أكتوبر 25, 2017

هل اتخذت قرارك؟


نبسّط أحياناً بعض الأمور ووجهات النظر، حتى يخيّل للسامع أن المسألة من الوضوح بالمحل الذي لا يخفى، وأنه ما كان للناس أن يختلفوا في مسألة كهذه، وأن الحق فيها أبلج واضح كالشمس في رابعة النهار.
       والحقيقة أن الأمور إنما يختلف فيه الناس و تتعسر، ويصعب الاختيار فيما بينها لأن لكل رأي في المسألة حجة معتبرة، ومبرر منطقي ومعقول، ولو كانت الأمور واضحة لما التبس فيها على الناس الأمر، ولما ترددوا، وشرقوا وغرّبوا.

وقد ناقشت أحدهم ذات مرّة، حول انشغال بعض وقته بعمل بدت لي أهميته قليلة، وأوضحت له حجم الوقت الذي سيوفره لو ترك هذا الأمر وانصرف إلى ماهو أولى وأنفع.
فحدثني عن قناعته التامة بأن هذا العمل يستهلك منه وقتاً واهتماماً، وأنه همّ مراراً بتركه والإعراض عنه، وأن نفسه أميل للترك من المواصلة، غير أنه أوضح لي عن حجم ونوع الحاجة التي يسدها عمله ذلك، وقلة من يسد هذا الباب، ومعرفة الناس له، بحيث صار مقصداً لهم فيه، مما جعله يقدّم رجلاً ويؤخر أخرى في اتخاذ القرار..

وأبان أن المسألة ليست في قدرته على الحسم، قذلك أيسر مايكون، لكنّه يتأمل في حال المستفيدين، وكيف ستتقطع بهم السبل حينذاك، ثم أطلعني على عدد غير قليل من الرسائل التي تصل إليه طالبة الرأي و المساندة، ورسائل أخرى تشكر له صنيعه وتثني عليه، وتخبره بأنه بات كالواحة الخضراء في صحراء التيه، يأتي لها العطاشا فيرتوون في حر الهجير.

ثم أردف يقول : ألا زلت مقتنعا بأن أغادر هذا العمل، وانصرف لبقية أعمالي؟
فسكتّ ولم أستطع جواباً!.

وأدركت - حينها - أن ثمّة فرق كبير بين الواقع والتنظير، وأن القرارات ينبغي أن تكون وفق ملامسة للواقع، وإدراك ملابساته، وأنه جدير بنا أن نتعامل مع الكثير من القرارات بشيء من المرونة والتأمل في جوانب الموضوع كلّه.
دمتم بخير.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan



نشر في صحيفة تواصل من هنا

أكتوبر 24, 2017

رسالة خاصة لمتابعي د.صلاح الراشد


إذا كنت ممن لايعرف د.صلاح الراشد، ولا تتابعنه... فهذه الرسالة ليست موجهة لك.

وإذا كنت من الذين ينابذون د.صلاح الراشد العداوة في كل مايقوله جملة وتفصيلاً (بوعي أو بغير وعي).. فهذه الرسالة ليست لك أيضاً!

وبطبيعة الحال هي ليست موجهة للدكتور صلاح الراشد نفسه!.

فهؤلاء جميعاً ليسوا مستهدفين بهذه الرسالة الخاصة.

لكنها (رسالة محبّ)  لـ كل الرفاق الذين يستمعون لبرامج د.صلاح الراشد المسموعة والمرئية، أو ينخرطون في مشاريعه المختلفة، ويعتبرونه "معلّماً وملهماً" لهم.

أكتبها وقد تابعت واستمعت وشاهدت وقرأت له بشكل مباشر، فشاهدت سلسلة من المواسم لحلقاته المرئية على اليوتيوب، وتابعته في تويتر، واشتركت في قناته على التيلجرام، ولا زلت!
تابعته منذ مدّة غير قصيرة، تابعته متعلماً باحثاً عن المعرفة، لا متصيداً وباحثاً عن العيوب والمثالب.
وكنت - دوماً - ألوم الذين ينالون من د.صلاح الراشد، لخلافهم معه في قانون الجذب، أو البرمجة اللغوية العصبية، والتي أرى أن القول بها مقبول وسائغ بشكل عام، وإن اختلفنا اختلافاً مشروعاً في بعض التفاصيل.

وكنت - ولازلت- أرى أن بعضاً ممن يعارضون مشروعات تطوير الذات، ومنهجيات التطوير المختلفة عموماً ، ومايطرحه الدكتور صلاح خصوصاً، أرى أنهم لم يفهموها بشكل جيد، لأنهم اتخذوا منها موقفاً مبدئياً معادياً، باعتبار كل فكرة تطوير تأتي من الغرب أو من الشرق غير مقبولة.

لكنني - ومع كل مادة إضافية اطّلع عليها للدكتور صلاح -  أتيقن أني أمام انحرافات غير يسيرة، وذلك في مسائل ليست محل خلاف و لا تقبل تعدداً لوجهات النظر، لأنها مسائل حسمها القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً وأتى د.صلاح اليوم ليعيد نقاشها مرة أخرى وكأنه لم ينزل بها الوحي أول مرّة!.

ود.صلاح حين يطرح هذه الانحرافات (الكبيرة)، يطرحها بكل ثقة، وربما استقطع جزءاً من آية قرآنية، أو حديثاً نبوياً فاستشهد بها ليوهم التطابق، وربما فسّرالآية بما يريد وفقاً لوجهة نظره الخاصّة، متجاهلاً بقية النصوص القرآنية التي يكمل بعضها بعضاً، ويشرح بعضها بعضاً، ومتجاهلاً بتفسيره ذلك فهم المصطفى صلى الله عليه وسلم لها، وتطبيقه للآية ، والذي - حين تتأمله- تجده ينقض كلام د.صلاح من أساسه نقضاً بيناً .

أيها الأحبة المتابعون للراشد :

إنما أوصيكم بوصية واحدة، تحقق لكم الحماية – بإذن الله - من الانسياق وراء ضلالات كبرى وجدتها، ووجدت إصراراً من الدكتور صلاح عليها..
وأتيقن أن كثيراً منكم حين مرّت عليه - لأول مرّة - أصابته قشعريرة ورهبة، فلم تقبل بها نفوسكم التي هي على الفطرة، لكنكم خشيتم مخالفة التيار الموافق للراشد المعظم له، وأصابتكم الهيبة من الاعتراض عليه.

وهذه الوصية هي :  
ليكن "القرآن الكريم" الذي هو كلام ربّ العالمين الذي لم تطله يد التحريف والتزوير، ليكن مرجعكم الأصيل، وليكن ميزانكم لكل ماتسمعون وتقرأون من أقوال.
 فكل قول أو نظرية أو فلسفة أو موقف يعرضه عليكم د. صلاح الراشد أو غيره، فاعرضوه على كتاب الله، وسنة رسوله الثابتة الصحيحة؛ فإن لم يكن فيهما ما يتعارض معه، فأنتم في القبول بكلام الدكتور أو ردّه في سعة من أمركم، ذلك.

 وحين تطبقون هذه الوصية، فلا يمكنكم أن تقبلوا بالقول الذي يجعل القرآن الكريم على نفس الدرجة والمستوى مع كتب سماوية محرّفة، أو مع كتب ألفها البشر أياً كانت منطلقاتهم وأفكارهم.

إن كلام الله تعالى لا يعدله كلام، وكل المقارنات بينه وبين كلام العباد وتحريفاتهم هو انحراف كبير، وباب ضلال عظيم.

فارجعوا - أحبّتي - إلى كتاب الله، واقرأوا تفسيره من مصادر متعددة، ولا تقبلوا أن يكون د.صلاح مرجعكم الشرعي في الاستشهاد بالنص، أو تفسيره على الإطلاق، وحتى لو قرأ البخاري عشر مرات، فذلك لا يجعله محدثاً، ولو قرأ  فتاوى ابن تيمية مراراً فذلك لا يجعله فقيهاً ولا مفسراً، فالعلم الشرعي له أصوله ومنطلقاته ومنهجياته التي لا يعرفها الراشد، إن عرفها فإنه لا يأبه بها.

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
من المهم ان نتواصى دوماً وأبداً بتقوى الله وتعظيمه في النفوس، واستشعار أنه تعالى خلقنا في بطون أمهاتنا، وأخرجنا إلى هذه الدنيا لا نعلم شيئاً، ثم علّمنا مالم نكن نعلم، وكان فضل الله علينا كبيراً كثيراً.

ولتعلموا أن التعامل مع (النص الربّاني المقدّس) بهذه الطريقة التي يشير لها الدكتور صلاح في الكثير من أحاديثه : انحراف فكري غير مقبول، واستهانة بالمعاني التي جاءت واضحة في كتاب الله.

ولكم أن تتأملوا إعجاب الراشد المتناهي و تعظيمه لمقولات زيلاند، وأشباهه، ثم تقارنوا ذلك بموقفه من الأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة، لتدركوا أن القبول المطلق لكل ما يقوله الراشد، وتعظيم كلامه إنما هو تورّط في انحرافات كبيرة.

يجب أن يكون واضحاً أن كلام الله وكلام رسوله حق محض لا يشوبه الباطل.
أما كلام البشر ، فمحتمل للصواب والخطأ.

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
خذوا من الراشد مفاهيمه بشأن التخطيط الشخصي، وتطوير الذات، في جوانبها الإدارية، فقد تميّز فيها وأبدع، وقد تعلمت ولا زلت أتعلم منه الكثير في هذا السياق.

وفي الوقت ذاته : احذروا من كل طرح فلسفي وعقدي يتحدث عنه، واحذرواً من كل حديث شرعي يقول به، فهو في حديثه وبشكل صريح لا يقبل التأويل : يتعامل مع (الإسلام ) كما يتعامل مع أي دين محرّف أو مذهب بشري أرضي، على قدم المساواة، وتراه يكرر عمداً ذكر الأديان، والمذاهب، وذكر الكتب باعتبارها خيارات متساوية، فلك أن تختار ما يحلو لك منها ، فكلها - على حدّ فهمه - سبل تقربك للربّ، هذا إذا اعتقدت بوجود الربّ أصلاً!

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
إن ما يظهره الراشد اليوم من ضلالات ليس بقليل، وهو يخلط ضلالاته الكبرى بمعلومات علمية صحيحة، وبحديث تحفيزي جميل، فيختلط الحابل بالنابل.
لذا فحين تستمع، ليكن استماعك بعقلية الناقد المميّز، لا التابع المستسلم.
مع العلم بأن الراشد - وفقاً لكلامه - لا يتحدث بكل ما يعتقد خوفاً من الفهم الخاطئ وردّات الفعل من جراء ذلك، فليس مايقوله هو كل شيء عنده!.

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
حين يتحدث الراشد عن المسلمين، وعن العلم الشرعي، وعن العلماء وعن الدعاة، فهو يتحدث بلغة التحقير، والتهوين، والانهزامية، يلحق بهم كل ضلالة، ويلبسهم كل تهمة، وهو يعتبر (التديّن) مصيبة، ويعتبر أنه كلما زاد تديّن المرء زاد انحرافه!

أما حين يتحدث عن الغرب، بل وعن الشرق أيضاً، وعن غير المسلمين، فهو يتحدث بحديث المستلب فكرياً وعقلياً، فلا ترى إلا التمجيد والثناء والإعجاب والمدح، وأنهم هم الذي يبنون للبشرية مجداً وعزاً وعلواً، أما نحن فمشغولون بالهدم!

 وهذا الموقف الانهزامي يجعل الراشد يمارس انتقائية مقيتة، فحين يتحدث عن المسلمين، فهو يركّز على فئة ضالة منحرفة متطرفة كداعش وأشباهها، معتبراً أفاعيلها تمثيل حقيقي لكل المسلمين، وأنها تطبّق التعاليم المنصوص عليها في الكتب الشرعية، وهي فرية كبرى يقولها وهو يعلمها، فكم عدد المتطرفين، وكم عدد المسلمين!.

 أما حين يتحدث الراشد عن الغرب، فهو ينسى كل جرائمه بحق الإنسانية جمعاء، وينسى كل المخازي التي ارتكبوها، ينسى الحرب العالمية الأولى والثانية، ينسى الحروب الصليبية، ينسى محاكم التفتيش، ينسى المذابح اليومية التي تتم بدعم أو تواطؤ من الغرب والشرق في بلاد الإسلام، ينسى احتلالهم لفلسطين، ينسى أفعالهم في الشام، ينسى أفعالهم في أفغانستان، وكيف حولها صراع النفوذ بين الروس والأمريكان إلى بلد محطّم متخلف، ينسى السعار الجنسي، والشذوذ الأخلاقي، والمخدرات، والإلحاد، والفساد، واستعباد البشر، وسرقة ثروات الشعوب، ينسى أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة النووية والذرية والبيولوجية التي هي وليدة أولئك المقدسون عنده.

ينسى كل ذلك مع ضخامته وحجمه الذي لا يخفى، و يتحدث  - فقط - عن الغرب المتقدم المتميز الديموقراطي .

لذا فالدكتور صلاح يسعى بكل جهده، لنقل التجربة الغربية بهدف أن نكون نسخة منهم، فهو يطالب بالحرية المطلقة، حرية المعتقد، وحرية العلاقات الاجتماعية أياً كانت، وهو يدعو في الواقع إلى اللادينية، وإلى أن لا يحكّم الإسلام في شيء من شؤون الحياة.

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
د.صلاح الراشد يتحدث عن دين آخر، ويدعو إلى دين غير دين الإسلام، إلى دين مختلق مرقّع جمّعه من مذاهب وأفكار وأديان، دين يتحرر فيه المرء من كل معتقداته السابقة ،لينتقل إلى أفكار وعقيدة الراشد، وينظر فيه بعين المساواة لكل نحلة أو مذهب، ويعتبر الإسلام أحد الخيارات - وربما الأقل مناسبة- للعيش السعيد!.

أيها الأحبة المتابعون للراشد :
ليس بيني وبين د. صلاح الراشد أي موقف، أو خلاف سابق.
ولقد اشتركت في قنواته بغية التعلم منه، والاستفادة منه، ويعلم الله أنه لم يكن لي مقصد سوى ذلك، بل وكتبت عنه مقالاً وقفت فيه أمام الذين يتطرفون في الموقف منه، ويعظّمون الصغائر التي يختلفون فيها معه، ويعدونه شيطاناً رجيماً، ولم أوافق فيه الغلاة فيه المعظّمون له كذلك..
لكنني – و أنا لازلت أستمع وأقرأ له – وجدت شيئاً لايجوز السكوت عنه، ولا يجوز لأهل العلم والاختصاص التغاضي عن هذه الانحرافات الكبرى التي يسوّق لها، ملبساً إياها بلبوس مختلف، إذ يجب التحذير منها، والإجابة عن تلك الشبهات بكلام متزن، كما أدعوهم إلى مجادلته بالتي هي أحسن، لعل الله أن يهديه سواء السبيل، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

وختاماً  : 
أيها الأخ المبارك ، أيتها الأخت المباركة..
 بحماستكم، وإيجابيتكم، وأوراحكم الطيّبة، أدعو كل واحد منكم فأقول له :

اربط حياتك ومعتقدك وأفكارك وفلسفتك تجاه الكون والحياة بالمصدر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بالمصدر الإلهي الذي هو كلام الله  الحكيم العزيز، الذي خلق الخلق، وهو أعلم بهم وبما يصلح حالهم، أعلم من كل علماء الشرق والغرب عبر العصور.
ولا يغرنّكم من يهون من شأن ذلك المصدر الفريد والمعصوم، أو يعتبره مجرد مصدر قابل للنقد، والتقييم، أويتحدث عن إخضاع ذلك النص الرباني للمنهج العلمي المزعوم.
حافظ على دينك، فهو رأس مالك، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.  

دام توفيقك، وحقق الله لك أمانيك، وأصلح لك دنياك وأخراك، وجعلك من الراشدين.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

___________________________________
رابط للمقال السابق المنشور عام 2016م بعنوان ( صلاح الراشد بين الأعداء والمريدين)

سبتمبر 12, 2017

تخلص من جبل القرود!

ثمة مصطلح جميل يسمى " جبل القرود"، ويراد به "مهام الآخرين"، والمقصود بالحديث عن ضرورة التخلص من جبل القرود أن تتوقف عن قبول المزيد من مهام الآخرين أو تنفيذها نيابة عنهم.
و يشير مؤلف كتاب "جبل القرود" إلى أن لكل شخص قروده الخاصة به (والقرد هنا : المهمة أو الواجب) والتي يجب عليه أن يتعامل معها.. إما بإطعام القرد وتعني إنجاز المهمة، أو دفع القرد لمن يقوم بإطعامه، وتعني تفويض المهمة للغير، وإما بقتل القرد، وتعني الاعتذار ورفض المهمة.
إن مهام موظفيك هي "قرودهم" وأحيانا يلجأ بعض الموظفين مع المدير الجديد الذي يكلّفهم  بالمهام، إلى حيلة ذكية بمحاولة إلقاء المهمة "القرد" على المدير.
فإن تقبّلها .. فسيتفاجأ بجبل من القرود ينهال عليه..
فعلى سبيل المثال، يقول لك الموظف المطلوب منه حجز قاعة فندقية والترتيب لعقد لقاء تدريبي للمنظمة : " للأسف ياسيدي، اتصلت مراراً بمسئول الحجز في الفندق فلم يرد على اتصالي، و كان غير متواجد في مكتبه طوال اليوم"،  فتبادر أنت بكل حماسة وتطلب منه رقم ذلك المسئول، وتقول "سأتواصل معه بهذا الشأن" ..
ثم تتصل بمسئول الفندق فلا يرد عليك، وتنشغل بمهامك الأخرى، وينام الموظف عن المهمة تماماً، ويعتبرها أصبحت مهمتك، وحين تتفاجأ بعد أيام بأن ترتيبات اللقاء لم تتم بعد، وتسأل الموظف عن ذلك متعجباً، يخبرك -بكل برود- بأن رقم المسئول تم إعطاؤه لك، وأنك وعدت بالاتصال به، وأنه لا زال بانتظار ردك!
ثمة خطورة كبيرة في قبول قرود الآخرين واستضافتها في مكتبك أو منزلك، لأن ذلك يعني أنك بعد مدة وجيزة ستشعر بالضيق الشديد من تكاثر القرود لديك وازدحام مكان عملك بها، مع تمتع الآخرين بالفراغ والراحة وعدم الانشغال بسبب لجوء قرودهم الخاصة بهم إلى مكتبك!
والحل – هاهنا – أن تمتنع من إدخال أي قرد إلى مكتبك إلا مع صاحبه، بحيث يأخذ قرده معه عند خروجه، فإن تمكنت من إرسال قرودك للآخرين فذلك أمر حسن، حيث سينشغلون هم بأداء مهامك، وهو مايمكن تسميته إدارياً بـ (التفويض).
أجريت مراجعة لسلوكي اليومي بعد أن أدركت هذا المفهوم، فوجدتني سريع التقبل لمهام الآخرين، حريصاً على إرضائهم، وعدم تحميلهم هموم العمل وتكاليفه، فعقدت العزم على التخلص الفوري من كافة القرود، فناديت كل زميل سبق أن أوكل إليَّ مهمة من مهامه فاتفقت معه على أحد خيارين: إما أن ننجز المهمة سوياً بشكل فوري فنقضي بذلك على القرد، وإما إن يأخذ مهمته (قرده) إلى مكتبه، ولابأس أن أدرّبه على كيفية التعامل مع ذلك القرد وترويضه.
وحين صنعت ذلك أحسست أن كثيراً من الهموم التي كنت أحملها تجاه (المهام غير المنجزة) قد ولت إلى غير رجعة، وصار كل واحد من زملائي يشعر بأن هذه مهامه وليست مهام الآخرين، وأن عليه أن يتحمل المسئولية كاملة تجاهها، ويكون دوري هو – فقط – التأكد من قيام كل واحد منهم بدوره على الوجه الأكمل، والإشارة عليهم برأيي في كيفية إنجاز المهمة.
و ظللت أردد لكل من يستشيرني من الموظفين: ( هذا قردك.. تفاهم معه بالطريقة التي تناسبك، ولا تشغلني بقرودك فلدي ما يكفيني من القرود).
وبعد مدة يسيرة من تطبيق سياسة (تهجير القرود) رأيت أثرها الكبير على أسلوبي الإداري العملي، ووددت لو علم كل مدير جديد بهذا المفهوم الجميل.

دمتم بخير ،،
محمد بن سعد العوشن
@binoshan

أغسطس 29, 2017

ارفعوا رؤوسكم عالية أيها المعلّمون

لا يمكن لأي من أَفْرَاد المجتمع صغر أو كبر، اغتنى أو افتقر، في أَي موضع وظيفي يعمل، وفي أَي منطقة أو مدينة أو محافظة يسكن، مَدَنِيّاً كان أو عَسْكَرِيّاً، في القطاع العام أو الخاص أو الخيري..
لا يمكن لأحد منهم أن ينكر فضل المعلم، الذي نقله – بِفَضْل الله – من الجهل إلى العلم، وفتح له مغاليق الكتابة والقراءة والحفظ،
وعلى يديه تحول من غرّ جاهل ضعيف، إلى متعلم أو عالم، متحدث، يقرأ العلوم المختلفة، ويتقن مهارات الحياة المتنوعة، ويخدم المجتمع...
نعم، كان المعلم ومَا زَالَ، هو “الذي يَحْتَاج إليه كل الناس”، خلافاً لغيره من أهل الوظائف والمهن التي قد تحتاج إليها يَوْمَاً وقد لا تحتاج إليها، وإن احتجت لها فإن ذلك يكون في فترات محدودة، وليس طوال اثْنَيْ عشر عَامَاً متواصلة على أقل تقدير.

فطبيب العيون مثلاً، قد يعيش المرء خمسين عَامَاً دون أن يراجعه، والمهندس، قد تعيش عمرك كله دون أن تحتاج إليه، والشُرْطِيّ، قد تبلغ عشرين عَامَاً وأنت لم تتعامل معه، وقد تزيد، وهي وظائف شريفة ومُهِمَّة ومؤثرة جِدّاً، لكن حديثي هو عن مدى احتياجك المباشر لها، أما المعلم فهيهات، ما منّا إلا وقد مرّ عليه، وجلس بين يديه، وتلقى منه المعارف والعلوم على اختلافها سنين عَدَدَاً.

وليس هناك من ترمي إليه بفلذة كبدك ساعات طوالاً من يومه، وتتركه وأنت مطمئن عليه، إلا في المدرسة، حيث المعلم هو سيد الموقف، والبطل المتفرّد.

ويبذل “المعلم” وقته، وشبابه، ونشاطه، واهتمامه لكي يرعى هذا الطفل الصغير، يصبر على إزعاجه، ويتحمل بكل هدوء بطء تعلمه، ويسير معه خطوة إثر خطوة، مشجعاً ومحفزاً له؛ مِمَّا يعجز عنه أهله.

تراه يتعامل معه كالأب الرؤوف، والأم الحنون، يفرح بنجاحه، ويسعد بتقدمه، ويقلق لغيابه أو ضعفه أو فشله.

ذلك شيء يسير من الأدوار المُهِمَّة والخطيرة التي يقوم بها المعلم في المجتمع؛ وَلِذَا فإن الاهتمام بالمعلم، وتقديره، واحترامه، والرفع من شأنه، وإعطاءه حقوقه، وإكرامه، كل ذلك واجب شرعي ووطني لا يجوز لأحد أن يتخلى عنه، ولا يحق لكائن من كان أن يقلل من قدر المعلمين، أو يهوّن من شأنهم مهما كانت المبررات والمعاذير.

وكل قرار أو حديث أو مقال أو رسم كرتوني أو مشهد تلفزيوني يصبّ في التهوين من شأن المعلم، أو السخرية منه هو “جريمة” تستحق التشنيع، فالمعلم والتعليم ليسا جداراً قصيراً يتجرأ عليه الجهلة.

والمعلمون في المجتمع مثل الملح في الطعام، لا يطيب الطعام بدونه، كما يقول الشاعر:

يا معشر القراء يا ملح البلد * من يصلح الزاد إذا الملح فسـد

وما أصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين كتب أبياته ذائعة الصيت عن المعلم، فقال:

قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا * كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي * يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـلّمٍ * علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى

أخرجـتَ هذا العقلَ من ظلماته * ِوهديتَهُ النـورَ المبينَ سـبيلا

وطبعتَـهُ بِيَدِ المعلّـمِ، تـارةً * صديء الحديدِ، وتارةً مصقولا

إننا أحوج ما نكون لـحملة وطنية شاملة، تعيد للمعلم هيبته، وصلاحياته، وتكفّ ألسنة المتطاولين على المعلم، وتعطيه من المزايا والخصائص ما يجعله يفتخر بوظيفته، ويحرص على أن يكون ممتثلاً لرسالته، وتجعله في عيون الجيل من العظماء.

حملة تتكاتف فيها الأيدي، وتتَضَافر الجهود ليصبح “التعليم” أشرف المهن، ويغدو المعلم “الأكثر تَقْدِيرَاً في المجتمع”، ويتمنى كل فرد من جيلنا الصاعد أن يصبح معلم الغد المشرق.

فمن يعلّق الجرس؟

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

أغسطس 22, 2017

مزلق التغيير السريع!

ها أنت قد باشرت مهمتك الجديدة، وبت فعلاً "مديراً" يستمع موظفوك لتوجيهاتك، ويلجأون إليك ليسمعوا منك رأيك ومقترحاتك وحلولك، ويشتكون لك المشكلات التي وتواجههم.
قد يبدو لك حين تباشر العمل وتسمع ذلك وترى العمل الذي كلفت بإدارته بشكل مبدئي .. قد تقرر القيام بإجراء تغييرات جوهرية على هيكلية العمل، وأسلوب التنفيذ، وكيفية توزيع المهام، ونحوها.
والأصل أن عملية التغيير في العرف الإداري مشروعة وضرورية في بعض الأحايين، وبخاصة إذا كان لدى المدير "الجديد" الخبرة الكافية، والقدرة على تقييم العمل الجديد بصورة متوازنة.
لهذا فإن من أولويات المدير الجديد أن يجتمع بموظفي المنظمة، ويعرّفهم بنفسه، بشكل هادئ وحكيم وودود، و يجتمع مع ”الإدارة العليا” لمعرفة المهام بشكل أكثر دقة، وأولويات العمل التي يرونها، والمشاكل الأولى بالحلّ، وأن يجتمع بالشركاء والنظراء لمعرفة مرئياتهم عن المؤسسة، والمزايا التي يرون أهمية المحافظة عليها، وجوانب التقصير التي يرونها، بالإضافة إلى الاجتماع مع الجهات ذات العلاقة، كمدير البنك الذي تتعامل معه المنظمة، والجهات الحكومية والخاصة ذات الصلة.
إن هذه الاجتماعات الجماعية والفردية من شأنها أن تجعلك أكثر إحاطة بالصورة العامة للمنظمة ونقاط قوتها ونقاط ضعفها، ومتطلبات أصحاب المصلحة الداخليين والخارجين،  وحيث تنتهي من تلك الجولة المارثونية، يتبقى الجلسة مع ذاتك، والتي تحكّم فيها ماوصلك من معلومات، وتحللها، وتخرج من ذلك كله بخطّة عمل لما يفترض بك أن تعالجه، وما يفترض أن تتم المحافظة عليه، وما ينبغي إزالته، مع ترتيبها وفقاً للأولويات، وتوقيتها زمنياً .

وحين تكون الصورة أكثر وضوحاً يمكن الإقدام على التغيير، إذ أن التغيير يواجه – دوماً – بالتخوف والتشكك من قبل فرق العمل الموجودة، وينتج عنه شيء من المقاومة الداخلية الخفية أوالمعلنة، كما يجد المدير محاولات مستميتة لإبقاء الأوضاع كما هي، حفاظاً على المكتسبات السابقة وطلباً للراحة، وخوفاً من حصول الضرر نتيجة هذا التغيير المرتقب.
وهذا الاختلاف بين رغبة المدير الجامحة في التغيير، ورغبة الفريق في الثبات على ماسبق، تتسبب في نشوب بعض النزاعات وإيجاد النفرة لدى العاملين في المنظمة، وقد يجد المدير نفسه إذ ذاك وحيداً، وربما أصيب بالإحباط، ورأى أن المفاهيم الإدارية التي قرأها واستوعبها ليست واقعية ولا يمكن تطبيقها.

لذا فوصيتي لك أيها المدير الجديد 
أن تتوقف ملياً  وتتأمل قبل إجراء التغييرات الكبرى في المنظمة، كي لا تضطر إلى اتخاذ القرارات المتعجلة، ثم التراجع عنها تحت وطأة الضغوط أو بسبب الحصول على معلومات إضافية لم تكن حاضرة لديك حينها، فتصبح بعد ذلك في موقف ضعيف، تهتز له مكانتك، وتضعف فيه الثقة بقراراتك.
كما أن التغيير المتعجل الذي يتم اتخاذه قبل اتضاح الرؤى، وحصول التلاحم مع فرق العمل يتسبب في عدم القبول الشخصي للمدير، مما يفقد العاملين روح التفاني وحب العمل، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف المخرجات وقلة الإنتاج، برغم ما قد يبدو من الالتزام الظاهري بأوقات العمل والأنظمة الجديدة التي تم إقرارها.

لذا كانت خير وصية لك 
أن تقوم بإحداث التغيير بشكل تدريجي مدروس، مع الحرص على كسب قلوب العاملين معك وتقوية صلتك بهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومحاولة الاستصلاح قبل إجراء التغيير، والالتزام بالاستشارة، وأخذ الرأي، وإشعار الجميع بالمسئولية المشتركة؛ فإذا تبين لك – بعد ذلك - ضرورة إجراء التغيير، وحتميته، فإنك تستعين بالله وتتخذ قرارك وتجري التغييرات المطلوبة، وقد أعددت للأمر عدّته، وأدركت الخيارات التي أمامك، ومضيت في خطّ لا تراجع عنه.

ولعلك أيها المدير تتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة)، فما أتحدث عنه هنا هو "الأناة" ذاتها.

(الأعمال ينبغي أن تكون بعد التَّبصرة والمعرفة، والتَّبصرة تحتاج إلى تأمُّل وتمهُّل، والعَجَلَة تمنع مِن ذلك، وعند الاستعجال يروِّج الشَّيطان شرَّه على الإنسان مِن حيث لا يدري) محمد الغزالي.

( الذي يريد تغيير كل شيء أو لا شيء.. لن يفعل شيئاً ) نانسي أستور.

دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

أغسطس 19, 2017

حين يرحل الروّاد .. ينفطر الفؤاد

مائة وخمسة أعوام مضت على ميلاد الشيخ المحسن الباذل / محمد بن إبراهيم السبيعي رحمه الله، والذي وافاه الأجل، وأدركته المنية يوم أمسٍ الجمعة السادس والعشرين من شهر ذي القعدة لعام ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثون للهجرة بمدينة الرياض، حيث صلي عليه في جامع الملك خالد،
وتقدّم سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ جموع المصلين عليه، و ووري الثرى في مقبرة الدرعية.
وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي يوم أمس بالدعوات للشيخ بالمغفرة والرضوان، مشيدين بأفعاله العظيمة، وبصماته الواضحة، وتأثيره الفاعل على القطاعين الخاص والخيري، ولا عجب فقد كان الشيخ -رحمه الله- شعلة مضيئة في تاريخ هذه البلاد المباركة...
ولقد عملت مع الشيخ سنيناً، فكنت أراه في يقيم لصلاة الظهر كل يوم، فيُعطى لاقط الصوت للإقامة، فإذا فرغ منها نادى بصوته مخاطباً الموظفين في مكاتبهم، أن هلمّوا للصلاة، ولا تنشغلوا بالأعمال، وأن المهام يمكن تأجيلها، خلافاً للصلاة.

وكان حين يفرغ من صلاته، فيأتيه بعض الزوار أو العاملين في شركته أو مؤسسته الخيرية، للسلام عليه، يبادر بسؤالهم : من الأخ؟ فإذا عرّف الضيف بنفسه شكره، ودعا له، وقال له "ونعم" ثم سأله عن أهله وذويه.

ومع أن الشيخ – رحمه الله - كان قد بلغ من العمر مائة عام آنذاك، فقد كنت أراه يكتب بيده أوراقاً وخطابات، ويوقع خطابات أخرى، كما كتبت له خطاباً موجهاً لخادم الحرمين الملك سلمان -وكان حينها أميراً لمنطقة الرياض- ليهديه نسخة من تقرير الإنجاز للمؤسسة الخيرية، فذيّل الخطاب بخطه كاتباً (خادمكم ومحبكم : محمد بن إبراهيم السبيعي).

وكان الشيخ معروفاً بتميّز علاقته مع ولاة الأمر، حيث كان يتواصل معهم، و يدعو لهم، وله علاقات وزيارات متبادلة مع ملوك المملكة العربية السعودية، بدءًا من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – ومرورًا بأبنائه : الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد، والملك فهد، والملك عبدالله، رحمهم الله، وانتهاء بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله.

كما تميّز الشيخ رحمه الله بعلاقاته الوثيقة مع العلماء وطلبة العلم، فكان يعرف لهم قدرهم، ويرجع إليهم في الكثير من المسائل التي تعرض له، ويفرح ويتهلل وجهه بلقياهم، وكان ذا علاقة وثيقة بالشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز رحمهما الله جميعاً.

و قد عمل الشيخ محمد - رحمه الله – في أعمال كثيرة شاقة ومرهقة من أجل البحث عن لقمة العيش، واضطر للسفر والترحال لمكة المكرمة لطلب الرزق، وكان حينها شاباً في مقتبل عمره، فعمل بائعاً، وطباخاً و دلالاً يبيع السجاد، وعمل في مهن أخرى ذات صلة بالبناء، كما تعلّم الخياطة لكنه عجز عن شراء ماكينة الخياطة لارتفاع سعرها وعدم تواجد هذا المبلغ لديه.

وقدّ مرّت على الشيخ أوقات عانى فيها معاناة كبيرة من الفقر، يذكرها في أحاديثه، ثم يلهج بالحمد والشكر والامتنان لله عز وجل.

ولأن الشيخ رحمه الله قد جرّب أشد حالات الفقر والعوز واليتم، مذ كان عمره إحدى عشرة سنة؛ فقد أصبح - حين أغناه الله - قريباً من الفقراء، محسناً إليهم، سادّا لاحتياجاتهم، وكان ذا نظرة تنموية متقدمة فيما يتعلق بالفقير، حيث كان يردد دوماً حين يسمع عن مبادرات الخير الموجهة للفقراء : (علموا الفقير كيف يصطاد السمك بدلاً من أن تعطوه سمكة ليأكلها) وكان له رحمه الله قدم سابقة في فعل الخير، والإحسان إلى الخلق، فكان ينفق الأموال على أبواب الخير المتنوعة سنين طويلة، وفي عام 1423 هـ قرر الشيخ محمد وأخوه عبدالله فتح مؤسسة خيرية مانحة تحمل اسميهما، فكان إطلاق (مؤسسة محمد وعبدالله إبراهيم السبيعي الخيرية)، والتي فتحاها في مدينة الرياض، واختارا الدكتور عادل السليم ليكون قائداً لهذه المؤسسة بحكم خبرته القيادية الواسعة، وتجربته الطويلة في العمل الخيري، فكان اختيارهما الصائب وثقتهما وتمكينهما ووعيهما، أحد الأسباب الرئيسة لنجاح هذه المؤسسة وتميّزها، واتخاذها موضع الريادة في العمل الخيري المانح.

وكان الشيخ - رحمه الله - يحثّ العاملين في مؤسسته الخيرية على الإخلاص في النية وابتغاء ماعند الله، والحرص على أن تكون المشروعات المدعومة من الأعظم أجراً والأكثر نفعاً للعباد والبلاد، كما أوقف رحمه الله وقفاً كبيراً، وخصص مصارفه على أبواب متنوعة وواسعة من أبواب الخير.

وكان الشيخ وأخاه عبدالله أوفياء مع الآخرين، يذكرون فضلهم عليهم، ويدعون لكل من أحسن إليهم، فكانا يذكران لعمّهما ناصر رحمه الله فضله، ولذا بنيا له مسجداً في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض، وبنيا داراً نسائية متميزة في جامعة الملك سعود باسم أمهما ( دار نورة العمّاش) ، وبنيا مساجد في أنحاء المملكة، من بينها جامع شهير بمنطقة الجوف ومجمع تنموي خيري بـ( تندحة) بمنطقة عسير، وبنيا مركزاً تنموياً بمنطقة جازان، ومستشفى للتأهيل الطبي بمحافظة عنيزة، كما كان الشيخ محمد - رحمه الله - يرعى مسابقة علمية، وأخرى لحفظ القرآن الكريم في مسقط رأسه (عنيزة) كل عام.

وكانت مشروعاتهما التجارية مؤثرة في المجتمع، ومساهمة في نهضة العمل التجاري بالمملكة، فمن (السبيعي للصرافة)، إلى (بنك البلاد)، إلى مشروعات عقارية واستثمارية متنوعة في أنحاء المملكة، وقد عرف الشيخان بحرصهما على توخي الحذر في المعاملات، وتحري الحلال، والابتعاد عن الشبهات، ولذا كان مالهما مباركاً، وحين انطلق بنك البلاد الذي يعتبر الشيخان من مؤسسيه، حضر الشيخ محمد – رغم سنّه ومرضه - أول اجتماع لمجلس إدارة البنك وكان عمره حينها يجاوز التسعين عاماً، وافتتح الجلسة بقوله (أنتم أمام مسؤولية عظيمة أعانكم الله)، ثم قال لهم: (هنالك ثمانية ملايين مكتتب سوف يدعون لكم أو يدعون عليكم، فاتقوا الله في هذه الأمانة وكونوا أهلاً لها، وأعرف أن الحمل ثقيل ولكن الرجال لا ينوء بهم ثقل الأحمال).

وتعتبر الشراكة الفاعلة والموفقة بين الشيخ محمد رحمه الله، وأخوه الشيخ عبدالله حفظه الله أنموذجاً على الشراكة الناجحة، فقد كانت نشاطاتهما التجارية مندمجة تماماً، وقد أسسا ( شركة محمد وعبدالله ابراهيم السبيعي) عام 1352ه ، واستمرت الشراكة بينهما ما يقارب الثمانين عاماً كانا فيها أوفى ما يكونان لبعضهما، وقد صدقا وبيّنا فبارك الله لهما، ونمت ثروتهما، وتوسعت أنشطتهما، وفي عام 1431 هـ قرر الشيخان محمد وعبدالله بكل سماحة نفس، ومودة، ووفاق، أن يتقاسما استثماراتهما وثروتهما، فكانا مثالاً للتسامح، يقدم كل منهما الآخر في العقار الذي يريد، ولم تشهد عملية الفصل تلك أي اختلاف أو خصومة، بل كان الحب والإيثار هو سيد الموقف.

كانت تلك بعض المعالم الرائعة في مسيرة الشيخ رحمه الله، ولازالت سيرته الرائعة تحتاج المزيد من التحرير والكتابة، ففيها عبرة وعظة ودروس كبيرة، جديرة بهذا الجيل ان يستلهمها، ويتمثّلها.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي إبراهيم وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ.


دمتم بخير ،،

محمد بن سعد العوشن
@binoshan

أغسطس 01, 2017

المؤثرون الذين لا يؤثِّرون



ما أعظمها من مصيبة حين يتحول الإيجابيون والمؤثرون وطلبة العلم والدعاة والمستشارون من الإنتاج‏ المعرفي والعلمي والتطبيق العملي وتحقيق الأهداف وخدمة المجتمع إلى الاستهلاك فحسب.
وحين يتحول هؤلاء الصفوة من البحث عن الدقائق الضائعة طمعاً في توظيفها والاستفادة منها إلى إهدار الساعات الطوال على توافه شبكة الإنترنت!
وحين يكتفي القادرون على التأثير والتغيير بمجرد المتابعة والرتويت والتفضيل وكتابة تعليق هنا أو هناك!
إنها مصيبة حين يصبح هَمّ الواحد من هؤلاء الذين آتاهم الله شيئاً من العلم أو الفهم أو الوعي وهجّيراه: متابعة الواتساب والسناب وتويتر وانستغرام للإحاطة بـ “ماجريات الشبكة العنكبوتية”.
وحين يكون وقت أحدهم الذي يمضيه على جواله أكثر من الوقت المعطى لكتابه وتلاميذه وصلاته وتلاوته وأهله وأهدافه.
وحين يقدم أولئك “القدوات” أنموذجاً سيئاً، وقدوةً غير حسنة في التعامل مع مضيعات الأوقات وترتيب الأولويات والتعامل مع التقنيات.
وحين يتساوى أفاضل القوم وأراذلهم، ويتساوى مثقفيهم وعامتهم في أسلوب التعاطي السلبي والتأثّر التبعي بما يتم طرحه في شبكات التواصل.

إنها مصيبة حين يظن أولئك أنهم فاعلون ومؤثرون لمجرد كونهم رجع صدى لما يطرحه الآخرون، وردة فعل لمبادرات الغير.
وحين يظنّ الواحد منهم أن هذه الإضاعة – المجرّمة شرعاً – هي من باب فقه الواقع أو الاهتمام بأمور المسلمين، وهي لا تعدو أن تكون إدماناً بكل ما للكلمة من معنى، وتطبيقاً فعلياً لحديث المنهيات الثلاث (قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
وحين يتواطأ هؤلاء على التساكت عن هذا الإدمان الإلكتروني لأنهم واقعون فيه، فيشرعنونه بدلاً من أن يعالجوه في أنفسهم وفي غيرهم.

أيها المباركون:
ما أحوجنا لثورة ضد هذا الإدمان الإلكتروني الخطير، يقودها القدوات التائبون ضد هذا الانسياق السلبي الأعمى مع التقنية والشبكات وما يدور فيها.
وما أحوجنا إلى وضع الأطر والأسيجة والعلامات التحذيرية أمام هذا التعلق والهيام والعشق والذوبان في شبكات التواصل مهما تلبس بلبوس حسن، وبدعوى المكاثرة والمزاحمة.
وما أحوجنا إلى مواصلة الإنكار على هذا الإدمان، وتطوير أدوات الإنكار وتنويع أساليبه، وعدم القبول بالأمر تحت ذريعة “ماعمّت به البلوى”.

تنويهات لا بد منها:
1- هذا الحديث السابق.. موجّه منّي إليك أنت أيها القارئ شخصياً! وليس لرجل ثالث تتوهم أنني أقصده وأعنيه، فإحدى مشكلاتنا: شعور الواحد منا بأن هذا الكلام ينطبق على (أولئك) وليس عليه (هو)، كما تقوله “نظرية الرجل الثالث” في التأثير الإعلامي، والتوهم بأنك أنت تقدم نموذجاً للاعتدال والاتزان المزعوم في التعامل مع التقنية، مع أنك في الواقع لست كذلك.

2- حذارِ من أن تعتبر حديثي هذا موجهاً للأسماء الشهيرة التي ذاع صيتها، من المشايخ والدعاة المعروفين، بل حديثي لك أنت، فكم من أدوار ومهام وأعمال تنتظر هَبّتك، ووقتك، وهمّتك، وكم من مساحات من التأثير تحتاج لمثلك كي يقوموا بها، ويؤثروا من خلالها، فلم تعد صغيراً على التأثير، ونظرتك لنفسك على أنك لست الشخص المناسب للتأثير، هي مشكلة أخرى تحتاج إلى أن تتعالج منها.

3-  إنما يقاس حجم المشكلة بالتفكير في الفرص البديلة، فكم من الوقت تمضيه على جوالك، وما المهام التي كان بالإمكان إنجازها لو انقطعت شبكة الإنترنت لمدة أسبوع عن العالم كلّه؟

4- أستثني من بعض حديثي هذا من كانت مشاريعهم الدعوية والتعليمية قائمة على توظيف تلك التقنيات لإيصال رسالتهم بشكل جاد ومستمر وممنهج، فهؤلاء على ثغر عظيم يمكنهم من خلاله إنقاذ من يمكن إنقاذه، وتوظيف التقنية لخدمة أهدافهم، بدلاً من أن توظّفهم التقنية لخدمة أهدافها.

5- حديثي عن هذه المشكلة لا يعني بحال من الأحوال أنني سالم منها، وأنني الطبيب الذي يصرف وصفات العلاج لمرضاه وهو معافى، بل أنا واحد منكم، أصابني من هذا الداء ما أصابكم، لكنني لم أجد بُداً من أن أقوم من بين الصفوف واعظاً لنفسي ولأحبتي، لكي يتحقق فينا قول الله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)

وما أسعدني برسالة لاحقة منك تُبشّرني فيها بدخولك مع نفسك في برنامج علاجي فعلي، ووصولك لمرحلة التشافي من هذا الوباء.
دمت مؤثراً فاعلاً إيجابياً، وجعلك الله مباركاً أينما كنت.
وتقبل كل تقديري ومحبتي وودّي واعتذاري وقسوة عبارتي فإنني أرجو أن تكون قد صدرت من قلب محبّ مشفق.
وألقاك على خير.


محمد بن سعد العوشن
13 ذو القعدة 1438هـ
@binoshan