أكتوبر 14, 2018

داء "الاعتياد"!

يطمح اللاجئون إلى العودة إلى منازلهم أياً كانت أحوالها، فيغلقون عليهم الباب آمنين مطمئنين، يظللهم السقف عن حر الشمس، وبرد الشتاء، ويمنع عنهم أذى الناس، ويلتقون بأهليهم وذويهم ويجتمع شملهم.
ويؤمل المسجون، بل ويفرح برؤية الشمس، ومن أمنياته أن يخرج في فناء يسير يتلقى فيه أشعتها الذهبية، ويرى السحب والغيوم حين تمر مروراً هادئاً يسيراً، وأن يجلس مع أهله وذويه متى شاء وأين شاء.
ويتمنى المريض الملقى على فراشه منذ أشهر أن يتمكن من القيام من سريره، والتحرّك عنه، وتناول الطعام، والشراب كما يحلو له، وأن يقوم بذلك بنفسه دون الحاجة إلى أحد، وأن يركب سيارته ويتنقل بها كيفما أراد.

غير أن كثيراً من هؤلاء لا يستطيع ذلك؛ وهم محرومون من ذلك، وكلما شاهدوا صحيفة أو تلفازاً ورأوا الناس تتمتع بهذه الأمنيات.. اعتصرت قلوبهم حزناً وحسرة.
فماذا عنك؟

هل أصابك داء “الاعتياد” فلم يعد يلفت انتباهك وجود المنزل، والمركب، ولا خدمة النفس، ولا الحركة، ولا الإبصار، ولا التذوق، ولا الشمّ، ولا السمع، ولا القدرة على الحديث، ولا توفر الطعام والشراب، ولا القدرة على تناولهما وإخراجهما، ولا مشاهدة طلوع الشمس وغروبها، ولا رؤية السماء والنجوم والقمر، ولا الالتقاء بالأهل والأصحاب؟

أتراك اعتدت هذه النعم المتوافرة والمتتالية كلها.. فلم تعد تشعر بها؟

إنك حين تجلس مع أحد الذين ابتلاهم الله بتلك الأحوال السالف ذكرها، وتسمع منهم أمنياتهم، وتلتقط مشاعرهم، وتنظر في عيونهم، فلسوف تعلم يقيناً أن مجرد قدرتك على الحركة ذهاباً وجيئة هي نعمة عظيمة لا تقدر بثمن، فضلاً عما سواها من النعم.

وستدرك أن كثيراً من الذين تعلوهم الكآبة، وتغشاهم التعاسة، ويحيط بهم الكدر والحزن، إنما هم أقوام غفلوا عن هذه النعم التي يغرقون فيها، التي لا يستطيعون لها حصراً، وغاب عنهم استحضارها والإحساس بها في كل مرة، والامتنان لوجودها، وتسبب “الاعتياد” في تناسيها رغم ضخامتها، وتراهم قد ركّزوا تفكيرهم كله فيما يفتقدون، وفيما لم يتحقق لهم، وأطلقوا أبصارهم في النعم البعيدة التي لم ينالوها، وانصرفوا بالكلية عن النعم التي يرفلون فيها، وباتوا يرون حدائق الجيران أكثر اخضراراً من حدائقهم – كما يقال – لفقدانهم القناعة بالموجود، والاستمتاع به، والتلذذ بمعايشته.

أيها القارئ الكريم.

انهض من غفلتك، واستيقظ من نومتك، وتدبّر في حياتك، وتأمل في واقعك، لتدرك أنك – أياً كانت حالتك – مغمور بالنعم، منغمس فيها، ولا يتطلب منك الأمر إلا استبصاراً بكل ما يمر بك، واستشعاراً لكل ما يحيط بك، فيورثك ذلك الرضا والسكينة والطمأنينة، وتحمد الله عز وجل على ما أفاضه عليك، وحينها ستجد السعادة إلى قلبك سبيلاً، وسوف تتمتع بكل لحظة من لحظات يومك، وتلهج صادقاً بالحمد جهراً وسراً، ويصدق فيك آنذاك قول الله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم).

زادك الله من فضله، وألهمك التأمل في نعمه ومخلوقاته، وكفاك شر الاعتياد.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن

____________
نشر ت في صحيفة تواصل من هــنــا

أكتوبر 04, 2018

لا عذر لك حين تفشل!

ليس للعوامل الخارجية تأثير حقيقي في بروز الناجحين وتميزهم، وتحقيقهم للنجاحات المختلفة في حياتهم!

فالواقع يشهد بأن عدداً غير قليل من المتميزين والناجحين في عصرنا هذا وفي العصور السابقة عاشوا في ظروف صعبة، واعترضتهم عوائق كبرى، ومع ذلك حققوا نجاحات ملهمة ومبهرة، بينما فشل وأخفق جملة ممن ظروفهم المحيطة أفضل، ومؤهلات النجاح لديهم عالية ..وقد كانوا أولى بالنجاح، غير أنهم لم ينالوه!
والنظر في سير الناجحين من أهل الإعاقة، السمعية أو البصرية أو الحركية أو النفسية، وفي سير الكثير من الفقراء الذين تجاوزوا كل القيود التي تمنعهم وقفزوا من حالة الفقر المحبطة إلى حالة النجاح المحفّزة، سواء في الجانب المالي أو السياسي أو الإداري أو العلمي يؤكد لنا هذا الأمر بجلاء.

ويزيد قناعتنا بأن الظروف المحيطة قد تكون معينة على النجاح لكنها ليست السبب الرئيس لتحصيله.

إن الأمر - يا سادة - مرتبط بمستوى العزيمة والجدية لدى المرء، إضافة إلى قدرته على "إدارة الذات" بشكل فعال، وعدم الاستسلام لرغبات النفس وميلها المستمر للراحة والدعة.

والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على *
 حُبّ الرضاعِ وإن تفطمه ينفطمِ

فلم يكن نيل المعالي - دوماً - إلا عبر طريق شاق طويل متعب، لكن النتائج تستحق ذلك الجهد، وفي هذا يقول الشاعر:

لولا المشقّة ساد الناس كلهمُ *
الجود يفقر والإقدام قتّالُ

إذ لا ينقص الناس المزيد من "المعرفة" عن النجاح، وأساليبه وأدواته وكيفية الوصول إليه،  لكن الذي  ينقصهم في الحقيقة هو التحول إلى "العمل".
 وليس العمل هنا مجّرد "هبّة" مؤقتة، و حماسة مفاجئة، سرعان ما تتوقف، بل هو العمل المستمر، الدائم، ولعل إلقاء نظرة على ما أخبر به صلى الله عليه وسلم بقوله «أن أحب الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» يوضح لنا هذا الأمر.
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبته. وحين سُئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم؛ قالت: "كان عمله ديمة".

إننا اليوم أحوج ما نكون للانطلاق نحو العمل، والتحول من التنظير إلى التطبيق.
فهيا بنا، دام توفيقكم

أكتوبر 04, 2018

التربية في عصر المعلوماتية

يشكل استطلاع سابق أجراه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني صدمة تربوية حقيقية، غير أنني لم أجد له الصدى الذي يتناسب معه!

حيث كشف الاستطلاع المذكور عن أن ما يزيد عن 90% من الأسر السعودية يستخدم أطفالها الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية، وأن 43% من هؤلاء الذين يستخدمونها، تقلّ أعمارهم عن خمس سنوات، ومتوسط عدد الساعات اليومية لاستخدام الأطفال لتلك الأجهزة يصل إلى أربع ساعات، بل يقرّ ثلث أولياء الأمور بأن استخدام أطفالهم للأجهزة الذكية كان له أثر سلبي على هؤلاء الأطفال!


ورغم الدلائل الخطيرة التي يكشفها الاستطلاع؛ ما زال البعض يعتبر “الحديث عن التربية” حديثاً مكروراً ومملاً، ولا طائل من ورائه، مع أن الواقع يشهد بأننا الآن أحوج ما نكون للالتفات إلى “التربية” لكل من نعول، فالذي لا تخطئه العين من خلال متابعة مستجدات التقنية الحديثة، وما تبثه وسائل الإعلام العالمية، أن العالم الأول – كما يسمى – يستهدف ويعمل بكل جدِّيَّة من أجل تحويل كافة المجتمعات لا إلى (نسخ) منهم، بل إلى (مسخ) عنهم، وتأتي محاولاتهم بكل الطرق وشتى الأساليب، طواعية وإكراها؛ من أجل صهر كل المجتمعات في قالب موحّد يمكن توجيهه والسيطرة عليه وتغييره بضغطة زر.

وهذا الأمر ليس مجرد مواعظ تقال: ولا خططاً على الورق، وإنما هي قرارات صادرة، وتوجهات رئيسة، ومشروعات قائمة عابرة للقارات، يقف وراءها جيوش من العاملين لتحقيقها، وهم لا يخفون ذلك بل يجاهرون به، فكما يقول بريجنسكي المستشار الأسبق للأمن القومي الأمريكي: (الهيمنة قديمة قدم البشرية نفسها…)، ويشير في كتابه (بين عصرين) إلى ضرورة خوض معركة الأيديولوجية على كل الساحات، بدءاً من حقوق الإنسان ووصولاً إلى تصدير نمط الحياة الأمريكية (الجينز والديسكو والعلوم والتكنولوجيا والعادات الأمريكية) من خلال استثمار تكنولوجيا الاتصال، كما أن صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية يشيرون صراحة إلى ضرورة تسويق (ثقافة المتعة الأمريكية) إلى شعوب العالم بقصد تكريس مفهوم (أمركة العالم).

ولذا لا عجب أن يكون توزيع أكبر 300 شركة إعلامية تعمل في العالم، كما يلي: 50% أمريكية و25% أوروبية.

فإذا أدركت حجم العمل الذي يتم، والمخططات التي تستهدف إتمام عملية المسخ، فلتدرك أنه ليس مطلوباً منك أن تقف أمام هذا الطوفان الكبير من أجل حماية العالم من هذه الحملة الشعواء، وإنما المطلوب منك (فقط) أن تقوم بحماية بيتك، وذريتك، ومن تحمّلت مسؤوليتهم فـ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولو أن كل واحد منّا حصّن بيته، واهتم بمن تحت يده، لتفتتت كل تلك الحملات على صخرة “التربية”.

أيها القارئ الكريم

لا بد أن تستشعر أنك أنت المسؤول أولاً وأخيراً، وأن لا تعوّل كثيراً على المدرسة، ولا الأصدقاء، ولا وسائل الإعلام في تربية أبنائك، بل عليك أن تقوم بجهدك الخاص، وتبذل المستطاع لكي تحافظ على قيمهم من التزعزع؛ كي تكون وإياهم من المفلحين، و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

وإن أسهل حيلة يمكنها أن تفتح لك مخرجاً يسيراً للنكوص عن مهمتك، والتولي عن مسؤوليتك، أن تكرر في نفسك وفي مجالسك: (ما باليد حيلة؛ الأمر خارج عن السيطرة، ومن أنا حتى أقف بعائلتي في وجه هذا المدّ، لا بد من الانحناء للعاصفة، التغيير السلبي أمر لا بد منه)؛ فإن تلك العبارات ليست سوى تبريرات غير صحيحة للتقصير الكبير الذي نمارسه اليوم، ونخجل من مصارحة أنفسنا به.

ولنحذر – في مجال التربية – من التعويل على تكاثر النماذج المفرّطة، من الذين باتت بيوتاتهم مجرد فنادق للمبيت، وأصبح كل فرد منهم يسرح ويمرح كيفما يريد دون وازع أو رادع، بل علينا أن ننظر لقدوات أخرى استطاعت النجاح وسط هذا الموج الهادر.

ولنحذر من الاستشهاد الخاطئ بمثل قوله تعالى: (ليس عليك هداهم)، وقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)، ونحوها على اعتبار أن الهداية من الله، ولو أن الأب ليس مطلوباً منه سوى الدعاء!، فالحقيقة أنها آيات جاءت لتطمين الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن بذل كل ما في وسعه لهداية الناس، ولم يتحقق له مراده مع بعضهم، فأراد الله أن يخفف عنه الحزن الذي يصيبه من جراء ذلك، ويبين له أن الهداية من الله تعالى، مع ضرورة مواصلة الدعوة حتى الممات، فلا تتعامل مع هذه الآيات على أنها رخصة للقاعدين عن العمل الجاد.

وأخيراً:

لتعلم أن (خير وسيلة للدفاع.. هي الهجوم)، فعلِّم زوجتك، وإخوانك، وأخواتك، وذريتك أن يكونوا هم المبادرين بالدعوة للمحافظة على القيم الأصيلة لهذا المجتمع؛ ليكونوا أنوار هداية، ومشاعل نور، وناصحين، مشفقين، باذلين للوسع من أجل التأثير الإيجابي على من يجالسون، وأن لا يكتفوا بمنع ذواتهم من الذوبان في شخصية الآخر فحسب.

دام توفيقك.

محمد بن سعد العوشن

المقال في صحيفة تواصل هــنــا

سبتمبر 20, 2018

تحويل استراتيجية عظيمة إلى أداء عظيم | ملخّص مقال

في الكثير من المنظمات والشركات – وخصوصاً في أوقات التحديات والتغيرات في السوق – تقرر الإدارات العليا إجراء تعديل في الاستراتيجية، وإحلال استراتيجية جديدة تتجاوب مع معطيات السوق وتغيراته، ويتم ضخ الكثير من الموارد لاستكمال بناء الاستراتيجية الجديدة الطموحة التي تعد بتحسينات كبيرة لموقع المنظمة، غير أنه وفي الكثير من الأحيان، يكون الأداء الفعلي بعد اكتمال تنفيذ الاستراتيجية هو 60% فقط مما هو مخطط له.
أجرت شركة مارا كون سوشيتس بالتعاون مع وحدة المعلومات الاقتصادية دراسة تتضمن عددا من كبار المسئولين التنفيذيين من (197) شركة في جميع أرجاء العالم تزيد مبيعات الواحدة منها عن (500) مليون دولار بهدف معرفة مدى نجاح هذه الشركات في ترجمة استراتيجياتها إلى أداء جيد ومدى فاعليتها في بلوغ مستويات الأداء المالي المتوقع في خططها الاستراتيجية.

وكانت النتيجة أنهم كانوا قلقين من الفروقات بين التخطيط والتنفيذ ولم يكونوا يعلمون هل الفجوة ناشئة عن ضعف التخطيط أو ضعف التنفيذ أو كليهما، أو لأسباب أخرى.

وقد أرشدت الدراسة إلى ما يأتي:
         أولا: قلما تتابع الشركات الأداء على أساس الخطط طويلة الأجل.
         ثانيا: قلما تتفق النتائج عن السنوات المتعددة مع التقديرات.
         ثالثا: فقدان قيمة كبيرة أثناء ترجمة الاستراتيجيات إلى عمل.
         رابعا: قلما تلاحظ الإدارة العليا اختناقات الأداء.
         خامسا: الفجوة ما بين الاستراتيجية والأداء تعزز ثقافة ضعف الأداء

كيفية جسر الهوة بين الاستراتيجية والأداء
لا بد من رفع معايير كل من التخطيط والتنفيذ في آن واحد، وتأسيس روابط واضحة بين الاثنين، وتتبع الشركات الناجحة سبع قواعد بسيطة وواضحة يمكنها أن تحول استراتيجية الشركة وقدراتها إلى نتائج ايجابية.

القاعدة الأولى: ابقها بسيطة واجعلها ملموسة:
الاستراتيجية في غالبية الشركات فكره على درجه عالية من التجريد وغالبا ما يخلط بينها وبين الرؤية والتطلعات.

القاعدة الثانية: نقاش الافتراضات لا التوقعات:
فوحدات العمل ترغب في تقليل التطلعات والنتائج التي يراد لها أن تتحقق، لكي تقل المحاسبة، وتعظم المكافأة على الإنجاز، بينما تقوم الإدارة العليا بالضغط من اجل الوصول إلى توقعات ابعد مدى (لإرضاء مجلس الإدارة والمساهمين)، ومن خلال التفاوض يتم الوصول لحلول وسطى هي أقل مما يمكن الحصول عليه.

القاعدة الثالثة: استخدم إطارا صارماً وتحدث بلغة مفهومة مشتركة:
إن المهم هو أن يحدد الإطار لغة حوار وتفاهم مشتركه بين مركز الشركة ووحدات عملها، تفهمها وتستخدمها الفرق المسئولة عن الاستراتيجية والتسويق والتمويل. فبدون إطار بالغ الدقة، لربط أداء الشركة في أسواق المنتجات، بأدائها المالي، مع مرور الزمن يكون من الصعوبة بمكان تأكد الإدارة العليا من أن التوقعات المالية التي تواكب الخطة الاستراتيجية لوحدة العمل ممكنه التحقيق بصوره معقولة وواقعية.

القاعدة الرابعة: ناقش نشر الموارد في وقت مبكر: 
بإمكان الشركات أن تعد توقعات أكثر واقعية وخططا أكثر قابليه للتنفيذ، وينبغي أن تركز هذه المناقشة على الإجراءات الواجب على الشركة اتخاذها من اجل تنفيذ استراتيجية كل وحدة عمل فيها. ويجب طرح الأسئلة الأكثر أهمية هنا، والتي تجعل الإجابة عنها التوقعات والخطط المواكبة لها أكثر جدوى.
القاعدة الخامسة: حدد الأولويات بوضوح:
ينبغي على المدراء أن يتخذوا وينفذوا الآلاف من القرارات التشغيلية من اجل الوصول إلى استراتيجية ناجحة. ولكن ليست كل هذه القرارات هي بنفس القدر من الأهمية. والشركات القائدة تحدد اولوياتها بوضوح لكي يكون كل مدير تنفيذي واعيا جدا بالاتجاه الذي ينبغي أن يوجه إليه جهوده.

القاعدة السادسة: ارصد الأداء باستمرار:
يدرك التنفيذيون الذين يتابعون المستجدات ما إذا كان المشروع يتطلب موارد كثيرة جدا، أو قليلة جدا أو بكميات تكاد تكفي لتوصيل البضائع. فهم يكتسبون هذه القدرة تدريجيا مع مرور الزمن وذلك عن طريق التجربة والخطأ. كما تتابع (الشركات العالية الأداء) الأداء على أساس الوقت الحقيقي، وتتسم الرقابة المستمرة على الأداء بأهمية خاصة في " القطاعات سريعة التقلب "حيث يمكن للأحداث الخارجة عن السيطرة أن تجعل الخطة غير ملائمه.

القاعدة السابعة: كافئ قدرات الأداء وطورها:
لا توجد أية عمليه في نهاية الأمر أكثر أهمية من الأشخاص الذين يعملون على تنفيذها. وجميع الشركات الناجحة ترى أن اختيار الإدارة وتنميتها كانت عاملا ضروريا من عوامل نجاحها، ورغم أن الارتقاء بقدرات القوى العاملة بالشركة يستغرق وقتاً طويلاً إلا أنه إذا تم بكفاءة فيمكن أن يحرك التخطيط والتنفيذ المتفوق لعشرات من السنين، ومثلها التأكد من مكافأة العاملين الموهوبين على أدائهم المتفوق وتسليم عجلة القيادة للأكثر خبرة وكفاية وتشجيع عمل الفريق والنزاهة.

إن لجسر الهوة بين الاستراتيجية والأداء ثمار وفيرة تتمثل بزيادة أداء غالبية الشركات ما بين 60% و 100% ولكنها من المؤكد أدنى من المنافع الحقيقية فالشركات التي توجد روابط وثيقة بين استراتيجياتها وخططها وأداؤها غالبا ما تواجه " أثرا ثقافيا مضاعفا" فبينما تتحول استراتيجيتها إلى أداء عظيم تتعزز ثقة قادتها بقدراتهم ورغبتهم في توسيع نطاق الالتزامات مما يولد روحا جديدة في الشركات، كما أن المكافآت تعزز السلوك المطلوب لتقدم الشركة.

يترتب على ذلك ظهور ثقافة الارتقاء في الأداء الذي يمنح الشركة ثقة المستثمرين ويرفع بالتالي أسعار أسهمها ويعزز مكانتها وشهرتها وقدرتها على منافسة الشركات الأخرى.

____________
أصل المقال للكاتب |  مايكل سي. مانكنز وريتشارد ستيل

سبتمبر 20, 2018

القابلية للاستفزاز


يعاني البعض من تحول حالته النفسية من حسن إلى سيئ بشكل سريع؛ وذلك بسبب تصرف لأحدهم، أو قول لإحداهن!
فتراه بعد أن كان مقبلاً بكل سرور ومرح، والابتسامة تعلو وجهه، وحيويته تلفت الأنظار؛ إذ به ينقلب رأساً على عقب، ويتحول من هذه الحال الرائعة إلى حال من الحزن والأسى، وتعلو مسحة الكدر على وجهه ظاهرة، فيخيّل إليك أن مصيبة كبرى قد نزلت به، أو أن فاجعة حلت بأهله أو بداره، وإذا بك تدرك أن شيئاً من ذلك لم يحدث! وأن هذا التحول والتغير كان بسبب تصرف خاطئ أو قول غير مناسب ألقاه أحدهم غير عابئ بصاحبنا، فأخذ الموضوع بشكل أكثر جدية، وأصابه الحزن والأسى من جراء ذلك.
ومثله حال الرجل المستقر المسترخي، الذي يسهل استفزازه بكلمة أو تصرف، فيخرج من جراء ذلك عن طوره وسكونه، فيقول قولاً غير متزن، وتنتفخ أوداجه، ويجري دم الغضب في عروقه، تحت ضغط الحالة التي تعرض لها.

وهؤلاء الذين يتغيرون بسرعة من جراء المتغيرات الخارجية يفتقدون غالباً السكون الداخلي، وتصبح حالتهم المزاجية مضطربة، ومرهونة بالآخرين حزناً وفرحاً.

وهذا في الحقيقة من أكبر الأخطاء؛ لأنك – والحالة هذه – تعطي الآخرين نفوذاً واسع النطاق، وإمساكاً بزمام حالتك النفسية – شعرت أو لم تشعر – وحين تفقد السيطرة، فيمكنك أن تقول أو تفعل ما تندم عليه بعد سكون العاصفة.

ورسالتي للواحد من هؤلاء دوماً وأبداً: حذارِ من أن تترك “حالتك النفسية” بيد أحد من الناس، فيثيرك، أو يرفع ضغطك، أو يغضبك، أو يحزنك بقوله أو بفعله، بل وطّن نفسك على جعل مفاتيح التحكم لديك داخلية لا خارجية.

وهذا الأمر ليس مجرد وصايا تنظيرية، ولكنها وصية عملية تطبيقية، تحتاج مجاهدة ومراساً في البداية، وسوف تحقق الانتصار في النهاية، فعن تجربة فعلية يمكنني أن أجزم لك وأقول: “حاول، وستُفلح”.

إن من النجاح – أيها القارئ الكريم – أن تتصرف بوعي تجاه الأحداث المختلفة، تتصرف كما تريد أن تفعل، وكما تريد أن تقول، لا كما يُراد لك، وأن تكون عصياً على الاستثارة، أبياً على الاستفزاز، مهما حاول الآخرون استثارتك، وهنا ستشعر بانتصار كبير للذات، واستقرار في الحالة النفسية، بل سيكون لديك من الثقة بنفسك ما يجعلك تضحك طويلاً على أولئك المتوهمين قدرتهم على استفزازك، وغالباً سيكون سلوكك هذا سبباً في عودة الاستفزاز إليهم، وتحول ذواتهم إلى حالة من الإحباط والحزن جراء الفشل المتكرر الذي باتوا يواجهونه حين يتعاملون معك.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل من هـــنـــا



سبتمبر 10, 2018

ترياق العلاقات

لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، يعيش مع الناس، ولا ينفك عنهم، فحياته في كل أجزائها مرتبطة بالآخرين؛ لذا كانت العناية بعلاقات المرء وصلاته أمراً في غاية الأهمية، الذي يخسر الناس، أقاربَ، وأصدقاءَ، وأهلاً، وعاملين معه ولديه، سيتعرض لمشكلات نفسية، ويعيش حينها في مرحلة الوحشة.
ولهذا كان جديراً بالمرء السعي – دوماً – للمحافظة على العلاقات المهمة، وعدم التفريط فيها.


وأحد عوامل إدامة تلك العلاقات والصداقات والصلات، أن تتفهم مبررات مواقف الآخرين ودوافعهم من كلامهم أو أفعالهم ومواقفهم، وتفهّمها لا يعني قبولها بطبيعة الحال، ولكنه يعني معرفة المبررات التي جعلتهم مدفوعين لاتخاذها؛ وبناء عليه فربما التمس المرء لهم مبرراً، وأدرك أنه لو كنت في مثل موقفهم لربما فعل نفس فعلهم، وبالجملة فتفهم مواقف الآخرين؛ مما يدفع للاعتدال في التعامل مع مواقفهم.

ومما يعين على استمرار العلاقات مع الناس، تجنّب ردّات الفعل غير المحسوبة، فلا تتصرف مسكوناً باللحظة دون تأمل في العواقب، فأنت – خصوصاً في العلاقات المهمة – تحتاج لحسابات أكثر دقة، وهل يوجب هذا التجاوز كل ردة الفعل هذه، وما نتيجة الغضب، وما أفضل تعامل معه؛ لأن الزجاج إذا انكسر، بات من الصعب جداً إصلاحه وإزالة آثار الكسر عنه.

ويجب على المرء في سياق المحافظة على صلاته أن لا يقطع العلاقة الطويلة لموقف منفرد، وأن يتجنب المؤاخذة بزلة القول أو الفعل من صديق مقرب، أو أخ حميم طالما كان الإحسان سلوكه ومنهجه.

فالعلاقات تبنى على التغاضي، والتجاوز، ولهذا قال الشاعر:

من ذا الذي ما ساء قط * ومن له الحسنى فقط

ومن بحث عن صديق أو قريب لا يخطئ، فقد ابتغى محالاً، وسعى في غير طائل.

وإنما العبرة في تعاملك مع الناس على “الغالب” من أحوالهم، فمن كثر خيره، ولطفه، وإحسانه، طويت تجاوزاته، وغمرتها حسناته، والعكس صحيح.

وفي هذا السياق جاء الحديث النبوي – وهو لا يتحدث عن الصداقة، ولكنه يصلح للاستشهاد به عنها من باب القياس – الذي ينهى الزوجة عن كفران العشير؛ أي جحود إحسان الزوج، حيث يقول صلى الله عليه وسلم عن بعض النساء: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط).

ومما يحافظ على العلاقات، ويجعل الآخرين يقدرونها معك، سلوكك مسلك التسامح والتغاضي والتغافل، وعدم التدقيق على كل صغيرة وكبيرة، وعدم الرد على كل خطأ؛ وهو مما يجعل الناس يدركون علو قدرك، وجودة العلاقة معك.

كما أن لزوم البهجة والسرور، والتبسم، والتفاؤل.. تعتبر مما يجذب الناس إليك، ويحببهم فيك، فالناس اليوم ليست بحاجة للمزيد من الأسى، بل هي أحوج ما تكون لمن يفتح لها آفاقاً من الأمل، ويجعلها تعيش الفكاهة والسرور، فكن كذلك باعتدال، أضمن لك علاقات ممتدة، مكاناً وزماناً.

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن حسنت أخلاقه، ورزق التغافل، واللطف، وتذكر المعروف، والوفاء لأهل الوفاء، والمحافظة على الود مع الأقارب والأصحاب دوماً وأبداً.

دمتم بخير

محمد بن سعد العوشن

رابط المقال في صحيفة تواصل هــنــا

سبتمبر 02, 2018

الشعراء ومقاييس الجمال

بين فينة وأخرى اقرأ واستمع لقصائد الغزل المختلفة، التي لا تفتأ تتحدث عن أوصاف المحبوبة، وتقاسيم جسدها الفاتن، متناولة حالة العشق والتوهان التي أصيب بها الشاعر، فبات يتحدث عنها ويتحدث..
حتى أنه ليبدو للمستمع والقارئ أن ذلك الشاعر قد عثرعلى أجمل بنات حواء على الإطلاق، وأن الجمال كلّه قد اجتمع في محبوبته، فليس لها في الكون مثيل، ولم يأت الزمان بشبيه لها، وهذا الحديث – في الغالب – هو من قبيل المبالغات والتضخيم والتكبير الذي يمارسه الشاعر ليجعل القصيدة أكثر إثارة لأذهان المستمعين، وأقدر على جلب اهتمامهم واستماعهم وإعجابهم.
غير أن المشكلة التي أراها – من وجهة نظري – أن الشعراء بتلك الأوصاف والتفاصيل الجمالية التي يروونها في محبوباتهم، قد تسببوا – شعروا أم لم يشعروا – في رفع مقاييس الجمال لدى الناس، وزيادة متطلباتهم، وكلما استمع الواحد منهم لقصيدة هنا أو هناك، بدأ إن كان عازباً في رسم الصورة المتوقعة للزوجة، وإن كان متزوجاً فهو يأخذ في عقد المقارنات بين أوصاف تلك المعشوقة وزوجته! ولأن الشاعر حين يكتب قصيدته يكون في حالة من السكر بالمعشوق، ولأن من عادة الشعراء أن يبالغوا في الوصف والتشبيه؛ فإن الأوصاف المذكورة في قصائدهم لا تكون صحيحة غالباً.

ولهذا روي عن الملوح – والد قيس بن الملوح الشهير بـ مجنون ليلى – أنه لما رأى هيام ابنه الشديد، وقصائده المترعة بالعشق، في ليلى قال له: (ليت شِعرى؛ ما أراها ممن يوصفن بالجمال والحُسن، وقد بلغني أنها (فوهاء)، قصيرة، جاحظة العينين، شهلة، سمجة، فعد عن ذكرها، ولك في قومك من هو خير لك منها).

ولم يزد قيساً حين سمع هذا الوصف لمعشوقته إلا هياماً، حتى اعتبر تلك الأوصاف مما يميزها! بل ختم ذلك بقوله:

فدَقّ صِلابُ الصّخرِ رأسَك سَمداً * فإني إلى حين المماتِ خلِيلـــُها!

ومن المؤكد أن مقاييس الجمال مختلفة بين الناس، فما يراه البعض ميزة تفضيلية للمعشوقة، يعده آخرون عيباً يبغضها إليهم، ولولا اختلاف الناس في مشاربهم وتفضيلاتهم لبارت السلع – كما يقول المثل – وكما يقول الشاعر:

وللناس فيما يعشقون مذاهب

 فاختلاف هذه المذاقات هو رحمة للعالمين.

غير أنني أعتقد بأن إدمان الاستماع والقراءة لقصائد الغزل، والتمعن في معانيها، يساهم – بشكل أو بآخر – في اختلاف الذائقة الجمالية، والعيش في عالم من الخيالات والأحلام.

استمع لتلك القصائد، واطرب لها، وحين تنتقل إلى الواقع فكن واقعياً وتمتع بما أعطاك الله، واستشعر أن في زوجتك، أو مخطوبتك من مواصفات الجمال الخلقي والأخلاقي ما يجذبك، ويغنيك عن عقد المقارنات.

دام توفيقك

محمد بن سعد العوشن


تم النشر في صحيفة تواصل هـــنا