مارس 14, 2019

رثاء هيلة العوشن

 أبيات في رثاء الفقيدة ، الخالة : هيلة بنت إبراهيم العوشن رحمها الله رحمة واسعة، والمتوفاة في 1 - 7- 1440هـ
بمدينة الرياض، وهيلة جارتنا منذ خمسين عاماً، لم نرى منها ولم نسمع إلا كل قول طيب جميل، وبذل، وتعاطف، واهتمام، ودعوات طيبات..رحلت بعد معاناة مع المرض، وفاضت روحها بعد عصر الجمعة الأول من شهر رجب .

مضت هيلة نحو الإله وكلّها * 
خشوعٌ وإخباتٌ وقولٌ مطيّبُ

مضت في هدوءٍ بل سكونٍ وهدأةٍ * 
مضت وهي تدعو الله، واللهَ تَطلُبُ

وتحمد ربي في المسرة دائماً * 
وتحمده في الكرب، والحمدُ يُكتب

لقد جَاوَرتنا منذُ خمسينَ حجة * 
فما طالنا منها أذىً يُتجنّبُ

ولكنها أهلٌ لكلِّ فضيلةٍ * 
ومِن كفّها تلكَ العطايا تَصَبّبُ

حديثُكِ يا أمّاه، وردٌ وأزهرٌ * 
ولفظُكِ ريانُ الشعورِ مُحَبـّبُ

وعطفُكِ بالجيرانِ والأهلِ ظاهرٌ* 
ولُطفُكِ لُطفٌ واضحٌ ومسببُ

لأنك ربُيّتي على خير هيئةٍ * 
فأكرم ببنتِ العمِ أصلٌ ومنسبُ

لإن غربت شمسٌ لأم محمّدٍ * 
فإن لها في القلب ماليس يغربُ

لها دعوات في السجود تخصّها * 
لها ذكرها الفواّح بالفضل يطربُ





مارس 12, 2019

التحدي العائلي



في دورية نصف سنوية لشباب العائلة في أحد الأسر بالرياض، اعتاد أولئك الشباب على الحضور في كل لقاء باعتباره واجباً أسرياً وصلة للرحم، ومجاملة اجتماعية، وكانت الأحاديث الجانبية سيدة الموقف، فهي النمط المعتاد في المناسبات السابقة كلها، ولأن العدد كان كبيراً فقد اعتاد كل واحد من هؤلاء الجلوس إلى من يعرفه جيداً، فيمضي ساعات اللقاء في الأحاديث البينية، وينتهي بالدخول إلى صالة الطعام حيث يتفرق الكثيرون بعد نهاية المناسبة.

وفي يوم مختلف، رغب أحد المشاركين المبادرين أن يصنع شيئاً مختلفاً وأن يوجد من الصلة بينهم ما يعيد للمناسبة روحها ووهجها، فأعلن عن مكافأة مالية مجزية لمن ينجح في التحدّي!، فحدّق الحضور به جميعاً، وسكتت أصوات الهمس التي كانت تعمّ المجلس، وأصغوا أسماعهم لحديثه..

فقال لهم : هذه المكافأة الضخمة ستكون من نصيب من يستطيع أن يخبرنا بالوظيفة التي يشغلها كل واحد من المشاركين في هذا اللقاء، فتلفّت القوم يمنة ويسرة، مؤملين أن يكون هناك من يبادر ويفتح الباب للسباق نحو تلك الجائزة.. غير أن الصمت عمّ المجلس، ولم تعد تسمع إلا همساً، فلم يتمكن أحد منهم من البدء لعلمه بأنه يجهل وظائف الأغلبية، ولأنهم يدركون أن هذه العلاقة هي علاقة سطحية فحسب، وحين فشل الجميع في هذا التحدي تحدّث المبادر عن حجم الصدمة في وجوه الحاضرين..

 ثم انطلق إلى مبادرة أخرى حيث طلب من كل واحد منهم أن يعرف بوظيفته والجهة التي يعمل فيها بإيجاز، وكانت التعريف بمثابة صدمة أخرى لعدد منهم، ففي الوقت الذي ظن فيه الكثيرون أن أغلب الحضور كانوا من "المعلمين" فقد استبان لهم أن المعلمين في المجموعة لا يجاوزون الثلث، وأن البقية في وظائف متفرقة ومتفاوتة وجديدة على مسامعهم.

وقد نتج عن هذا التعارف تعديلاً وتغييراً في مسميات بعضهم البعض في جوالاتهم، إذ تمت إضافة جهة العمل كعنصر رئيس في المعلومات الشخصية، بل لقد اشتكى بعضهم من معاملة متأخرة له في أحد الجهات، فإذا به يكتشف أن قريبه يعمل في تلك الجهة، فتواصلوا بشأنها، واتفقوا على المتابعة سوياً لإنجازها وفقاً للأنظمة المتبعة.

واكتشف آخرون أن هناك قطاعاً يجهلونه تماماً، فسألوا صاحبهم عن هذا القطاع وطبيعته، ومهامه، والصعوبات التي تواجهه، والفرص المتاحة فيه، وتعلموا الكثير عنه.

واكتشف بعضهم أن جملة منهم يعملون في قطاع واحد، متعدد الفروع، وبعضهم أكثر خبرة من بعض، فتواصلوا بهدف تطوير خبراتهم في مجال الاختصاص.

وعرف الحاضرون أن من بينهم من يمكنه تقديم دورة تدريبية للبقية لمسيس حاجتهم للموضوعات التي أخبرهم أنه يدرب عليها، وأشار بعضهم إلى خبرته في المشتريات من بضائع محددة يحتاج إليها عدد منهم، فطلبوا منه أن يعطيهم من خبرته وتخصصه.
ووجد الحاضرون الأقارب أنفسهم وهم يعيدون اكتشاف أقاربهم، ويقوون صلاتهم، ويخدمون أنفسهم وأقاربهم.

وأدركوا حينها أنهم موعودون بالكثير من الفائدة والدهشة في آن، وأن اللقاءات التالية ستكون مختلفة كلياً عن كل ما سبقها، وأن مبادرة واحدة من أحد الحاضرين – كهذه المبادرة- من شأنها أن تقلب هذه المناسبة التي كانت كأنها مجلس عزاء صامت، إلى حال آخر وكأنها حفلة عرس عامرة..

ما أحوجنا في هذا الزمان لتقوية الصلات الاجتماعية – بعيداً عن التعصّب والعنصرية- وتوثيقها، وإقامة المناسبات العائلية المختلفة التي تحقق صلة الرحم، والخدمات المتبادلة من خلالها، وما أحوجنا إلى ابتكار وتطبيق الكثير من المبادرات الذاتية لتقوية الصلة بين ذوي الأرحام، وترغيبهم في الحضور والتفاعل الإيجابي مع بعضهم البعض.
فما أنتم فاعلون؟
دمتم بخير.
محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan

مارس 11, 2019

التناغم | "المختلفون".. حين اتفقوا على العمل سوياً

تحدثت في مقالٍ سابقٍ عن أهمية اتفاق المختلفين على العمل في النقاط المشتركة المتفق عليها بينهم، وفقاً لمبدأ "التناغم"، باعتباره أسلوباً راقياً في العمل بين المختلفين، يحقق الأهداف المشتركة ويوحّد الجهود المختلفة، بهدف تحقيق المصلحة للمختلفين، دون الخوض في نقاط الاختلاف، ودون تضخيمها أو تجاهلها، أو الركون إليها.
فالتناغم هو بإيجاز شديد (العمل المشترك في القضايا المتفق عليها بين الأطراف المختلفة فيما بينها).

وقد ختمت مقالي السابق بالإشارة إلى أن "التناغم" أمر يقضي به العقل السليم، والتفكير السوي، وأن كثيراً من المجتمعات الناضجة اليوم، تعمل وفقاً له، حيث يعمل المختلفون سوياً، فيحققون نجاحات كبرى على أرض الواقع، لم تكن لتتحقق لولا العمل وفقاً لـ(نقاط الاتفاق).

ولأن البعض يرى ذلك ترفاً وتنظيراً ليس له من الواقع نصيب، فإنني أعرض هاهنا بعض النماذج الواقعية لـ "التناغم"، لعلها أن تكون ملهمة للتفكير الخلاق في هذا السياق، كلٌ حسب حاله وأوضاعه.

وأول هذه الأمثلة الحيّة : "الاتحاد الأوروبي"، ولست بصدد الخوض في تفاصيل التجربة والحكم عليها، لكن الأمر المؤكد هنا أن ثمة خلافات غير قليلة بين دول الاتحاد الأوروبي المتفاوتة في لغاتها، وأعراقها،  ومساحاتها الجغرافية، ومستواها الاقتصادي، وقوتها السياسية، وطبيعة النظام الذي تعمل وفقاً له، والثقافة السائدة، وقائمة الأعداء والأصدقاء، ومصالحها المختلفة، فضلاً عن الخلافات في المواقف تجاه جملة من القضايا العالمية، والإقليمية، وتاريخها السابق المليء بالحروب البينية، ومع ذلك كله فثمّة "اتحاد " قوي يجمع تلك الكيانات (المختلفة)، ويوحّد مواقفها، ويوفّق وينسق بين إجراءاتها، ويعتمد عملة موحدة لكل دولها، فضلاً عن إتاحة التنقل بين دولها دون أي قيود.

وتدرك الدول الأعضاء حجم الاختلافات فيما بينها، والتي يعدّ بعضها متأصلاً ومغرقاً في الماضي، لكنها تدرك كذلك أنه برغم كل ذلك الخلاف والاختلاف، فإن هناك نقاطاً غير قليلة يمكن الاتفاق عليها، وتحقيق مكاسب كبرى من جراء العمل عليها، مع الإقرار والاعتراف بنقاط الخلاف، ولهذا انطلقوا من خلال هذه الرؤية الإيجابية للعمل معاً وإيجاد هذا "التناغم" الفعّال فيما بينهم، وحقق الاتحاد الأوروبي من جراء ذلك قوة سياسية واقتصادية وثقلاً في العالم، وبات مرهوب الجناب، يحسب له ألف حساب.

وفي نطاق أضيق، يمكن الحديث عن دولة العدو الصهيوني، "دولة يهود"، إذ تتواجد في دولة الاحتلال جملة من الطوائف والمذاهب اليهودية المتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما توجد فيها المنظمات المتطرفة، والمنظمات والأحزاب العلمانية المتحررة، ورغم كل خلافاتهم، وتباين وجهات نظرتهم، وتفاوت تديّنهم، (بأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ  تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) فبرغم هذا الخلاف المقرر في القرآن، إلا أنهم استطاعوا العمل "معاً" في منظومة سياسية واحدة، وتمكنوا من توحيد مواقفهم تجاه القضايا الرئيسة التي تخدم دولتهم ومجتمعهم، وقاموا بالعمل عليها بشكل توافقي طمعاً في تحقيق مكاسب مشتركة.

إن هذين المثالين – وغيرهما كثير- يدعواننا للتفكير الجاد أفراداً وجهات، شعوباً وحكومات، مثقفين وعامّة في كيفية التركيز على (اكتشاف نقاط الاتفاق) فيما بيننا، وإعمال الذهن في ذلك.

وعلينا أن نقوم مثنى وفرادى وجماعات، فنتأمّل ونتفكّر في المختلفين عنّا وهم معنا في ذات المجتمع، ثم نتساءل: ماهي نقاط الاتفاق التي يمكننا العمل عليها بشكل مشترك، ثم طرح السؤال التالي: كيف نعمل على تلك النقاط لتحقيق المصلحة للجميع دون الحاجة إلى الذوبان في الآخر، ولا الانسياق وراء أفكاره.

وختاماً:
إن بدت لك "خطوة عملية" تتوقع أن تحقق شيئاً من "التناغم" المنشود في مجتمعنا المحلي، فوافني بها مشكوراً ، لعلنا أن نتشارك ونضع "سوياً " بصمة إيجابية في مجتمعنا، ونغيّر من أسلوب تعاملنا مع بعضنا البعض بما يحقق الصالح العام.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

مارس 11, 2019

دورك الحقيقي مع ذرّيتك !

لم نكن في مجتمعنا أحوج إلى التربية من زماننا هذا، حيث فتحت شبكات الاتصال، والتواصل الاجتماعي على الناس - صغاراً وكباراً - أبواباً من الفتن والشبهات والشهوات، وأشكالاً من الانحرافات لم يسبق وجودها، وخرجت الكثير من الفرق والمذاهب والأفكار الهدامة والضالة من سراديبها، ونوّعت من وسائلها، وغيّرت في طرائقها، وأصبحت تضيف على محتواها السيء كثيراً من التزيين والتحسين والتلطيف حتى يكون مقبولاً على نطاق واسع، وباتت تحاول إظهار حال الواقعين في تلك الفتن ومقارفيها وكأنهم على خير حال، فيجمّلون صنيعهم.

ويقتطعون جزءاً جميلاً يسيراً من حياتهم فيضخمونه، ويوهمون الناس بأن كل حياتهم كذلك، متجاهلين بقية الأجزاء السيئة والمشينة من حياتهم ، والتي يمضونها مشوبة بالقلق، مغلفة بالكآبة، ممتزجة بالصراع النفسي، لمخالفتهم للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ومع هذا المكر الكبّار في الليل والنهار، الذي يعمل فيه دهاقنة الإفساد وأربابه من كل مذهب ونحلة، تصبح مواجهة هذا الطوفان الجارف "واجب العصر"، و"فرض العين" على كل واحد منا، ليحافظ على من يعول، وليجيب على السؤال!
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الولي "مسئولاً" أي أنه سوف يُسأل من يعول، ويحاسب على ذلك كما في الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ... وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)..

ولا ينفع الأولياء حينها الاعتذار بظروف العصر، ولا بإلقاء التهمة على المجتمع أو الإنترنت أو الشيطان ذاته، فالمعاذير هذه غير كافية عند من لا تخفى عليه خافية، ولن يكون الجواب مقبولاً إلا حين يبذل المرء كل وسعه في الحماية والوقاية، ويؤدي كل جهده في السعي لتحصين ذريته، وتعليمهم، وتحذيرهم، وتربيتهم، فإذا بذل كل وسعه، فقد أدى ما عليه، فـ)لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
ويصدق في ذلك قول أحمد شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني *ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال * إذا الإقدام كان لهم ركابا

فأروا الله من أنفسكم خيراً، واتخذوا قراركم الشخصي في أسرتكم الصغيرة، بإعلان حالة الاستنفار لأجل الحماية، والعمل الجاد
المنظّم المستمر والهادئ من أجل تحقيق التربية الحقّه، والحفاظ على الهوية، وتعزيز الانتماء لهذا الدين العظيم في نفوسهم.

وإذا كان قارئ القرآن وهو عليه شاقّ له أجران، أجر التلاوة وأجر المشقة، والمُسبِغُ للوضوء في البرد الشديد له أجران، أجر الإسباغ، وأجر تحمل المكاره والأذى، فإن للمربّي في أوقات الفتن أجر التربية وأجرى الأذى المترتب على صعوبة الأمر، فلا تحزن كثيراً لكثرة مسببات الزيغ، فذلك أعظم للأجر، وأكثر دافعية للجد والاستمرار.

ومن أراد "العُلا" عفواً بلا تعبِ * قضى ولم يقضِ من إدراكها وطرا

وإنني واثق تماماً من أن عاقبة هذا الاهتمام والحرص على من تحت أيديكم ستكون خيراً عظيماً، وأجراً كبيراً، وعلى قدر المشقة يكون الجزاء في الدنيا صلاحاً للذرية وقرّة للعيون بهم، وفي الآخرة نوراً وحبوراً وسروراً . أصلح الله لنا ولكم ذرياتنا، وجعلنا وإياهم مباركين.
دام توفيقكم

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


فبراير 13, 2019

التناغم | لنتفق رغم كل خلافاتنا

ما من شكّ أن ثمة أصدقاء تتوافق معهم في كثير من الجوانب، وثمة أعداء تختلف معهم في الكثير من الجوانب، وهي سنة الله في خلقه، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ)، غير أنه من المؤكد أن بإمكاننا العثور على مصلحة مشتركة يمكن العمل عليها مع أولئك “الأعداء”، مع بقاء العداوة الأساسية كما هي، وإذا كان هذا ممكناً مع (الأعداء)، فكيف بالمختلفين عنك (جزئياً) في مسائل (محددة)، والذين لا ينطبق وصف العداوة عليهم؟

ويتوهم البعض أن الاتفاق مع الغير على (خطوات محددة)، أو العمل معهم في (مشروع واحد) يستلزم بالضرورة الاتفاق معهم على (كل شيء)، والقبول بآرائهم كلها، والانسياق وراء توجهاتهم المختلفة جميعاً، ويتوهم كذلك أن وجود الطرفين على طاولة واحدة، وقرارهما بالشراكة في عمل محدد يعني أنهما باتا شيئاً واحداً، ونسخة من بعضهما البعض!

وهذا (وهم كبير) يعوّق ويعطّل الكثير من المشروعات المهمة والأفكار الخلاقة، ويزيد من شقّة الخلاف الموجود أصلاً بين الأطراف المتعددة، ويدفع لمزيد من التباعد في النفوس وفي الأعمال.
فبرغم كل (نقاط الخلاف والاختلاف) الموجودة بين البشر، وتنوعها، واختلاف طبيعتها ومسماها، فإن ثمة (نقاط اتفاق) كثيرة يمكن أن تجمعهم، فما من مختلفين إلا وبينهم من نقاط الاتفاق الكثير، غير أن المشكلة المنتشرة اليوم أن كثيراً من الناس ركنوا إلى (نقاط الخلاف) ولم يبحثوا عن (نقاط الاتفاق)، ويتحدث أهل التنمية البشرية عن سنّة ثابتة فيقولون: “ما تركّز عليه يتعاظم في حياتك ويكثر ويزداد”، فالتركيز السلبي -إن صحت التسمية- الباحث عن نقاط الاختلاف والتباين يساهم بشكل أو بآخر في تفاقم الخلافات، واشتداد العداوات، وتأزم العلاقات.

والحديث عن (العمل المشترك) في الجوانب المتفق عليها، لا يتعارض إطلاقاً مع الاعتراف بالخلاف الموجود في جملة من القضايا الأخرى التي قد تقلّ وقد تكثر، ولا يتعارض العمل المشترك -كذلك- مع المنافحة عما نعتبره حقاً، ولا يتعارض مع الحديث بكل وضوح عن الأخطاء الموجودة لدى الغير، وعرض تجاوزاتهم، ونقدها نقداً بناء، فالعمل سوياً لا يتعارض مع ذلك كله إطلاقاً.

وهذا الحديث كلّه ليس تنظيراً فحسب، وليس من باب مثاليات “المدينة الفاضلة” الأفلاطونية، بل هو حديث عملي قابل للتطبيق على أرض الواقع.

وقد ثبت أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ “، وقد كانت قُرَيْشًا تَتَظَالَمُ بِالْحَرَمِ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَعَواهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ ، وَالأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، فَأَجَابَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَتَحَالَفُوا  وَسَمَّوه (حِلْفَ الْفُضُولِ).

كما تضمن صلح الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة ما يلي: ( وإنَّ على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، وإنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن النصر للمظلوم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين)، ويمكنك أن تلاحظ -في هذا السياق- أنه رغم الاختلاف الكبير بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، واليهود؛ إلا أن كونهم في مدينة واحدة، ولهم فيها مصالح مشتركة، وثمة عدو محدد يفكّر في استهداف المدينة بمن فيها؛ فقد تم التوصل إلى العمل على النقاط التي يتفق عليها الطرفان، وهي (حماية المدينة)، و(المشاركة في الدفاع عنها)، و(مناصرة المظلوم)، مع بقاء العداوة قائمة، وموقف المسلمين من اليهود كما هو.

ويروى عن يونس الصفدي قوله: «ما رأيت أعقل من الشافعي ، فلقد ناظرني يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال : يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة »

و هذا “التناغم” من حيث الأصل أمر يقضي به العقل السليم، والتفكير السوي، كما أنه معمول به في الكثير من المجتمعات الناضجة اليوم، حيث يعمل المختلفون سوياً، فيحققون نجاحات كبرى على أرض الواقع، لم تكن لتتحقق لولا العمل وفقاً لـ(نقاط الاتفاق).

واستكمالاً لهذا الحديث المهم، فإنني أعد  في المقال التالي -بإذن الله – أن أعرض لجملة من النماذج الواقعية التي نراها كل يوم لـ “التناغم”، لعلها أن تلهمنا التفكير في الأمر، وتوقظ لدينا هذا الحسّ في مجتمعنا، فنطور من أدوات تعاملنا، ونحسّن من أساليب التنسيق فيما بيننا، بما يحقق المصلحة العامة، ويقرّبنا إلى أهدافنا المشتركة، ويخدم ديننا ومجتمعنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل هــنــــا

فبراير 03, 2019

مزيج التميّـــز

الحصول على التميز، والاتصاف به، أمر يطلبه الجميع، والنفس بطبيعتها ميالة لأن تتميز عن الآخرين بما يستوجب المديح والثناء.
ومن ضمن الجوانب التي يطمح المرء للتميز فيها " عمله الوظيفي"، باعتباره موضعاً لقضاء ثلث يومه فيه، لخمسة أو ستة أيام في الأسبوع، ولأن ذلك العمل هو مصدر الدخل المادي الذي به يستكمل المرء تلبية احتياجاته وتحقيق ذاته.

ولكي تحقق نجاحاً في عملك الوظيفي، وتكون ضمن القلة المميزين في مجالك، وتكسب الكثير من المال من جراء ذلك، فإنك تحتاج - كما يقول تيم فريس- إلى أن تكون أحد أفضل المتخصصين في مجالك على مستوى العالم، أو على مستوى بلادك أو مدينتك، فذلك يكفل أن تكون أحد الذين يشار إليهم بالبنان، وتنشد الجهات استقطابك للانضمام إلى فريق العمل لديها.
ولأن الوصول إلى مرحلة "الندرة" والتميز المنفرد بهذه الصورة أمر عسير على الكثيرين، ويتطلب مزايا استثنائية لا يمكن مطالبة الناس بالحصول عليها أو الوصول عليها، فإن "تيم" يقترح سبيلاً آخر لتحقيق التميز، ألا وهو أن يكون لدى المرء تميز "نسبي" وليس "مطلقاً " في مجالين أو ثلاثة معاً، ذلك أن وجود هذه المساندة بين جوانب التميز المتعددة -ولو قلّت-، من شأنها أن توجد مزيجاً فريداً يحقق للمرء جاذبية خاصة تجعله مطلوباً للعمل في العديد من الجهات، غيرغارق في التخصص الدقيق الواحد.
ومن أجل تجلية فكرة "مزيج التميز" بشكل أكبر، يمكن الإشارة إلى هذا المثال:
لو أن موظفاً متخصصاً في الموارد البشرية، ولديه "شيء" من التميز النسبي في ذلك، وجمع مع هذه المزية النسبية ميزة إتقان استخدام الحاسب الآلي بكفاءة، كما كانت لديه قدرة جيدة في الصياغة الأسلوبية كذلك؛  فإن هذا المزيج المتنوع من شأنه أن يجعل عمله في الموارد البشرية في منظمته عملاً متميزاً يفوق به الكثير من أقرانه الذي لديهم "تميز كبير" في مجال الموارد البشرية فحسب، حتى ولو كانوا يفوقونه فيها بمراحل، ذلك أن بإمكانه توظيف معرفته الوثيقة بالحاسب الآلي في جلب الكثير من النماذج الإلكترونية وتصميمها، وتخصيصها من أجل تيسير إجراءات الموارد البشرية، كما أن أسلوبه الجميل في الصياغة يمكّنه من إعداد الكثير من الرسائل التحفيزية للموظفين، وإعداد الخطابات المتنوعة، والتأكد من صياغة الرسائل الموجهة من المنظمة وإليها، وإعداد مادة التقرير الدوري أو السنوي لقسم الموارد البشرية، وهو ما يجعله "عملة نادرة" في منظمته.
وهذا مجرد مثال على دور "المزيج" في تحقيق "التميز"، ووفقاً لهذا المثال يمكنك التفكير ملياً في وضعك وتخصصك الحالي، والتساؤل عن المزيج الذي يتناسب معك، ومع ميولك، ومع منظمتك، ثم العمل الجاد لتحقيق هذا المزيج المنشود، من خلال قرار تتخذه بصنع ذلك "المزيج".
وسوف تحمد العاقبة حين تفعل ذلك، وتجد أنه في الكثير من الأحيان، لا يوجد لدى المنظمة الكثير من الخيارات لاستبدالك، إذ أنه في الوقت الذي قد يجدون من هو متميز في ذات تخصصك، لكنهم في الكثير من الأحيان لن يجدوا من يحقق مع التخصص هذا الخليط الرائع الذي ينتج أمراً مختلفاً.
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

فبراير 03, 2019

خارج صناديق الاعتياد

الإنسان بوضعه الاعتيادي يجب المألوفات لديه، ويعتاد عليها، ويصعب عليه مفارقتها، لذا ترى كثيرين يأكلون ذات الطعام ويشربون ذات الأشربة التي اعتادوا عليها منذ سنين طويلة، ويحجم الواحد منهم عن تجربة الجديد، ويعرض عنها صفحًا لأنها تخرجه من دائرة الاعتياد، وتجعله في دائرة التجريب والاختبار بكل احتمالاتها.
وهذا الصندوق يسير شأنه، إذ أننا نمكث في (صندوق العلاقات المعتادة)، وربما افتخر المرء بأن كل علاقاته الحالية قديمة، تعود للمرحلة الثانوية أو الجامعية أو سواهما!

إن وجود العلاقات الوثيقة، طويلة الأمد أمر مطلوب لكن المرء محتاج لكي ينضج ويتعلم ويتوسع إدراكه ويحيط علمًا بجوانب ليس يعرفها، بحاجة إلى الخروج من صندوق العلاقات المعتادة لتجربة صداقات وعلاقات مختلفة كليًا، مختلفة اجتماعيًا، وجغرافيًا، وفكريًا، وطباعًا..

ومع كل تجربة جديدة يدرك المرء كم فرّط في ذلك الأمر سنينًا، وأغلق أمام نفسه أبواب المعرفة الكثيرة تحت أسر العادة، ويمكن أن يقال ذلك عن الكتب المعتادة، والمشايخ المعتاد على السماع لهم، والقراء، والشعراء، والمنشدين، والبلدان، والألبسة، والمراكب، والمساكن، في قائمة لا تنتهي من الصناديق التي بتنا أسرى لها لا نجاوزها، فإذا ما تجاوزناها وارتفع وعينا أدركنا أنه كان من الأولى بنا أن نفعل ذلك منذ زمن طويل.

وحتى لا يفهم حديثي على غير ما أريد به، فإن ذلك كله يجب أن يكون وفق المباح والجائز شرعًا، فلا يجرّب المرء الخمرة للخروج من صندوق الأشربة المعتاد، ولا يصاحب أهل الضلال ويسايرهم بهدف الخروج من الاعتياد وتجربة التغيير..
ولنتذكر دوماً الدافع من هذا الخروج عن صندوق الاعتياد .. وهو توسيع دائرة المعرفة والإدراك ورفع الوعي، وإطلاق الفكر لمزيد من التأمل والتفكر.