مارس 11, 2019

التناغم | "المختلفون".. حين اتفقوا على العمل سوياً

تحدثت في مقالٍ سابقٍ عن أهمية اتفاق المختلفين على العمل في النقاط المشتركة المتفق عليها بينهم، وفقاً لمبدأ "التناغم"، باعتباره أسلوباً راقياً في العمل بين المختلفين، يحقق الأهداف المشتركة ويوحّد الجهود المختلفة، بهدف تحقيق المصلحة للمختلفين، دون الخوض في نقاط الاختلاف، ودون تضخيمها أو تجاهلها، أو الركون إليها.
فالتناغم هو بإيجاز شديد (العمل المشترك في القضايا المتفق عليها بين الأطراف المختلفة فيما بينها).

وقد ختمت مقالي السابق بالإشارة إلى أن "التناغم" أمر يقضي به العقل السليم، والتفكير السوي، وأن كثيراً من المجتمعات الناضجة اليوم، تعمل وفقاً له، حيث يعمل المختلفون سوياً، فيحققون نجاحات كبرى على أرض الواقع، لم تكن لتتحقق لولا العمل وفقاً لـ(نقاط الاتفاق).

ولأن البعض يرى ذلك ترفاً وتنظيراً ليس له من الواقع نصيب، فإنني أعرض هاهنا بعض النماذج الواقعية لـ "التناغم"، لعلها أن تكون ملهمة للتفكير الخلاق في هذا السياق، كلٌ حسب حاله وأوضاعه.

وأول هذه الأمثلة الحيّة : "الاتحاد الأوروبي"، ولست بصدد الخوض في تفاصيل التجربة والحكم عليها، لكن الأمر المؤكد هنا أن ثمة خلافات غير قليلة بين دول الاتحاد الأوروبي المتفاوتة في لغاتها، وأعراقها،  ومساحاتها الجغرافية، ومستواها الاقتصادي، وقوتها السياسية، وطبيعة النظام الذي تعمل وفقاً له، والثقافة السائدة، وقائمة الأعداء والأصدقاء، ومصالحها المختلفة، فضلاً عن الخلافات في المواقف تجاه جملة من القضايا العالمية، والإقليمية، وتاريخها السابق المليء بالحروب البينية، ومع ذلك كله فثمّة "اتحاد " قوي يجمع تلك الكيانات (المختلفة)، ويوحّد مواقفها، ويوفّق وينسق بين إجراءاتها، ويعتمد عملة موحدة لكل دولها، فضلاً عن إتاحة التنقل بين دولها دون أي قيود.

وتدرك الدول الأعضاء حجم الاختلافات فيما بينها، والتي يعدّ بعضها متأصلاً ومغرقاً في الماضي، لكنها تدرك كذلك أنه برغم كل ذلك الخلاف والاختلاف، فإن هناك نقاطاً غير قليلة يمكن الاتفاق عليها، وتحقيق مكاسب كبرى من جراء العمل عليها، مع الإقرار والاعتراف بنقاط الخلاف، ولهذا انطلقوا من خلال هذه الرؤية الإيجابية للعمل معاً وإيجاد هذا "التناغم" الفعّال فيما بينهم، وحقق الاتحاد الأوروبي من جراء ذلك قوة سياسية واقتصادية وثقلاً في العالم، وبات مرهوب الجناب، يحسب له ألف حساب.

وفي نطاق أضيق، يمكن الحديث عن دولة العدو الصهيوني، "دولة يهود"، إذ تتواجد في دولة الاحتلال جملة من الطوائف والمذاهب اليهودية المتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما توجد فيها المنظمات المتطرفة، والمنظمات والأحزاب العلمانية المتحررة، ورغم كل خلافاتهم، وتباين وجهات نظرتهم، وتفاوت تديّنهم، (بأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ  تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) فبرغم هذا الخلاف المقرر في القرآن، إلا أنهم استطاعوا العمل "معاً" في منظومة سياسية واحدة، وتمكنوا من توحيد مواقفهم تجاه القضايا الرئيسة التي تخدم دولتهم ومجتمعهم، وقاموا بالعمل عليها بشكل توافقي طمعاً في تحقيق مكاسب مشتركة.

إن هذين المثالين – وغيرهما كثير- يدعواننا للتفكير الجاد أفراداً وجهات، شعوباً وحكومات، مثقفين وعامّة في كيفية التركيز على (اكتشاف نقاط الاتفاق) فيما بيننا، وإعمال الذهن في ذلك.

وعلينا أن نقوم مثنى وفرادى وجماعات، فنتأمّل ونتفكّر في المختلفين عنّا وهم معنا في ذات المجتمع، ثم نتساءل: ماهي نقاط الاتفاق التي يمكننا العمل عليها بشكل مشترك، ثم طرح السؤال التالي: كيف نعمل على تلك النقاط لتحقيق المصلحة للجميع دون الحاجة إلى الذوبان في الآخر، ولا الانسياق وراء أفكاره.

وختاماً:
إن بدت لك "خطوة عملية" تتوقع أن تحقق شيئاً من "التناغم" المنشود في مجتمعنا المحلي، فوافني بها مشكوراً ، لعلنا أن نتشارك ونضع "سوياً " بصمة إيجابية في مجتمعنا، ونغيّر من أسلوب تعاملنا مع بعضنا البعض بما يحقق الصالح العام.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

مارس 11, 2019

دورك الحقيقي مع ذرّيتك !

لم نكن في مجتمعنا أحوج إلى التربية من زماننا هذا، حيث فتحت شبكات الاتصال، والتواصل الاجتماعي على الناس - صغاراً وكباراً - أبواباً من الفتن والشبهات والشهوات، وأشكالاً من الانحرافات لم يسبق وجودها، وخرجت الكثير من الفرق والمذاهب والأفكار الهدامة والضالة من سراديبها، ونوّعت من وسائلها، وغيّرت في طرائقها، وأصبحت تضيف على محتواها السيء كثيراً من التزيين والتحسين والتلطيف حتى يكون مقبولاً على نطاق واسع، وباتت تحاول إظهار حال الواقعين في تلك الفتن ومقارفيها وكأنهم على خير حال، فيجمّلون صنيعهم.

ويقتطعون جزءاً جميلاً يسيراً من حياتهم فيضخمونه، ويوهمون الناس بأن كل حياتهم كذلك، متجاهلين بقية الأجزاء السيئة والمشينة من حياتهم ، والتي يمضونها مشوبة بالقلق، مغلفة بالكآبة، ممتزجة بالصراع النفسي، لمخالفتهم للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ومع هذا المكر الكبّار في الليل والنهار، الذي يعمل فيه دهاقنة الإفساد وأربابه من كل مذهب ونحلة، تصبح مواجهة هذا الطوفان الجارف "واجب العصر"، و"فرض العين" على كل واحد منا، ليحافظ على من يعول، وليجيب على السؤال!
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الولي "مسئولاً" أي أنه سوف يُسأل من يعول، ويحاسب على ذلك كما في الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ... وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)..

ولا ينفع الأولياء حينها الاعتذار بظروف العصر، ولا بإلقاء التهمة على المجتمع أو الإنترنت أو الشيطان ذاته، فالمعاذير هذه غير كافية عند من لا تخفى عليه خافية، ولن يكون الجواب مقبولاً إلا حين يبذل المرء كل وسعه في الحماية والوقاية، ويؤدي كل جهده في السعي لتحصين ذريته، وتعليمهم، وتحذيرهم، وتربيتهم، فإذا بذل كل وسعه، فقد أدى ما عليه، فـ)لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
ويصدق في ذلك قول أحمد شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني *ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال * إذا الإقدام كان لهم ركابا

فأروا الله من أنفسكم خيراً، واتخذوا قراركم الشخصي في أسرتكم الصغيرة، بإعلان حالة الاستنفار لأجل الحماية، والعمل الجاد
المنظّم المستمر والهادئ من أجل تحقيق التربية الحقّه، والحفاظ على الهوية، وتعزيز الانتماء لهذا الدين العظيم في نفوسهم.

وإذا كان قارئ القرآن وهو عليه شاقّ له أجران، أجر التلاوة وأجر المشقة، والمُسبِغُ للوضوء في البرد الشديد له أجران، أجر الإسباغ، وأجر تحمل المكاره والأذى، فإن للمربّي في أوقات الفتن أجر التربية وأجرى الأذى المترتب على صعوبة الأمر، فلا تحزن كثيراً لكثرة مسببات الزيغ، فذلك أعظم للأجر، وأكثر دافعية للجد والاستمرار.

ومن أراد "العُلا" عفواً بلا تعبِ * قضى ولم يقضِ من إدراكها وطرا

وإنني واثق تماماً من أن عاقبة هذا الاهتمام والحرص على من تحت أيديكم ستكون خيراً عظيماً، وأجراً كبيراً، وعلى قدر المشقة يكون الجزاء في الدنيا صلاحاً للذرية وقرّة للعيون بهم، وفي الآخرة نوراً وحبوراً وسروراً . أصلح الله لنا ولكم ذرياتنا، وجعلنا وإياهم مباركين.
دام توفيقكم

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري
@bin_oshan


فبراير 13, 2019

التناغم | لنتفق رغم كل خلافاتنا

ما من شكّ أن ثمة أصدقاء تتوافق معهم في كثير من الجوانب، وثمة أعداء تختلف معهم في الكثير من الجوانب، وهي سنة الله في خلقه، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ)، غير أنه من المؤكد أن بإمكاننا العثور على مصلحة مشتركة يمكن العمل عليها مع أولئك “الأعداء”، مع بقاء العداوة الأساسية كما هي، وإذا كان هذا ممكناً مع (الأعداء)، فكيف بالمختلفين عنك (جزئياً) في مسائل (محددة)، والذين لا ينطبق وصف العداوة عليهم؟

ويتوهم البعض أن الاتفاق مع الغير على (خطوات محددة)، أو العمل معهم في (مشروع واحد) يستلزم بالضرورة الاتفاق معهم على (كل شيء)، والقبول بآرائهم كلها، والانسياق وراء توجهاتهم المختلفة جميعاً، ويتوهم كذلك أن وجود الطرفين على طاولة واحدة، وقرارهما بالشراكة في عمل محدد يعني أنهما باتا شيئاً واحداً، ونسخة من بعضهما البعض!

وهذا (وهم كبير) يعوّق ويعطّل الكثير من المشروعات المهمة والأفكار الخلاقة، ويزيد من شقّة الخلاف الموجود أصلاً بين الأطراف المتعددة، ويدفع لمزيد من التباعد في النفوس وفي الأعمال.
فبرغم كل (نقاط الخلاف والاختلاف) الموجودة بين البشر، وتنوعها، واختلاف طبيعتها ومسماها، فإن ثمة (نقاط اتفاق) كثيرة يمكن أن تجمعهم، فما من مختلفين إلا وبينهم من نقاط الاتفاق الكثير، غير أن المشكلة المنتشرة اليوم أن كثيراً من الناس ركنوا إلى (نقاط الخلاف) ولم يبحثوا عن (نقاط الاتفاق)، ويتحدث أهل التنمية البشرية عن سنّة ثابتة فيقولون: “ما تركّز عليه يتعاظم في حياتك ويكثر ويزداد”، فالتركيز السلبي -إن صحت التسمية- الباحث عن نقاط الاختلاف والتباين يساهم بشكل أو بآخر في تفاقم الخلافات، واشتداد العداوات، وتأزم العلاقات.

والحديث عن (العمل المشترك) في الجوانب المتفق عليها، لا يتعارض إطلاقاً مع الاعتراف بالخلاف الموجود في جملة من القضايا الأخرى التي قد تقلّ وقد تكثر، ولا يتعارض العمل المشترك -كذلك- مع المنافحة عما نعتبره حقاً، ولا يتعارض مع الحديث بكل وضوح عن الأخطاء الموجودة لدى الغير، وعرض تجاوزاتهم، ونقدها نقداً بناء، فالعمل سوياً لا يتعارض مع ذلك كله إطلاقاً.

وهذا الحديث كلّه ليس تنظيراً فحسب، وليس من باب مثاليات “المدينة الفاضلة” الأفلاطونية، بل هو حديث عملي قابل للتطبيق على أرض الواقع.

وقد ثبت أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ “، وقد كانت قُرَيْشًا تَتَظَالَمُ بِالْحَرَمِ ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَعَواهُمْ إِلَى التَّحَالُفِ عَلَى التَّنَاصُرِ ، وَالأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، فَأَجَابَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَتَحَالَفُوا  وَسَمَّوه (حِلْفَ الْفُضُولِ).

كما تضمن صلح الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة ما يلي: ( وإنَّ على اليهود نفقتهم، و على المسلمين نفقتهم، وإنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن النصر للمظلوم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين)، ويمكنك أن تلاحظ -في هذا السياق- أنه رغم الاختلاف الكبير بين المصطفى صلى الله عليه وسلم، واليهود؛ إلا أن كونهم في مدينة واحدة، ولهم فيها مصالح مشتركة، وثمة عدو محدد يفكّر في استهداف المدينة بمن فيها؛ فقد تم التوصل إلى العمل على النقاط التي يتفق عليها الطرفان، وهي (حماية المدينة)، و(المشاركة في الدفاع عنها)، و(مناصرة المظلوم)، مع بقاء العداوة قائمة، وموقف المسلمين من اليهود كما هو.

ويروى عن يونس الصفدي قوله: «ما رأيت أعقل من الشافعي ، فلقد ناظرني يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال : يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة »

و هذا “التناغم” من حيث الأصل أمر يقضي به العقل السليم، والتفكير السوي، كما أنه معمول به في الكثير من المجتمعات الناضجة اليوم، حيث يعمل المختلفون سوياً، فيحققون نجاحات كبرى على أرض الواقع، لم تكن لتتحقق لولا العمل وفقاً لـ(نقاط الاتفاق).

واستكمالاً لهذا الحديث المهم، فإنني أعد  في المقال التالي -بإذن الله – أن أعرض لجملة من النماذج الواقعية التي نراها كل يوم لـ “التناغم”، لعلها أن تلهمنا التفكير في الأمر، وتوقظ لدينا هذا الحسّ في مجتمعنا، فنطور من أدوات تعاملنا، ونحسّن من أساليب التنسيق فيما بيننا، بما يحقق المصلحة العامة، ويقرّبنا إلى أهدافنا المشتركة، ويخدم ديننا ومجتمعنا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل هــنــــا

فبراير 03, 2019

مزيج التميّـــز

الحصول على التميز، والاتصاف به، أمر يطلبه الجميع، والنفس بطبيعتها ميالة لأن تتميز عن الآخرين بما يستوجب المديح والثناء.
ومن ضمن الجوانب التي يطمح المرء للتميز فيها " عمله الوظيفي"، باعتباره موضعاً لقضاء ثلث يومه فيه، لخمسة أو ستة أيام في الأسبوع، ولأن ذلك العمل هو مصدر الدخل المادي الذي به يستكمل المرء تلبية احتياجاته وتحقيق ذاته.

ولكي تحقق نجاحاً في عملك الوظيفي، وتكون ضمن القلة المميزين في مجالك، وتكسب الكثير من المال من جراء ذلك، فإنك تحتاج - كما يقول تيم فريس- إلى أن تكون أحد أفضل المتخصصين في مجالك على مستوى العالم، أو على مستوى بلادك أو مدينتك، فذلك يكفل أن تكون أحد الذين يشار إليهم بالبنان، وتنشد الجهات استقطابك للانضمام إلى فريق العمل لديها.
ولأن الوصول إلى مرحلة "الندرة" والتميز المنفرد بهذه الصورة أمر عسير على الكثيرين، ويتطلب مزايا استثنائية لا يمكن مطالبة الناس بالحصول عليها أو الوصول عليها، فإن "تيم" يقترح سبيلاً آخر لتحقيق التميز، ألا وهو أن يكون لدى المرء تميز "نسبي" وليس "مطلقاً " في مجالين أو ثلاثة معاً، ذلك أن وجود هذه المساندة بين جوانب التميز المتعددة -ولو قلّت-، من شأنها أن توجد مزيجاً فريداً يحقق للمرء جاذبية خاصة تجعله مطلوباً للعمل في العديد من الجهات، غيرغارق في التخصص الدقيق الواحد.
ومن أجل تجلية فكرة "مزيج التميز" بشكل أكبر، يمكن الإشارة إلى هذا المثال:
لو أن موظفاً متخصصاً في الموارد البشرية، ولديه "شيء" من التميز النسبي في ذلك، وجمع مع هذه المزية النسبية ميزة إتقان استخدام الحاسب الآلي بكفاءة، كما كانت لديه قدرة جيدة في الصياغة الأسلوبية كذلك؛  فإن هذا المزيج المتنوع من شأنه أن يجعل عمله في الموارد البشرية في منظمته عملاً متميزاً يفوق به الكثير من أقرانه الذي لديهم "تميز كبير" في مجال الموارد البشرية فحسب، حتى ولو كانوا يفوقونه فيها بمراحل، ذلك أن بإمكانه توظيف معرفته الوثيقة بالحاسب الآلي في جلب الكثير من النماذج الإلكترونية وتصميمها، وتخصيصها من أجل تيسير إجراءات الموارد البشرية، كما أن أسلوبه الجميل في الصياغة يمكّنه من إعداد الكثير من الرسائل التحفيزية للموظفين، وإعداد الخطابات المتنوعة، والتأكد من صياغة الرسائل الموجهة من المنظمة وإليها، وإعداد مادة التقرير الدوري أو السنوي لقسم الموارد البشرية، وهو ما يجعله "عملة نادرة" في منظمته.
وهذا مجرد مثال على دور "المزيج" في تحقيق "التميز"، ووفقاً لهذا المثال يمكنك التفكير ملياً في وضعك وتخصصك الحالي، والتساؤل عن المزيج الذي يتناسب معك، ومع ميولك، ومع منظمتك، ثم العمل الجاد لتحقيق هذا المزيج المنشود، من خلال قرار تتخذه بصنع ذلك "المزيج".
وسوف تحمد العاقبة حين تفعل ذلك، وتجد أنه في الكثير من الأحيان، لا يوجد لدى المنظمة الكثير من الخيارات لاستبدالك، إذ أنه في الوقت الذي قد يجدون من هو متميز في ذات تخصصك، لكنهم في الكثير من الأحيان لن يجدوا من يحقق مع التخصص هذا الخليط الرائع الذي ينتج أمراً مختلفاً.
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

فبراير 03, 2019

خارج صناديق الاعتياد

الإنسان بوضعه الاعتيادي يجب المألوفات لديه، ويعتاد عليها، ويصعب عليه مفارقتها، لذا ترى كثيرين يأكلون ذات الطعام ويشربون ذات الأشربة التي اعتادوا عليها منذ سنين طويلة، ويحجم الواحد منهم عن تجربة الجديد، ويعرض عنها صفحًا لأنها تخرجه من دائرة الاعتياد، وتجعله في دائرة التجريب والاختبار بكل احتمالاتها.
وهذا الصندوق يسير شأنه، إذ أننا نمكث في (صندوق العلاقات المعتادة)، وربما افتخر المرء بأن كل علاقاته الحالية قديمة، تعود للمرحلة الثانوية أو الجامعية أو سواهما!

إن وجود العلاقات الوثيقة، طويلة الأمد أمر مطلوب لكن المرء محتاج لكي ينضج ويتعلم ويتوسع إدراكه ويحيط علمًا بجوانب ليس يعرفها، بحاجة إلى الخروج من صندوق العلاقات المعتادة لتجربة صداقات وعلاقات مختلفة كليًا، مختلفة اجتماعيًا، وجغرافيًا، وفكريًا، وطباعًا..

ومع كل تجربة جديدة يدرك المرء كم فرّط في ذلك الأمر سنينًا، وأغلق أمام نفسه أبواب المعرفة الكثيرة تحت أسر العادة، ويمكن أن يقال ذلك عن الكتب المعتادة، والمشايخ المعتاد على السماع لهم، والقراء، والشعراء، والمنشدين، والبلدان، والألبسة، والمراكب، والمساكن، في قائمة لا تنتهي من الصناديق التي بتنا أسرى لها لا نجاوزها، فإذا ما تجاوزناها وارتفع وعينا أدركنا أنه كان من الأولى بنا أن نفعل ذلك منذ زمن طويل.

وحتى لا يفهم حديثي على غير ما أريد به، فإن ذلك كله يجب أن يكون وفق المباح والجائز شرعًا، فلا يجرّب المرء الخمرة للخروج من صندوق الأشربة المعتاد، ولا يصاحب أهل الضلال ويسايرهم بهدف الخروج من الاعتياد وتجربة التغيير..
ولنتذكر دوماً الدافع من هذا الخروج عن صندوق الاعتياد .. وهو توسيع دائرة المعرفة والإدراك ورفع الوعي، وإطلاق الفكر لمزيد من التأمل والتفكر.

يناير 21, 2019

طقوس الحياة الاجتماعية!

أحد آثار الترف التي يراها كل ذي عينين "زيادة الطقوس الاجتماعية" في بيوتنا ومجتمعاتنا، وتعقيد إجراءات الحياة البسيطة في أصلها، فترى الناس يتسابقون لإضفاء المزيد من السلوكيات التي تصبح "واجباً " والإخلال بها "مذموماً" عند الناس، بل ويعدّ الذي لا يتجاوب مع تلك الطقوس موصوفاً بأنه غير متطور، فهو من طراز قديم لا يعرف الإتيكيت، ولا يحسن التعامل مع معطيات العصر ومستجداته، ولا يزال على "الدقّة القديمة"!.


ونقوم نحن - من جراء هذا الترف الذي حلّ بنا – بـالتفنن كل يوم في إضافة تعقيد جديد على كل فعالية اجتماعية تلقائية ومعتادة، فعلى سبيل المثال: كان من المعتاد أن تبقى النفساء في بيتها فيزورها القريبات والزميلات، يوماً بعد يوم، ويجلبون معهم شيئاً من القهوة والشاي من صنع أهل البيت، ويؤانسون تلك المرأة ويدخلون عليها السرور، ويكفونها شأن الضيافة وعبئها تقديراً لوضعها الصحي، فتحول الوضع اليوم وبات للزيارة أيام محددة، لا يسمح بتجاوزها، وفي جناح فخم بالمستشفى الشهير، ويتم تقديم أنواع التوزيعات التي يتم تصميمها بعناية، ويكتب عليها اسم المولود، وتتحول الولادة - بكل عنائها - إلى عناء مضاعف، في اختيار الجناح، وتجهيزه، وإعداد وتصميم الكثير من التفاصيل، وتحول الموضوع إلى مشروع معقد تنفق فيه الكثير من الأوقات والجهود والأموال، وكلما ولدت امرأة سعت لمنافسة من سبقها، ليتحدث الناس عن صنيعها فيمجدوه ويمدحوه، وأنها أتت بما لم تستطعه الأوائل!

وسواء كانت تلك المصروفات الكبيرة - التي لا جدوى منها سوى التفاخر - من مال الزوجة الموظفة أو من مال زوجها، فإن ذلك في كل الأحوال هو من إضاعة المال، وتبذيره، وإنفاقه في غير وجهه، والله تعالى يقول (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).

والحديث عن هذه الطقوس المصطنعة والوافدة على مجتمعنا المحلّي ليس قاصراً على الاحتفال بقدوم المولود، بل هي في الخطبة والملكة والزواج أضعاف ذلك، وفي حفلات النجاح والتخرج من ذلك الكثير.

إن كثرة انشغال الناس بهذه التفصيلات والجزئيات دليل واضح على ما يعانونه من الفراغ الداخلي من جهة، والشعور بالنقص الذي يسيطر عليهم من جهة أخرى، ويتوقعون أن يكون سدّ ذلك النقص من خلال تلك القشور التي تعلي ذكرهم، وتجعل فعلهم حديث الآخرين وهجّيراهم، لذا تراهم  يفكّرون طويلاً في كيفية إحداث إضافة جديدة، وطقس جديد يضاف لطقوس من سبق.

ويقوم مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي بالترويج للكثير من هذه الطقوس المصطنعة - بوعي أو بغير وعي - سعياً للتظاهر بالعلوّ حيناً، وترويجاً لأصحاب السلع المستفيدين من هذه الطقوس حيناً آخر.

إن التجاوب مع هذه الطقوس والعمل بها هو في حقيقة الأمر لون من ألوان التخلّف الحضاري، والسباحة ضد التيار، فالعالم المتقدم (مادياً) يتوجّه بشكل واضح نحو التيسير والبساطة، أو كما يسمونها "السمبلة"، والسعي للتخلص من التعقيدات والطقوس والإضافات في المكان، والزمان، والفعاليات، واللباس، والإهداء، والتي باتت عبئاً كبيراً على الناس في أموالهم وأوقاتهم واهتماماتهم. وإزالة كل ما علق بها.

وما أحوجنا إلى التنادي للتوقف عن هذا الهدر الكبير، وهذا الإنفاق غير المنطقي في هذه الأبواب التي لا نفع فيها، وأن يسعى الكبار والأثرياء والوجهاء والمشاهير لتقديم النماذج العملية، وأن يكونوا قدوة حسنة في هذا الأمر، فالناس مولعون دوماً بتقليد الكبار.
ولعل الحديث عن هذه الموضوع وإثارته، والمناداة بالتوقف عنه تساهم في إيجاد صوت إيجابي مختلف، وسلوك عملي مختلف يوقف الهدر، ويوقف التعقيد، وينشر البساطة في المجتمع.
دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

نشــر في صحيفة تواصل من هــنــا

يناير 01, 2019

الحلول اليسيرة للمشكلات الكبيرة



ذات مرّة، طلبت من أحد فنّيي الحاسب الذين كانوا يعملون تحت إدارتي أن يقوم بنقل أحد أجهزة الحاسب بكل ملحقاته من مكتب إلى آخر، وحين تم النقل، جاء إليّ الموظف الذي يستخدم الجهاز طالباً الموافقة على إعادة تهيئة الجهاز، وتركيب البرامج عليه مجدداً،
فسألته: لم، وما الحاجة إلى ذلك؟ خصوصاً أنني من أعداء الفورمات “إعادة التهيئة”، فأفاد بأن ذلك هو قرار فني الصيانة الذي أخبره أن نظام التشغيل قد حصلت له مشكلة من جراء النقل، مما يتطلب إعادة مسح محتويات الجهاز وتركيب النظام مجدداً! وبحكم تعاملي زمناً طويلاً مع الحاسب، فإنني لم أتقبل أن يكون مجرد نقل الجهاز بضعة أمتار سبباً في تعطّل نظام التشغيل والجهاز، فذهبت للمكتب لأنظر في شأن الجهاز، وجاء فني الصيانة، فسألته فأخبرني الخبر، وقال إن علامة ذلك صوت يخرج من الحاسب بشكل منتظم ( تووت .. تووت ..) وأنه رغم كل محاولاته لإطفاء الجهاز وإعادة تشغيله بغية حل المشكلة فإن الجهاز لم يتوقف عن إصدار هذا الصوت، وأنه ليس في وسعه -والحالة هذه- إلا القيام بالفرمتة (إعادة التهيئة) فالنظام قد “ضرب” كما يقول! نظرت في الجهاز وملحقاته وكيابله، فوجدت أن الفأرة اللاسلكية (الماوس) قد وضعت فوق لوحة المفاتيح عند نقل الجهاز، وبقيت كذلك، وكان نتيجة ذلك أنأحد أزرار لوحة المفاتيح لا يزال مضغوطاً مما جعل الحاسب يصدر هذا الصوت،ويتسبب في توقف نظام التشغيل عن الإقلاع..أخذت الفأرة، ونحيتها جانباً فانقطع الصوت تماماً، واستكمل الجهاز – من ذاته – عملية الإقلاع للنظام، ثم ظهرت علامة ويندوز على الشاشة معلنة أنا لجهاز يعمل بشكل سليم، وأنه ليست هناك حاجة لأي تدخل فني أو برامجي!، وعدت إلى مكتبي، وذلك الفنيّ يتابع المشهد ولا يدري ماذا يقول.

 وفي مرة أخرى، حدثني أحد الأبناء عن مشكلة في سيارة العائلة، وهي أن المفتاح قد علق في مكان التشغيل، وأنه كان عاجزاً عن تشغيلها!، وأنه ظل يحاول الأمر وقتاً طويلاً، دون نتيجة، وبعد الفجر أتيت إلى السيارة متأملاً هذا الحالة الغريبة، مستعلماً عن الخطب، وباحثاً عن المشكلة ومعرفة سببها.. حاولت إخراج المفتاح فلم يخرج، حاولت التشغيل فلم تشتغل السيارة، نظرت في مقبض التغييرات (القير)، وحركته للأمام والخلف، ثم شغلت السيارة فاشتغلت، ثم أطفأتها وحاولت التشغيل أخرى، فلم تعمل، تيقنت أن هناك مشكلة ما تتعلق بذلك المقبض، نظرت إليه جيداً ووجدت أنني حين أضع السيارة في وضع الـ p وهو التوقف، فإن المقبض يتوقّف قبل أن يكتمل وصوله إلى مكانه المعتاد، ونظرت فإذا “كيبل شحن للجوال” قد رُمي بجوار المقبض،فبات يعيقه عن ذلك! رميت بالكيبل جانباً فاستقر المقبض في مكانه، فحركت المفتاح لتشغيل السيارة فاشتغلت، وحركته لإطفائها فانطفأت، فجربت إخراج المفتاح فخرج بكل سهولة ويسر كالمعتاد، أعدت العملية أكثر من مرّة فلم تواجهني أية مشكلة!

 وفي حالة ثالثة، زارني أحد الرفاق متذمراً من وضعه في منظمته، مبدياً استياءه الكبير من أسلوب إدارة وإجراءات العمل التي تم استحداثها، وأفاد بأنه يفكر جدياً في تقديم استقالته خلال فترة وجيزة.. رغم معرفتي بدورها المهم جداً والفاعل في المنظمة..فسألته : هل قمت بأي إجراء لإشعار الرئيس بالمشكلات التي تواجهها ممن دونه؟ هل بينت له المخاطر التي تهدد المنظمة من جراء تلك الإجراءات التي تم استحداثها؟ هل أخذت إجازة استرخائية لتفكّر في الموضوع بعيداً عن ضغوطات العمل التي تجعلك تتصرف بدون رؤية المشهد كاملاً؟ هل مطالبك واضحة ومحددة؟ فأجاب بالنفي عن كل تلك الأسئلة، ثم التفت إلي وقال: لقد وعيت الدرس، سأخبر الرئيس بكل المشكلات والتحديات التي تواجهني، وأطلب منه إجازة شهر أو أكثر، فأفكر ملياً في الأمر، ويكون لديه الوقت الكافي لتدارس الوضع والحلول بعيداً عن الحاجة للرد الفوري. ثم انصرف الرجل فرحاً جذلاناً، وقد شعر أن همّا كبيراً قد انزاح عن قلبه، و علم أنه لازالت هناك طرق يسيرة لم يسلكها رغم قربها منه.

فأدركت في الحالات السابقة – وفي حالات كثيرة تمرّ علينا – أن المشكلات تكون في الكثير من الأحيان أبسط مما نتوقع، وأن مسبباتها ليست دوماً بحاجة إلى تخصص دقيق، أو غوص في الأعماق، إذ تكون المسببات ظاهرة جلية يراها كل ذي عينين إذا تأمل المشكلة جيداً، وجرّب النظر في المتغيرات المحيطة، وفكّر في البدهيات.كما أدركت في الوقت ذاته أن الحلول الناجحة ليست – بالضرورة – حلولاً جذرية، ولا كبرى، وليست مرتبطة على الدوام بعمل صعب وإجراءات معقدة، أوتكلفة عالية، فهي أحياناً أقرب للمرء من شسع نعله، وفي متناول يده، لو دقق ملياً. 
أعد النظر في المشكلات التي تواجهك، وتأمل بكل هدوء مسبباتها التي تتوقعها، وفكر كذلك في أيسر الحلول التي يمكنك القيام بها، فلا يوجد أي ارتباط بين صعوبة الحل، ونجاح الحل أو فشله.

دمتم بخير
محمد بن سعد العوشن
إعلامي، مهتم بالعمل الخيري