فبراير 03, 2019

خارج صناديق الاعتياد

الإنسان بوضعه الاعتيادي يجب المألوفات لديه، ويعتاد عليها، ويصعب عليه مفارقتها، لذا ترى كثيرين يأكلون ذات الطعام ويشربون ذات الأشربة التي اعتادوا عليها منذ سنين طويلة، ويحجم الواحد منهم عن تجربة الجديد، ويعرض عنها صفحًا لأنها تخرجه من دائرة الاعتياد، وتجعله في دائرة التجريب والاختبار بكل احتمالاتها.
وهذا الصندوق يسير شأنه، إذ أننا نمكث في (صندوق العلاقات المعتادة)، وربما افتخر المرء بأن كل علاقاته الحالية قديمة، تعود للمرحلة الثانوية أو الجامعية أو سواهما!

إن وجود العلاقات الوثيقة، طويلة الأمد أمر مطلوب لكن المرء محتاج لكي ينضج ويتعلم ويتوسع إدراكه ويحيط علمًا بجوانب ليس يعرفها، بحاجة إلى الخروج من صندوق العلاقات المعتادة لتجربة صداقات وعلاقات مختلفة كليًا، مختلفة اجتماعيًا، وجغرافيًا، وفكريًا، وطباعًا..

ومع كل تجربة جديدة يدرك المرء كم فرّط في ذلك الأمر سنينًا، وأغلق أمام نفسه أبواب المعرفة الكثيرة تحت أسر العادة، ويمكن أن يقال ذلك عن الكتب المعتادة، والمشايخ المعتاد على السماع لهم، والقراء، والشعراء، والمنشدين، والبلدان، والألبسة، والمراكب، والمساكن، في قائمة لا تنتهي من الصناديق التي بتنا أسرى لها لا نجاوزها، فإذا ما تجاوزناها وارتفع وعينا أدركنا أنه كان من الأولى بنا أن نفعل ذلك منذ زمن طويل.

وحتى لا يفهم حديثي على غير ما أريد به، فإن ذلك كله يجب أن يكون وفق المباح والجائز شرعًا، فلا يجرّب المرء الخمرة للخروج من صندوق الأشربة المعتاد، ولا يصاحب أهل الضلال ويسايرهم بهدف الخروج من الاعتياد وتجربة التغيير..
ولنتذكر دوماً الدافع من هذا الخروج عن صندوق الاعتياد .. وهو توسيع دائرة المعرفة والإدراك ورفع الوعي، وإطلاق الفكر لمزيد من التأمل والتفكر.

يناير 21, 2019

طقوس الحياة الاجتماعية!

أحد آثار الترف التي يراها كل ذي عينين "زيادة الطقوس الاجتماعية" في بيوتنا ومجتمعاتنا، وتعقيد إجراءات الحياة البسيطة في أصلها، فترى الناس يتسابقون لإضفاء المزيد من السلوكيات التي تصبح "واجباً " والإخلال بها "مذموماً" عند الناس، بل ويعدّ الذي لا يتجاوب مع تلك الطقوس موصوفاً بأنه غير متطور، فهو من طراز قديم لا يعرف الإتيكيت، ولا يحسن التعامل مع معطيات العصر ومستجداته، ولا يزال على "الدقّة القديمة"!.


ونقوم نحن - من جراء هذا الترف الذي حلّ بنا – بـالتفنن كل يوم في إضافة تعقيد جديد على كل فعالية اجتماعية تلقائية ومعتادة، فعلى سبيل المثال: كان من المعتاد أن تبقى النفساء في بيتها فيزورها القريبات والزميلات، يوماً بعد يوم، ويجلبون معهم شيئاً من القهوة والشاي من صنع أهل البيت، ويؤانسون تلك المرأة ويدخلون عليها السرور، ويكفونها شأن الضيافة وعبئها تقديراً لوضعها الصحي، فتحول الوضع اليوم وبات للزيارة أيام محددة، لا يسمح بتجاوزها، وفي جناح فخم بالمستشفى الشهير، ويتم تقديم أنواع التوزيعات التي يتم تصميمها بعناية، ويكتب عليها اسم المولود، وتتحول الولادة - بكل عنائها - إلى عناء مضاعف، في اختيار الجناح، وتجهيزه، وإعداد وتصميم الكثير من التفاصيل، وتحول الموضوع إلى مشروع معقد تنفق فيه الكثير من الأوقات والجهود والأموال، وكلما ولدت امرأة سعت لمنافسة من سبقها، ليتحدث الناس عن صنيعها فيمجدوه ويمدحوه، وأنها أتت بما لم تستطعه الأوائل!

وسواء كانت تلك المصروفات الكبيرة - التي لا جدوى منها سوى التفاخر - من مال الزوجة الموظفة أو من مال زوجها، فإن ذلك في كل الأحوال هو من إضاعة المال، وتبذيره، وإنفاقه في غير وجهه، والله تعالى يقول (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).

والحديث عن هذه الطقوس المصطنعة والوافدة على مجتمعنا المحلّي ليس قاصراً على الاحتفال بقدوم المولود، بل هي في الخطبة والملكة والزواج أضعاف ذلك، وفي حفلات النجاح والتخرج من ذلك الكثير.

إن كثرة انشغال الناس بهذه التفصيلات والجزئيات دليل واضح على ما يعانونه من الفراغ الداخلي من جهة، والشعور بالنقص الذي يسيطر عليهم من جهة أخرى، ويتوقعون أن يكون سدّ ذلك النقص من خلال تلك القشور التي تعلي ذكرهم، وتجعل فعلهم حديث الآخرين وهجّيراهم، لذا تراهم  يفكّرون طويلاً في كيفية إحداث إضافة جديدة، وطقس جديد يضاف لطقوس من سبق.

ويقوم مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي بالترويج للكثير من هذه الطقوس المصطنعة - بوعي أو بغير وعي - سعياً للتظاهر بالعلوّ حيناً، وترويجاً لأصحاب السلع المستفيدين من هذه الطقوس حيناً آخر.

إن التجاوب مع هذه الطقوس والعمل بها هو في حقيقة الأمر لون من ألوان التخلّف الحضاري، والسباحة ضد التيار، فالعالم المتقدم (مادياً) يتوجّه بشكل واضح نحو التيسير والبساطة، أو كما يسمونها "السمبلة"، والسعي للتخلص من التعقيدات والطقوس والإضافات في المكان، والزمان، والفعاليات، واللباس، والإهداء، والتي باتت عبئاً كبيراً على الناس في أموالهم وأوقاتهم واهتماماتهم. وإزالة كل ما علق بها.

وما أحوجنا إلى التنادي للتوقف عن هذا الهدر الكبير، وهذا الإنفاق غير المنطقي في هذه الأبواب التي لا نفع فيها، وأن يسعى الكبار والأثرياء والوجهاء والمشاهير لتقديم النماذج العملية، وأن يكونوا قدوة حسنة في هذا الأمر، فالناس مولعون دوماً بتقليد الكبار.
ولعل الحديث عن هذه الموضوع وإثارته، والمناداة بالتوقف عنه تساهم في إيجاد صوت إيجابي مختلف، وسلوك عملي مختلف يوقف الهدر، ويوقف التعقيد، وينشر البساطة في المجتمع.
دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

نشــر في صحيفة تواصل من هــنــا

يناير 01, 2019

الحلول اليسيرة للمشكلات الكبيرة



ذات مرّة، طلبت من أحد فنّيي الحاسب الذين كانوا يعملون تحت إدارتي أن يقوم بنقل أحد أجهزة الحاسب بكل ملحقاته من مكتب إلى آخر، وحين تم النقل، جاء إليّ الموظف الذي يستخدم الجهاز طالباً الموافقة على إعادة تهيئة الجهاز، وتركيب البرامج عليه مجدداً،
فسألته: لم، وما الحاجة إلى ذلك؟ خصوصاً أنني من أعداء الفورمات “إعادة التهيئة”، فأفاد بأن ذلك هو قرار فني الصيانة الذي أخبره أن نظام التشغيل قد حصلت له مشكلة من جراء النقل، مما يتطلب إعادة مسح محتويات الجهاز وتركيب النظام مجدداً! وبحكم تعاملي زمناً طويلاً مع الحاسب، فإنني لم أتقبل أن يكون مجرد نقل الجهاز بضعة أمتار سبباً في تعطّل نظام التشغيل والجهاز، فذهبت للمكتب لأنظر في شأن الجهاز، وجاء فني الصيانة، فسألته فأخبرني الخبر، وقال إن علامة ذلك صوت يخرج من الحاسب بشكل منتظم ( تووت .. تووت ..) وأنه رغم كل محاولاته لإطفاء الجهاز وإعادة تشغيله بغية حل المشكلة فإن الجهاز لم يتوقف عن إصدار هذا الصوت، وأنه ليس في وسعه -والحالة هذه- إلا القيام بالفرمتة (إعادة التهيئة) فالنظام قد “ضرب” كما يقول! نظرت في الجهاز وملحقاته وكيابله، فوجدت أن الفأرة اللاسلكية (الماوس) قد وضعت فوق لوحة المفاتيح عند نقل الجهاز، وبقيت كذلك، وكان نتيجة ذلك أنأحد أزرار لوحة المفاتيح لا يزال مضغوطاً مما جعل الحاسب يصدر هذا الصوت،ويتسبب في توقف نظام التشغيل عن الإقلاع..أخذت الفأرة، ونحيتها جانباً فانقطع الصوت تماماً، واستكمل الجهاز – من ذاته – عملية الإقلاع للنظام، ثم ظهرت علامة ويندوز على الشاشة معلنة أنا لجهاز يعمل بشكل سليم، وأنه ليست هناك حاجة لأي تدخل فني أو برامجي!، وعدت إلى مكتبي، وذلك الفنيّ يتابع المشهد ولا يدري ماذا يقول.

 وفي مرة أخرى، حدثني أحد الأبناء عن مشكلة في سيارة العائلة، وهي أن المفتاح قد علق في مكان التشغيل، وأنه كان عاجزاً عن تشغيلها!، وأنه ظل يحاول الأمر وقتاً طويلاً، دون نتيجة، وبعد الفجر أتيت إلى السيارة متأملاً هذا الحالة الغريبة، مستعلماً عن الخطب، وباحثاً عن المشكلة ومعرفة سببها.. حاولت إخراج المفتاح فلم يخرج، حاولت التشغيل فلم تشتغل السيارة، نظرت في مقبض التغييرات (القير)، وحركته للأمام والخلف، ثم شغلت السيارة فاشتغلت، ثم أطفأتها وحاولت التشغيل أخرى، فلم تعمل، تيقنت أن هناك مشكلة ما تتعلق بذلك المقبض، نظرت إليه جيداً ووجدت أنني حين أضع السيارة في وضع الـ p وهو التوقف، فإن المقبض يتوقّف قبل أن يكتمل وصوله إلى مكانه المعتاد، ونظرت فإذا “كيبل شحن للجوال” قد رُمي بجوار المقبض،فبات يعيقه عن ذلك! رميت بالكيبل جانباً فاستقر المقبض في مكانه، فحركت المفتاح لتشغيل السيارة فاشتغلت، وحركته لإطفائها فانطفأت، فجربت إخراج المفتاح فخرج بكل سهولة ويسر كالمعتاد، أعدت العملية أكثر من مرّة فلم تواجهني أية مشكلة!

 وفي حالة ثالثة، زارني أحد الرفاق متذمراً من وضعه في منظمته، مبدياً استياءه الكبير من أسلوب إدارة وإجراءات العمل التي تم استحداثها، وأفاد بأنه يفكر جدياً في تقديم استقالته خلال فترة وجيزة.. رغم معرفتي بدورها المهم جداً والفاعل في المنظمة..فسألته : هل قمت بأي إجراء لإشعار الرئيس بالمشكلات التي تواجهها ممن دونه؟ هل بينت له المخاطر التي تهدد المنظمة من جراء تلك الإجراءات التي تم استحداثها؟ هل أخذت إجازة استرخائية لتفكّر في الموضوع بعيداً عن ضغوطات العمل التي تجعلك تتصرف بدون رؤية المشهد كاملاً؟ هل مطالبك واضحة ومحددة؟ فأجاب بالنفي عن كل تلك الأسئلة، ثم التفت إلي وقال: لقد وعيت الدرس، سأخبر الرئيس بكل المشكلات والتحديات التي تواجهني، وأطلب منه إجازة شهر أو أكثر، فأفكر ملياً في الأمر، ويكون لديه الوقت الكافي لتدارس الوضع والحلول بعيداً عن الحاجة للرد الفوري. ثم انصرف الرجل فرحاً جذلاناً، وقد شعر أن همّا كبيراً قد انزاح عن قلبه، و علم أنه لازالت هناك طرق يسيرة لم يسلكها رغم قربها منه.

فأدركت في الحالات السابقة – وفي حالات كثيرة تمرّ علينا – أن المشكلات تكون في الكثير من الأحيان أبسط مما نتوقع، وأن مسبباتها ليست دوماً بحاجة إلى تخصص دقيق، أو غوص في الأعماق، إذ تكون المسببات ظاهرة جلية يراها كل ذي عينين إذا تأمل المشكلة جيداً، وجرّب النظر في المتغيرات المحيطة، وفكّر في البدهيات.كما أدركت في الوقت ذاته أن الحلول الناجحة ليست – بالضرورة – حلولاً جذرية، ولا كبرى، وليست مرتبطة على الدوام بعمل صعب وإجراءات معقدة، أوتكلفة عالية، فهي أحياناً أقرب للمرء من شسع نعله، وفي متناول يده، لو دقق ملياً. 
أعد النظر في المشكلات التي تواجهك، وتأمل بكل هدوء مسبباتها التي تتوقعها، وفكر كذلك في أيسر الحلول التي يمكنك القيام بها، فلا يوجد أي ارتباط بين صعوبة الحل، ونجاح الحل أو فشله.

دمتم بخير
محمد بن سعد العوشن
إعلامي، مهتم بالعمل الخيري

ديسمبر 26, 2018

النمذجة المظلومة!


لا شك أن المشاريع المميزة والناجحة التي تحدث أثراً في ميدانها وتخصصها جديرة بالاقتباس والاحتذاء، ذلك أن كل من واجه المشكلة التي جاء المشروع لحلها، أو أراد الحصول على الخدمة التي يحققها المشروع فإنه سيقوم بمشابهة هذا النموذج المميز ومحاكاته بغية تحقيق نجاح مشابه، وهذه خطوة لا غبار عليها.

لذا فإن الخطوة التالية بعد التحقق من نجاح مشروع ما، هي “نمذجته”، من خلال كتابه إجراءات العمل ونماذجه، وخطوات النجاح، وعوامل الإخفاق، وتحديد العقبات التي واجهت المشروع وكيف تم تجاوزها، والصعوبات التي عايشها المشروع وكيف تم تذليلها، وكيف تم ضمان تحقيق النتيجة المطلوبة، وما هي الدوافع لتنفيذ المشروع، ومبرراته، وبيئة نجاحه.



و”النمذجة” في هذه الحالة، تعتبر خطوة مهمة لتكرار هذا النجاح “المميز” في مواضع أخرى.. مع تقليل الأخطاء التي يمكن أن تقع عند المحاكاة، فضلاً عن كونها توثيقاً للتجربة، وتطبيقاً رائعاً لإدارة المعرفة وتوريثها.

‏ولهذا فإن (الفرنشايز) في المجال التجاري يحقق نجاحات واسعة في شتى المجالات إذ يمكن – من خلال اشتراطاته وأدلته – ضمان أن كل النماذج المأخوذة عنه مطابقة لمستوى النموذج الأول.. شكلاً ومضموناً.

‏غير أن المشكلة اليوم – وللأسف – أن تتم نمذجة جملة من المشاريع التي ما زالت في مرحله البداية، وما زالت تخضع للاختبار والتجربة، تلك الأعمال التي لم تحقق نجاحاً حقيقياً بعد، ولم تثبت فعاليتها؛ أي أنها لم تنجح حتى الآن!.

‏فما أن يبدأ مشروع ما، ويمضي عليه سنة أو سنتان؛ وهو ما زال في مرحلة “الطفولة” – إن صحت التسمية – ولم يخضع لاختبار أداء حقيقي ولم يتم قياس نتائجه العملية ولا مخرجاته بشكل نهائي، ولم يتم وضع أدوات ضبط الجودة اللازمة له؛ ما أن يبدأ حتى نتسامع بالدعوات لنمذجة هذا المشروع الاستثنائي الفريد! ‏وتصبح أحد العبارات السائدة من كل زائر استلبت لبّه بعض التقارير الجميلة عن المشروع، أو أحبّ أن يجامل القائمين عليه أن يردد: (لا بد من النمذجة، لعلكم بدأتم بالنمذجة، متى ستنقلون التجربة للغير؟) ‏إنه التسرع يا سادة.. والاستعجال في إصدار الأحكام دون تريّث.

والحقيقة أنه لا بد من التمهل في استنساخ المشروعات ونقلها، ويجب أن نكون منطقيين، ونعطي التجربة وقتها وحقّها من التجريب والاختبار على أرض الواقع، ونعطيها حقّها في خوض الخطأ والصواب، والتعديل والتصويب والتحسين المستمر؛ للوصول إلى النموذج الناجح فعلاً، كما أن علينا أن نقوم بقياس المخرجات ومعرفة أي جوانب المشروع يؤثر بشكل أكبر، الذي يعتبر لبّ المشروع وأصله، وما هي الحواشي والقشور والكماليات التي لا تؤثر على أصل المشروع، بالإضافة إلى قياس العوامل التي ساهمت في النجاح والعوامل التي ساهمت في الإخفاق، وكيف لنا أن نستديم النجاح ونحقق المقصود، والشيء المهم جداً هو التحقق من تحقيق المشروع لأهدافه على أرض الواقع وحدوث التغيير المنشود فعلاً.

‏وفي رأيي الشخصي أن الانتظار وحساب النتائج يعدّ أمراً مهماً قبل التفكير في استنساخ التجربة، كما أن الحديث عن “النمذجة” يحتاج لتقييمات مستقلة وعادلة للمشروع، فلا تؤخذ تقييمات القائمين على المشروع فحسب، بل يقوم فريق مستقل بمقابلة المستفيدين، وأخذ آرائهم، وقياس التغيّر، ومقارنة المشروع بالمشروعات المشابهة؛ وهو يحتاج إلى نظر أوسع من الحدود المكانية والزمانية للمشروع محل النقاش؛ إذ قد تبدو للفريق طرائق أيسر وأكثر فعالية وأقل تكلفة، أو مشروعات أعظم تحقيقاً للمقصود.

‏إن ما يحدث في الواقع اليوم – وللأسف – هو استنساخ للتجارب الأولية غير الناضجة، ونشرها، والتبشير بها، الذي يصبح – أحياناً – تكراراً مملاً للأخطاء والإخفاقات باسم “النمذجة” التي ظلمناها بهذه التطبيقات المشوّهة التي تستهلك المال والجهد اللذين لا تستحقهما.

ومما يزيد الطين بلّة أن يتحول ذلك النموذج التجريبي الأولي الذي لم ينضج إلى كيان مستقل يوصف بأنه “بيت خبرة” يرجع له كل مؤمل لتحقيق الأهداف، ليظن أصحابه أنهم المستشار الأول، والخبير الذي لا ينازع في هذا المجال؛ وهو تشويه للمصطلح كذلك، وربما صدق في بعضها قول الشاعر:

‏أسماء مملكة في غير موضعها

‏كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

وأختم هاهنا بـالتأكيد على أهمية كتابة كل شيء عن المشاريع التي يتم إطلاقها، وتقييد إجراءاتها، وحفظ نماذجها؛ بهدف توثيق التجربة التي قد تنجح، أو لا تنجح، وفي كلتا الحالتين فالتوثيق يخدم العمل ويطوّره، وينقل الخبرة والتجربة بكل جوانبها للعاملين في هذا المجال، فهو أشبه بالسيرة الذاتية لتلك المشاريع، لكن التوثيق شيء، واعتبار المشروع نموذجاً يُحتذى شيئاً آخر مختلفاً تماماً.

دمتم بخير،،.

محمد بن سعد العوشن

إعلامي، مهتم بالعمل الخيري

تم النشر في صحيفة تواصل من هـــنا 

ديسمبر 08, 2018

أنت طبيب نفسك

يمكنك اللجوء إلى خبير في مجال تطوير الذات بهدف تحقيق النجاح، ويمكنك كذلك أن تحضر عدداً من الدورات التدريبية ذات العناوين الجذابة، والألوان الزاهية، كما أن بإمكانك شراء جملة من الكتب التطويرية الجميلة التي تعدك بأن تكون أفضل وأن تكون ضمن الناجحين المميزين إذا اقتنيتها.

وهي أمور حين تفعّلها بشكل جيد، وتتفاعل معها، فسوف تحقق الكثير من الفائدة فيما تطمح إليه..
لكن الأمر يعتمد - أولاً وأخيراً - على وجود العزيمة الصادقة والمتبوعة بالعمل الجاد في تطوير ذاتك بنفسك.
فأنت أقدر الناس على سياستها، ومعرفة أساليبها في التهرب من المهمات، وطرائق الخداع التي اعتادت أن تعمل وفقاً لها.


ومهما حدّثك المدرب والخبير والكوتش والمؤلف، فإن دورهم يقتصر على إعطائك مقادير الوصفة فحسب، أما جمع تلك المقادير، وعملية "الطبخ" ذاتها فتلك مهمتك أنت، وأنت فقط.
وتخليك عن هذا الدور، بانتظار أن يقوم أولئك بالطبخ ، ثم إطعامك، لتنتقل فجأة من حال إلى حال، هو في الحقيقة عيش في "الأوهام" وترقب لكوب الماء من مساحات "السراب".

ولهذا ترى الجموع الغفيرة، تحضر الدورات إثر الدورات، وتجوب معارض الكتب والمكتبات، وهي مع ذلك كله (مكانك ســر)، لا تجاوز موضعها، ولم يتغير فيها شيء يذكر، والسبب – من وجهة نظري – هو توقعها أن إصلاح الذات يكون من خارجها، وتوقع أن الفشل مثل المرض، وأن النجاح مثل العلاج، فما أن يصرف الطبيب لك العلاج، أو يضع لك الممرض الإبرة حتى تبدأ في الإحساس الفعلي بالتشافي، وهو ظن خاطئ بلا ريب.

فليس ثمة طرق سحرية للنجاح، وليست هناك أساليب تعمل من تلقاء ذاتها، فالنجاح يعتمد كلياً - بعد توفيق الله - على جهدك المتواصل لتحقيقه، دون كلل أو ملل.
وأنت أقدر الناس على معرفة ما ينجح مع نفسك ومالا ينجح، ومعرفة ما يحقق الثمرة وما لا يحققها.
كما أنك أقدر الناس على تكرار التجربة والتعلم منها، والأقدر على الغوص في غمار نفسك لاستكشاف عوامل تحفيزها، ومثيرات الإقدام والإحجام لديها.

فإذا أردت تحقيق النجاح، فاعلم أن الأمر يعتمد عليك، فلا تعوّل على أحد من العالمين.
واحرص على عدم الاتكال على جهد، بل اسأل الله التوفيق والبركة والسداد، وتذكر قوله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يقضي عليه اجتهاده

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بالعمل الخيري


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنا 

نوفمبر 24, 2018

فســــحة " الأمل "


 يخطط أحدنا لمشروع من مشاريعه، ويبدأ فيها بحماسة كبيرة، فيحقق نجاحات في بعضها وإخفاقاً في أخرى..
 وفي خضم تلك الحماسة، والنتائج المتوقعة وغير المتوقعة، تتسلل إليه أحياناً حالة من الإحباط حين يركّز تفكيره على عدد من جوانب الفشل التي وقعت، فيضخّمها، وتطغى على مزاجه!


 وهاهنا يبرز دور مهم لـ (الأمل) إذ لا بد أن  يعوّد مريد النجاح نفسه على (طول النَفَس)، وأن لا ينظر إلى إخفاقه الجزئي والمؤقت، أو تأخر النجاح عن وقته على أنه فشل عام في جميع مسارات الحياة.

أعلل النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ

وعليه أن يدرك أن النتائج لا تحدث بين عشية وضحاها، وأن حل المشكلات المزمنة ليس من خلال قرارات سريعة وآنية، بل بتقديم  المرء لأفضل ما لديه، و فعل كل الأسباب المؤهلة لتحقيق الأهداف المطلوبة، ثم القيام بتعديل الصورة الذهنية للمستقبل في عقله، فيتخيله مستقبلاً مشرقاً مطرزاً بالنجاحات المتتالية..

 فإن حسن الظن، والفأل الحسن أمران مطلوبان لتحقيق النجاح، وأحد العوامل المؤثرة جداً أن يدرك المرء أنه قد يحزن لأنه فاته شيء، ويكون الخير كل الخير في ذلك الفوات ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم).

وبرغم أن قانون “الجذب” أو “السر” كما يطلق عليه أحياناً قد بات محل نزاع وخلاف فكري كبير بين من يراه سرّ النجاح، ومن يراه لوناً من الأساطير والخزعبلات، إلا أن الجميع متفقون على أهمية التفاؤل، والتحذير من التشاؤم،  وأن (البلاء موكل بالمنطق) كما حدثنا بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد قيل: ( الناس معادن، تصدأ بالملل، وتتمدد بالأمل، وتنكمش بالألم )، فلنتخذ قرارنا .. سنعمل بكل جدّ، وسنواجه الإخفاقات والأخطاء التي هي من طبيعة كل جهد بشري، وسنصلح ما يمكننا إصلاحه، وسنتعلم من الدرس، وسنواصل المسيرة، وسنؤمل خيراً كثيراًَ ، ولن يفتّ في عزيمتنا شيء، متوكلين قبل ذلك وأثناءه وبعده على السميع العليم، مدركين أنه لن يتحقق لنا شيء إلا بإذنه.

ولندرك أن الضربة التي لا تكسر ظهرك فإنها تقوّيك، وتعلمك، وتنضجك، ولهذا يقدّر الناس للخبير خبرته، والتي هي نتاج العدد الكبير من المحاولات الصائبة والخاطئة، والإخفاقات والنجاحات، والتي بمجموعها أخرجت لنا هذا (الخبير).

وبدون “الأمل” فإننا نعيش حياة كئيبة، مملوءة بالإحباط والتشكي والبؤس، وننظر حينها للحياة بنظارة سوداء لا ترى شيئاً مبهجاً، ويؤثر فقدان الأمل على صحتنا النفسية والجسدية في آن واحد، كما أنه يجعلنا نتوقف عن التقدم، وحينها فإننا نبدأ في طريق الانحدار الذي لا قاع له.

دمتم بخير ،،،

محمد سعد العوشن

@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنـــا

نوفمبر 20, 2018

تغيير سلوكيات المجتمع!

كم تبادلنا في مجالسنا ومنتدياتنا وشبكات تواصلنا حديث اللوم والتقريع لبعض المظاهر غير الحسنة في واقعنا، ويشارك في الحديث كثير من الناس كل منهم يمكنه أن يلقي خطبة عصماء في هذا الأمر الذي يتم نقاشه، فإذا نظرت في واقع بعض أولئك المتحدثين، وجدته يقع فيما كان يذم!

فتراه يفرّط في النظافة في الأماكن العامة - مثلاً - متذرعاً بأن الجميع يصنع ذلك، وأن عنايته بالنظافة لتلك الأماكن تلك لن تصلح المكان، ولن تغير من واقع الأمر شيئاً، فسيأتي غيره ليفسد، ويلوّث..
وبهذه الطريقة يتم تسويغ الخطأ وتبريره، ويتحول المرء إلى نسخة من مكررة من السيئين.
وهذا الأمر - بكل تأكيد - لا يمكنه أن يصلح الأوضاع ولا يرفع من جودة الحياة وظروفها، لأن الناس لن يتحسنوا فجأة، ولن يتحسنوا جميعاً.
والحقيقة التي لا شك فيها أنه لو التزم كل واحد منّا بإصلاح ذاته لصلح المجتمع برمّته، ولو التزم كل منا بنظافة المكان الذي يعمل ويسكن فيه لكان بلدنا كله نظيفاً، ولو التزم كل واحد منا بالأخلاق الحسنة، لتغيرت الصورة الأخلاقية للمجتمع كله، وبتنا خير المجتمعات..
غير أن المشكلة تكمن في أن كل واحد منا يتلفت يمنة ويسرة قبل أن يبدأ هو مسيرة إصلاح سلوكه، ويؤجل التحسين والتغيير إلى أن يتغير الناس..
والحل الصحيح هنا وفي كل حالة مشابهة أن تعمل العمل الصحيح، وتكون قدوة في هذا الأمر، وتصلح ما يمكنك إصلاحه، وأثناء إصلاحك لنفسك فعلاً ، يمكنك أن تقوم بالتنبيه المؤدب لكل من تراه يخالف ذلك..
وفي هذا يحسن الاستشهاد بقصيدة أبي الأسود الدؤلي ، التي يقول فيها :
وإذا عتبت على السفيه ولمته ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم
إن وجود النماذج (القدوة) في كل المجالات من شأنه أن يشجع الناس على الاقتداء بهم، والسير على خطاهم، وترك أخطائهم، ومن هنا تكون بوابة التغيير الإيجابي دوماً، وفضلاً عن الشعور الذاتي بالرضا عن الذات حين تفعل الفعل الصحيح، فإن استشعار "الأجر" المترتب على اقتداء الناس بك، حين سننت لهم هذه السنة الحسنة، يدفعك للتمسك بالصواب وعدم النكوص عنه مهما كانت المعاذير.
وقد نهينا أن يكون المرء إمّعة، فيقول: إن أحسن الناس أحسنت معهم، وإن أساؤوا أسأت معهم، فليس أمراً مقبولاً من كل ذي لب، ولكن إن أحسن الناس فأحسن، وإن أساؤوا فتجنب صنيعهم، وافعل الفعل الصحيح دوماً وأبداً ولا تنتظر لإحسانك رداً .
وأود في الختام أن أشير إلى أن "القدوة" المذكورة هنا ليست السبيل الوحيد لإصلاح سلوكيات المجتمع، لكنها الوسيلة اليسيرة، والمتاحة لكل أحد، وذات التأثير المؤكد، والتي لا تحتاج إذناً أو إجراء معقداً لتحقيقها.
فإذا تعاضد ذلك كله مع توجه رسمي لتغيير بعض السلوكيات، من خلال الترغيب والترهيب، ومن خلال الحملات التوعوية، ومن خلال بعض الإجراءات المحفّزة، فلا شك أن ذلك سيكون أكثر نفعاً وتأثيراً
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي، مهتم بالعمل الخيري
@bin_oshan

نشر في صحيفة تواصل من هــــنـــا