أبريل 07, 2018

الزواج العائلي والمتفاخرون!


لا يزال موضوع “الزواج” وتأخّره – خصوصاً بالنسبة للفتيات – أمراً مؤرقاً للكثيرين، ولا تكاد تفتح الموضوع في مجلس حتى يروي الحاضرون مزيداً من القصص، ويحدثونك عن ألوان المعاناة، والقلق الذي يشوبهم بهذا الشأن، غير أن كثيراً منهم لا يتجاوزون الإشارة لمظاهر المشكلة، وتأكيد وجودها، وقليل من هؤلاء من ينتقل من “المشكلة” إلى “الحل”، ويفكّر في اتخاذ خطوات عملية نحو تخفيف الظاهرة.
وأنت أيها القارئ الكريم يمكنك أن تعدّد كثيراً ممن يقلقك شأنهن من الأخوات والبنات أو بنات العم، أو القريبات ممن بلغن سن الزواج ولم يتزوجن بعد، مع أنه لا ينقصهن شيء.

وقد طرحت هذا الموضوع في أكثر من مجلس ومحفل، وسعيت إلى إثارة الاهتمام حول الموضوع، ووجدت أن هناك جملة من الحلول التي يمكن اللجوء إليها لنكون جزءاً من الحل بدلاً من أن نكون جزءاً من المشكلة، فمهما لعنّا الظلام، فسيبقى الظلام مستمراً، ما لم نشعل شمعة في هذا الظلام الدامس.

ولعلي هنا أتناول إحدى هذه الحلول التي يفترض أن نتوجّه إلينا بكل اهتمام، ألا وهو (تيسير الزواج)، والسعي لتخفيف طقوسه وفعالياته المتكاثرة، والتي بدأت في التعقيد يوماً بعد يوم. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن النساء: (خيرهن وأكثرهن بركة، أيسرهن مؤونة)، فما أجمل أن يكون الزواج مناسبة (عائلية) لا (جماهيرية) يحضرها الأقارب القريبون جداً من أهل الزوجين، وتكون في بيت أهل الزوجة، أو في استراحة صغيرة بجوارهم، ويكون هذا هو الاحتفال الوحيد الذي يتم بمناسبة الزواج، تطبيقاً للحديث الذي يوصي بإعلان النكاح وعدم الإسرار به.

أما اختيار القاعات الفاخرة، والتجهيزات المكلفة، والحفلات المتتالية، والهدايا الباهظة الثمن، فهو إنفاق للمال في غير وجهه، وتضييع للأموال الكثيرة دون طائل، وتكبر المشكلة حين يصبح التسابق على ذلك “موضة” تضطر الفتاة وأهلها للمسايرة، بل وتسعى كل فتاة لإضافة بصمة أخرى على كل ما سبق، وكل إضافة تتطلب مزيداً من المال، وكل إضافة تجعل اللواتي يأتين بعدها ملزمات بالمسير على هذا الطريق العسير، ومسايرة هذه الطقوس، مع عدم مراعاة للوضع المالي للزوج أو للزوجة، فلم يعد ذلك التفاخر والتظاهر مقصوراً على الطبقة المترفة فحسب، بل بات التقليد سمة عامة يلتزم بها الجميع!

ولهذا فمتطلبات الفتاة من الزواج باتت ضخمة جداً، ولم يعد يناسبها سوى الثري جداً الذي يمكنه أن يحقق لها ذلك التميز الموهوم، ومتابعة الموضة بشكل مستمر.

والشاب الناشئ الذي يبحث عن الزواج لأجل تحقيق الإعفاف والستر، لا يمكنه في الوضع الطبيعي الانسياق وراء هذه المتطلبات الكبيرة إلا حين يكون وضعه أو وضع والده المادي عالياً، أو أن يضطر للكثير من القروض التي تجعله مكبلاً بعد ذلك، أو أن يترك الموضوع برمّته، ويعزف عن الزواج، أو ينتظر سنين طويلة حتى يتمكن من جمع المال الكافي لتلك المظاهر.

لذا فالزواجات العائلية منهجية جميلة، ويسيرة، واقتصادية، وهي الأكثر ألفة واجتماعاً. وكانت أسلوباً سائداً في مجتمعنا، غير أن التغيّر الذي طرأ على المجتمع، والانفتاح على المجتمعات الأخرى، جعلنا نحاول جمع ما تفرق، فنأخذ من كل بلد أحد طقوسه، لتكون النتيجة لدينا مثل إناء رميت في عشرات الأنواع الجميلة من الأطعمة، فترى الإناء بعد ذلك وقد ضاع طعمه، ولم يعد شكله جاذباً، كما أنه سيسبب لمتناوله أوجاعاً بسبب هذا التناقض والتعارض بين تلك الأصناف.

ما أحوجنا اليوم إلى التنادي لتخفيف وتبسيط وتيسير وتقليل إجراءات الزواج.

وأن يبادر بذلك القدوات والأغنياء والمشاهير، لتحويلها إلى “ظاهرة” صحية، بحيث نغيّر الصورة الذهنية عن الزواج العائلي، ليكون هو النموذج الأكثر رقيّا وحضارية وتميزاً.

وأختم حديثي هذا بسؤالين ختاميين مهمين: ما الذي يمكنك فعله للمساهمة في نشر ثقافة الزواج العائلي الميسّر؟ وما الذي ستفعله في زواج ابنتك أو أختك لتجعل منه زواجاً ميسراً مباركاً؟

أسأل الله -عز وجل- أن يُيسر للفتيات وللشباب زواجاً مباركاً موفقاً ميسراً.

دمتم بخير.

أ.محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

نشر في صحيفة تواصل من هـنـا

مارس 17, 2018

خطوات اللاشيء !

للإنجاز طرقه الواضحة، التي تتطلب عملاً جاداً ومستمراً دائماً من أجل تحقيق الأماني وتحصيل المرادات.
وقد يسمع أحدنا كلمةً هنا، أو يقرأ تغريدة هناك، أو يحضر مجلساً يدور فيه النقاش حول موضوع ما، أو يناقش مشكلة محددة، فيصيبه الحماس المفاجئ، والرغبة الجامحة في تحقيق النجاح، ويدرك أنه طالما تمنى تحقيق تلك الأمنية، ولكن التسويف كان سيد الموقف في كل مرّة، وأنه آن الأوان لاتخاذ خطوات عملية لتحقيق الهدف المنشود.

ولكنّه، يفرّغ هذه الحماسة المفاجئة في خطوات (تنفيذية) لكنها (غير مؤثرة!)، وغالباً تكون هذه الخطوة هي بشراء أو اشتراك، أو التحاق، فتراه بعد ذلك قد سكنت نفسه، وشعر أنه قد حقق إنجازاً ذا بال، وزال عنه تأنيب الضمير، مع أنه في الواقع العملي لم يحقق شيئاً.

إنه أشبه بمن استمع لحديث عن رياضة (السباحة) وفوائدها، فتحمّس للأمر كثيراً، وأراد ممارسة السباحة كل يوم بغرض تحصيل اللياقة، فذهب واشترى لباساً للسباحة من ماركة معروفة، وكرسياً للجلوس بعد السباحة، ومشروبات لتناولها بعد السباحة، ومظلّة للجلوس تحتها، ونظارات لرؤية الكائنات تحت الماء.

إنه هنا قد فعل (خطوات اللاشيء)! فممارسة السباحة لا ارتباط لها بالكثير من تلك الخطوات التي قام بها لتحقيق الرضا الداخلي، إذ الخطوة الأهم هي تخصيص الوقت بشكل منتظم، والذهاب لمكان السباحة وممارستها فعلاً.

والأمر ذاته فيمن استمع لحديث ملهم من د.صالح الأنصاري عن المشي وفوائده الصحية العظيمة، فإنني أوصيه قبل أن يتخذ خطوة عملية أن يلتزم بالوقت المخصص للرياضة يومياً، ويواظب على ذلك شهراً أو أكثر. وحين يجد العزيمة متوقدة، والنفس متفاعلة، والجدية متحققة، فيمكنه أن يشتري بعدها جهازاً للمشي، أو يشترك في نادٍ للياقة، أو يشتري حذاء رياضياً مميزاً، أو يحمّل تطبيقاً يسجل نشاطاته ويحفزه لمواصلة النجاح.

لاحظ أن اتخاذ خطوات الشراء وما شابهها إنما تكون بعد تحقيق النجاح المؤقت، وتحقيق إنجاز حقيقي أولاً.

إنني أطلق على تلك الخطوات السريعة التي تقتصر على الدفع المالي (خطوات اللاشيء)

لأنك حين تصنع تلك الخطوات، فلا تعتبر نفسك قد قطعت الشوط الأصعب، ولا بدأت النجاح، فالإحصائيات تدلّ على أن90% من هؤلاء يكتفون بخطوات اللاشيء ولا يجاوزونها !

إن من السهل أن ترسم خطة سنوية أو استراتيجية دقيقة، ومفصّلة، ومصممة بشكل جميل، وتضمنها أهدافاً عظيمة، وطموحات كبرى، لكن ذلك كله ما لم يتم إتمامه بالعمل الحقيقي فهو من (خطوات اللاشيء)!

وأنا هنا لا أقلل من تلك الخطوات، فهي الخطوة الأولى، لكنها كثيراً ما تكون “المخدر” الذي يجعل النفس تشعر بالإنجاز الموهوم.

فوصيتي الثابتة لنفسي ولك:

ابدأ في العمل الجاد فعلاً دون تزويق أو تنميق.

ابدأ تعلم اللغة المستهدفة بأي تطبيق جوال متاح، أو أي مقاطع وبرامج على اليوتيوب، ولا تدفع ريالاً واحداً لأي تطبيق مدفوع.

ابدأ في قراءة الكتب الموجودة لديك وأعطها كلها وقتاً ثابتاً، ولا تشتر كتباً جديداً.

اقرأ أو استمع أو التحق بالدورات المجانية التي تتناول الموضوع الذي يهمّك قبل أن تقرر الالتحاق بدورة مدفوعة.

احرص على أن تقوم بتغيير سلوكك تجاه القضية المستهدفة، وأن تقوم بكل ما هو متاح وفق الموارد الموجودة والمجانية، ولا تنتقل إلى أي خطوة (مدفوعة) قبل أن تختبر عزيمتك على أرض الواقع، خصوصاً أن (خطوات اللاشيء) تضعف همّتك وحماستك، لشعورك الوهمي بأنك بدأت النجاح.

محمد بن سعد العوشن

نشر في صحيفة تواصل من هــنــا 

فبراير 18, 2018

لا تسعّر طعامك!


يكون المرء منطقيًا أحيانًا في موضع ليس للمنطق فيه موضع!
ويحرم نفسه من أمور وأشياء تحت ذريعة (هذا تلاعب في الأسعار ومخادعة لا يمكن قبولها).
ولربما سكن المرء أحيانًا في فندق ذو خمس نجوم، أو في فندق بمنطقة بعيدة عن المدينة، يندر الوصول إليه، أو يكون في المطار، أو في قرية تقل فيها الخدمات من هذا النوع، ويكون في حاجة لهذه الخدمة المقدّمة أو تلك ويمنعه من الاستفادة منها أو شراؤها أو اقتناؤها.. أن (سعرها مبالغ فيه)، وربما كان أضعاف السعر الأصلي لها!


لذا يرى أن كرامته، وعزّته، وقوّته تكمن في الامتناع عن الاقتناء وحرمان نفسه من ذلك لأجل تأديب هؤلاء الذين يستغلون المواقع بكل جشع، ولا يخشون من رقيب أو حسيب.
إنني أدرك أن ثمّة استغلالاً وخداعاً – إن صح أنه خداع فعلاً – يوجد أحياناً.

وإنني أعترف -و لأول مرّة – أنني كنت من هؤلاء الذين يرون أن الشراء في هذه الحالة – حتى لوكنت بحاجة للطعام أو السلعة – يعتبر قبولاً بالإذلال والخداع من هذا التاجر الطمّاع، وأن الامتناع عن الشراء لتأديبه هو أكثر إبهاجاً لنفسي، وتحقيقاً للرضى الداخلي (المزعوم)، لقد كنت – في الحقيقة – أخدع نفسي!!

كنت – وإلى وقت قريب – إذا دخلت مطعمًا أو مقهى لأجلس فيه وأتناول شيئًا من أطعمته أو أشربته، فيكون أول ما ألقى عليه نظري (قائمة الأسعار) وأجعلها أحيانًا أحد المقاييس لاختيار الطعام، مع الاهتمام طبعاً بالنوع والطعم والشهرة.

وربما دخلت المطار مرّة فلم أشرب شيئًا مع رغبتي في ذلك، مع مكثي ساعة أو ساعتين، لأن الأسعار غير عادلة! وأقول لنفسي: لا يكافئ هؤلاء الطمّاعون بالشراء منهم.

لكنني اليوم أزعم أنني تغيّرت! وأرجوا أن تتأملوا الأمر فربّما تغيرتم، أو أنكم من المتعافين أصلاً، وذلك أنني بدأت أتفهم أموراً في هذا السياق ..

أولاً: ارتفاع السعر له مسبباته غالبًا فطبيعة المكان، وأسعار الإيجار فيه، وصعوبة الوصول، ونوعية وحجم المكان والأثاث وعدد فريق العمل ونوع الفريق، وكل التفاصيل ذات الصلة مؤثرة جدًا في موضوع السعر فضلاً عن حجم المبيعات، ونقل البضائع، والمنافسة للحصول على هذا الموقع.

قد لا يكون الارتفاع بهذا القدر مبررًا كلّه، لكن المقارنة بالسوق ليست عادلة كذلك، فمن يستأجر محله بخمسين ألفًا سنويًا لا يقارن بمن يستأجره بخمسين ألفًا شهريًا.

ولو تأملت فيما تدفع قيمته أحيانًا لوجدت أنك تدفع قيمة المكان، قيمة الإطلالة، قيمة السمعة والمكانة، قيمة الوجاهة والمظهر، قيمة الجلسة والاجتماع المميز.

وأنت في كثير من الأحيان لا تطلب (الخدمة) ثم تذهب، بل تجلس طويلاً وتأخذ حيزًا، مما يعني أنك في الواقع استأجرت مكانًا للجلوس وحرمت المطعم أو المقهى من زبائن آخرين.

كما أن مبلغ التوفير – لو لم تشتر من هؤلاء – ليس كثيرًا في نهاية الأمر فقد يكون عشرات الريالات في غالب الأحايين، وهو مبلغ أقل من أن تكدر صفوك أو تؤجل متعتك أو تحرم نفسك لأجله، مع أنك ربما أنفقت أضعاف هذا المبلغ دومًا في غير وجهه.

ففي المطار، وفي السفر تدفع ألوف الريالات، ثم تماكس في عشرات الريالات التي تكمل المتعة!

وأوصيك هنا بأن تترك عنك دعوى التأديب المزعومة، فهم أولاً – أعني التجار – لم يعلموا بك، ولم يشعروا بوجودك، أو انصرافك، ولا تهمهم انطباعاتك الخاصة، ثم إن طوابير المشترين والمستفيدين أكبر من أن تجعلهم حريصين على سماع وجهة نظرك، أنت في الحقيقة إنما تحرم نفسك مما تحتاجه، وأخص بالذكر الحالات التي تكون زيارتك لهذا الموضع أو ذاك قليلة أو نادرة، وليست سلوكاً يومياً تصنعه بحيث يجدي فيه البحث عن البدائل.

لهذا، خذ نصيحتي التي عملت بها حديثاً فوجدت ارتياحاً نفسياً كبيراً : إذا ذهبت لمطعم مميز، أو لمطار، أو في منتجع سياحي، أو على شاطئ جميل، وأردت طعاماً فوجدته، فلا تسعّر طعامك حين تشتهيه، ولا مشروبك حين تكون مريداً له، ولا تتوقف عن شراء سلعة أو خدمة تحتاجها الآن لأنها في مكان أو وقت آخر ستكون بمبلغ أقل.

وقتك أهم، ومتعتك الآنية أهم، واستفادتك من المرافق المتاحة، والخيارات الموجودة أولى من التقتير على نفسك لأجل مبلغ يسير، و(نفسك) تستحق منك إكراماً وتقديراً واهتماماً، فلا تبخل عليها.

دمت موفقاً

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بالعمل الخيري

فبراير 18, 2018

رجاء .. لا تصوّر حياتك!

حيثما حللت، وأينما جلست، وجدت الناس يمسكون بجوالاتهم الخاصة، يصورون!
 يصورون كل شيء، ويقوم الفئام منهم بتصوير المشهد ذاته، فسفرة الطعام التي يتم وضعها في المنزل أو المطعم يقوم أكثر أفراد العائلة بالتقاط صورها في جوالاتهم أو في حساباتهم في شبكات التواصل، ويرون منظرًا طبيعيًا، فيفعلون الشيء ذاته، ويصورون أنفسهم في السيارة والطائرة وفي الوليمة، ويصورون المعالم، والحدائق، والزهور، والسماء، والقهوة، والتمر، والشاي، والفطائر، والصحون المملؤة والفارغة، ويصورون فرادى وجماعات.

وتكاد تجزم بأن مجموع ما تصوره العائلة الواحدة من الصور في سنة واحدة يجاوز عشرين ألف صورة!
بغض النظر عن هذا الرقم وضخامته، غير أن من المؤكد أننا نصور بشكل مهول ومبالغ فيه ومن غير حاجة إطلاقًا.

وثمّة أسئلة مهمة قد تدفعنا للتوقف عن 80% من الصور التي نقوم بالتقاطها. وهي: (لماذا نصور؟ ولمن نصوّر؟ ومتى سنعود لهذه الصور؟، وكيف سنؤرشفها؟).

أرأيت حين نصوّر (الورود والأزهار) في الشارع أو الحديقة أو المكتب، فإن الصور التي تلتقطها – غالباً - تكون غير احترافية، فإننا لن نصل لمستوى مئات الآلاف من الصور الاحترافية المتاحة اليوم على شبكة الإنترنت لكل أنواع الزهور وألوانها وعددها وطريقة ترتيبها. إذا فنحن نصوّر المشاهد الطبيعية مع أن ثمة صوراً كثيرة جداً هي أفضل من صورنا.

ثم لمن نصورها؟ 
ما الذي تجنيه العائلة أو الفرد من إرسال صورة الموادي، أو النهر أو الجبل إلى أقاربهم وزملائهم هل يريد إثبات أنه مصور محترف! أم يريد أن يقول أننا ذهبنا إلى هذا المكان الجميل دونكم أو ماذا؟
ثم إنّ هذه الصور يتم حفظها آلياً ويكون اسم الصور أرقاماً وتواريخاً وليست أسماء واضحة، وتجد أن هاتفك المحمول بات مملوءاً بالصور والمقاطع الكثيرة، فتقوم بعد مدة بحذف جملة كبيرة منها،  أو نقلها لحاسوبك أو حسابك السحابي، وتستمر عملية النقل هذه مرة بعد أخرى، وربما أصبح لديك عشرات  النسخ المكررة والاحتياطية من الصورة الكئيبة ذاتها.

إنني أشعر بأننا قد أصبنا بـ (إدمان التوثيق) دون داع، وصار هوس التصوير مما عمّت به البلوى.
إنني أتفهم أن يكون لبعض الصور الاجتماعية أهمية نسبية، وتبرير منطقي، لكونها صوراً خاصة غير متاحة على الشبكة، ولأنها تروي مرحلة عمرية محددة، تتغير بعدها الملامح، ويكبر الصغير، ويموت البعض، مما يجعل الاحتفاظ بها مبرراً، شريطة عدم التكرار المزعج للصورة ذاتها، فلا داعي لعشرات المصورين ولا لعشرات الصور للمشهد الواحد فتكفي صورة واحدة يتم التأكد من وضوحها فقط، ولا تحتاج في الرحلة ذاتها إلى سلسلة من الصور (صورتنا في المكان أو صورة المكان الذي كنّا فيه...) فالأماكن لها صور كثيرة في محركات البحث، فالعبرة بصورتكم في المكان، والتي تكفي فيها واحدة أو اثنتان.

وقد يستثنى من ذلك الصور التي يتم إرسالها لباقي أفراد العائلة الذين لم يشاركوا في المناسبة أو الرحلة بغية تطمينهم على مسيرة العائلة ومستجداتها وإشراكهم في الرحلة حين حبسهم العذر، لكنها تبقى صورًا مؤقتة قد لا يناسب الاحتفاظ بها جميعًا.

إننا نفوّت على أنفسنا فرص الاستمتاع بالأشياء كماهي، وننشغل بإظهار الاستمتاع بها من خلال الصور التي نرسلها هنا وهناك وننشرها في السناب والواتساب والانستغرام! وربما تحقق للبعيد من الاستمتاع مالم يتحقق للمشارك الفعلي، لأنه كان خارج المشهد في الواقع منشغلاً بإعدادات التصوير وزوايا الالتقاط، ونشر الصور للآخرين.

وقد رأيت ذات مرة مشهداً لأحد الرياضات، حيث كان كل الواقفين على المسار للفرجة يحملون في أيديهم جوالاتهم أو كاميراتهم الرقمية لتوثيق الحدث، بينما كانت تلك العجوز الطاعنة في السنّ تنظر للمشاركين في هذه الرياضة بكل استمتاع، دون أن تشغل يديها أو عينيها بشيء سوى الفرجة.

تفكّر ملياً في مسيرتك مع التصوير، وتساءل بجدّ، ما مصير تلك الصور؟

دمتم بخير

ديسمبر 28, 2017

إذا سافرت فلا تقلق


لم تكن أمور السفر أيسر منها هذا اليوم، وقد تعددت وسائل النقل وتنوعت وتباينت في أحجامها وأشكالها وسرعاتها و أسعارها بشكل كبير جدًا، ولم يعد دورك كمسافر  أن تبحث عن أي وسيلة تنقلك لوجهتك،  بل باتت مهمتك هي اختيار الوسيلة الأكثر مناسبة لك، كما أن الأسعار أصبحت كذلك منخفضة مع تعدد هذه الخيارات، فلم يعد هناك داع للقلق يومًا بشأن الحجز ومدى توفره، ولم يعد هناك حاجة لحمل همّ السفر قبله بأشهر، فالمسألة أصبحت يسيرة جدًا.
بل أكاد أجزم أنك لو ذهبت للمطار أو للقطار أو لمحطة الحافلات في أي وقت لوجدت رحلة متاحة في اليوم نفسه إلى الكثير من الوجهات، فموضوع الانتقال للوجهة المقصودة  – والحالة هذه – لم يعد يوجب القلق.

وأما السكن فهو الآخر بات أمر ميسراً للغاية،  وأخذت المواقع المعنية بالحجز للفنادق والشقق والفلل والمنتجعات تتكاثر وتتميز، فمن بوكينج إلى أجودا إلى مواقع أخرى كثيرة، ولم يعد الأمر يتطلب منك دخولاً لكل مبنى أو فندق أو مجمع للشقق للسؤال عن التوافر من عدمه، ولا عن المواصفات أو عن السعر، بل ولا عن مكان ذلك المسكن وقربه أو بعده من بعض المعالم أو الخدمات، بل أصبحت مهمتك أن تتصفح مواقع الحجز وتشاهد بكل يسر جميع المعلومات وتنظر في مختلف الخيارات وتحدد متطلباتك وفلاترك الخاصة، لتجد بغيتك مزوداً بالصور الوافية، وتقييمات العملاء السابقين لهذا السكن المختار، فموضوع السكن – والحالة هذه – لم يعد يوجب القلق.

وفي طرائق الوصول، وخرائط الدول والمدن، وطرقاتها الرئيسة والفرعية، ومعالمها المختلفة، هي الأخرى  لم تعد بحاجة كذلك لسؤال من سبق له زيارة هذا البلد أو ذاك، ولم تعد بحاجة للتوقف عند كل عابر للاستيضاح منه، فقد أصبحت خرائط جوجل تغطي الاحتياج وزيادة، وتدلك بالصورة وبالصوت إلى الوجهة التي تريد، بما يفوق متطلبات العميل.

وأما المحلات التجارية، والمطاعم وغيرها فقد باتت هي الأخرى قريبة المنال واضحة جداً، والوصول إليها أصبح يسيراً للغاية، وصارت التطبيقات تدلك على أقرب محل لموضعك الحالي، وتدلك عليه، وتزودك بتقييمات الناس له، وصور له كذلك، وأوقات العمل بداية ونهاية، بل وتتيح لك تطبيقات أخرى إمكانية توصيل تلك المشتريات إلى باب غرفتك.

كما أنك لم تعد بحاجة لحمل النقود معك بعملة البلد المستهدف، وأصبحت “الشيكات السياحية” شيئاً من الماضي،  فمكائن الصرف الآلي ونقاط البيع وبطاقات الائتمان تؤدي المهمة بكل اقتدار، ويمكن لك أن تسافر شهراً كاملاً في عدد من الأمصار، وليس في جيبك ريال واحد.

ولم تعد بحاجة إلى البحث عن سيارة تقلك، أو سائق يقود بك السيارة، فقد وفرت التطبيقات والمواقع الإلكترونية كأوبر وكريم إمكانية عالية للنقل من موضع إلى آخر، وبأسعار مناسبة، كما أن مواقع كثيرة تتيح لك استئجار السيارة التي تريد لتقوم بقيادتها في البلد الذي تسافر إليه.

ومع كل ما سبق يبرز تساؤل حقيقي : لم لا يزال البعض مصطحباً صورة السفر السابق، بكل عنائه وصعوباته، فتراه قلقاً مرتبكاً لمجرد أنه سيسافر؟

ولماذا هذا  القلق وقد زالت أسبابه؟

ليس لدي إجابة حقاً سوى أن البعض ألِف العيش بمشاعر السابقين، وأصبح يحاكيهم ويحذو حذوهم، رغم أنه قد كان لديهم ما يقلقهم، ولم يعد ذلك موجوداً لدى المعاصرين.

ومن هنا .. أدعوك للاستمتاع بالرحلة، وأخذ الأمور بيسر، وبساطة، وترك القلق، وعدم الاهتمام بصغائر الأمور.

دام توفيقك،،،

محمد بن سعد العوشن

إعلامي مهتم بتطوير الذات والعمل الخيري

@bin_oshan

ديسمبر 02, 2017

هرمنا .. فأين إكسير الشباب؟

نعيش يومنا وكأنما عمر الشباب والقوة والنشاط سيلازمنا دومًا، ناسين أو متناسين أننا سنودع هذا العمر المملوء حيوية وقوة ونشاطاً، ونصبح إن أمدّ الله في أعمارنا – من المسنين، وسوف نعجز عن ممارسة الكثير من الأنشطة والفعاليات التي يمكننا اليوم ممارستها.
وسوف يأخذ أصدقاؤنا في مغادرة الدنيا واحدًا بعد الآخر، وسيكبر الأولاد ويغادرون المنزل لبيوتهم وحياتهم الجديدة الخاصة بهم، وسوف تحدث تغييرات كثيرة فينا وفيمن حولنا، وهذا أمر طبيعي يحصل للناس كلهم، لكن كثيرين – وأنا أحدهم- لا نخطط لذلك المستقبل جيدًا، بل نستمر على وتيرتنا الحالية حتى نكتشف أننا قد هرمنا فجأة.

وقد يسأل البعض: وما الذي يمكننا أن نصنعه لنمنع الهرم فلا تمر بنا تلك المرحلة، وهل ستحدّثنا عن عقار النشاط والشباب، وأكسير الحياة الذي يعيد الشيخ شاباً؟
والحقيقة أنني لا أعرف شيئًا يمكنه منع الهرم، ولا تأخير الشيخوخة، لكنني أعرف الكثير مما يمكن فعله اليوم لهرم أكثر سعادة، وشيخوخة أطيب عيشًا، ويبقى ذلك من فعل السبب، وإلا فالمقادير والأعمار بيد الله، فلا يدري الواحد منا هل يمهل الله له حتى يدرك الهرم أم لا؟

أحد أهم الأشياء التي يفترض بالمرء فعلها ألا يستسلم للشيخوخة، ولا يقنع نفسه يومًا أنه قد فات الأوان، وأنه الآن في مرحلة الاستسلام ولزوم الدار وانتظار الموت..
بل ليستيقظ من نومه وكأنه سيعمّر مائة عام، أو تزيد، فلا يتوقف عن الأمل والتخطيط والأهداف والطموحات، فتلك “وقود الحياة” التي متى ذهبت؛ توقفت الحياة فعلاً حتى لو كان المرء في الثلاثين أو الأربعين.

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
أن يستمر المرء في التعلم والاستكشاف، فالتعلم المستمر ينشّط العقل ويحرّكه، كما أنه يضيف للمرء من المعلومات ما يستحق أن ينصت له الناس من أجله، فيسعدوا ويسروا بكلامه.
كما أن شغف التعلّم يجعل المرء مستمرًا في الاستمتاع بلذة الاكتشاف والمعرفة، وانشغاله بهذا التعلّم يأخذ منه وقتًا طويلاً، فينصرف عن الأحاديث الفارغة، والانشغال بلوم هذا وذاك، والندم الذي لا يصنع شيئًا. وكان ولا زال الكتاب ومصادر المعرفة الأخرى أوفى صديق لا يكل ولا يمل ولا يذهب، والناس بخلاف ذلك إلا ما رحم ربي.


ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة كذلك : 
أن يعتقد المرء أن سعادته وحياته بيده هو، وليست مرهونة بأحد من الناس، فلا يرهن السعادة بزيارة الأولاد، أو لقيا الأصحاب، فذلك يعني أنه لا يملك التصرف في حياته، بل أن زمام أمره، وسعادته، وحزنه مرهونة بما يقرره الآخرون، وهذا الأمر في غاية الإحباط.

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
 تنويع الأصدقاء، والحرص على إضافة أصدقاء جدد أقل عمرًا، ممن تجمعك بهم اهتمامات مشتركة، علمية، أو رياضية أو غيرها، فذلك يعني في نهاية المطاف أن يستمر أصحابك معك، يساندونك، ويسعدونك، ويعرضوا عليك دومًا الحضور للمناسبات المختلفة، والفعاليات المتنوعة، والجلوس أو السفر معك، فإن كان أصدقاؤك محصورين فيمن كانوا في عمرك فسوف تشعر أن عددًا منهم لم يعد قادرًا أو راغبًا في الخروج من عزلته التي فرضها على نفسه، فضلا عن تناقصهم التدريجي من جراء المرض أو الموت.
وهؤلاء الأصدقاء الأصغر سنًا هم غالبًا سيكونون أطول بقاء ممن هم في سنك، فضلاً عن المعارف والمعلومات والخبرات والأحاديث المتجددة التي ستسمعها منهم، فتضيف لعمرك أعمارًا، وتصبح من بين أقرانك الكبار متميزًا بحيويتك ونشاطك وهمتك..

ومن عوامل الشيخوخة الطيّبة: 
أن تجعل لنفسك أبوابًا من الخير لا تتوقف عنها، فتجعل القرآن جليسك، والصلاة مع الجماعة والتبكير إليها هجّيراك، والقيام على المحتاجين عادتك، فالطاعات والإحسان للخلق من أعظم ما يحفظ على المرء جوارحه وعقله وصحته.

ولا زال في الأمر المزيد لبسطه والحديث عنه في قابل الأيام بإذن الله، أسأل الله تعالى أن يبارك لكم في أعماركم وصحتكم وجوارحكم كلها حتى تلقوه على خير حال.

دمتم بخير،،،


محمد بن سعد العوشن 

ديسمبر 01, 2017

التشويش في الترجمة الفورية


تجربتي في حضور عدد من اللقاءات والفعاليات التي تحتوي على متحدثين باللغة الإنجليزية، مع وجود الترجمة الفورية، وجدتها مملة ومشوشة في وقت واحد.
فأنت حينها لا تدري: هل تستمع لصوت المتحدث بالإنجليزية حيث يعلو صوته في القاعة، أم تصغي لتلك السماعات التي وضعتها في أذنيك؟
أم تتابع العرض التقديمي باللغة الإنجليزية؟
فأنت في اللحظة نفسها تتلقى 3 مدخلات غير متوافقة ( حديث باللغة الإنجليزية، حديث المترجم باللغة العربية، عرض تقديمي أو أوراق العرض مصممة باللغة العربية أو الإنجليزية).
وهذا الأمر لا ينطبق على الترجمة الفورية للقاءات التلفزيونية التي تقوم بها القنوات الإخبارية غالباً ، ذلك أن أمرها مختلف، فهي غالباً تصريحات وأحاديث عاجلة ومقتطفة، وهي تخلو من عروض تقديمية يفترض متابعتها، كما أن القناة تقوم بخفض صوت المتحدث الرئيسي بشكل كبير ليعلو عليه صوت المترجم، وبناء عليه يمكن للمشاهد أن يستوعب المراد بيسر.

ليس لدي حلّ لإيصال المفاهيم - فوراً - من المتحدث بلغة إلى المتحدثين بلغة أخرى، لكنني أظن أن بالإمكان إيجاد حلول أخرى، غير ما أعيشه الآن من تناقض.
وربما يكون من الحلول أن يقسم الحضور إلى مجموعتين، الناطق بلغة المتحدث يكون جالساً بشكل مباشر أمام المتحدث، أما الحضور الناطق باللغة الأخرى فيكون في قاعة زجاجية معزولة صوتياً بحيث يرون المتحدث ولا يسمعون صوته، ولا يصلهم إلا صوت الترجمة فحسب.
وأن تكون العروض موجودة باللغة العربية.
وأن يكون ظهور النصوص في العروض التقديمية وفقاً لما يقوله المتحدث، ولا يخرج النص مرّة واحدة.

أما الوضع الراهن، فبكل صراحة .. أشعر بأنني أستمع لشخصين يتحدثان سوياً في موضوعين مختلفين، ويطلب مني أن أفهم المراد منهما! .

لكن :
حين تكون في موضع للاستفادة، وثمة عوائق وعقبات تعترضك، وتقلل من استفادتك، فالمفترض أن تسعى لتقبل الأمر، وتحاول تقليل الخسائر، فالتذمر لن يصنع شيئاً.

تعوّد تقبّل ما لا يمكنك تغييره، وتخيل نفسك وقد طلب منك أن تعيد تقديم خلاصة مافهمته لآخرين لم يحضروا هذا اللقاء!

ستجد أنك نقلت تركيزك إلى جانب آخر، فبعد أن كنت تفكّر في ( ما هي العقبات؟)، أصبح تفكّر في (كيف يمكن لي أن آخذ ما يمكن أخذه؟)

دمتم بخير ،،،