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ( فكان كفيفاً لا يبصر شيئاً.

وقبل أن يذهب يعقوب عليه السلام وزوجته وأولاده إلى مصر لأجل اللقيا بالأبناء المفقودين ويجمع الله شملهم هناك؛ كان قلبه يتفطر كل يوم على الفقد المتتالي لأحب أولاده إليه “يوسف” ثم “أخيه” وكان مما يزيده ألما أن ذلك الفقد المتعمد كان بسبب مكر بقية الأبناء وكيدهم وتقصيرهم.

وقبل أن يسمع يعقوب من بنيه توبتهم، وإنابتهم، وطلبهم الصفح والمغفرة، واعترافهم بأنهم كانوا خاطئين؛ كانوا يرددون على مسامعه اليأس من عودة يوسف بكرة وعشيا قائلين له، معتبرين توقع عودة يوسف هو بسبب الهرم وكبر السن والرد إلى أرذل العمر.

وقبل أن ينعم الله على أهل مصر بالغيث فيأتيهم، كانوا يعانون من السنوات السبع الشداد العجاف، سنوات القحط والجفاف.

وفي كل هذه المواضع من سورة يوسف وقصته، كان الفرج يأتي بعد اشتداد الكرب، وعظم المصيبة، وهي سنة لله تعالى في عباده منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا.

وثمة تأمل آخر في هذا المصاعب التي ذكرتها السورة، وهو أن أولئك المبتلين لم يقفوا يوماً عن مساعيهم في رفع البلاء، فهذا يعقوب يوصي بنيه بالبحث عن يوسف المفقود، (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

وهذا يوسف حين ابتلي بعشق امرأة العزيز له، ومراودتها له عن نفسه؛ طفق يهرب من مكان الفتنة، ويحاول السعي بكل جهده للخروج، فَاسْتَبَقَا الْبَابَ، يريد الفرار وتريد الإمساك به.

وحين قرر العزيز سجن يوسف رغم وضوح دلائل براءته، سعى يوسف للخلاص من هذا السجن، فأوصى أحد السجينين اللذين عبّر لهما رؤياهما بمراجعة الملك، وقاله له اذكرني عند ربك، لعله أن يتذكر قضيته، ويفرج عنه بعد هذا المدة الطويلة.

وحين أخرج الملك يوسف من السجن، وقرّبه إليه، بعد تأويله للرؤيا، بادر يوسف بطلب التولية على خَزَائِنِ الْأَرْضِ ليدير العملية الاقتصادية بكل اقتدار.

بقي أن أشير إلى التأمل الأخير مع آيات هذه القصة العظيمة، وهي أن واجب المكروب والمبتلى بالإضافة إلى العمل بكل ما يستطيع، وتوقّع الفرج، أن يلجأ إلى الله تعالى بكليته، يسأله ويتوسل إليه، ويحسن الظن به، كما قال يعقوب بعد فقدانه لأعز أبنائه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) وقال (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) وكان يقول لبنيه وهو يوصيهم بالبحث ( وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

وحين ابتلي يوسف بامرأة العزيز كان يقول (مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)؛ إنه الانطراح بين يدي الله، والتوسل إليه، وإعلان أن الحول والطول بيده سبحانه.

إن هذه المعاني العظيمة في “أحسن القصص” جديرة بالتأمل والتفكر والتدبر، لأن الله عز وجل لم يسق لنا هذه القصة باعتبارها حدثا تاريخيا مضى وتصرمت سنواته فانتهى؛ بل باعتبارها مدرسة عظيمة التأثير، ملهمة في المسير، مزيلة للتكدير، مريحة للضمير، معلقة الرجاء والأمل والتفاؤل بالسميع البصير.

خصوصاً حين نعلم أنّ السورة نزلت في فترة شدة وكرب على النبي ﷺ حين حاصرته قريش في الشعب، فكانت هذه القصة بكروبها والفرج فيها بعد الشدة تسلية له ﷺ وإخباراً له بأن من سبقه قد ابتلوا فصبروا فكان الله معهم وأزال عنهم البأس.

فيا أيها المكروب في أي شأن من شؤونك، تذكّر أن بعد الشدة والعسر يسرا، وأن دوام الحال من المحال، وأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له “كن” فيكون، وأن كل شيء عليه هيّن سهل يسير، فتوكل عليه، وأحسن الظن به، تلق الخير، وتوفق إليه.
دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل هــنــا

يونيو 01, 2019

سعود العوشن .. عطاء حتى الوفاة

الحديث عن سيرة الشيخ المفضال، والداعية المبارك سعود بن محمد العوشن حديث ذو شجون، فقد كان -رحمه الله- أنموذجاً مختلفاً عمن عاصرهم، كان أيقونة للجدية والاجتهاد والعمل الدؤوب، والتأثير الكبير، وكان قوي الشخصية، ثابت الجنان، صامداً في وجه رياح التغيير، ملتزماً بمبادئه الشرعية، وأعراف المجتمع الأصيلة، وكان ذا علاقات واسعة، معروفاً على نطاق واسع، ولم يكن – يوماً ما – هامشياً في أي موضع عمل فيه أو أتى إليه، بل كان دوماً من المبرزين ذوي الرأي السديد، والحزم، وكان قدوة في كل فترات حياته رحمه الله.


ولذا فالكتابة عنه يصدق فيها قول القائل :

هو البحر من أي النواحي أتيته * فلُجّته المعروف، والجود ساحله

ولست أدري من أين أبدأ حديثي عنه، فإنك لا تكاد تلتفت إلى جانب من جوانب حياته إلا وجدت كنزاً يستحق الإشادة، في بيته، وفي أسرته، ومع إخوانه، ومع والديه، وفي مسقط رأسه، ومع زملائه، ومع موظفيه، وفي الأعمال التي تقلدها، وفي المشروعات التي أطلقها، وفي المبادرات التي تبناها.. فلا غرو أن كان حديثي عنه مشتتاً، لكنني أردت به أن أشق الطريق، وأبدأ، على أن أقوم بعد ذلك بإعادة مراجعة وتقديم وتأخير، لتكون السيرة حينها أكثر نضجاً وترتيباً وإفادة.

ولعلك أيها القارئ الكريم أن تعذرني، وتعتبر ما تقرأ من سيرة عمي أشبه بحديث شخصي إليك، تتسابق فيه الكلمات والمواقف إلى لساني، فتأتي من غير ترتيب ولا تنسيق ولا تزويق.. فقد كان  -رحمه الله- نسيج وحد، وكان رحيله فاجعة على قلوب كل من يعرفه، كان شعلة عظيمة أراد الله لها أن تنطفئ، بعد أن أشعلت آلاف الشعلات هنا وهناك.

ومن المجالات الرئيسة الواضحة في سيرة العم  -رحمه الله- ما يتعلق بحرصه على العطاء والنمو المعرفي والثقافي، حيث كان من عادته -رحمه الله- أن يزور المكتبات الإسلامية والتسجيلات الإسلامية بشكل منتظم، ويأخذ منها جملة من الإصدارات، ثم يقرأ الكتيبات، ويستمع للأشرطة، حتى إذا أعجبه شيء منها وأخذ بمجامع قلبه، رأيته يعود لتلك المكتبة، فيأخذ منها نسخاً كثيرة من هذا الكتاب أو الشريط، ويبعث بها لكثيرين، ويجعل في مجلس جملة منها، يهديها لزواره، ويسوق لها، ويحثهم على الاستفادة منها، ولهذا فلا تخلو سيارته، ولا مجلسه، ولا مجالس الضيافة الكبير (الذي يقيم فيها المناسبات) من عشرات الكتيبات و الأشرطة والأقراص المدمجة الموضوعة المخصصة للإهداء.

وكان من عادته  -رحمه الله- أنه إذا وجد كتاباً مناسباً للأسرة برمّتها .. وضعه في ظرف، وربما أرفق معه خطاباً، وبعث به إلى كل أبنائه، وبناته المتزوجين، وأبناء وبنات إخوانه، طمعاً في استفادتهم من محتواه.

وكان إذا وجد أسئلة تثير التفكير في أحد هذه الكتب، أو نموذجاً فعالاً للأهداف الشخصية، كان يطبع ذلك النموذج، وتلك الأسئلة على ورق كبير بحجم (A0) ثم يعلّقها في مجلسه، ويجعلها مثاراً للنقاش مع الزوار، ولا يرى حرجاً في تعليقها، فلم يكن يعطي المظاهر أهمية كبرى بقدر ما يعطي المخابر.

وفي مجلسه الذي يستقبل فيه ضيوفه كل يوم قام العم  -رحمه الله- بتعليق خارطة للعالم الإسلامي، ليدفع بنيه وزواره إلى تصورّ حدود انتشار الإسلام، وأين يقع المسلمون، حتى إذا تداولت الأخبار حال بعض بلاد المسلمين، وجدته يشير إلى موضع تلك البلاد، ويطلب من أحد الموجودين لديه أن يبحث عن معلومات إضافية عن تلك البلاد، ويقرأها على الحاضرين.

وفي يوم الجمعة، كان رحمه الله يحرص على انتقاء  الخطيب في يوم الجمعة، فهو يعتبر خطبة الجمعة جرعة أسبوعية مهمة لابد من العناية بها، وقد صلّى زماناً طويلاً عند الشيخ سعد البريك حين كان خطيباً ذائع الصيت، ثم عند الشيخ عبدالله السلمي، ولا يذكر له خطيب متميز في طرحه إلا حرص على الصلاة معه والانتظام لديه مدة غير قليلة، وحين يرجع لبيته بعد الصلاة وفي جلوسه مع ضيوفه مغرب الجمعة، كان موضوع الخطبة وفوائدها هي حديثه، ويجعلها مثار النقاش مع من يجالس، ولم يكن على الإطلاق يبحث عن الجامع القريب أو الجامع الذي يخرج مبكراً.

وكان  -رحمه الله- يقوم بين فترة وأخرى بإعداد كتيبات صغيرة، يكتبها بخطه في بداية الأمر، ثم أصبح يعطيها لمن يعيد كتابتها بالحاسب، ثم يطبع منها نسخاً عديدة، ويوزعها على من تناسبه، فحيناً تكون عن (وصايا للفتيات في الحياة الزوجية) وحيناً عن (التربية)، وكتب عن سير عدد من رجالات و كبار العائلة الذين تخطفهم الموت ولم يعرف عنهم شباب العائلة الكثير.

كما اعتاد  -رحمه الله- على كتابة خطابات متعددة، حين يتأثر بطرح موجّه للشباب مثلاً، فيوجّه رسالته لكل واحد من شباب العائلة يدعوه فيها لحمل هم الأمة، واستشعار دوره في خدمة مجتمعه، وضرورة وجود الأهداف الكبرى في حياته.

وكان يحثّنا ويؤكد علينا بأهمية الاستفادة من اللقاء العائلي في إضافة جوانب معرفية، وعلمية، وتربوية إلى اللقاء، ويتضايق كثيراً حين يكون الوقت كله مخصص للأحاديث الهامشية، ومن عادته – رحمه الله- أن يشيد بكل جهد معرفي يتم، ويفرح به، ويتهلل وجهه لذلك، كما كانت وجهة نظره تتجه نحو أهمية تعليم الصغار الخطابة، وتعويدهم على الإلقاء، لذا سعى لإقامة المسابقات بين أفراد العائلة في ذلك، وأجزل فيها الأعطيات.

ووالله إن المواقف لتنحدر علي انحداراً حين أكتب، لكنني أحبسها بغية الإيجاز وعدم الإملال.. فهي ليست موقفاً فريداً بل هي سلسلة من المواقف التي تنبع من قناعات أصيلة لدى العمّ رحمه الله، فتراه لا يملّ ولا يكلّ من طرحها، مهما وجد من عدم المبالاة أحياناً أو العزوف والمعارضة لها في أحيان أخرى، فهو يترقب ويسبر ويتفرس من بين الجيل من يحمل الراية من بعده، وتؤثر فيه الرسالة، وكان العم رحمه الله تعالى يدرك أن كثرة الطرق تفكّ الحديد، وأن الاستمرارية طريق موثوق نحو تحقيق الهدف.

رحم الله العم سعود رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأصلح له في عقبه، وجمعنا وإياه وكل قارئ في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأعاننا على أن نقتدي بشيء من سيرته العطرة رحمه الله.

وللحديث صلة بإذن الله.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

  @bin_oshan


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنــا