يناير 31, 2017

الحلّ الوحيد .. لم يعد وحيداً


في فترة سابقة، ومع كل مشكلة كانت تحدث في مجتمعنا المحلِّي، كانت جملة من الأصوات تنطلق هنا وهناك مطالبة بإضافة موضوع المشكلة للمناهج الدراسية!
إما بوصفها موضوعات يجب التطرق لها في هذا المنهج أو ذاك، أو باقتراح إضافة مقرر جديد إلزامي للطلاب؛ من أجل تلافي انتشار تلك المشكلة، والحدِّ من آثارها السلبية.


وكان أصحاب هذا الطرح يعتبرون هذا التعديل للمنهج هو قارب النجاة، وسفينة الإنقاذ التي يمكنها انتشالنا من المشكلة، وتحقيق الأهداف المنشودة.

ولو راجعت عدداً من المقالات الصحفية، والتقارير الإعلامية، وتوصيات المؤتمرات والملتقيات في تلك الفترة القريبة، لوجدت ذلك سمة عامَّة ومنتشرة.
وباتت هي الشماعة السهلة التي يمكن لكل أحد أن يقترحها، دون أن يكلف نفسه جهداً في دراسة المشكلة ومسبباتها.

وأحمد الله أن كثيراً من تلك التوصيات والمقترحات لم تكن تحمل على محمل الجدِّ، ولم تلق أذناً صاغية من المسؤول عن التعليم، وأن قصارى ما يحدث لها أن يتم طباعتها، وتلاوتها في نهاية المؤتمر، وإلا فلو تمت الاستجابة لكل مقترح من كل أحد، لتحولت مقرراتنا الدراسية إلى مجلدات ضخمة، ولكان على الطالب أن يدرس 100 مقرر في كل عام دراسي!

واليوم، ومع الحديث عن أهمية العمل الخيري ودوره في حلِّ المشكلات، ومع التسهيلات التي تبنتها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية في إنشاء المؤسسات والجمعيات بوصفها أداة مهمة للنهوض بالمجتمع، رجعت العدوى ذاتها، وبات الحلُّ الناجع، والدواء الشافي، والمنقذ الوحيد للمجتمع حين تبرز فيه أي مشكلة صغيرة أو كبيرة، على نطاق محدود أو واسع، أن ينادي المتحدث أو الكاتب بالحل المنشود، والمفتاح السحري الذي اكتشفه لنا (إنشاء جمعية تُعنَى بهذا الأمر).

وكأن افتتاح الجمعية (أو إضافة المقرر الدراسي في المثال السابق) هما الدواء السحري الذي به تحل كافة المشكلات؛ ونتجاوز به العقبات.

مع أنه في أحيان ليست بالقليلة، تصبح تلك الجمعية عبئاً وعائقاً دون حلِّ المشكلة، بل وربما تتحول تلك الجمعية إلى مشكلة أخرى تحتاج إلى حل.

والأمر نفسه يقال عن القنوات الفضائية التي ما إن تقع مشكلة إلا ويبادر بعض الغيورين إلى طرح فكرة إطلاق قناة فضائية، لتصبح تلك القناة بعد هدوء العاصفة "كوكتيل" لا تدري لماذا أطلقت، ولماذا تبقى، حتى إذا نفد كل ريال تم جمعه، تنادى القائمين عليها بإدراك القناة قبل أن يتم إغلاقها ..

جميل أن نفكِّر في مشكلاتنا المجتمعية، ونسعى لحلها، ونهتم بتطوير المجتمع والرقي به، لكن لنتعلم جميعاً أن الخروج من المشكلة لا يكون من خلال الباب السهل، وأنه ليست كل الأبواب تفتح من خلال مفتاح حديدي ذي أسنان واضحة، فمن جهة، بات من الممكن التفكير في الخروج من خلال النافذة، أو من خلال فتحة التكييف، أو من خلال إزالة الجدار، أو من خلال أفكار أخرى.

كما أن الأبواب ذاتها تغيَّرت وتطورت، فبات بعضها يفتح بمفتاح حديدي من دون أسنان، وبعضها بإشعاع معين، وبعضها ببطاقة ممغنطة، وبعضها بأزرار، أو برقم سري، وبعضها الآخر بالبصمة.

فالتمسك بأداة المفتاح الحديدي ذي الأسنان لفتح كل باب تعتبر مشكلة توجب علينا العمل بشكل جدي من أجل تغيير أدواتنا، وتغيير مناهج التفكير لدينا.

نحتاج اليوم إلى تغيير في عقلية التفكير بالمشكلات، والخروج من الصندوق، وابتكار الحلول المختلفة كلياً عمَّا اعتدنا عليه.

وهي ملاحظات شخصية أحببت تقييدها، مدركاً أنها وجهة نظر تقبل النقد، والنسف، والإشادة!

(ولكل وجهة هو مولِّيها)

وكلِّي آذان صاغية لوجهات نظركم الموافقة والمخالفة في آنٍ.


نشر المقال في صحيفة تواصل هـــنا 

يناير 18, 2017

زواج القرية والخطّابات


في القرية الصغيرة الوادعة، كان الناس يعرف بعضهم بعضاً، يعرفون الرجل ووالده ووالدته، بل جَدّه وجَدّته، يعرفون الواحد منهم منذ كان طفلاً صغيراً، يحفظون تاريخ ولادته، وظروف نشأته؛ لأنهم يرونه أمامهم بكرة وعشياً، فلم تكن القرية بالسعة التي تجعل بعضهم يبتعد كثيراً عن الآخر.
كانت المناسبات البسيطة وغير المتكلفة تجمع أهل القرية، فيجتمع الأبناء مع آبائهم في حضور تلك المناسبات، كما تحضر الفتيات مع أمهاتهن بشكل مستمر.

لم تكن هناك خيارات ترفيهية أو مسببات تدفع للانشغال أو الغياب، ولم يكن أحد منهم قادراً على أن يعتكف في منزله، ويعتزل الناس وتجمعاتهم، بل كانت المخالطة المستمرة هي طبيعة الحياة وأسلوبها المعتاد؛ ولذا قيل في المثل الشعبي السائد (حنّا أهل قرية.. الأخ يعرف أخيه).
في تلك البيئات الاجتماعية، كانت عمليات الزواج تتم بسهولة ويسر، فالكل يعرف أسماء وأعمار البنات اللواتي هن في سن الزواج، والكل يعرف معلومات كافية عنهن، والأمر نفسه يقال عن الفتيان، فليس هناك حاجة للسؤال عنهم كثيراً، فلم تكن العنوسة شائعة آنذاك؛ لأن المعلومات متوافرة للجميع، وكان مجرد سؤال إحدى النساء الكبيرات عن خيارات الزواج كفيل بتوفير الكثير من العروض المناسبة، فيقدم الشاب على الخطبة وهو يعرف المخطوبة جيداً.

لكننا في مجتمعنا المحلي اليوم قد انتقلنا من ذلك الوضع البسيط المتقارب إلى وضع آخر مختلف كلياً عما كنّا عليه، فانتقل الناس إلى المدن بدلاً من مكوثهم في القرى والهجر، وباتت المنازل كبيرة ومتباعدة، ووسائل النقل متعددة، بتأثير الحالة الاقتصادية التي مرت بها البلاد بحمد الله.
وانشغل الناس كذلك بالتعليم على اختلاف مستوياته، وبالوظائف على تنوعها، فبات الواحد من أفراد هذا المجتمع قادراً على الانعزال عن مجتمعه القريب دون أن يشعر بعزلة حقيقية، فله أصدقاء في المدرسة أو الجامعة، وله زملاء في العمل، ثم جاءت وسائل الإعلام الجماهيرية، ثم الإنترنت، ثم الهواتف الذكية لتقضي على ما بقي من روابط التواصل المجتمعي، وتجعل كل بيت من البيوت “جزيرة” مستقلة، يمكنها العيش لفترات طويلة دون أي تواصل مع الجيران أو الأقارب؛ بسبب تلك المشاغل والمستجدات التي لا تنتهي.

وفي خضم هذا التغيير الكبير، انتشرت ظاهرة العنوسة، وبات البحث عن الزوجة المناسبة، والسؤال عن الشاب أمراً غير يسير؛ ذلك أن طبيعة المجتمع اختلفت، والمعرفة اليومية التي كانت توفرها القرية قد اختفت، ولم يبتكر المجتمع آليات جديدة تتوافق مع حجم التغيير الهائل، فامتلأت البيوت بالفتيات في سنّ الزواج، اللاتي لا ينقصهن شيء، ولا يعيبهن شيء، ومشكلتهن الوحيدة أنه لا يعرفهن أحد!

فالشاب الراغب في الزواج يبذل أهله الكثير من الجهود للعثور على المرأة المناسبة، ثم يحاولون السؤال عن نسبها، وحالها، وسلوكها، وماشابه..
فإذا صلحت لهم – بعد جهد – تقدم الشاب عليهم وانتظر فترة طويلة لأنهم يجهلون حاله تماماً ، وسألوا وأطالوا الوقت في السؤال، وربما لم يجدوا معلومات كافية فأحجموا.
ولهذا تبقى بعض الفتيات اللواتي لا ينقصهن شيء دون زواج.. وسبب ذلك أحياناً هو الانقطاع عن حضور تجمعات النساء ومناسباتهن انشغالاً أو تشاغلاً.

ولهذا فإنك تجد من يسكن أقصى الرياض .. ربما تزوج من الطرف الآخر منه، مع أنه ثمة خيارات كثيرة جداً أقرب إليه مسكناً..
ولو كانت المعلومة متاحة له لفضّل البحث عن الأقرب إليه موضعاً، وجعل ذلك مع بقية المتطلبات، وخاصة مع ظروف المدينة اليوم ومشقة التنقلات، ومايتبعها من انقطاع للزوجة عن أهلها بسبب هذا التباعد الجغرافي .
بينما لم يكن الوضع كذلك في القرية حيث المعلومات حاضرة لدى الطرفين، والمناسبات اليومية والأسبوعية تجمعهم، ولهذا فالشاب يعرفها قبل أن تتحجب عنه، ويتذكر شيئاً من حالها، والأمر ذاته بالنسبة للشاب .

وكان هذا الاحتياج الحقيقي للتوفيق بين راغبي الزواج الذي أحدثته الهجرة للمدن مدعاة لانتشار “النصابين والنصابات” الذين يعتبرون أنفسهم وسطاء، فجعلوا ذلك مصدراً للتكسّب غير المشروعحيناً ، ونشر الرذيلة أحياناً أخرى، كما أنه وبهدف تحقيق المكاسب المالية السريعة بات تجميل المعلومة وإخفاء المعايب مسلكاً سائداً ليتم الحصول على المقابل المادي من جراء ذلك، والنماذج على ذلك غير قليلة، مع الإقرار بوجود ثلة من الصادقين والصادقات الذين يقصدون بعملهم الخير، لكنهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.

ومن هنا فإنني أنادي كل مهتم بالمجتمع، حريص على نشر العفة والطهر والحشمة فيه، إلى التنادي لابتكار حلول جديدة، تكفل تحقيق مصلحة الشاب والفتاة بالتزويج وفق منهجية شرعية منضبطة تحقق المصلحة لكل الأطراف.

وما لم نفعل ذلك؛ فإن حجم العنوسة بكل تبعاته ومشكلاته سيكبر ويزداد…


تم النشر في صحيفة تواصل الإلكترونية من هنا

يناير 18, 2017

الكارثة الحلبية

تعصف بأمتنا العواصف منذ زمن غير قصير؛ ولهذا كانت الأمة موعودة في كل عقد من الزمان بمصيبة جديدة، وكارثة كبرى تقتل البشر قتلاً ذريعاً، وتفعل فيهم الأفاعيل، وتهدّم البيوت والمساجد والمشافي على رؤوس من فيها، وتفرّق الدول شذر مذر، وتحيل عمارها خراباً، وبنيانها يباباً.
ومع كل كارثة تحلّ، يتنادى الناس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويتحوّل الجهد كلّه لإطفاء الحريق بعد اشتعاله، وعلاج المصابين، ودفن الجثث.
إن ما يقع اليوم في حلب ليس حالة استثنائية، فهو قد وقع بالأمس في العراق، وقبله في الشيشان، والبوسنة، وأفغانستان، كما أنه واقع في قبلة المسلمين الأولى “فلسطين” منذ ستين عاماً.

لقد كتب الله على بلاد الإسلام بسبب تقصير أهلها، وتخاذلهم، وانشغالهم بملهيات الحياة أن تكون بلداناً موصومة بأنها من ضمن “دول العالم الثالث”، وهذا التصنيف ليس مجرد تهمة مكذوبة، ولكنه حقيقة واقعة للأسف.

فالدول الإسلامية سوق رائجة لسلاح الغرب والشرق، وأجهزته، وتقنياته، ومنتجاته.

والدول الإسلامية تعتمد اعتماداً كلياً على ما ينتجه أولئك، فهي أبعد ما تكون عن الاكتفاء الذاتي.

والدول الإسلامية بينها من البغضاء والشحناء؛ ما يجعل اتفاقها حلماً، واجتماعها مستحيلاً.

والدول الإسلامية لا تستطيع في الوضع الراهن أن تقف في وجه هذا المدّ الاستعماري العسكري حين يقرر أن يزيل دولة أو يغيّر نظاماً، ولو تجرأت إحدى الدول على شيء من المقاومة لكانت الهدف التالي لذلك الهجوم.

ولذا باتت أراضي المسلمين اليوم هي أرض المعركة، فيختصم الأعداء أيهم يسبق إليها، ويجمعون عتادهم وأسلحتهم للقتال عليها، وتصبح تلك الأراضي وأهلها حقل تجارب حقيقياً للأسلحة المصنوعة حديثاً، يختبرونها على الناس، ويطورونها وفقاً لنتائجها عليهم، ويأخذون ثمن ذلك كله من خيرات الأرض المحتلّة.

إننا أمام واقع مخزٍ، سيسجله التاريخ سبّة وعاراً على كل من كان بيده أن يصنع شيئاً فما صنع، وكل من كان بإمكانه العمل لرفعة المجتمعات الإسلامية وتقويتها واجتماعها فتخاذل وانشغل بخاصة نفسه.

لم تكن (حلب) الأولى ولن تكون الأخيرة، غير أن واجب الوقت اليوم يتطلب عملاً جاداً ورسمياً لتقديم كل العون والمؤازرة لإخواننا هناك؛ إذ إنهم يقفون سداً في وجه الطوفان الصفوي العارم الذي يريد توسيع نطاق سيطرته، منتقلاً من إيران إلى العراق، ثم إلى الشام، ليزحف بعدها نحو باقي البلاد الإسلامية.

وهذا العون الواجب تقديمه يشمل الجوانب المالية والطبية والغذائية للمحاصرين والمستضعفين هناك، كما يشمل الجوانب السياسية والدبلوماسية والإعلامية؛ من أجل فضح التآمر الغربي/ الصفوي، وبيان الانتهاكات الضخمة التي تتم كل يوم في ظلّ التشدق بحقوق الإنسان، والحريّات التي طالما قدّم لنا فيها الغرب “المواعظ”  و”اللطميات”.

إن التحرك الرسمي المتزن في نصرة المظلومين، وامتصاص الغضب الشعبي العارم في بلاد الإسلام من خلال مشروعات تحقق خدمة لهؤلاء المستضعفين، وفق أسلوب منضبط يتناسب مع الأنظمة المتّبعة، والسياسة الرشيدة، والحكمة في إدارة الصراع؛ كفيل بتحقيق العون والمناصرة لأهل الشام، وأداء الواجب الشرعي تجاههم، وقطع الطريق أمام التيارات المتطرفة التي تتغذى على مثل هذه الكوارث، فتجعل منها مصدراً للحصول على الإمدادات البشرية واللوجستية، مستغلة انسداد الأفق لتقديم العون المشروع، فتفتح سبلاً غير مشروعة.


تم النشر في صحيفة تواصل الإلكترونية من هنا 

ديسمبر 29, 2016

السكوت لا يعني الجهل!


يقال أن فتى كان يحضر ولائم العشاء مع بعض أقاربه وجيرانه، وكان تناول العشاء يتم في ظلام دامس حيث لم تكن الكهرباء متاحة حينها..
فكان الفتى يرجع لأمه في المساء ويخبرها بأنه أكل كثيراً من اللحم تاركاً باقي أصناف الطعام، مستغلاً الظلام، وأن الرجال لم يعرفوا حجم أكله للحم، ظانين أن الجميع قد أكل حتى انتهى اللحم سريعاً.

فأدركت الأمّ أن لدى ابنها وهماً كبيراً حيث يظن السكوت دوماً دلالة على عدم المعرفة!
فطلبت منه في الوليمة القادمة أن يجرب حين يريد قطع اللحم في ذلك الظلام، أن يسحاول قطع اللحم بالسكين مقلوبة، وأكدت عليه ذلك.
فتعجب من غرابة طلبها، لكنه وافق عليه، ووعدها بأن يفعله.
فلما حضر العشاء، وبدأ الناس - وهو معهم - في تناول الطعام، أخذ السكين وأقبل بها على اللحم ليقتطع منه كالمعتاد..
ثم تذكر وصية أمه، فقلب السكين، فما إن وضع سكينه على اللحم حتى ناداه أحد الرجال : يا غلام، السكين مقلوبة فعدّلها!

فعدل سكينه، وكف عن أكل اللحم واكتفى بما سواه، وقد علاه الوجوم والحياء والإطراق..

انتهى العشاء، وتفرق الناس، ورجع الفتى لأمه وقد تعلّم الدرس جيداً:

إن سكوت الناس عنك،
وتغاضيهم عن بعض أفعالك،
وتوقّعاتك بأنك "ذكي" قد أفلحت في خداعهم،
لا يعني أنك ولا أنك كذلك دوماً،
ولا يعني سكوتهم أنهم لم يعلموا بصنيعك،
لكنهم عرفوك وعرفوا ماتقوم به،
ثم تركوك ترفعاً أو إهمالاً أو تصيداً.
فانتبه! 

كم نحتاج لهذا الدرس في حياتنا !

ديسمبر 16, 2016

سنوات مع المانحين (2)

مدرسة العمل المانح
تعلمت في هذه السنوات اليسيرة أهمية وضع معايير للمشروعات وبناء مؤشرات لها، فقد كانت المشاريع في ذهني أفكاراً مجردة، يتم نقلها للميدان فور انقداحها في الذهن، لتطبيقها على أرض الواقع، لكنني بعد أن خضت هذه التجربة أدركت أن هناك أسئلة هامة قبل أن أنتقل إلى خطوات التنفيذ الفعلية.

كانت هناك مجموعة من الأسئلة المتكررة، والتى تعودت سماع زملائي يلقونها على الشركاء المختلفين، وكنت أرى الصدمة في وجوده الكثير من الشركاء، ولا أعني هنا كافة الشركاء، لكنني أتحدث عن عدد غير قليل منهم.
كان السؤال عن "الدافع" و"السبب" والمبدوء بـ(لماذا) سؤالاً مشروعاً وحاسماً في الوقت ذاته، ولقد التقيت بعدد من الأشخاص، كان هدفهم من المشروع أن ينطلق!
وأحياناً يكون الهدف أن يتم وضع علامة ( ) أمام المشروع في الخطة الخاصة بالجهة، وليس لدى القائم على المشروع أي مسببات مقنعة لمشروعه هذا! ،
وأحيانا يكون الهدف : مجرد اقتحام مجال جديد والمسابقة إليه، فالمسابقة لأجل المسابقة!
وكان السؤال عن "المشكلة" التي جاء المشروع لكي يحلها يعيد النقاش للمربع رقم واحد، بدلاً من الخوض في تفاصيل المشروع.
أحياناً يدرك المجتمعون فعلاً أن هناك دافع حقيقي، ومشكلة قائمة مؤرقة جعلت صاحب المشروع يطرحه، ويتبناه، لكن النقاش البناء يفتح حلولاً أخرى، ويتيح سبلاً جديدة للمعالجة، فنكتشف -سوياً- أن ثمة أفكار كثيرة لحل المشكلة غير المشروع المطروح وأن بعض تلك الأفكار قد يكون أقل جهداً وتكلفة وأكثر أثراً وفائدة.
لقد صقلت الخبرة المتراكمة تلك الشخصيات العاملة في مجال المنح، فجمعوا إلى خبرتهم السابقة في مجال التعليم أو القضاء أو غيرها خبرة جديدة وأوجدوا خليطاً متميزاً، فكانوا بحق مشاعل هدى ونور، وكانت كلماتهم وتعليقاتهم وملاحظاتهم مدرسة حقيقية، يتعلم ويستفيد منها الزائر أكثر من استفادته في الجانب المالي بالدعم لذلك المشروع.
ولطالما ردد الشركاء على اختلاف مناطقهم : "لقد كانت الفائدة من زيارتكم والجلوس إليكم ومتطلباتكم أهم وأغلى وأفضل من الدعم الذي قدمتموه لنا".

نوفمبر 25, 2016

100 طريقة للسعادة

يرى خبير السعادة د. تيموثى شارب أن الكثيرين منا هذه الايام يفكرون بأسلوب خاطئ مفاده ( أنا مشغول جداً لدرجة أننى لا أجد وقتا للسعادة) .
ويشير إلى أن سعينا الحثيث للحصول على وظائف أفضل ومنازل أكبر وعطلات أكثر و أطفال أكثر، تسبب في الانشغال عن العمل على إثراء أحد أهم العناصر التى ستضفى قيمة و أهمية حقيقة إلى كل ما سبق، ألا وهي "السعادة" .

معتبراً الحصول على السعادة ليس بالمهمة الشاقة التى تتطلب مهارات وقوى استثنائية.
 لكنه ممارسات مجرّبة تجلب السعادة وتطرد أضدادها،

وهنا سأجمل لكم جملة من وصايا المؤلف، آملاً أن أفلح في جلب السعادة، مذكراً بأن السعادة الحقيقية في تحقيق رضا الله تعالى، لأن ذلك يضمن السعادة الحقة في الحياة الباقية، الحياة الحقيقية التي لا زوال لها.

فإلى سلسلة الوصايا :
1. أوجد السعادة بدلاً من الانتظار لحين مجيئها، فلا تكن سلبياً تنتظر أن يقدم لك الناس السعادة.

2. كلما وجدت شيئاً أو فعلاً أو مكاناً يسعدك فسجّله في (قائمة السعادة) لديك، لكي تتمكن من فعله متى ما شعرت بالحاجة لمزيد من السعادة.

3. اعمل خارج نطاق (منطقة الراحة) لديك، فربما اكتشفت سبلاً ومواضعاً وأساليب للسعادة لم تكن عرفتها من قبل، و (منطقة الراحة) هي ما تتقنه وما تعودت عليه من أعمال وأصحاب ومنظمات.

4. تعرّف على نقاط مواهبك واستثمرها بشكل فعّال.

5. ادخل في منافسات متنوعة في الأمور التي تحسنها، فالتنافس والمسابقة قد تبرز شيئاً من مواهبك وقدراتك، وتجلب لك السعادة.

6. راجع التزاماتك التي تعطيها وقتاً أو اهتماماً أو جهداً منتظماً، وتأكد من أهمية وجودها ضمن التزامك ابتداء، ثم تأكد من الكمية والوقت، ثم اشطب منها ما تيسر.

7. خطط للسعادة مسبقاً، ضع في جدولك اليومي والأسبوعي أنشطة جالبة للسعادة ضمن القائمة التي حددتها سلفاً.

8. التزم بأوقات السعادة في جدولك،  اجعلها لازمة، ولا تسمح لأحد أن يتجاوز عليها، واعتبرها مواعيد مهمة غير قابلة للتأجيل.

9. ضع لنفسك (دقائق يومية ثابتة) للمراجعة والتأمل في يومك وحياتك ومسيرتك.

10. لا تؤجل الأشياء الكبرى الجالبة للسعادة، بحجة أنها ضخمة وكبيرة، ولكن ابدأ بها، ثم قسّمها لتغييرات صغيرة تدريجية تتناسب مع جدولك اليومي ثم ابدأ، وستجد السعادة تأتيك.

11. نظّم مكتبك ومنزلك وسيارتك ومكتبتك بانتظام، وتخلّص من الكراكيب والأشياء المكدسة، فهي تشغل البال بما لا فائدة منه، وتأخذ شيئاً من حيز الاهتمام.

12. لا تسوف ما يمكنك إنجازه، بل استعن بالله وأنجز، فالتسويف يسلب السعادة .

13. اصفح وتسامح دوماً، فمن يحمل في همه الحقد والغضب والرغبة في الانتقام لا يعيش سعيداً.

14. ادخل في الأعمال التي تشعر معها بحالة من التدفق والانغماس (سباق دراجات، مشي مسافات طويلة، صعود جبال...)

15. ابتكر عبارة تنقلك كلما قرأتها من حالة القلق والأسى إلى حالة الطمأنينة والسكينة، بتوقع حاضر ومستقبل سعيد بإذن الله مثل ( سيمر هذا الأمر بسلام ، شدّة وتزول، اشتدي أزمة تنفرجي، ..) ويمكنك تعليق صورة في مكتبك أو منزلك تلهمك ذلك المعنى وتحرجك من حالة السلبية والإحباط.

16. احتفظ بمفكرة ورقية أو إلكترونية مخصصة لـ (الأحداث الإيجابية)، سجّل فيها الوقائع والأحداث الإيجابية التي تمر بك، والتزم  بكتابة ( 3 إلى 5 ) أحداث كل يوم،  وتشمل : الالتقاء بالأشخاص الإيجابيين، الأمور المثمرة التي قمت بها، اللحظات التي غمرتك فيها السعادة، وسوف يكون هذا الدفتر أحد مصادر البهجة لك.

17. مارس تدريبات الامتنان والشكر للرحمن، اكتب  قائمة بـ 5 أشياء تشعر بالامتنان تجاهها - تأمل في 5 أشياء في هذا الكون تستوجب الشكر  - سجّل قائمة بأهم 5 أشخاص في حياتك تحبهم أو أثروا عليك – قيّد 5 أشياء مميزة في كل شخص ممن تحبّ ، وحينها سيصبح لديك 25 أمراً تمتن لوجودها فيمن تحبّ، اسرد الجوانب المتميزة في عملك الوظيفي، في منزلك، في عائلتك، من الأشياء التي تشعر بالامتنان لأجلها .

18. اجعل الراحة من اولوياتك : خذ أوقات راحة وسط زحام العمل،  واجعلها من اولوياتك، ولا تتهاون فيها فهي أشبه بوقت سنّ السكين، وبري القلم ، ومن أهم جوانب الراحة أن تنام نوماً كافياً لما لا يقل عن 7 ساعات يومياً.

19. احتفل بالنجاحات التي تحققها، سواء بتحصيل أمرٍ كان صعب المنال، أو  بإحلال سلوك طيب محل سلوك غير جيد كان يتسبب في إلحاق الأذى بك.

20. قم بمكافأة نفسك عندما تتبع الاستراتيجيات الصحيحة، او تحقق نجاحاً ذا بال، ضع نظاماً لجمع النقاط ، وارصد مكافأة مرغوبة لتحفيزك.

21. تذكر دوما أهمية أن تكون سعيداً وأن تتصف بالبهجة، وأن تبتسم، وقد يكون من المناسب أن تضع منبها في جوالك ليذكرك يومياً بهذا أو أن تضع لوحات وعبارات ذات دلالة وتعلّقها في مكان بارز.


وللحديث صلة بإذن الله تعالى


المصدر : كتاب 100 طريقة للسعادة ( دليل للأشخاص المشغولين) تأليف : د.تيموثى جيه شارب

نوفمبر 12, 2016

سنوات مع المانحين (1)


حين أكتب عن "العمل المانح والخيري"، فذلك لا يعني بحال أنني أفضل من يتحدث في هذا المجال، ولا أن أكون أكثر العاملين فيه خبرة أو أكبرهم سناً، فالأمر بكل بساطة لا يعدو أنني أنني خلال تلك السنوات الجميلة التي قضيتها في "العمل المانح" تعلمت الكثير والكثير، ورأيت أن زكاة هذا العلم يكون بنشره، لتعظيم الفائدة، وتحقيق النفع.


ولعلي لا أبالغ إن ذكرت أن ما تعلمته في تلك السنوات القليلة في العمل المانح كان أعمق وأثرى وأفضل مما تعلمته خلال عملي في القطاع الحكومي – رغم تعدد مواقعه - والذي قارب العشرين عاماً.

لقد يسر لي العمل المانح الاطلاع على مئات المشاريع الخيرية في مختلف المجالات، ومختلف المناطق وبمختلف الأساليب وأتاح لي الجلوس مع كثير من العاملين في القطاع الخيري والاستماع إليهم، ومحاورتهم، ومعرفة الكثير من الصعوبات التي تعترضهم، وكنت في كل لقاء استفيد علماً جديداً وأتعرف على أساليب حديثة، وطرائق تفكير مختلفة.

وكان وجودي هناك يشكل فرصة عظيمة لنفل الخبرات بين جهة خيرية وأخرى، فكان دور المشرف في العمل المانح، السعي لنقل نجاح هذه الجهة لتلك، وإفادة هذه الجهة بأسلوب حل المشكلة التي طبقته الجهة الأخرى، والإشارة للتجارب الناجحة والفاشلة التي سبقت بهدف إطلاع الزوار عليها لمعرفة المسببات والاستفادة منها.

كما أن العمل المانح قدم لي خدمة كبرى، إذ تعلمت فيه الكثير من المفاهيم الإدارية، تعلمتها نظرياً وتطبيقياً، فقد كنت أثناء عملي الحكومي أسمع بالتخطيط الاستراتيجي والتشغيلي، وأفضل الممارسات، والقياس، والتقويم، والجودة، وكانت في أغلب الأحايين مجرد مصطلحات رنانة تستخدم في التعاميم والكلمات والخطابات المختلفة، ولا تتجاوز ذلك إلا في وريقات ونماذج يتم تعبئتها كيفما اتفق لأداء الواجب وتحلة للقسم فحسب.

لكنني في العمل المانح سمعت ورأيت وطبقت ذلك، وكان العمل يسير فعلاً وفقاً لخطط متقنة ومحاسبة دقيقة، ومعايير للجودة، وقياساً منتظماً، واستخداماً للكثير من الأدوات العلمية بشكل دقيق، من خلال خبراء ومتخصصون في كل مجال بحسبه.

رأيت الاجتماعات الفاعلة كما لم أرها من قبل، رأيت أمانة الاجتماع وكيف تمارس دورها الفاعل في وضع جدول الأعمال وإرساله للمشاركين مع أوراق العمل قبل الاجتماع بمدة، ثم قراءة المحضر السابق في بداية كل اجتماع، والالتزام بجدول الأعمال المحدد سلفاً، وحسن إدارة الحوار، وتعدد جهات النظر مع بقاء الود والمحبة، رأيت اهتماماُ بالعمل وتفانياً فيه، و قدرة عالية على إبداع الأفكار الرائدة.

تعاملت مع "قامات كبيرة" داخل العمل المانح، وداخل القطاع الخيري، وتصاغرت نفسي أمامهم، أمام همتهم العالية، ووضوحهم وتواضعهم، وعظيم إنجازاتهم التي يقدمونها خدمة للمجتمع بصمت.

ولكل ماسبق فقد أحببت أن لا أفوت فرصة تقييد هذه التجربة لعلها أن تكون تثبيتاً لتلك الفوائد ولأختصر على غيري مشوار التعلم.

وهو حديث متواصل لا تنقصه بعض الصراحة "الموجعة أحياناً" وكأنها مبضع الجراح الذي يؤلم لكي يداوي .