أبريل 25, 2018

تحدي قراءة 21 كتابًا في 21 يومًا


كتبت تغريدة على تويتر ذكرت فيها أنَّي سأبدأ في مشروع لقراءة 21 كتابًا خلال 21 يومًا، فسألني عدد من الأخوة والأخوات عن ماهية قراءة هذا المشروع، وهذا التحدي!
فأجيبهم قائلاً :
الحقيقة أنني جلست مع الدكتور/ محمد الصبي، وهو متخصص في موضوع القراءة السريعة، وهي شغفه، ومشروعه في الحياة. وقام بجهد كبير في تدريب عدد ضخم من الأشخاص على القراءة السريعة، لقد درَّب أكثر من أربعمائة وثمانين دورة في القراءة السريعة.
يتميز الدكتور/ محمد، أنَّه ليس مقلِّدًا في موضوع القراءة السريعة.
إذ أنه أخذ دورات باللغة الإنجليزية عن القراءة السريعة، واطلع على كتب مؤلَّفة في هذا السياق، وبعد طول تجارب، اكتشف أنَّ هناك اختلافات حقيقية بين القراءة السريعة باللغة العربية والقراءة السريعة باللغة الإنجليزية، من حيث: المفردات، الأسلوب في الحديث، القراءة من اليسار إلى اليمين، وغيرها.. وكل هذه المعطيات تغيّر في منهجية وأسلوب القراءة السريعة، وأدرك – بعد ذلك-  أنَّه يجب أن يكون لنا نمطنا الخاص الذي يتوافق مع لغة الضاد.
لذا ابتكر منهجيات خاصة به في تحسين مستوى القراءة، وتسريع القراءة.

وشاهدت واستمعت إلى عدد من الأشخاص الذين التحقوا بدورات الدكتور/ محمد، يروون مسيرتهم في التحسُّن، والنقلة الكبيرة التي عايشوها.

الدكتور/ محمد، لا يقدم لك لقاءً نظرياً ومفاهيماً عامّة عن القراءة السريعة، ولكنَّه يقدم شيئًا عمليًّا، وتحتوي دروته العملية على تطبيقات كثيرة أثناء اللقاء، كما أن هناك اختباراً أولياً يتم إجراؤه قبل البدء بالدورة، واختبار آخر في نهاية الدورة، اختبار حقيقي ومنطقي وآلي تستطيع منه أن تعرف فعلًا كم كانت، وكم أصبحت سرعة القراءة لديك بعد اتباع التقنيات المتنوعة التي يعطيك إيَّاها.
ويشير الصبي إلى وجود موقع إنترنت متخصص، يتم التعامل من خلاله في تسيير القراءة، ومتابعة النمو.

وفي أثناء حواري مع الدكتور محمد، في موضوع القراءة السريعة، وتوقيت البدء بالنسبة لي وخصوصاً أنّنا في شهر شعبان وقد لايكون شهر رمضان مناسباً لبرنامج كهذا، ولا لبداية الدورة التدريبية، أشار عليّ برأي حكيم.. فقال : "بما أنَّك منشغل هذه الفترة، وحتى يحين موعد عقد الدورة لك في شهر شوال؛ دعني أعطيك مجموعة من الأشياء التي يجب أن تفعلها، وهي ستكون تدريبًا حقيقيًّا قبل الدورة.

 اختر 21 كتابًا، أي كتاب يروق لك، قصة، موعظة، أحاديث، علوم، ..
أهم شيء أن تكون كتباً تريد قراءتها، اختر 21 كتابًا تتسم بأنها من القطع المتوسط، عدد صفحات الكتاب ما بين السبعين والمائة وخمسين صفحة، والتزام بقراءة كتاب واحد فقط منها يومياً، تاركاً كل الأعذار، اضغط نفسك، اقتطع جزءاً من وقت نومك، من وقت جوالك، اقتطع وقتًا من أي شيء حتى تنهي هذا التكليف اليومي، اعتبر هذا واجب لا يُمكن المبيت إلا بعد إتمامه.

والعمل على هذه الطريقة سوف يعطيك مجموعة من الإنجازات:
أولًا:
سيجبرك على القراءة المنتظمة الثابتة، وسيجعلك تعطي القراءة وقتًا مخصصًا ستضطر لاقتطاعه وانتزاعه من أوقات أخرى.
ثانياً:
سيعوّدك على الدربة في القراءة، فحين تقرأ اليوم كتاباً ثم كتاب ثان يوم غد، ثم بعده الثالث، ثم بعده الرابع، ستنطلق في القراءة، وسيتحسن مستوى قراءتك بشكل مؤكد، قد لا يكون التحسن المنشود، لكن هناك تحسنًا سيحصل من جراء كثرة التدريب والممارسة.

ثم ذكَّرني د.الصبي بجوانب مهمة في هذه الـ 21 كتاباً فقال: 
وأنت تقرأ أؤكد عليك أن لا ترجع لنص أكملته بحجة أنك لم تفهمه، فأنت الآن في مرحلة تغيير وليس الفهم أولوية فالمرحلة تدريب على تحسين القراءة وتسريعها، بعد ذلك ستكتسب مهارة الفهم التفصيلي لاحقًا، لكن لا تتوقف لتسترجع المعنى وتعيد قراءة الفقرة، وأحيانًا بعض المعاني لا تفهمها في البداية، لكن باقي السياق والجمل التالية تجعلها أكثر جلاءً.
وإيَّاك والقراءة بصوت،  أو تحريك الشفتين أثناء القراءة، فيجب أن تكون القراءة صامتة صرفة.

التزم بإنجاز الكتاب الأول في اليوم الأول، والثاني في اليوم الثاني، واجعل الكتاب في يدك، أو في جيبك، لا تتركه؛ لأنَّك ستجد أوقاتًا مبثوثة ومتناثرة، عشر دقائق، سبع دقائق، وقت انتظار، وقت إشارة، ستبدأ في تلمس الأوقات التي يمكنك إنجاز الواجب فيها.

يقول د.محمد : بعد الواحد وعشرين يومًا أنا مستعد أن أؤكد لك أنه ستكون هناك قفزة في الأداء، وستكتسب مزيداً من الثقة، وستتيقن أن القراءة ليست صعبة، وأن الكتاب لا يحتاج أسبوعين أو ثلاثة لإنهائه، بل يكفيه يوم واحد أو يومان حسب حجمه، غير أن الأمر يحتاج عزيمة وإصراراً.
هذه القراءة المكثفة ستعطيك ثقة، ستعطيك مهارة، ستعطيك لياقة، وستشعر فيها بالتحسن، ومن الممكن بعدها أن تبدأ في دورة القراءة السريعة، فتكون قد حضرت إليها بعد أن مارست تمارين اللياقة الأولية والإحماء، وتنطلق معنا في برنامج القراءة السريعة.
أتمنى أن أوفق لإتمام الواحد وعشرين كتابًا.

أدعوكم إلى أن تلتحقوا بهذه التجربة، فأمامنا - قبل رمضان-  فترة كافية لأن نطبق تجربة الواحد وعشرين كتابًا في واحد وعشرين يومًا، كل واحد يختار من مكتبته الكتب التي تروق له، والمهتم بقراءتها، والتي يشعر بتأنيب الضمير أنَّه لم يقرأها، وليستعن بالله، ليبدأ معنا.

بقي أن أختم بشيء، وهو ( لماذا الرقم 21 يوماً )
والجواب أن كثيراً من المتحدثين عن علم النفس، وعن الذات، وعن العادات وصناعتها، كثيرًا ما يتحدثون عن الواحد وعشرين يومًا وأنها المدة المناسبة لزرع عادة لدى الإنسان، لذا تقرأن أن الانقطاع عن تناول السكّر لمدة واحد وعشرين يومًا ستجعلك تستطيع الإقلاع، و واحد وعشرين يومًا في ممارسة الرياضة ستجعلك تتعود على ممارسة الرياضة.
وبطبيعة الحال لست أعتقد في الرقم (21 ) ! اجعله 20 أو 22 ، الأمر يسير، المهم أن تبدأ وتترك المعاذير.

أتمنى لكم التوفيق، وقراءة موفقة، والله أعلى وأعلم.

أبريل 24, 2018

أول السيرة ...

ولدت في مدينة الرياض، وترعرعت فيها، التحقت بروضة معهد العاصمة، وكان الالتحاق بالروضة أمراً غير معتاد للكثيرين، ثم درست في حي "الجرادية" سنة ونصف في ابتدائية عرفات، ثم انتقلت بعدها إلى ابتدائية "عكرمة" بالسويدي حيث أكملت دراستي الابتدائية هناك..
كانت مرحلة حاضرة في الذاكرة، باقية في المشاعر بالكثير من تفاصيلها، وكان من محطاتها .. الإذاعة المدرسية التي أوكل إلي أمرها، فكنت أحمل مفاتيح المكتبة معي دوماً - وبداخل المكتبة يوجد جهاز الإذاعة وملحقاته -، حيث كنت آتي مبكراً قبل الطابور الصباحي بزمن غير قليل، لاستفتح بتشغيل تلاوات مجوّدة للشيخ عبدالباسط عبدالصمد، من مصحف كامل (أشرطة كاسيت) عليه شعار وزارة الإعلام..
 وكان صوت عبدالباسط يصدح في أرجاء الحيّ إيذاناً بالاستعداد ليوم دراسي جديد، حتى إذا بدأ الطلاب في التوافد، وانتظمت الطوابير توقف البث الإذاعي حينها..ولازلت حتى اليوم إذا سمعت سورة يوسف مجوّدة بصوت عبدالباسط انتقلت بي الذاكرة لا شعورياً لعكرمة .. للإذاعة . للصباح..

ولا زلت أتذكر جيداً معلم العلوم "الشبرمي" ومختبر العلوم بتفاصيله، والهيكل العظمي،
وأتذكر معلم اللغة العربية "الشويعر" والذي كان مشرفاً على الإذاعة، وكان محفزاً لي ..
ومدير المدرسة "الدحيمان" بكل وقاره،
ومعلم التربية الإسلامية "عمر" الذي كان إذا ضرب، ضرب باستخدام الفلكة بوضع الطالب على طاولة المعلم ثم ضربه مع قدميه..
لا زلت أتذكر درساً من دروس العلوم وهو عن "صناعة المربى" حيث كانت الحصة عملية، فأحضر الطلاب كمية من التفاح، والخبز الصامولي، وقدر ودافور، وتم صنع المربى فعلياً وحشوه في الخبز لنتناول شيئاً من صنع أيدينا، ولا زلت حتى اليوم إذا وجدت مربى التفاح تناولته، فعادت بي الذاكرة تلقائياً إلى "عكرمة"، فما أعظم تأثير المعلم والوسيلة التعليمية ..

تخرجت من الابتدائية، وانتقلت إلى المرحلة المتوسطة، حيث كانت متوسطة الإمام البيهقي في حيّ سلطانة هي محطتي التالية، كان مديرها "النصّار" ثم "العجلان"، وكان وكيلها "عيد" ذو النظارات السوداء التي لا تعرف طبيعة العيون التي وراءها، وكان حازما مهيباً..

أما معلموها فكان أشهرهم على الإطلاق "سعود الشديّد" رحمه الله، معلم الرياضيات المختلف كلياً ، كان يطالبنا بتسطير الدفاتر الخاصة بالرياضيات وهي فئة 100 ورقة بتسطير مختلف يجعلها مميزة ومختلفة، وكانت جملته الشهيرة في كل حصة (صفحة جديدة في دفتر الفصل) مثل الجرس الذي ينطلق فيه كل الطلاب لاستخراج دفاترهم والبدء في تلقي المادة التي تملى عليهم..

أما معلم الرياضة فكان مصرياً مشهوراً بسيارته العجيبة (الفولكس واجن) الخضراء، وكان الشيخ ..... معلم التربية الإسلامية الكفيف ذا سمت مميز، وكان يلقننا نشيداً لازالت كلماته ولحنه يرنان في أذني حتى اليوم .

أما "الديك" فقد كان لقباً لذلك المراقب الذي كان يتميز بسوء التدبير، والتصرفات غير الموزونة! 

وكانت لي معه قصة لا تنسى، أوسعني فيها ضرباً، ثم طلب مني الانصراف، وحين انصرفت باكياً، ظنّ أن العقوبة لم تكن كافية، فأوقفني وعاود الضرب أخرى، ولم أكن حينها أملك سوء البكاء والتنهدات لموجوع تم ضربه دون سبب.. وكنت قد قررت حينها أن لا أواصل في المدرسة مهما كانت الأسباب، غير أن أبي - حفظه الله- شجعني، وآزرني معنويا، ثم كتب معي خطاباً مكون من 3 صفحات أو تزيد موجّه لمدير المدرسة ينتقد فيها الأسلوب المتخذ، وطريقة التعامل مع طالب مميز، ومشرف على الإذاعة المدرسية، وكان كلامها قوياً ومؤثراً .. حتى أن مدير المدرسة استدعاني معتذراً، ثم أعطي المراقب لفت نظر، وبات هذا المراقب من ذلك اليوم يتعامل معي كتعامل الجندي الصغير مع قائد الجيش، يفتح لي الطريق، ويقدمني على الجميع، بل ويضرب لي التحية في كل مرّة أمرّ عليه فيها!

ولا زال للمتوسطة حديث ذو شجون، لكنني لا أريد الإطالة، فقد تخرجت من الكفاءة المتوسطة كما كانت تسمى، وكانت تعتبر شهادة كبيرة يتم التفاخر بها.

وقد انتقلت بعدها إلى ثانوية موسى بن نصير بالسويدي، حيث كانت بداية مرحلة النضج، والفهم لواقع الحياة ومجرياتها..

ثم إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وتحديداً في كلية الشريعة، حيث تخرجت منها عام 1412هـ.

وبرغم أن هذه الأسطر تبدو كلماتٍ محدودة، لكنها في الواقع العملي كانت مسيرة طويلة امتدت  17 عاماً متواصلة في مجال التعليم منذ الروضة وحتى الحصول على  شهادة البكالريوس.

لتبدا بعد ذلك مسيرة العمل الوظيفي، حيث كان العمل في مجال التعليم، وتحديداً في مدرسة مكة المتوسطة بحي البادية بالدمام عام 1412هـ ، حيث وضعت رحالي معلماً لأول مرة، بكل حماسة المعلم الجديد، ورغبته في نقل المعرفة للطلاب، ولو بشيء من الشدّة والاستكثار على الطلاب، ثم تم الانتقال إلى الرياض مع نهاية العام، حيث كانت مدرسة عبدالله بن عوف المتوسطة محطتي التعليمية الثانية التي لم تطل، حيث بقيت فيها عاماً واحداً ثم تيسر الانتقال إلى مدرسة عبدالله بن وهب المتوسطة، وبقيت فيها مايزيد عن ثمان سنين، عملت فيها معلماً للتربية الإسلامية..

وقمت حينها بجملة من الأعمال الإدارية الحاسوبية، خدمني فيها شيء من الاهتمام التقني منذ أيام الجامعة، حيث كنت من أوائل من اقتنوا الحاسب الآلي وبدأ في التعامل معه، ولأنني كنت من الأوائل، كنت وسيطاً دائماً لكل أصحابي الذين يريدون اقتحام هذا المجال، كنت وسيطاً محتسباً حيث لم أكن أعرف ولم أرد أن آخذ أي مبالغ نقدية مقابل خدمة الناس، قد يكون هذا بحسن نية، أو بعدم معرفة، المهم أنني اشتريت عشرات الحاسبات لكثيرين، وكنت في بعض الأحيان أقوم بنقلها إلى منازلهم، وأقوم بتشغيلها، وتدريبهم على كيفية الاستخدام، وكانت تسبق عملية الشراء تلك جولات متنوعة على محلات الحاسب لتقييم العروض، والمفاوضة بشأن السعر.

لا أدري ما الذي جاء بهذه السيرة الحاسوبية ، حيث جاءتني للتو ذكريات جميلة رائقة ..

لا أدري أين سأصل في حديثي هذا، ولا لم كتبت هذه النصوص، لكنني وجدت نفسي منساقاً لذلك، فكتبته، شاكراً لأستاذي ( أبي علي) الذي أشار علي بكتابة سيرتي الذاتية بنفسي على هيئة قصصية..

أدرك يا أبا علي أنك لم تكن تعني ما قمتُ به، وأعدك أن أكتب كلاماً أكثر أهمية وأقل "سواليف" فتحمل مني قصتي.

وللحديث صلة بإذن الله

أبريل 18, 2018

المفتون الماجنون !

منذ عصور الإسلام الأولى، والعلماء وطلبة العلم يدركون خطورة الفتوى، ويتورعون عنها، ويخشون تبعاتها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، مع علمهم الغزير، وحفظهم للنصوص الشرعية، ومعانيها ودلالاتها، وكونهم من أعلم أهل الأرض في زمانهم؛ وذلك إدراكاً منهم لخطورة الحديث في أحكام الله، والتوقيع عن (الله)، وخوفاً منهم أن لا يصيبوا الحق، وأن يقعوا في الخطأ من حيث لا يشعرون، لهذا اعتبر ابن القيم رحمه الله المفتين (موقعين عن رب العالمين).
وحينما سمّى الله الكبائر، ذكر الفواحش، والبغي، والشرك، وختمها بقوله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، واعتبر سبحانه “الفتيا بالحلال والحرام دون علم”، من افتراء الكذب على الله: (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون).

وقد أدرك عبدالرحمن بن أبي ليلى عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.

وأما حالنا اليوم فعجيب؛ إذ تجرأ الكثير من سوقة الناس وغوغائهم للفتيا بغير علم، ومناقشة القضايا الشرعية بكل جرأة، ومثل هؤلاء جديرون بالمنع والردع والإيقاف، فقد قال ربيعة الرأي: “ولَبعضُ من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق” وقال ابن الجوزي: “يلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية”. وقد أطلق بعض الفقهاء على المفتي الجاهل اسمَ: (المفتي الماجن)؛ لتجرئه على الإفتاء مع جهله.

إن ما نقرأه اليوم على شبكات التواصل من جرأة أولئك “السمرمد” على القول على الله بغير علم لشيء يدعو للعجب، فالواحد منهم لا يحسن قراءة آية واحدة من كتاب الله، ولا يعرف من الأحكام ما يقيم به صلاته، ومع ذلك تراه يفتي في صغير المسائل وكبيرها، ويقول على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وربما سمع الواحد منهم حديثاً هنا أو هناك، ولم يعلم صحته، ولا معناه، ولا سياقه، ولا ناسخ النصوص ومنسوخها، ولا سبب الحديث وقصته، ومع ذلك يرفع عقيرته متحدثاً ومفتياً، ويكون حال أولئك الضالين كما قال الله: (يحسبون أنهم على شيء).

وإنما يكثر أولئك “السمرمد” حين يقلّ نشاط أهل العلم، وتأثيرهم، وحين لا يكون لهم رادع يردعهم، بالعلم والفتوى حيناً وبقوة السلطان حيناً آخر، و(إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن).

وقد أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)

ولا يكتفي “السمرمد” بالفتيا بغير علم، والحديث في تخصص لا يحسنون منه شيئاً، والإتيان بالعجائب في ذلك، والتورط في تضليل عامة الناس، بل تراهم يسعون للاستنقاص من الراسخين في العلم، والتشغيب عليهم، وتشويه صورتهم، وتنفير الناس منهم ومن فتاواهم وكتبهم، قال الإمام الشاطبي: (وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة؛ لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها).

وربما تحدث أولئك عن أنه لا كهنوت في الإسلام، وأنه ليس في الإسلام “رجال دين”، وأن النصوص الشرعية جاءت بلسان عربي مبين، زاعمين أن ذلك يتيح لهم ولأشباههم الجرأة على الحديث نيابة عن الله بكل جهل!

مع أنهم أجبن الناس حين يكون الحديث نيابة عن أحد من البشر خوفاً من المحاسبة والمساءلة الدنيوية؛ لكن لأن مخافة الله قد ضعفت في نفوسهم، وتمكن الشيطان منهم، وقلّ من يحاسبهم على صنيعهم، فلا غرو أن يزداد عداد أولئك، وتقوم سوقهم في زمان شبكات التواصل، والفضاءات المفتوحة.

والواجب علينا جميعاً أن نوعّي المجتمع، ونربي كل من تحت أيدينا على ضرورة النهل من المصادر الموثوقة الأصيلة، والرجوع لأهل العلم الموثوقين، والإنكار على أولئك الجهلة، وتشنيع صنيعهم، وحث المجتمع على نبذهم، وتجاهلهم، ومعرفة قدرهم الذي لن يجاوزوه.

ولندرك في نهاية المطاف أن الزَبَد الذي يقوله أولئك “السمرمد” يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس من كلام العلماء فيمكث في الأرض، ويطرح الله فيه البركة والخير والنفع زماناً طويلاً.


محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

نشر في صحيفة تواصل من هـنـا

أبريل 07, 2018

الزواج العائلي والمتفاخرون!


لا يزال موضوع “الزواج” وتأخّره – خصوصاً بالنسبة للفتيات – أمراً مؤرقاً للكثيرين، ولا تكاد تفتح الموضوع في مجلس حتى يروي الحاضرون مزيداً من القصص، ويحدثونك عن ألوان المعاناة، والقلق الذي يشوبهم بهذا الشأن، غير أن كثيراً منهم لا يتجاوزون الإشارة لمظاهر المشكلة، وتأكيد وجودها، وقليل من هؤلاء من ينتقل من “المشكلة” إلى “الحل”، ويفكّر في اتخاذ خطوات عملية نحو تخفيف الظاهرة.
وأنت أيها القارئ الكريم يمكنك أن تعدّد كثيراً ممن يقلقك شأنهن من الأخوات والبنات أو بنات العم، أو القريبات ممن بلغن سن الزواج ولم يتزوجن بعد، مع أنه لا ينقصهن شيء.

وقد طرحت هذا الموضوع في أكثر من مجلس ومحفل، وسعيت إلى إثارة الاهتمام حول الموضوع، ووجدت أن هناك جملة من الحلول التي يمكن اللجوء إليها لنكون جزءاً من الحل بدلاً من أن نكون جزءاً من المشكلة، فمهما لعنّا الظلام، فسيبقى الظلام مستمراً، ما لم نشعل شمعة في هذا الظلام الدامس.

ولعلي هنا أتناول إحدى هذه الحلول التي يفترض أن نتوجّه إلينا بكل اهتمام، ألا وهو (تيسير الزواج)، والسعي لتخفيف طقوسه وفعالياته المتكاثرة، والتي بدأت في التعقيد يوماً بعد يوم. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن النساء: (خيرهن وأكثرهن بركة، أيسرهن مؤونة)، فما أجمل أن يكون الزواج مناسبة (عائلية) لا (جماهيرية) يحضرها الأقارب القريبون جداً من أهل الزوجين، وتكون في بيت أهل الزوجة، أو في استراحة صغيرة بجوارهم، ويكون هذا هو الاحتفال الوحيد الذي يتم بمناسبة الزواج، تطبيقاً للحديث الذي يوصي بإعلان النكاح وعدم الإسرار به.

أما اختيار القاعات الفاخرة، والتجهيزات المكلفة، والحفلات المتتالية، والهدايا الباهظة الثمن، فهو إنفاق للمال في غير وجهه، وتضييع للأموال الكثيرة دون طائل، وتكبر المشكلة حين يصبح التسابق على ذلك “موضة” تضطر الفتاة وأهلها للمسايرة، بل وتسعى كل فتاة لإضافة بصمة أخرى على كل ما سبق، وكل إضافة تتطلب مزيداً من المال، وكل إضافة تجعل اللواتي يأتين بعدها ملزمات بالمسير على هذا الطريق العسير، ومسايرة هذه الطقوس، مع عدم مراعاة للوضع المالي للزوج أو للزوجة، فلم يعد ذلك التفاخر والتظاهر مقصوراً على الطبقة المترفة فحسب، بل بات التقليد سمة عامة يلتزم بها الجميع!

ولهذا فمتطلبات الفتاة من الزواج باتت ضخمة جداً، ولم يعد يناسبها سوى الثري جداً الذي يمكنه أن يحقق لها ذلك التميز الموهوم، ومتابعة الموضة بشكل مستمر.

والشاب الناشئ الذي يبحث عن الزواج لأجل تحقيق الإعفاف والستر، لا يمكنه في الوضع الطبيعي الانسياق وراء هذه المتطلبات الكبيرة إلا حين يكون وضعه أو وضع والده المادي عالياً، أو أن يضطر للكثير من القروض التي تجعله مكبلاً بعد ذلك، أو أن يترك الموضوع برمّته، ويعزف عن الزواج، أو ينتظر سنين طويلة حتى يتمكن من جمع المال الكافي لتلك المظاهر.

لذا فالزواجات العائلية منهجية جميلة، ويسيرة، واقتصادية، وهي الأكثر ألفة واجتماعاً. وكانت أسلوباً سائداً في مجتمعنا، غير أن التغيّر الذي طرأ على المجتمع، والانفتاح على المجتمعات الأخرى، جعلنا نحاول جمع ما تفرق، فنأخذ من كل بلد أحد طقوسه، لتكون النتيجة لدينا مثل إناء رميت في عشرات الأنواع الجميلة من الأطعمة، فترى الإناء بعد ذلك وقد ضاع طعمه، ولم يعد شكله جاذباً، كما أنه سيسبب لمتناوله أوجاعاً بسبب هذا التناقض والتعارض بين تلك الأصناف.

ما أحوجنا اليوم إلى التنادي لتخفيف وتبسيط وتيسير وتقليل إجراءات الزواج.

وأن يبادر بذلك القدوات والأغنياء والمشاهير، لتحويلها إلى “ظاهرة” صحية، بحيث نغيّر الصورة الذهنية عن الزواج العائلي، ليكون هو النموذج الأكثر رقيّا وحضارية وتميزاً.

وأختم حديثي هذا بسؤالين ختاميين مهمين: ما الذي يمكنك فعله للمساهمة في نشر ثقافة الزواج العائلي الميسّر؟ وما الذي ستفعله في زواج ابنتك أو أختك لتجعل منه زواجاً ميسراً مباركاً؟

أسأل الله -عز وجل- أن يُيسر للفتيات وللشباب زواجاً مباركاً موفقاً ميسراً.

دمتم بخير.

أ.محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

نشر في صحيفة تواصل من هـنـا

مارس 17, 2018

خطوات اللاشيء !

للإنجاز طرقه الواضحة، التي تتطلب عملاً جاداً ومستمراً دائماً من أجل تحقيق الأماني وتحصيل المرادات.
وقد يسمع أحدنا كلمةً هنا، أو يقرأ تغريدة هناك، أو يحضر مجلساً يدور فيه النقاش حول موضوع ما، أو يناقش مشكلة محددة، فيصيبه الحماس المفاجئ، والرغبة الجامحة في تحقيق النجاح، ويدرك أنه طالما تمنى تحقيق تلك الأمنية، ولكن التسويف كان سيد الموقف في كل مرّة، وأنه آن الأوان لاتخاذ خطوات عملية لتحقيق الهدف المنشود.

ولكنّه، يفرّغ هذه الحماسة المفاجئة في خطوات (تنفيذية) لكنها (غير مؤثرة!)، وغالباً تكون هذه الخطوة هي بشراء أو اشتراك، أو التحاق، فتراه بعد ذلك قد سكنت نفسه، وشعر أنه قد حقق إنجازاً ذا بال، وزال عنه تأنيب الضمير، مع أنه في الواقع العملي لم يحقق شيئاً.

إنه أشبه بمن استمع لحديث عن رياضة (السباحة) وفوائدها، فتحمّس للأمر كثيراً، وأراد ممارسة السباحة كل يوم بغرض تحصيل اللياقة، فذهب واشترى لباساً للسباحة من ماركة معروفة، وكرسياً للجلوس بعد السباحة، ومشروبات لتناولها بعد السباحة، ومظلّة للجلوس تحتها، ونظارات لرؤية الكائنات تحت الماء.

إنه هنا قد فعل (خطوات اللاشيء)! فممارسة السباحة لا ارتباط لها بالكثير من تلك الخطوات التي قام بها لتحقيق الرضا الداخلي، إذ الخطوة الأهم هي تخصيص الوقت بشكل منتظم، والذهاب لمكان السباحة وممارستها فعلاً.

والأمر ذاته فيمن استمع لحديث ملهم من د.صالح الأنصاري عن المشي وفوائده الصحية العظيمة، فإنني أوصيه قبل أن يتخذ خطوة عملية أن يلتزم بالوقت المخصص للرياضة يومياً، ويواظب على ذلك شهراً أو أكثر. وحين يجد العزيمة متوقدة، والنفس متفاعلة، والجدية متحققة، فيمكنه أن يشتري بعدها جهازاً للمشي، أو يشترك في نادٍ للياقة، أو يشتري حذاء رياضياً مميزاً، أو يحمّل تطبيقاً يسجل نشاطاته ويحفزه لمواصلة النجاح.

لاحظ أن اتخاذ خطوات الشراء وما شابهها إنما تكون بعد تحقيق النجاح المؤقت، وتحقيق إنجاز حقيقي أولاً.

إنني أطلق على تلك الخطوات السريعة التي تقتصر على الدفع المالي (خطوات اللاشيء)

لأنك حين تصنع تلك الخطوات، فلا تعتبر نفسك قد قطعت الشوط الأصعب، ولا بدأت النجاح، فالإحصائيات تدلّ على أن90% من هؤلاء يكتفون بخطوات اللاشيء ولا يجاوزونها !

إن من السهل أن ترسم خطة سنوية أو استراتيجية دقيقة، ومفصّلة، ومصممة بشكل جميل، وتضمنها أهدافاً عظيمة، وطموحات كبرى، لكن ذلك كله ما لم يتم إتمامه بالعمل الحقيقي فهو من (خطوات اللاشيء)!

وأنا هنا لا أقلل من تلك الخطوات، فهي الخطوة الأولى، لكنها كثيراً ما تكون “المخدر” الذي يجعل النفس تشعر بالإنجاز الموهوم.

فوصيتي الثابتة لنفسي ولك:

ابدأ في العمل الجاد فعلاً دون تزويق أو تنميق.

ابدأ تعلم اللغة المستهدفة بأي تطبيق جوال متاح، أو أي مقاطع وبرامج على اليوتيوب، ولا تدفع ريالاً واحداً لأي تطبيق مدفوع.

ابدأ في قراءة الكتب الموجودة لديك وأعطها كلها وقتاً ثابتاً، ولا تشتر كتباً جديداً.

اقرأ أو استمع أو التحق بالدورات المجانية التي تتناول الموضوع الذي يهمّك قبل أن تقرر الالتحاق بدورة مدفوعة.

احرص على أن تقوم بتغيير سلوكك تجاه القضية المستهدفة، وأن تقوم بكل ما هو متاح وفق الموارد الموجودة والمجانية، ولا تنتقل إلى أي خطوة (مدفوعة) قبل أن تختبر عزيمتك على أرض الواقع، خصوصاً أن (خطوات اللاشيء) تضعف همّتك وحماستك، لشعورك الوهمي بأنك بدأت النجاح.

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل من هــنــا 

فبراير 18, 2018

لا تسعّر طعامك!


يكون المرء منطقيًا أحيانًا في موضع ليس للمنطق فيه موضع!
ويحرم نفسه من أمور وأشياء تحت ذريعة (هذا تلاعب في الأسعار ومخادعة لا يمكن قبولها).
ولربما سكن المرء أحيانًا في فندق ذو خمس نجوم، أو في فندق بمنطقة بعيدة عن المدينة، يندر الوصول إليه، أو يكون في المطار، أو في قرية تقل فيها الخدمات من هذا النوع، ويكون في حاجة لهذه الخدمة المقدّمة أو تلك ويمنعه من الاستفادة منها أو شراؤها أو اقتناؤها.. أن (سعرها مبالغ فيه)، وربما كان أضعاف السعر الأصلي لها!


لذا يرى أن كرامته، وعزّته، وقوّته تكمن في الامتناع عن الاقتناء وحرمان نفسه من ذلك لأجل تأديب هؤلاء الذين يستغلون المواقع بكل جشع، ولا يخشون من رقيب أو حسيب.
إنني أدرك أن ثمّة استغلالاً وخداعاً – إن صح أنه خداع فعلاً – يوجد أحياناً.

وإنني أعترف -و لأول مرّة – أنني كنت من هؤلاء الذين يرون أن الشراء في هذه الحالة – حتى لوكنت بحاجة للطعام أو السلعة – يعتبر قبولاً بالإذلال والخداع من هذا التاجر الطمّاع، وأن الامتناع عن الشراء لتأديبه هو أكثر إبهاجاً لنفسي، وتحقيقاً للرضى الداخلي (المزعوم)، لقد كنت – في الحقيقة – أخدع نفسي!!

كنت – وإلى وقت قريب – إذا دخلت مطعمًا أو مقهى لأجلس فيه وأتناول شيئًا من أطعمته أو أشربته، فيكون أول ما ألقى عليه نظري (قائمة الأسعار) وأجعلها أحيانًا أحد المقاييس لاختيار الطعام، مع الاهتمام طبعاً بالنوع والطعم والشهرة.

وربما دخلت المطار مرّة فلم أشرب شيئًا مع رغبتي في ذلك، مع مكثي ساعة أو ساعتين، لأن الأسعار غير عادلة! وأقول لنفسي: لا يكافئ هؤلاء الطمّاعون بالشراء منهم.

لكنني اليوم أزعم أنني تغيّرت! وأرجوا أن تتأملوا الأمر فربّما تغيرتم، أو أنكم من المتعافين أصلاً، وذلك أنني بدأت أتفهم أموراً في هذا السياق ..

أولاً: ارتفاع السعر له مسبباته غالبًا فطبيعة المكان، وأسعار الإيجار فيه، وصعوبة الوصول، ونوعية وحجم المكان والأثاث وعدد فريق العمل ونوع الفريق، وكل التفاصيل ذات الصلة مؤثرة جدًا في موضوع السعر فضلاً عن حجم المبيعات، ونقل البضائع، والمنافسة للحصول على هذا الموقع.

قد لا يكون الارتفاع بهذا القدر مبررًا كلّه، لكن المقارنة بالسوق ليست عادلة كذلك، فمن يستأجر محله بخمسين ألفًا سنويًا لا يقارن بمن يستأجره بخمسين ألفًا شهريًا.

ولو تأملت فيما تدفع قيمته أحيانًا لوجدت أنك تدفع قيمة المكان، قيمة الإطلالة، قيمة السمعة والمكانة، قيمة الوجاهة والمظهر، قيمة الجلسة والاجتماع المميز.

وأنت في كثير من الأحيان لا تطلب (الخدمة) ثم تذهب، بل تجلس طويلاً وتأخذ حيزًا، مما يعني أنك في الواقع استأجرت مكانًا للجلوس وحرمت المطعم أو المقهى من زبائن آخرين.

كما أن مبلغ التوفير – لو لم تشتر من هؤلاء – ليس كثيرًا في نهاية الأمر فقد يكون عشرات الريالات في غالب الأحايين، وهو مبلغ أقل من أن تكدر صفوك أو تؤجل متعتك أو تحرم نفسك لأجله، مع أنك ربما أنفقت أضعاف هذا المبلغ دومًا في غير وجهه.

ففي المطار، وفي السفر تدفع ألوف الريالات، ثم تماكس في عشرات الريالات التي تكمل المتعة!

وأوصيك هنا بأن تترك عنك دعوى التأديب المزعومة، فهم أولاً – أعني التجار – لم يعلموا بك، ولم يشعروا بوجودك، أو انصرافك، ولا تهمهم انطباعاتك الخاصة، ثم إن طوابير المشترين والمستفيدين أكبر من أن تجعلهم حريصين على سماع وجهة نظرك، أنت في الحقيقة إنما تحرم نفسك مما تحتاجه، وأخص بالذكر الحالات التي تكون زيارتك لهذا الموضع أو ذاك قليلة أو نادرة، وليست سلوكاً يومياً تصنعه بحيث يجدي فيه البحث عن البدائل.

لهذا، خذ نصيحتي التي عملت بها حديثاً فوجدت ارتياحاً نفسياً كبيراً : إذا ذهبت لمطعم مميز، أو لمطار، أو في منتجع سياحي، أو على شاطئ جميل، وأردت طعاماً فوجدته، فلا تسعّر طعامك حين تشتهيه، ولا مشروبك حين تكون مريداً له، ولا تتوقف عن شراء سلعة أو خدمة تحتاجها الآن لأنها في مكان أو وقت آخر ستكون بمبلغ أقل.

وقتك أهم، ومتعتك الآنية أهم، واستفادتك من المرافق المتاحة، والخيارات الموجودة أولى من التقتير على نفسك لأجل مبلغ يسير، و(نفسك) تستحق منك إكراماً وتقديراً واهتماماً، فلا تبخل عليها.

دمت موفقاً

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

فبراير 18, 2018

رجاء .. لا تصوّر حياتك!

حيثما حللت، وأينما جلست، وجدت الناس يمسكون بجوالاتهم الخاصة، يصورون!
 يصورون كل شيء، ويقوم الفئام منهم بتصوير المشهد ذاته، فسفرة الطعام التي يتم وضعها في المنزل أو المطعم يقوم أكثر أفراد العائلة بالتقاط صورها في جوالاتهم أو في حساباتهم في شبكات التواصل، ويرون منظرًا طبيعيًا، فيفعلون الشيء ذاته، ويصورون أنفسهم في السيارة والطائرة وفي الوليمة، ويصورون المعالم، والحدائق، والزهور، والسماء، والقهوة، والتمر، والشاي، والفطائر، والصحون المملؤة والفارغة، ويصورون فرادى وجماعات.

وتكاد تجزم بأن مجموع ما تصوره العائلة الواحدة من الصور في سنة واحدة يجاوز عشرين ألف صورة!
بغض النظر عن هذا الرقم وضخامته، غير أن من المؤكد أننا نصور بشكل مهول ومبالغ فيه ومن غير حاجة إطلاقًا.

وثمّة أسئلة مهمة قد تدفعنا للتوقف عن 80% من الصور التي نقوم بالتقاطها. وهي: (لماذا نصور؟ ولمن نصوّر؟ ومتى سنعود لهذه الصور؟، وكيف سنؤرشفها؟).

أرأيت حين نصوّر (الورود والأزهار) في الشارع أو الحديقة أو المكتب، فإن الصور التي تلتقطها – غالباً - تكون غير احترافية، فإننا لن نصل لمستوى مئات الآلاف من الصور الاحترافية المتاحة اليوم على شبكة الإنترنت لكل أنواع الزهور وألوانها وعددها وطريقة ترتيبها. إذا فنحن نصوّر المشاهد الطبيعية مع أن ثمة صوراً كثيرة جداً هي أفضل من صورنا.

ثم لمن نصورها؟ 
ما الذي تجنيه العائلة أو الفرد من إرسال صورة الموادي، أو النهر أو الجبل إلى أقاربهم وزملائهم هل يريد إثبات أنه مصور محترف! أم يريد أن يقول أننا ذهبنا إلى هذا المكان الجميل دونكم أو ماذا؟
ثم إنّ هذه الصور يتم حفظها آلياً ويكون اسم الصور أرقاماً وتواريخاً وليست أسماء واضحة، وتجد أن هاتفك المحمول بات مملوءاً بالصور والمقاطع الكثيرة، فتقوم بعد مدة بحذف جملة كبيرة منها،  أو نقلها لحاسوبك أو حسابك السحابي، وتستمر عملية النقل هذه مرة بعد أخرى، وربما أصبح لديك عشرات  النسخ المكررة والاحتياطية من الصورة الكئيبة ذاتها.

إنني أشعر بأننا قد أصبنا بـ (إدمان التوثيق) دون داع، وصار هوس التصوير مما عمّت به البلوى.
إنني أتفهم أن يكون لبعض الصور الاجتماعية أهمية نسبية، وتبرير منطقي، لكونها صوراً خاصة غير متاحة على الشبكة، ولأنها تروي مرحلة عمرية محددة، تتغير بعدها الملامح، ويكبر الصغير، ويموت البعض، مما يجعل الاحتفاظ بها مبرراً، شريطة عدم التكرار المزعج للصورة ذاتها، فلا داعي لعشرات المصورين ولا لعشرات الصور للمشهد الواحد فتكفي صورة واحدة يتم التأكد من وضوحها فقط، ولا تحتاج في الرحلة ذاتها إلى سلسلة من الصور (صورتنا في المكان أو صورة المكان الذي كنّا فيه...) فالأماكن لها صور كثيرة في محركات البحث، فالعبرة بصورتكم في المكان، والتي تكفي فيها واحدة أو اثنتان.

وقد يستثنى من ذلك الصور التي يتم إرسالها لباقي أفراد العائلة الذين لم يشاركوا في المناسبة أو الرحلة بغية تطمينهم على مسيرة العائلة ومستجداتها وإشراكهم في الرحلة حين حبسهم العذر، لكنها تبقى صورًا مؤقتة قد لا يناسب الاحتفاظ بها جميعًا.

إننا نفوّت على أنفسنا فرص الاستمتاع بالأشياء كماهي، وننشغل بإظهار الاستمتاع بها من خلال الصور التي نرسلها هنا وهناك وننشرها في السناب والواتساب والانستغرام! وربما تحقق للبعيد من الاستمتاع مالم يتحقق للمشارك الفعلي، لأنه كان خارج المشهد في الواقع منشغلاً بإعدادات التصوير وزوايا الالتقاط، ونشر الصور للآخرين.

وقد رأيت ذات مرة مشهداً لأحد الرياضات، حيث كان كل الواقفين على المسار للفرجة يحملون في أيديهم جوالاتهم أو كاميراتهم الرقمية لتوثيق الحدث، بينما كانت تلك العجوز الطاعنة في السنّ تنظر للمشاركين في هذه الرياضة بكل استمتاع، دون أن تشغل يديها أو عينيها بشيء سوى الفرجة.

تفكّر ملياً في مسيرتك مع التصوير، وتساءل بجدّ، ما مصير تلك الصور؟

دمتم بخير