ديسمبر 08, 2018

أنت طبيب نفسك

يمكنك اللجوء إلى خبير في مجال تطوير الذات بهدف تحقيق النجاح، ويمكنك كذلك أن تحضر عدداً من الدورات التدريبية ذات العناوين الجذابة، والألوان الزاهية، كما أن بإمكانك شراء جملة من الكتب التطويرية الجميلة التي تعدك بأن تكون أفضل وأن تكون ضمن الناجحين المميزين إذا اقتنيتها.

وهي أمور حين تفعّلها بشكل جيد، وتتفاعل معها، فسوف تحقق الكثير من الفائدة فيما تطمح إليه..
لكن الأمر يعتمد - أولاً وأخيراً - على وجود العزيمة الصادقة والمتبوعة بالعمل الجاد في تطوير ذاتك بنفسك.
فأنت أقدر الناس على سياستها، ومعرفة أساليبها في التهرب من المهمات، وطرائق الخداع التي اعتادت أن تعمل وفقاً لها.


ومهما حدّثك المدرب والخبير والكوتش والمؤلف، فإن دورهم يقتصر على إعطائك مقادير الوصفة فحسب، أما جمع تلك المقادير، وعملية "الطبخ" ذاتها فتلك مهمتك أنت، وأنت فقط.
وتخليك عن هذا الدور، بانتظار أن يقوم أولئك بالطبخ ، ثم إطعامك، لتنتقل فجأة من حال إلى حال، هو في الحقيقة عيش في "الأوهام" وترقب لكوب الماء من مساحات "السراب".

ولهذا ترى الجموع الغفيرة، تحضر الدورات إثر الدورات، وتجوب معارض الكتب والمكتبات، وهي مع ذلك كله (مكانك ســر)، لا تجاوز موضعها، ولم يتغير فيها شيء يذكر، والسبب – من وجهة نظري – هو توقعها أن إصلاح الذات يكون من خارجها، وتوقع أن الفشل مثل المرض، وأن النجاح مثل العلاج، فما أن يصرف الطبيب لك العلاج، أو يضع لك الممرض الإبرة حتى تبدأ في الإحساس الفعلي بالتشافي، وهو ظن خاطئ بلا ريب.

فليس ثمة طرق سحرية للنجاح، وليست هناك أساليب تعمل من تلقاء ذاتها، فالنجاح يعتمد كلياً - بعد توفيق الله - على جهدك المتواصل لتحقيقه، دون كلل أو ملل.
وأنت أقدر الناس على معرفة ما ينجح مع نفسك ومالا ينجح، ومعرفة ما يحقق الثمرة وما لا يحققها.
كما أنك أقدر الناس على تكرار التجربة والتعلم منها، والأقدر على الغوص في غمار نفسك لاستكشاف عوامل تحفيزها، ومثيرات الإقدام والإحجام لديها.

فإذا أردت تحقيق النجاح، فاعلم أن الأمر يعتمد عليك، فلا تعوّل على أحد من العالمين.
واحرص على عدم الاتكال على جهد، بل اسأل الله التوفيق والبركة والسداد، وتذكر قوله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يقضي عليه اجتهاده

دمتم بخير،،،

محمد بن سعد العوشن
إعلامي مهتم بالعمل الخيري


تم النشر في صحيفة تواصل من هــنا 

نوفمبر 24, 2018

فســــحة " الأمل "


 يخطط أحدنا لمشروع من مشاريعه، ويبدأ فيها بحماسة كبيرة، فيحقق نجاحات في بعضها وإخفاقاً في أخرى..
 وفي خضم تلك الحماسة، والنتائج المتوقعة وغير المتوقعة، تتسلل إليه أحياناً حالة من الإحباط حين يركّز تفكيره على عدد من جوانب الفشل التي وقعت، فيضخّمها، وتطغى على مزاجه!


 وهاهنا يبرز دور مهم لـ (الأمل) إذ لا بد أن  يعوّد مريد النجاح نفسه على (طول النَفَس)، وأن لا ينظر إلى إخفاقه الجزئي والمؤقت، أو تأخر النجاح عن وقته على أنه فشل عام في جميع مسارات الحياة.

أعلل النفس بالآمال أرقبها

ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ

وعليه أن يدرك أن النتائج لا تحدث بين عشية وضحاها، وأن حل المشكلات المزمنة ليس من خلال قرارات سريعة وآنية، بل بتقديم  المرء لأفضل ما لديه، و فعل كل الأسباب المؤهلة لتحقيق الأهداف المطلوبة، ثم القيام بتعديل الصورة الذهنية للمستقبل في عقله، فيتخيله مستقبلاً مشرقاً مطرزاً بالنجاحات المتتالية..

 فإن حسن الظن، والفأل الحسن أمران مطلوبان لتحقيق النجاح، وأحد العوامل المؤثرة جداً أن يدرك المرء أنه قد يحزن لأنه فاته شيء، ويكون الخير كل الخير في ذلك الفوات ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم).

وبرغم أن قانون “الجذب” أو “السر” كما يطلق عليه أحياناً قد بات محل نزاع وخلاف فكري كبير بين من يراه سرّ النجاح، ومن يراه لوناً من الأساطير والخزعبلات، إلا أن الجميع متفقون على أهمية التفاؤل، والتحذير من التشاؤم،  وأن (البلاء موكل بالمنطق) كما حدثنا بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقد قيل: ( الناس معادن، تصدأ بالملل، وتتمدد بالأمل، وتنكمش بالألم )، فلنتخذ قرارنا .. سنعمل بكل جدّ، وسنواجه الإخفاقات والأخطاء التي هي من طبيعة كل جهد بشري، وسنصلح ما يمكننا إصلاحه، وسنتعلم من الدرس، وسنواصل المسيرة، وسنؤمل خيراً كثيراًَ ، ولن يفتّ في عزيمتنا شيء، متوكلين قبل ذلك وأثناءه وبعده على السميع العليم، مدركين أنه لن يتحقق لنا شيء إلا بإذنه.

ولندرك أن الضربة التي لا تكسر ظهرك فإنها تقوّيك، وتعلمك، وتنضجك، ولهذا يقدّر الناس للخبير خبرته، والتي هي نتاج العدد الكبير من المحاولات الصائبة والخاطئة، والإخفاقات والنجاحات، والتي بمجموعها أخرجت لنا هذا (الخبير).

وبدون “الأمل” فإننا نعيش حياة كئيبة، مملوءة بالإحباط والتشكي والبؤس، وننظر حينها للحياة بنظارة سوداء لا ترى شيئاً مبهجاً، ويؤثر فقدان الأمل على صحتنا النفسية والجسدية في آن واحد، كما أنه يجعلنا نتوقف عن التقدم، وحينها فإننا نبدأ في طريق الانحدار الذي لا قاع له.

دمتم بخير ،،،

محمد سعد العوشن

@bin_oshan

تم النشر في صحيفة تواصل من هــنـــا

نوفمبر 20, 2018

تغيير سلوكيات المجتمع!

كم تبادلنا في مجالسنا ومنتدياتنا وشبكات تواصلنا حديث اللوم والتقريع لبعض المظاهر غير الحسنة في واقعنا، ويشارك في الحديث كثير من الناس كل منهم يمكنه أن يلقي خطبة عصماء في هذا الأمر الذي يتم نقاشه، فإذا نظرت في واقع بعض أولئك المتحدثين، وجدته يقع فيما كان يذم!

فتراه يفرّط في النظافة في الأماكن العامة - مثلاً - متذرعاً بأن الجميع يصنع ذلك، وأن عنايته بالنظافة لتلك الأماكن تلك لن تصلح المكان، ولن تغير من واقع الأمر شيئاً، فسيأتي غيره ليفسد، ويلوّث..
وبهذه الطريقة يتم تسويغ الخطأ وتبريره، ويتحول المرء إلى نسخة من مكررة من السيئين.
وهذا الأمر - بكل تأكيد - لا يمكنه أن يصلح الأوضاع ولا يرفع من جودة الحياة وظروفها، لأن الناس لن يتحسنوا فجأة، ولن يتحسنوا جميعاً.
والحقيقة التي لا شك فيها أنه لو التزم كل واحد منّا بإصلاح ذاته لصلح المجتمع برمّته، ولو التزم كل منا بنظافة المكان الذي يعمل ويسكن فيه لكان بلدنا كله نظيفاً، ولو التزم كل واحد منا بالأخلاق الحسنة، لتغيرت الصورة الأخلاقية للمجتمع كله، وبتنا خير المجتمعات..
غير أن المشكلة تكمن في أن كل واحد منا يتلفت يمنة ويسرة قبل أن يبدأ هو مسيرة إصلاح سلوكه، ويؤجل التحسين والتغيير إلى أن يتغير الناس..
والحل الصحيح هنا وفي كل حالة مشابهة أن تعمل العمل الصحيح، وتكون قدوة في هذا الأمر، وتصلح ما يمكنك إصلاحه، وأثناء إصلاحك لنفسك فعلاً ، يمكنك أن تقوم بالتنبيه المؤدب لكل من تراه يخالف ذلك..
وفي هذا يحسن الاستشهاد بقصيدة أبي الأسود الدؤلي ، التي يقول فيها :
وإذا عتبت على السفيه ولمته ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم
إن وجود النماذج (القدوة) في كل المجالات من شأنه أن يشجع الناس على الاقتداء بهم، والسير على خطاهم، وترك أخطائهم، ومن هنا تكون بوابة التغيير الإيجابي دوماً، وفضلاً عن الشعور الذاتي بالرضا عن الذات حين تفعل الفعل الصحيح، فإن استشعار "الأجر" المترتب على اقتداء الناس بك، حين سننت لهم هذه السنة الحسنة، يدفعك للتمسك بالصواب وعدم النكوص عنه مهما كانت المعاذير.
وقد نهينا أن يكون المرء إمّعة، فيقول: إن أحسن الناس أحسنت معهم، وإن أساؤوا أسأت معهم، فليس أمراً مقبولاً من كل ذي لب، ولكن إن أحسن الناس فأحسن، وإن أساؤوا فتجنب صنيعهم، وافعل الفعل الصحيح دوماً وأبداً ولا تنتظر لإحسانك رداً .
وأود في الختام أن أشير إلى أن "القدوة" المذكورة هنا ليست السبيل الوحيد لإصلاح سلوكيات المجتمع، لكنها الوسيلة اليسيرة، والمتاحة لكل أحد، وذات التأثير المؤكد، والتي لا تحتاج إذناً أو إجراء معقداً لتحقيقها.
فإذا تعاضد ذلك كله مع توجه رسمي لتغيير بعض السلوكيات، من خلال الترغيب والترهيب، ومن خلال الحملات التوعوية، ومن خلال بعض الإجراءات المحفّزة، فلا شك أن ذلك سيكون أكثر نفعاً وتأثيراً
دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن
إعلامي، مهتم بالعمل الخيري
@bin_oshan

نشر في صحيفة تواصل من هــــنـــا

أكتوبر 29, 2018

نداء


إلى الذين يعرفون شيئاً ذا بال..
إلى الذين يتقنون شيئاً ولو كان صغيراً ..
إلى الذين مرّت بهم تجربة تستحق أن تكتب..
إلى الذين استطاعوا التخلص من مشكلة حلّت بهم ..
بادروا ، واكتبوا ما لديكم، انقلوا تلك المعرفة والمهارة من أذهانكم إلى شبكة الإنترنت .. من خلال التدوين .
وبعد ذلك يمكن لكم أن تنضجوها، تتوسعوا فيها، تهذبوها، تحذفوها..
المهم أن تكتبوا ماهو متوافر في ذاكرتكم .
فليس يدري الواحد منّا متى سيتاح له الوقت ليصنع ذلك..
ولا كم من العمر قد بقي له .
فانشر الخير، واعلم أنه من العلم النافع الذي يجري أجره للمرء حتى بعد وفاته.

أكتوبر 14, 2018

داء "الاعتياد"!

يطمح اللاجئون إلى العودة إلى منازلهم أياً كانت أحوالها، فيغلقون عليهم الباب آمنين مطمئنين، يظللهم السقف عن حر الشمس، وبرد الشتاء، ويمنع عنهم أذى الناس، ويلتقون بأهليهم وذويهم ويجتمع شملهم.
ويؤمل المسجون، بل ويفرح برؤية الشمس، ومن أمنياته أن يخرج في فناء يسير يتلقى فيه أشعتها الذهبية، ويرى السحب والغيوم حين تمر مروراً هادئاً يسيراً، وأن يجلس مع أهله وذويه متى شاء وأين شاء.
ويتمنى المريض الملقى على فراشه منذ أشهر أن يتمكن من القيام من سريره، والتحرّك عنه، وتناول الطعام، والشراب كما يحلو له، وأن يقوم بذلك بنفسه دون الحاجة إلى أحد، وأن يركب سيارته ويتنقل بها كيفما أراد.

غير أن كثيراً من هؤلاء لا يستطيع ذلك؛ وهم محرومون من ذلك، وكلما شاهدوا صحيفة أو تلفازاً ورأوا الناس تتمتع بهذه الأمنيات.. اعتصرت قلوبهم حزناً وحسرة.
فماذا عنك؟

هل أصابك داء “الاعتياد” فلم يعد يلفت انتباهك وجود المنزل، والمركب، ولا خدمة النفس، ولا الحركة، ولا الإبصار، ولا التذوق، ولا الشمّ، ولا السمع، ولا القدرة على الحديث، ولا توفر الطعام والشراب، ولا القدرة على تناولهما وإخراجهما، ولا مشاهدة طلوع الشمس وغروبها، ولا رؤية السماء والنجوم والقمر، ولا الالتقاء بالأهل والأصحاب؟

أتراك اعتدت هذه النعم المتوافرة والمتتالية كلها.. فلم تعد تشعر بها؟

إنك حين تجلس مع أحد الذين ابتلاهم الله بتلك الأحوال السالف ذكرها، وتسمع منهم أمنياتهم، وتلتقط مشاعرهم، وتنظر في عيونهم، فلسوف تعلم يقيناً أن مجرد قدرتك على الحركة ذهاباً وجيئة هي نعمة عظيمة لا تقدر بثمن، فضلاً عما سواها من النعم.

وستدرك أن كثيراً من الذين تعلوهم الكآبة، وتغشاهم التعاسة، ويحيط بهم الكدر والحزن، إنما هم أقوام غفلوا عن هذه النعم التي يغرقون فيها، التي لا يستطيعون لها حصراً، وغاب عنهم استحضارها والإحساس بها في كل مرة، والامتنان لوجودها، وتسبب “الاعتياد” في تناسيها رغم ضخامتها، وتراهم قد ركّزوا تفكيرهم كله فيما يفتقدون، وفيما لم يتحقق لهم، وأطلقوا أبصارهم في النعم البعيدة التي لم ينالوها، وانصرفوا بالكلية عن النعم التي يرفلون فيها، وباتوا يرون حدائق الجيران أكثر اخضراراً من حدائقهم – كما يقال – لفقدانهم القناعة بالموجود، والاستمتاع به، والتلذذ بمعايشته.

أيها القارئ الكريم.

انهض من غفلتك، واستيقظ من نومتك، وتدبّر في حياتك، وتأمل في واقعك، لتدرك أنك – أياً كانت حالتك – مغمور بالنعم، منغمس فيها، ولا يتطلب منك الأمر إلا استبصاراً بكل ما يمر بك، واستشعاراً لكل ما يحيط بك، فيورثك ذلك الرضا والسكينة والطمأنينة، وتحمد الله عز وجل على ما أفاضه عليك، وحينها ستجد السعادة إلى قلبك سبيلاً، وسوف تتمتع بكل لحظة من لحظات يومك، وتلهج صادقاً بالحمد جهراً وسراً، ويصدق فيك آنذاك قول الله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم).

زادك الله من فضله، وألهمك التأمل في نعمه ومخلوقاته، وكفاك شر الاعتياد.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن

____________
نشر ت في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 04, 2018

لا عذر لك حين تفشل!

ليس للعوامل الخارجية تأثير حقيقي في بروز الناجحين وتميزهم، وتحقيقهم للنجاحات المختلفة في حياتهم!

فالواقع يشهد بأن عدداً غير قليل من المتميزين والناجحين في عصرنا هذا وفي العصور السابقة عاشوا في ظروف صعبة، واعترضتهم عوائق كبرى، ومع ذلك حققوا نجاحات ملهمة ومبهرة، بينما فشل وأخفق جملة ممن ظروفهم المحيطة أفضل، ومؤهلات النجاح لديهم عالية ..وقد كانوا أولى بالنجاح، غير أنهم لم ينالوه!
والنظر في سير الناجحين من أهل الإعاقة، السمعية أو البصرية أو الحركية أو النفسية، وفي سير الكثير من الفقراء الذين تجاوزوا كل القيود التي تمنعهم وقفزوا من حالة الفقر المحبطة إلى حالة النجاح المحفّزة، سواء في الجانب المالي أو السياسي أو الإداري أو العلمي يؤكد لنا هذا الأمر بجلاء.

ويزيد قناعتنا بأن الظروف المحيطة قد تكون معينة على النجاح لكنها ليست السبب الرئيس لتحصيله.

إن الأمر - يا سادة - مرتبط بمستوى العزيمة والجدية لدى المرء، إضافة إلى قدرته على "إدارة الذات" بشكل فعال، وعدم الاستسلام لرغبات النفس وميلها المستمر للراحة والدعة.

والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على *
 حُبّ الرضاعِ وإن تفطمه ينفطمِ

فلم يكن نيل المعالي - دوماً - إلا عبر طريق شاق طويل متعب، لكن النتائج تستحق ذلك الجهد، وفي هذا يقول الشاعر:

لولا المشقّة ساد الناس كلهمُ *
الجود يفقر والإقدام قتّالُ

إذ لا ينقص الناس المزيد من "المعرفة" عن النجاح، وأساليبه وأدواته وكيفية الوصول إليه،  لكن الذي  ينقصهم في الحقيقة هو التحول إلى "العمل".
 وليس العمل هنا مجّرد "هبّة" مؤقتة، و حماسة مفاجئة، سرعان ما تتوقف، بل هو العمل المستمر، الدائم، ولعل إلقاء نظرة على ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بقوله «أن أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» يوضح لنا هذا الأمر.
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبته. وحين سُئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم؛ قالت: "كان عمله ديمة".

إننا اليوم أحوج ما نكون للانطلاق نحو العمل، والتحول من التنظير إلى التطبيق.
فهيا بنا، دام توفيقكم

أكتوبر 04, 2018

التربية في عصر المعلوماتية

يشكل استطلاع سابق أجراه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني صدمة تربوية حقيقية، غير أنني لم أجد له الصدى الذي يتناسب معه!

حيث كشف الاستطلاع المذكور عن أن ما يزيد عن 90% من الأسر السعودية يستخدم أطفالها الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية، وأن 43% من هؤلاء الذين يستخدمونها، تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات، ومتوسط عدد الساعات اليومية لاستخدام الأطفال لتلك الأجهزة يصل إلى أربع ساعات، بل يقرّ ثلث أولياء الأمور بأن استخدام أطفالهم للأجهزة الذكية كان له أثر سلبي على هؤلاء الأطفال!


ورغم الدلائل الخطيرة التي يكشفها الاستطلاع؛ ما زال البعض يعتبر “الحديث عن التربية” حديثاً مكروراً ومملاً، ولا طائل من ورائه، مع أن الواقع يشهد بأننا الآن أحوج ما نكون للالتفات إلى “التربية” لكل من نعول، فالذي لا تخطئه العين من خلال متابعة مستجدات التقنية الحديثة، وما تبثه وسائل الإعلام العالمية، أن العالم الأول – كما يسمى – يستهدف ويعمل بكل جدِّيَّة من أجل تحويل كافة المجتمعات لا إلى (نسخ) منهم، بل إلى (مسخ) عنهم، وتأتي محاولاتهم بكل الطرق وشتى الأساليب، طواعية وإكراها؛ من أجل صهر كل المجتمعات في قالب موحّد يمكن توجيهه والسيطرة عليه وتغييره بضغطة زر.

وهذا الأمر ليس مجرد مواعظ تقال: ولا خططاً على الورق، وإنما هي قرارات صادرة، وتوجهات رئيسة، ومشروعات قائمة عابرة للقارات، يقف وراءها جيوش من العاملين لتحقيقها، وهم لا يخفون ذلك بل يجاهرون به، فكما يقول بريجنسكي المستشار الأسبق للأمن القومي الأمريكي: (الهيمنة قديمة قدم البشرية نفسها…)، ويشير في كتابه (بين عصرين) إلى ضرورة خوض معركة الأيديولوجية على كل الساحات، بدءاً من حقوق الإنسان ووصولاً إلى تصدير نمط الحياة الأمريكية (الجينز والديسكو والعلوم والتكنولوجيا والعادات الأمريكية) من خلال استثمار تكنولوجيا الاتصال، كما أن صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية يشيرون صراحة إلى ضرورة تسويق (ثقافة المتعة الأمريكية) إلى شعوب العالم بقصد تكريس مفهوم (أمركة العالم).

ولذا لا عجب أن يكون توزيع أكبر 300 شركة إعلامية تعمل في العالم، كما يلي: 50% أمريكية و25% أوروبية.

فإذا أدركت حجم العمل الذي يتم، والمخططات التي تستهدف إتمام عملية المسخ، فلتدرك أنه ليس مطلوباً منك أن تقف أمام هذا الطوفان الكبير من أجل حماية العالم من هذه الحملة الشعواء، وإنما المطلوب منك (فقط) أن تقوم بحماية بيتك، وذريتك، ومن تحمّلت مسؤوليتهم فـ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولو أن كل واحد منّا حصّن بيته، واهتم بمن تحت يده، لتفتتت كل تلك الحملات على صخرة “التربية”.

أيها القارئ الكريم

لا بد أن تستشعر أنك أنت المسؤول أولاً وأخيراً، وأن لا تعوّل كثيراً على المدرسة، ولا الأصدقاء، ولا وسائل الإعلام في تربية أبنائك، بل عليك أن تقوم بجهدك الخاص، وتبذل المستطاع لكي تحافظ على قيمهم من التزعزع؛ كي تكون وإياهم من المفلحين، و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

وإن أسهل حيلة يمكنها أن تفتح لك مخرجاً يسيراً للنكوص عن مهمتك، والتولي عن مسؤوليتك، أن تكرر في نفسك وفي مجالسك: (ما باليد حيلة؛ الأمر خارج عن السيطرة، ومن أنا حتى أقف بعائلتي في وجه هذا المدّ، لا بد من الانحناء للعاصفة، التغيير السلبي أمر لا بد منه)؛ فإن تلك العبارات ليست سوى تبريرات غير صحيحة للتقصير الكبير الذي نمارسه اليوم، ونخجل من مصارحة أنفسنا به.

ولنحذر – في مجال التربية – من التعويل على تكاثر النماذج المفرّطة، من الذين باتت بيوتاتهم مجرد فنادق للمبيت، وأصبح كل فرد منهم يسرح ويمرح كيفما يريد دون وازع أو رادع، بل علينا أن ننظر لقدوات أخرى استطاعت النجاح وسط هذا الموج الهادر.

ولنحذر من الاستشهاد الخاطئ بمثل قوله تعالى: (ليس عليك هداهم)، وقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)، ونحوها على اعتبار أن الهداية من الله، ولو أن الأب ليس مطلوباً منه سوى الدعاء!، فالحقيقة أنها آيات جاءت لتطمين الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن بذل كل ما في وسعه لهداية الناس، ولم يتحقق له مراده مع بعضهم، فأراد الله أن يخفف عنه الحزن الذي يصيبه من جراء ذلك، ويبين له أن الهداية من الله تعالى، مع ضرورة مواصلة الدعوة حتى الممات، فلا تتعامل مع هذه الآيات على أنها رخصة للقاعدين عن العمل الجاد.

وأخيراً:

لتعلم أن (خير وسيلة للدفاع.. هي الهجوم)، فعلِّم زوجتك، وإخوانك، وأخواتك، وذريتك أن يكونوا هم المبادرين بالدعوة للمحافظة على القيم الأصيلة لهذا المجتمع؛ ليكونوا أنوار هداية، ومشاعل نور، وناصحين، مشفقين، باذلين للوسع من أجل التأثير الإيجابي على من يجالسون، وأن لا يكتفوا بمنع ذواتهم من الذوبان في شخصية الآخر فحسب.

دام توفيقك.

محمد بن سعد العوشن

المقال في صحيفة تواصل هــنــا