يونيو 28, 2024

نحو"مسؤولية مجتمعية" فاعلة

في حديثه الرائع عن "المسؤولية الاجتماعية" للشركات، أشار أ.محمد بن عبدالعزيز السرحان  في كتابه "وقفات إدارية" إلى أهمية اضطلاع القطاع الخاص بدوره تجاه المجتمع، ذلك الدور المنسي عند الكثير من الشركات عموماً، والكبرى منها على وجه الخصوص.

والحقيقة أن المتأمل في دور عدد من الشركات العالمية تجاه مجتمعاتها، بل وتجاه العالم بأسره، يدرك أن هناك نماذج متميزة جديرة بالاحتذاء، وأن ما تصنعه "المسؤولية المجتمعية" من نجاحات يدفعنا للتداعي لمناقشة هذا الملف، وإعادة النظر فيه، وترتيب أوراقه، وحشد الطاقات والموارد من أجل إيجاده، وصولاً إلى "قطاع مسؤولية مجتمعية" فاعل ومؤثر ومنافس.

وليست المسؤولية المجتمعية تبرعاً مقطوعاً تقوم به الشركة في حال حدوث الأزمات أو الكوارث، ولا تجاوباً مع طلبات الدعم التي تصل إليها من هنا وهناك، كما أنها ليست أعمالاً خيرية أو تبرعات فردية يقوم بها الموظفون أو الملاك حينما يرغبون.

إن "المسؤولية المجتمعية" مسار تأثير استراتيجي في قضايا المجتمع، يستهدف تأثيرات بعيدة المدى، ويحتاج إلى موارد مالية منتظمة، وكبيرة، بما يمكّن من بناء الخطط والاستراتيجيات، ويعين على قياس الأثر.

ولكي تنجح المسؤولية المجتمعية في الشركات وتظهر آثارها، ويتحقق المقصود منها، فإن الحاجة ماسة لعدد من الخطوات.

فأولها : موافقة أعلى سلطة في الشركة على تخصيص نسبة مئوية محددة من الأرباح السنوية للشركة لتكون موجهة نحو المسؤولية المجتمعية، وحينها لا يكون الأمر مرتبطاً بقناعات شخصية لبعض الأعضاء أو المديرين، بل نظاماً يتم العمل به في كل الظروف، كما أن تخصيص تلك المبالغ عند صدور القوائم المالية للشركة، يدفع الشركة لتخصيص حساب بنكي مستقل يضمن دفع المسؤولين إلى تنفيذ البرامج المخطط لها.

وأما الثانية، فأن تحدد الشركات مجال تركيزها وتأثيرها المنشود، وتختار القضايا التي ستعمل عليها، والتي يمكن أن تكون ضمن طبيعة ونطاق عمل الشركة وحدود عملها، ويمكن أن تكون خارجة عن اختصاصها التجاري، فيمكن أن تختار الشركات الطبية بالإضافة إلى دورها اليومي الذي تقوم به، أن نتوجه نحو حل بعض المشكلات الصحية الكبرى أو التخفيف منها أو اكتشافها، أو الضخ باتجاه إيجاد تشريعات تحقق حلاً مستداماً يكفل تحقيق ذلك، ويمكن لشركات الكهرباء أن توجد الأدوات المناسبة والحلول التقنية التي تساهم في جعل منازل الفقراء أكثر توفيراً للطاقة، بتأمين بعض المستلزمات، أو تقديم التوعية والإرشادات المناسبة التي تصب في نهاية المطاف في التخفيف من أعباء فواتير الخدمة على تلك الفئة المحتاجة، وعلى هذا يمكن القياس في الشركات الزراعية، والبنوك، وشركات الاتصالات، والنفط وغيرها، ومما يميز هذا النوع من التوجه أنه يمكّن الشركة من العمل في مجال اختصاصها، ويساعد على الاستفادة من موارد الشركة، وطاقاتها البشرية وخبرتها العريقة، وشراكاتها، في تحقيق تلك المسؤولية.

وفي الوقت ذاته يمكن للشركات أن تختار قضايا أخرى – ولو كانت بعيدة عن اختصاصها – لكنها ترى أنها القضايا الأكثر إيلاماً ، أو الأشد حاجة، أو الأنسب للتدخل والمعالجة، فتقرر الشركة أن تكون مساهمتها  - مثلاً – في تحسين جودة الحياة في المناطق التي تعمل فيها، بإنشاء الحدائق، ومضامير المشي، والمعارض العلمية والثقافية، أو تهتم بمنطقة محددة وتسعى لتقديم نموذج يحتذى في مجال من مجالات الاحتياج، أو تعتني بفئة من المعاقين وتعمل على خدمتهم، وتقديم الحلول لهم، والمساعدة في بناء المنظمات التي تخدمهم، والتشريعات التي تخفف عنهم، ويمكن للشركة أن تهتم بالمحافظة عل البيئة، وحلول التدوير للمخلفات، ونشر الوعي في المجتمع، وخدمة الفئات الهشة، او القطاعات التي لا تلقى العناية الكبرى من القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الثالث.

وأما الخطوة الثالثة، فأن تكون تقارير المسؤولية المجتمعية جزءاً لا يتجزأ من العمل، ويتم نشر هذه التقارير الإعلامية ضمن تقرير الشركة السنوي، وتنشر على مواقع الشركة على الإنترنت، وشبكات التواصل، مع الحرص على مشاركة الملاك، وأعضاء مجالس الإدارة، وفريق العمل، ومسئولي القطاع الحكومي في الاطلاع على تلك التقارير، بما يعني تقدير تلك الجهود، ومعرفتها، دون مبالغة أو تضخيم، حيث لا تصنف أعمال المسؤولية المجتمعية ضمن أعمال "الإحسان الفردي" التي يحرص أصحابها على إخفائها فلا تعمل شمال المرء ما تنفق يمينه. 

ولعلي أشير هنا إلى ذريعة يتحدث بها البعض بوصفها سبباً في منع قيام الشركات بدورها تجاه المسؤولية المجتمعية، وهي: انشغال الإدارات التنفيذية في الشركات بالعمل الفني التخصصي للشركة، وعدم وجود أقسام أو موارد بشرية مؤهله في مجال المسؤولية المجتمعية، وأرى أنه لا يلزم إطلاقاً أن يكون لدى كل شركة من الشركات قسماً متخصصاً في ذلك، ولا أن توظف فريق عمل داخلي لهذه المهمة، فهو انشغال بموضوع خارج تخصصها – غالباً – .

و الحل المنطقي والأكثر فعالية وواقعية يكمن في "التعهيد" للغير، فتتعاقد الشركات مع بيوت خبرة متخصصة - ربحية كانت أو غير ربحية-، تستهدف بكل وضوح تحقيق الأثر الفاعل في المجتمع، وتقوم بإجراء الدراسات الكافية لاحتياجات المجتمع، لتحديد الفرص الأولى بالعناية وفق كل مجال، وتعرض تلك الفرص على الشركات بكل شفافية ووضوح، محددة فيها تكلفة المشروع الفعلية، ونسبة الأرباح المنطقية التي يأخذها بيت الخبرة مقابل دوره في بناء المشروع، ومتابعة تنفيذه، ويمكن أن يشترط على بيت الخبرة أن لا يقوم بنفسه بالتنفيذ على الإطلاق ليمارس دوره الحقيقي في القياس والمتابعة والتوجيه.    

  إن وجود بيوت الخبرة هذه، والتزامها بالتميز والجودة في عملها، وقوة المتابعة، واحترافية التقارير، من شأنها أن تدفع الشركات للانطلاق في مسيرة المسؤولية المجتمعية بشكل أكبر، وهي خطوة فعلية في تذليل الصعوبات، وإزالة العقبات، وتحقيق النجاحات، بما يفتح الباب لكثير من الشركات للتحرك الإيجابي في هذا المجال بسبب "عدوى النجاح".

وكلّي أمل بمستقبل مشرق لقطاع المسؤولية المجتمعية في وطني، ليكون أنموذجاً يحتذى إقليمياً وعالمياً، فنحن أهل الإحسان من قبل ومن بعد، ووطننا جدير بهذا التميز الذي يستحقه، خصوصاً حين ندرك أن رؤية السعودية 2030 حرصت على ان تدفع المجتمع نحو النجاح في أكثر من مجال، وجعلت من ضمن أهدافها الاستراتيجية: ( تعزيز قيام الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية)..

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

22 ذو الحجة 1445 هـ

الرياض حرسها الله


يونيو 21, 2024

مشكلة الاعتياد على النعم

أحد مشكلاتنا المنتشرة على نطاق واسع، و لا نشعر بها: أننا نعتاد على الشيء، فنفقد لذته وطعمه وميزته، ويقل عندنا استشعار النعمة المتحققة من خلاله.

فنحن نأكل الزاد في اليوم مرتين او ثلاثا، و نأكل أثناء اليوم وجبات أخرى متفرقة، ونشرب أنواع المشروبات، ويقضي الواحد منا حاجته بيسر، وينام، ويجد مسكنا يظله عن المطر والهواء و البرد، ويلقى أهله وأصحابه..
ومع ذلك تجد بعضهم تعيسا وحزينا ومكتئبا، شاعرا بعدم السعادة، ينظر للآخرين معتبرا إياهم سعداء بينما هو مسلوب من هذه النعمة، مع أنه في الواقع يملك أنواعا من السعادات التي لا تحصى، غير أنه اعتادها!.وهاهنا سؤال مهم: متى يشعر الواحد بهذه النعم، وبهذه السعادة؟

والجواب: أن عظيم الاستشعار للنعمة إنما يكون حينما يتم افتقادها!.
حيث يدرك المرء حينها أن هذا الشيء الذي كان يعتبر يسيرا واعتياديا ويوميا هو شيء عظيم للغاية.

أرأيت نعمة القدرة على تناول الشراب أو الطعام والتي تبدو اعتيادية ولا يشعر المرء بأهميتها، تأمل في هذه النعمة حينما تزور المستشفى، وترى مريضا يتم إدخال الطعام إلى جسده من خلال أنبوب يدخل في بطنه مباشرة على هيئة سوائل مركزة، حيث لايمكنه أن يأكل الطعام بشكل مباشر، حينها سندرك أن مجرد تناول خبزة قيمتها ربع ريال، وأكلها، ومضغها وابتلاعها بكل سهولة ويسر هي بحد ذاتها نعمة.

والأمر نفسه حين تتأمل في قدرتك على القيام من سريرك ومن مكان جلوسك بنفسك، وقدرتك على الوقوف على قدميك، والتحرك من مكان إلى آخر، وتقارن ذلك بالعاجزين عن هذه الأفعال بسبب المرض أو الحوادث، حينها ستدرك عظيم هذه النعمة.

وحينما تبصر طريقك وأنت تمشي، وترى كل شيء أمامك فأنت في نعمة، وحين تسمع الأصوات المحيطة بك، فأنت في نعمة، وحين تشمّ الروائح فأنت في نعمة..

ولذا لايصح أن أقول أن كل واحد منا يتمتع بمئات النعم بل بآلاف النعم التي يتقلب فيها ليلا ونهارا، لكننا جميعا اعتدنا عليها، وألفناها، فبتنا لا نشعر بأهميتها وللأسف الشديد!.

وأختم حديثي هذا بالوصية لنفسي ولك:
أعد النظر في النعم التي تتمتع بها، وتأملها، واستشعرها، وستدرك الحاجة الماسة للإكثار من حمد الله عزوجل وشكره عليها، ثم ستحسّ بالسعادة تغشاك من جراء هذا الاستشعار المتكرر للنعم المتتالية، "ولئن شكرتم لأزيدنكم".

دمتم بخير.

مايو 27, 2024

العدالة في تقديم الخدمات للفقراء

يقوم الأفراد، ورجال الأعمال، والمؤسسات والجمعيات الخيرية، والجهات الحكومية في بلادنا المباركة بجهود كبيرة، وأعمال ومشروعات كثيرة، من أجل تخفيف الفقر، وتحسين أوضاع الفقراء، وتتنوع هذه الجهود وتتوزع جغرافياً ونوعياً لتشمل شريحة كبيرة من هؤلاء المحتاجين.

وهي أعمال مباركة تستحق أن تذكر فتشكر، وهي من أبواب الخير والإحسان التي بها تعظم الحسنات، وتندفع بها المصائب والبليّات، كما قال صلى الله عليه وسلم (صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ)، وحديث (إنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعفائِكُم).
وحديثي هنا ليس عن أبواب الخير الكثيرة التي يمكن العمل عليها في مجال تخفيف الفقر ومساعدة المحتاجين، فذلك باب واسع ومتنوع، والناس في ذلك عاملون، وإنما أريد الحديث هنا عن أهمية السعي (المتوازن) لتقديم تلك الخدمات بشكل يضمن العدالة وحسن التوزيع للمال الخيري على المحتاجين إليه.

ودافعي لذلك ما أراه من تفاوت كبير في المشروعات الموجهة لهذه الشريحة المحتاجة، حيث يعمل بعضها في مجال الضروريات، ويعمل الآخر في مجال التحسينات والكماليات التي لا أولوية لها، رغم وجود المحتاجين حاجة ماسة لما هو أهم.

والذي يحدث من جراء عدم الاتزان هذا، أن يطال بعض الأفراد ألوان من الإحسان التكميلي، ويفتقر آخرون إلى أهم الأساسيات.

وفي حديث مع أحد المعنيين بترميم منازل الفقراء -على سبيل المثال-، كان السؤال الموجه إليه: لماذا يتم تحسين المنزل بهذه الصورة المتكاملة، فيتم إعادة تبليط كامل المنزل، ويتم إعادة دهاناته من الداخل والخارج ، وتغيير كامل إضاءاته وأبوابه حتى يغدو جديداً فعلياً، بينما تبقى بيوت فقراء آخرين لا يحميهم السقف المؤقت من المطر، ولا تعمل لديهم الكهرباء إلا في غرفة أو غرفتين، بل هي لا تعمل إطلاقاً عند آخرين، ويعاني فقراء آخرين من عدم توافر المياه الصالحة للشرب!، فكيف تقدّم خدمة متكاملة لأقوام، ويحرم منها آخرون؟
وكان رد القائم على العمل بأن مهمتنا هي السعي لتوفير الحياة الكريمة اللائقة لهؤلاء المحتاجين، وهو هدف رائع ونبيل، غير أن توفير ذلك للبعض، وإبقاء البعض بحالة مأساوية ليس تصرفاً رشيدا – على الأقل من وجهة نظري- فالجميع من أهل الاحتياج.

وهنا أتساءل:
أليس من الأولى أن يتم تقديم الخدمات على المستوى (المتوسط) لجميع الشريحة المستهدفة، بدلاً من أن يطال بعضهم مستويات (رائعة) من الخدمة، ويبقى آخرون بانتظار توفر الدعم الكافي لتقديم تلك الخدمة الرائعة التي قد تأتي، وقد لا تأتي.

إن من المفترض أن يكون تقديم الخدمات وفق أهمية الخدمة لا اكتمال الخدمات، كأن يتم التأكد من وصول المياه الصالحة للشرب للجميع، ثم حماية منازل جميع الفقراء من المطر والغبار، ثم التأكد من وصول الكهرباء وتوفير الأجهزة الرئيسية للجميع، ثم صلاحية دورات المياه للاستخدام الصحي، وهكذا.

والترتيب المشار إليه غير مقصود بذاته، لكنني عنيت أن يوجد ما يشابه المعايير المتفق عليها والمرتبة وفق الأهمية لتحقيق جودة الحياة، بحيث تحرص الجمعية على الوفاء بكل معيار على حدة لجميع المستفيدين قبل الانتقال للخدمة والمعيار الذي يليه، بما يضمن تحسين المستوى المعيشي، وجودة الحياة بشكل تدريجي ومتوازن لجميع الشريحة المستهدفة.

وفي ظني أن ذلك الترتيب والمعايرة أمر جليل، وهو عمل وفق الأولويات، كما أنه يحقق المصلحة للفقير، وللمتبرع، وللقائم على العمل في الجمعية الخيرية، وللمجتمع برمته، وهو محتاج لنفر من المختصين والباحثين الذين يمكنهم التوصل بعد التشاور والاستماع لأهل الخبرة من الوصول إلى تلك الأولويات.

سائلاً الله تعالى أن يدلنا على الصواب، ويجعلنا موفقين مسددين، وأن يصلح لنا النوايا والعمل.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن
ذو القعدة 1445هـ

مايو 07, 2024

قوة الأدوات البسيطة

يتوقع البعض أن إحداث التغيير الشخصي أو المجتمعي مشروط ومرتبط -دوماً- بالإمكانيات الضخمة، والأدوات الكبيرة، بل وربما التكلفة العالية، والعدد الكبير من الناس..  

وأنا -وإن كنت لا أقلل من تأثير تلك الأمور في ما يتعلق بالتغيير- أعتقد بأننا نستخدم هذا الأمروهذه الحجة في الكثير من الأحيان باعتباره (حيلة نفسية) حيث توهمنا بأن الأمور أكبر من قدراتنا، وأنها تحتاج إلى أضعاف مقدراتنا، الأمر الذي يصيبنا بالعجز والإحباط، فنبرر لأنفسنا السلبية، وترك العمل، ونعتاد القبول بأقل النتائج، تحت ذريعة أننا لا نملك ما يكفي لإطلاق التغييرات الكبرى، في أنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا، فننكص، ونتخاذل، وربما تواصينا بذلك، وجعلناه جزءاً من أدبياتنا المتداولة في مجالسنا.

وحين نتكلم عن إصلاح المجتمع وتوجيهه – على سبيل المثال- في أي جانب من الجوانب(الاجتماعية، أو الصحية، أو النفسية، أو التعليمية،أو غيرها ) فيجب أن لا نتوقع أن يكون ذلك محصوراً في المشاريع المكلّفة بالضرورة، بل قد يكون باستغلال وتوظيف أيسر الأشياء وأصغرها وأكثرها اعتياداً.

ولكي أضع مثالاً عملياً، فإنني أشير إلى (خطبة الجمعة) والتي ينبغي التساؤل عن الكيفية الصحيحة  لتفعيلها لتكون أكثر فاعلية، وتأثيراً، وخدمة للمصلين فيما يحتاجون إليه، ودلالتهم على الخير، وبيان أوجهه، حيث يمكنها أن تُّحدث أعظم الأثر في الوعي ونشر المعرفة،  إذ أن في هذا الحديث الأسبوعي المنتظم (خطبة الجمعة) من المزايا ما ليس في غيرها من التقنيات الحديثة، والأساليب العصرية، فهي رغم اعتيادنا عليها تتميز بمزايا: أولها الاستمرارية، ولا يمكن أن تتوقف لتغير التقنيات أو تطور الوسائل، أو غيرها، وهي - ثانياً - مما يجب على الجميع حضوره، والإنصات للخطيب، ويحرم على الجميع الحديث أو العبث أثناء وقت الخطبة، وهي مميزات لا تتوفر لأي وسيلة إعلامية أخرى مهما عظمت وكبرت!، كما أنها من الشعائر التي تلتزم بها أكثر المجتمعات المسلمة، وتهتم بها، حتى وإن قَصَرَت في أركان وشعائر أخرى.

إن التأمل في سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يدرك أنه لم تكن لديهم وسائل استثنائية، غير أنهم يبذلون غاية في الوسع في حدود الممكن، وقد قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) وقال (ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى أسواق قريش وتجمعاتها لينشر دعوته في العالمين، حسب المتاح والممكن، وبدأ بالنطاق الأيسر والمتاح ( وأنذر عشيرتك الأقربين).

وما أريد أن أصل إليه هنا هو أن المطلوب من كل واحد منا أن يقوم بما يمكنه في خدمة مجتمعه، ودينه، ونفسه، وأن يسعى بالوسائل المتاحة، وبهذا يرفع الحرج والإثم عن نفسه، ويكون حينها من المصلحين (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

تأمل في واقعك القريب، وتأمل في قدراتك ومواهبك وإمكانياتك، ثم انطلق نحو تحقيق أهدافك السامية، وتوكل على الله، وإذا حسنت النوايا؛ حلت البركة، والنفع، والتأثير من حيث لا تحتسب.

دمتم بخير ،،،


محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

28 – 10 – 1445  هـ


أبريل 21, 2024

الدوائر الثلاث في الحياة | المحيميد

يعيش الواحد منا في أحد ثلاث دوائر، ومن المهم معرفة كل دائرة منها، والأسلوب الأمثل للتعامل معها، بهدف تحقيق الأثر الأكبر في الحياة، وبعد الممات.

الدائرة الأولى: دائرة الاهتمام

وهي حديثك ونقاشك وتفاعلك في الأمور الخارجة عن سيطرتك، ولا تأثير لك فيها، والتي يتسبب الانشغال بها افي إهدار الكثير من الأوقات وزيادة الضغوط النفسية، بالإضافة إلى كثرة الاختلافات، وتوتر العلاقات، وكثرة النقاشات، وهي دائرة جدلية بيزنطية غير مباركة، وتسمى أحيانا بـ (دائرة القلق)، وقد روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال).

ومن الأمثلة على ذلك:

* كثرة الدخول في الماجريات ومتابعة الأخبار والأحداث والوقائع.

* المبالغة في نقد الحكومات والوزارات والجهات.

* إطالة المرؤوس في نقد الأنظمة والمديرين وأسلوب العمل. 

* المبالغة في التحليلات العميقة.

* المبالغة في نقد الواقع وتقييمه.

أما النتيجة: فإن نسبة التأثير الناتجة عن إمضاء الوقت في ذلك قليلة جداً إن لم تكن معدومة، وربما استخدم المرء تلك الأوقات، والأحاديث لمجرد التنفيس، أو كمبرر وحيلة نفسية للتوقف عن العمل والإنجاز تذرعاً بها.

والحقيقة أنه ليست هناك مشكلة في أن تأخذ هذه الدائرة حيزاً يسيراً في حياتك، فالإنسان مدني بطبعه - كما يقول ابن خلدون- فإذا بالغت وأعطيتها وقتاً أطول، فقد وقعت في فخ (التأثير الوهمي)، فيصدق فيك حينها شطر المتنبي: "وتعظم في عين الصغير صغارها"، وقول الآخر "أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل * ما هكذا يا سعد تورد الإبل"، فالقادة يقضون أوقاتهم بالتغيير والتصحيح والإصلاح، ولا ينشغلون بالصراخ في وجه الأخطاء والتجاوزات، ويستثنى من ذلك من يقوم بفروض الكفايات لنشر الوعي الضروري.

أما الدائرة الثانية، فهي: دائرة التأثير

وهي الموضوعات والأشخاص والأحداث التي يمكنك التأثير عليه -مهما اتسعت دائرة التأثير-، وهي دائرة عملية مباركة يؤمن فيها المسلم أنه لديه القدرة على التغيير في عالمه أو العالم الذي حوله، وتسعى بالمسلم إلى تفويت الفرصة على النفس الكسولة التي تريد أن تتحدث وتتحدث عن الهموم والمشكلات، لكنها تتقن فن التهرب من المسئوليات.

ومن الأمثلة على ذلك:

* مهنتك الوظيفية.

* تخصصك الفني.

* أسرتك.

* مشروعك التجاري.

وأما الدائرة الثالثة، فهي: دائرة التركيز

وهي قمة نتاج الإنسان، وتأثيره، ودوره، وذلك بأن ينتقل المسلم من دائرة التأثير العام إلى باب يفتحه الله عليه، فربما يكون ممن يجدد في أحد أبواب هذا الدين العظيم، أو مجال من مجالاته، وربما يكفي الناس أحد فروض الكفايات، وهي أشرف من فروض الأعيان -كما ذكر إمام الحرمين في الغياث-.

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:(من بورك له في شيء فليلزمه)،فإذا عمل الإنسان عملا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه، ولهذا لما كتب العابد عبد الله العُمري إلى الإمام مالك يحثه على الانفراد والعمل الصالح وترك مجالسة الناس، رد عليه الإمام مالك بقوله: (إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتح له في الصلاة، ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشْر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر) 

كما قال الشاعر : "وكن رجلاً إن أتوا بعده * يقولون مرّ، وهذا الأثر"

ومن الأمثلة على ذلك:

أن دائرة تركيز ابن عباس رضي الله عنه، وبصمته الباقية حتى يومنا هذا هي: تفسيره لكلام الله.

وبصمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت في نقل الإرث النبوي وكلام المصطفى صلى الله عليه وسلم للأمة.

وبصمة خالد بن الوليد رضي الله عنه في قيادة المعارك العسكرية، وتحقيق الانتصارات لهذا الدين.

وبصمة الأئمة الأربعة رحمهم الله كانت في تيسير الفقه ونشره وتعليمه للناس وتقريبه إليهم.

وبصمة الإمام البخاري رحمه الله، في جمع ونشر السنة النبوية الثابتة والصحيحة وفق أعلى معايير التحقق والدقة.

وبصمة أبي جعفر المنصور في تأسيس دولة إسلامية بقيت تحكم وتنشر الدين لما يزيد عن خمسة قرون.

وبصمة فاطمة الفهرية في تأسيس أول جامعة، وتخريج الأئمة وعلى رأسهم "ابن خلدون"

وبصمة الإمام ابن حجر العسقلاني في شرح وإيضاح مفردات ومعاني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري.

وبصمة الإمام ابن باز رحمه الله في بناء العلماء، والدعاة، والعمل المستمر في خدمة الدين، وتقديم مئات الآلاف من الفتاوى الرصينة.

وبصمة الإمام الألباني رحمه الله في تنقية مرويات السنة النبوية، وتدقيقها، وتصحيحها، وإبعاد الدخيل عليها من خلال منهجية علمية رصينة، وعمل دؤوب.

وبصمة د.عبدالرحمن السميط رحمه الله في دعوة الأفارقة إلى دين الإسلام، ليسلم على يديه ١١ مليون في أفريقيا، ويستمر العمل بعد وفاته محدثاً أعظم الأثر.

وبصمة الشيخ أحمد ديدات رحمه الله في تأسيس مدرسة تجديدية مميزة، في مناظرة النصارى، ومحاججتهم.

وبصمة الملك عبدالعزيز رحمه الله في تأسيس هذا الكيان المترامي الأطراف، والمستقر، والفاعل في العالم بأسره، والذي يتولى الإشراف على المقدسات الإسلامية وخدمتها وخدمة قاصديها.

ودائرة التركيز تتطلب من القائد أن يسأل نفسه سؤالاً مركزياً جذرياً: 

ماذا عنّي؟ لماذا جئت للحياة؟ وماهي البصمة التي سأتركها بعد الرحيل ليستمر أجرها وأثرها؟

أيها القادة المباركون:

الأعمار قصيرة، فلا تضيعوها في (دائرة الاهتمام)، بل استثمروا كل يوم فيها في (دائرة التركيز)، فهي دائرة الامتياز، وهي من أعظم الأسباب لبقاء الأثر بعد الموت، و ليكن هدف الواحد منا: (أن أعيش بعد وفاتي ٢٠٠ عاماً).

ليصدق فيك شطر المتنبي: وتصغر في عين العظيم العظائم

ولو أردت أن أطرح عليك توزيعاً مقترحاً لوقتك وجهدك في الدوائر الثلاث، فيمكنني أن أقول:

ما لا يزيد عن ١٠٪؜ في (دائرة الاهتمام).

ما بين ٣٠-٤٠٪؜ في (دائرة التأثير).

ما بين ٤٠- ٦٠٪؜ في (دائرة التركيز).

أسأل الله تعالى أن يفتح لنا من فتوحاته، وأن يجعلنا مباركين، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يبقي أثرنا بعد الرحيل.


بقلم :  د.صالح المحيميد

__________________

د. صالح المحيميد: حاصل على الدكتوراه في تنمية القيادات من جامعة إدنبرة. وبرنامج القيادة التنفيذية من جامعة أكسفورد. عضو مؤسس لجمعية البحث العلمي والابتكار، مدرب، وخبير، ومؤلف، ومتحدث في شأن (القيادة).

أبريل 03, 2024

وقفة تأمل على ضفاف الشلال

ما أجمل أن تنتزع نفسك من زحام الأعمال، وتبعدها عن الناس حيناً من الدهر، تخلو بنفسك من دون جوال أو تلفاز أو مذياع، تلتقي في هذه الخلوة بأوجه جديدة وأماكن جديدة ومأكولات جديدة، وتعيش فيه مشاعر جديدة كذلك..

تحتاج بين حين وآخر إلى خلوة تهدأ فيها روحك، وتسكن فيها نفسك، وتراجع فيها شأنك كله ولا يحصل ذلك الصفاء المنشور إلا بالتوقف عن الحركة المعتادة، حتى إذا خرجت من دوراتك الاعتيادية، وبقيت خارج تتابع أحداث الحياة اليومية.. اتضحت لك حينها الأمور..

وكأنها فترة سكون لتهدأ الريح ويهبط الغبار، فتكون الأشياء أكثر جلاء واتضاحاً، وحينها تدرك حجم الأشياء كما هي، وتعلم أين كنت تضع أولوياتك، وهل كانت تستحق الجهد والاهتمام الذي تعطيه إياها.. 

ومع هذا السكون ستشعر أن هناك أموراً مهملة وهي ذات أولوية ولكنها غير ملحة، مما جعلك في الكثير من الأحايين تلجأ إلى تأجيلها وتسويفها وإعطائها فضول الأوقات مع أنها الأولى بالرعاية والاهتمام..

وهذا الصفاء لا يحصل بكثرة التنقل والحركة، بل بالسكون والهدوء والتأمل.. 

دمتم بخير

27- 5 -1441


أبريل 03, 2024

خمس وساوس عن التدوين!

يمتنع كثير من القادرين عن تدوين خبراتهم لأنهم يخضعون لمجموعة من الوساوس والأوهام المعيقة التي تسيطر عليهم وتجعهم غير مبادرين لذلك..

ومن تلك الوساوس والأوهام..

(1) وهم (عدم القدرة على الكتابة)، والتوهم بالحاجة إلى قدرات معينة لأجل احتراف التدوين وهي حجة داحضة، ذلك أن كثيراً من أولئك يكتب هنا وهناك، وقد تعلم القراءة والكتابة ودرس واختبر وكتب بحوثاً متنوعة، فالقدرة من حيث الأصل موجودة دون ريب.

كما أن الاتقان أمر يحتاج إلى مران مستمر، ومحاولات دؤوبة، ولا يأتي هكذا عبر الأمنيات كما أن التأجيل لا يجلب الخبرة، بل يضعفها.

فإذا كنت لا تتقن الكتابة فهذا يوجب عليك البدء الآن وفوراً بالكتابة، وفي كل مرة تكتب فإنك تنجح شيئاً فشيئاً.

(2) وهم (عدم وجود الوقت الكافي لتدوين الخبرات) وهذه وسوسة أضعف من أختها، فليس هناك إشكال في موضوع الوقت لدى كل الناس، إنما الأمر يعتمد على الأولوية التي تضعها لهذا الشيء أو ذاك، ولو أن أحدنا قام بكتابة وتسجيل وقته لمدة 3 أيام فقط لوجد أن ثمة ساعات طوال تصرف في غير طائل وتذهب في صغائر الأمور وفضولها، وسيجد أن الجوال الذكي وشبكات التواصل على اختلافها تأخذ من وقته واهتمامه جزءاً غير يسير، يكون فيها غالباً في موضع المتفرج والقارئ والمطلع على نتاج الآخرين وحياتهم ومشكلاتهم.

ولو مرض الواحد منا ولزم الفراش أياماً لترك كثيراً من الأعمال والمهام التي تأخذ وقته، كما أن جملة من تلك الأعمال التي تستغرق الوقت هي من الأعمال ذات الإنتاجية الأقل، فضلاً عن الوقت الكثير الذي يمضي في العلاقات الاجتماعية والأحاديث الجانبية، والزيارات المتنوعة.

(3) وهم (عدم وجود شيء مهم يمكن تقديمه للناس)، وهي وسوسة معتادة من ظلم النفس وعدم معرفة قدرها، والجواب عليها يسير جداً، ذلك أن المطالبة بالتدوين ليست مطالبة بالكتابة في كل فن، وعن كل شيء، بل عما تعرفه جيداً، وما منا من أحد إلا ولديه معارف تميز فيها، وخبرات أتقنها، وتجارب نجح أو فشل فيها.. ذلك أن التدوين ليس عن النجاحات فحسب بل عن الإخفاقات التي أدركها الواحد منا، وعرف أسبابها فهو يكتب للآخرين ليخبرهم أن هذا طريق غير سالك، فيختصر من أوقاتهم وأعمارهم الكثير ويريحهم من عناء التجربة مرة أخرى، وكم تعلمنا من الذين حكوا لنا عن اخفاقاتهم في كثير من الأمور وصغيرها فالتدوين هو كتابة التجارب، ونقلها للآخرين بهدف إثرائهم، وتعليمهم، وإرشادهم.

(4) وهم ( تعريض النفس للنقد)، وهذه الوسوسة قائمة على معلومات خاطئة أولها أن هذه التدوينة ستبلغ الآفاق فور نشرها، وأنها ستكون بين أيدي كل الناس حين نكتبها، والأمر ليس كذلك حيث سيطلع عليها في البداية عدد قليل، وستقوم أنت باختيار الأشخاص الذي ترسل إليهم، والمعلومة الخاطئة الثانية هي توقع أن الناس جالسون على طاولة المحاكمة يترقبون هذه التدوينة لكي ينتقدوها ويهاجموها ويبحثون عن مشاكلها وتجاوزاتها، وثالثها أن المدون افترض في نفسه أنه يجب ألا يقع في الخطأ، وأنه لا يكتب إلا صواباً خالصاً، والجواب عن هذه الوسوسة أن يدرك الواحد منا أنه حيث يبدأ في الكتابة فسيكون نطاق الاطلاع على تدوينته محدوداً لأن التدوين شيء، و النشر شيء آخر تماما فما تنشره سيصل لبعض المعنيين وستصلك -حتماً- رسائل تبارك جهدك وتشكر سعيك، وستصلك رسائل تقترح عليك الزيادة، أو تقترح عليك تناول جزء لم تتناوله تدوينتك، وتسألك عن بعض ما ورد عليهم من إشكالات تحتاج إيضاحاً، وقد يصلك بعض النقد غير البناء الذي يفترض أن لا يكون عائقاً، ولا يدفعك المعارضون لترك الخير لأجلهم.

وحين اتحدث عن التدوين والنشر الالكتروني فإنني أتحدث عن وسيلة تقنية تتيح لك حجب المقال بعد نشره إن بدا لك أنه من خلال النقد يحتاج إلى تغيير أو تعديل أو تم فهمه على غير وجهه، ولا يستغرق حجب المقال أو حذفه سوى بضع ثوان لا غير.

كما أنك قادر من خلال تقنيات النشر الالكتروني على أن تجري تعديلات على ما سبق نشره سواء كانت تلك التعديلات قليلة أم كثيرة، وسواء تم التعديل مرة واحدة أو مرات عديدة.

ومن تجربتي الشخصية في هذا المجال فإنني قد قمت بتغييرات وتعديلات وتطويل وتقصير وحذف وإضافة لما قمت بنشره مالا أحصي من المرات سواء كان ذلك من جراء نقد الآخرين وتصويبهم أو لأنني حيث أعدت قراءة التدوينة وجدت أن هذا الأمر أو الأسلوب غير مناسب، ولنتذكر دوماً أن الكتابة عمل بشري يعتريه النقص، وكما قال عبدالرحيم البيساني وهو يعتذر إلى العماد الأصفهاني عن كلام استدركه عليه: " إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به وذلك إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومهِ إلا قال في غَدِهِ: لوُ ُغَّيرَ هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يُستحَسن ولو قُدَّم هذا لكان أفضل ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".

(5) وهم (عدم المعرفة بكيفية النشر الالكتروني)، وهي وسوسة أيسر من أخواتها، فإذا لم يبق لديك سوى هذه فإني كفيل بإقناعك أنها عقبة بسيطة جداً، ذلك أن شركة جوجل قد أتاحت لك إنشاء مدونتك الالكترونية بخطوات سريعة جداً وهي أسرع في إنشاءها من البريد الالكتروني حيث لا يتطلب الأمر سوى الدخول إلى جوجل ثم كتابة Blogger حيث تفتح الرابط وتحدد اسم المدونة بالعربي والإنجليزي بحيث لا يكون الاسم محجوزاً من قبل، ثم اختيار أحد التصاميم المتاحة من جوجل بشكل جاهز، ثم كتابة التدوينة الأولى، واختيار زر النشر لتصبح مقالتك متاحة على الانترنت بكل سهولة ويسر. 

ويأتي بعدها دورك في نسخ الرابط ثم ارساله للمعنيين الذين سيقرؤونه ثم يوافونك بمرئياتهم وبهذه السهولة يمكنك التعديل والحذف والإضافة، ومع مرور الأيام، والاستمرار في النشر، ستبدأ في تطوير المدونة، وتعديل شكلها، ومعرفة إحصائياتها، وإتاحة التعليقات عليها، ونحوها من المهارات الإضافية.

أرجو أن أكون بتدوينتي هذه قد ساهمت في إزالة تلك الوساوس والأوهام، وأن أكون قد فتحت أمامك بصيص أمل نحو الشروع في التدوين، ونقل خبرتك، وضمان استمرار الإرث الذي يبقى بعد رحيلك.

دمت بخير ،،

محمد بن سعد العوشن


كتبتها لأول مرة في 25-5-1441


مارس 23, 2024

عمي إبراهيم في موكب الراحلين | محمد بن عبدالعزيز العوشن

هذه إلماحات سريعة من سن القلم ، عن ذلك العم الحاني والأب الثاني (إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن العوشن*) ، أسطرها بمداد من دمع ، وحبر من لوعة :
(1)  كنت خارجاً وإياه من إحدى الاستراحات متأبطاً ذراعه في عام ( ١٤٣٥ ) ، فسألني قائلاً :
وأنا عمك، أنا من مواليد عام ( ١٣٥٨ ) فكم يكون عمري الآن ؟
فيكون - رحمه الله  - قد عاش ( ٨٧ ) سنة ، جعلها الله شاهدةً له . 
والمدون في أوراقه الرسمية أنه من مواليد ( ١٣٥٧ )
(2) ولد في شقراء، وكان مرتع صباه في الطائف .
وتوظف عسكريًا في تبوك، ثم انتقل مؤقتاً إلى جدة .
ثم كانت بقية حياته في الرياض إلى حين وفاته .
إذ توفي ابوه وهو في صغره ، فكفله أبو الأيتام عمه إبراهيم العوشن - أنزل الله على قبره شآبيب الرحمة والرضوان - ولما  شب  عن الطوق يمم وجهه شطر تبوك موظفاً مع خال الملوك : الأمير خالد بن أحمد السديري - نور الله قبره وأعلى في الجنة قدره - مصاحباً هناك لشقيقه عبدالعزيز - رحمه الله - ، وعديله حمد العنقري -أطال الله بقاءه على عمل صالح-
(3) تزوج مرتين :
من ابنة عمه عبدالعزيز : خالتي نوره شقيقة والدتي، ولم تنجب منه.
ومن ابنة عمه إبراهيم : هيله - رحمهم الله أجمعين-، فأنجبت له أربعة أبناء ، وابنة.

(4)  التحق - أولاً - بالسلك العسكري ، وكان ضابطاً برتبة ملازم أول في تبوك ، ثم انتقل إلى الرياض  ، وترك العسكرية ، وتعين موظفاً في وزارة الزراعة حتى تقاعده .

(5) كان رحمة لأرباب المزارع ( الفلاليح ) ، فكان كثيراً مايقوم بخدمتهم ، وإزالة الأعباء التي قد تعترض مسيرة هذه المزارع .
جاءني رجل بقمي من : تربة البقوم في عام ( ١٤١٢ ) وأنا لا أعرفه ، لكنه صاحب سمت وديانة ، وكان ظاهر الوضاءة ، فسألني : وشو منك إبراهيم الذي يعمل في وزارة الزراعة ، فقلت له : عمي  ، فقال لي هذا البقمي : نبي منك فزعة ، نبي منه يزيل عنا مخالفة ، فخرجت لعمي من عملي ، وكنت حينها موظفاً في  : الرئاسة العامة للهيئات ، متأبطاً طلب هذا الرجل القادم من : تربة ، فدلفت عليه في مكتبه ، وكان مليئاً بالمراجعين ، فلما رآني هب من كرسيه متعجباً من مجيئي ، فأخبرته بالحاجة ، فغاب عني قريبًا من الساعة ، ثم عاد لي ، وقال : أبشرك ( شلناها عنه )!
ومن هنا تعرف من أين وصلت إلى أبنائه - بلا استثناء - صفة التفاني في الإحسان إلى الآخرين ، والسعي في إتمام حوائجهم .

(6) لم يكن مرضه الأخير جديدًا عليه ، فمنذ شبابه وهو يشتكي : قرحة المعدة ، ثم تعافى منها بعد ذلك - ولله المنة - جعل الله كل ذلك مكفراً لسيئاته .

(7) كان اجتماعياً إلى أقصى درجة ,  يفرح بالمناسبات واللقاءات ، ويشارك فيها بفعالية ظاهرة ، إلا أنه منذ خمس سنوات أحجم عن ذلك لظروفه الصحية ، ومع ذلك كان بيته ( قبلة ) وموئلاً ، يستقبل كل وافد عليه بابتسامته المعهودة .

(8) كان محباً لأسرته ، استشارني في أمرِ تلبية رغبة أبنائه ، وبالتالي انتقاله إلى شمال الرياض ، ليسهل على أبنائه أكثر : القيام على شؤونه ، وزيارته كل يوم ، خاصة بعدما فقد زوجتيه ، فأيدته على ذلك ، وقلت له : افعل وبلا تردد ، فلم يزد على أن قال : ( فرقى الجماعة _ وأنا عمك _ صعبة علي ) !!! ، فعلمت أنه لن يفارق جماعته ، ولو منحته الدولة بيتاً بالمجان في أرقى أحياء الرياض .

(9) في العامين الأخيرين كان يشعر بضيق في نفَسه _ أحياناً - ولم يكن يشتكي لأحد ، وتبين بعد ذلك أنه مصاب بتليف في الرئة فصار يحتاج إلى راحة دائمة ، وكان يتقلل من الحديث والكلام ، إلا حينما يُتكلم معه عن مرتع صباه : مدينة الطائف  !  فيصيبه نوع نشاط وأنس وسرور وسعادة ، ويبدأ يتحدث ويستطرد ، ثم يشعر بشيء من الجهد ، فيتوقف .

(10) كان جهوري الصوت ، يحرص على إقناع محاوريه بوجاهة رأيه ، وصواب وجهة نظره ، فيظن من لايعرفه أنه حاد الطبع ، ومن شاهد سرعة دمعته ، عرف رقة قلبه ، ولين طبعه .

(11) في آخر زيارة قمت بها له ، وكان معي - كالعادة-  بعض أبنائي ، فلما تشرفوا بالسلام عليه ، وتعريفه بأسمائهم ، قال له ابني عبدالوهاب ( ١٤ عامًا ) : أنا  عبدالوهاب ، فقال له عمي - رحمه الله بشيء من الابتسامة  : عبدالوهاب ، أظن ما في الأسرة من يحمل هذا الاسم سواك  .

(12) عندما دخلت مغسلة الموتى لمهمة تغسيله ، وكان ذلك بحضور أبنائه كلهم ، استأذنت ابنه الأكبر محمداً أن يضع على جسده الطاهر شيئاً من دهن العود الذي كان بحوزتي ، فأذن لي - شكر الله له - ، فكان هذا الطيب آخر ما مس جسده .

اللهم ارفع درجته في عليين ، واجعله من ورثة جنة النعيم ، واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين ، وافسح له في قبره ونور له فيه .

قاله بلسانه وكتبه ببنانه : أبو عبدالعزيز، محمد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن العوشن

_______________________________

* توفي الفقيد إبراهيم العوشن رحمه الله يوم الثلاثاء التاسع من شهر رمضان 1445 ، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء 10 رمضان في جامع المهيني، ودفن بمقبرة شمال الرياض.
وكتب هذه المعلومات القيمة ابن أخيه، محمد بن عبدالعزيز العوشن.

يناير 15, 2024

بس شوي!


لم يكن القليل دوماً محل ذمّ أوتحقير أو استصغار، ولا معبراً عن الدون، فقد ورد الثناء على القليل وبيان أنه أمر محمود وممدوح، ذلك أن العمل الصالح (الدائم) محبوب لله تعالى وإن كان قليلاً، وحين سُئِلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ 
قالَ: (أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ) ، والمال القليل حين يتم إنفاقه بنية طيبة، يكون عظيماً عند الله، كما قال ﷺ ( سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ كان لرجلٍ درهمانِ فتصدَّقَ أجودُهما وانطلق رجلٌ إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائةَ ألفٍ فتصدقَ بها).

إن إشاعة عنوان هذه التدوينة (بس شوي)  يعني إشاعة الإحسان، والحث على ما تيسر منه، ويدفعنا لإعادة المراجعة لموقفنا من الكثير من الأعمال التي طالما احتقرناها، بحجة أنها (قليلة) أو (يسيرة)، ثم كانت نتيجة ذلك الاستصغار أن توقفنا عنها بالكلية.

(بس شوي)، تعني ألا نتوقف عن العمل اليسير انتظاراً للوقت والإمكانات التي تجعلنا قادرين على القيام بالعمل الكثير.

(بس شوي)، تعني أن نتبرع بالمتيسر من المال، وألا نحتقر هذا الإنفاق وإن قل مقداره فقد (سبق درهم مائة ألف).

(بس شوي)، تعني أن نقوم بالإحسان اليسير المتاح لنا، فنميط الأذى عن الطريق، وإن كان غصناً، أو حجراً، أو عائقاً، مستذكرين أن ذلك أحد شعب الإيمان، وحديث الرسول ﷺ (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك في الطريق، فأخَّره، فشكر الله له فغفر له).

(بس شوي)، تدفعنا لمراجعة اهتمام النبي ﷺ بتلك  المرأة - التي لم تكن تقوم بعمل كبير في نظر الكثيرين، حيث كانت (تقمّ المسجد) أي تجمع القمامة وتخرجها من المسجد،  فَفَقَدَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقالوا: مَاتتَ، قالَ: أَفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قالَ: فَكَأنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقالَ: دُلُّونِي علَى قَبْرِهاِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْها.

(بس شوي)، تعني أن تفعل المعروف لكل أحد، ولو كان لقمة تضعها في فم جائع، أو شربة ماء تسقيها لعطشان، وفي الحديث (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك)، وفي الحديث كذلك (أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا)، وقال ﷺ   ( يا نِساءَ المُسْلِماتِ، لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها، ولو فِرْسِنَ شاةٍ) وهو عظم قليل اللحم.

(بس شوي)، تعني أن نفعل الخير حتى مع البهائم، ونتذكر حديث النبي ﷺ  (بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ).

(بس شوي)، تعني ألا نبخل على الناس باللطافة، و الابتسام عندما نلقاهم، فإن (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي تعداد النبي ﷺ  للصدقات قال: ﷺ: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ)

(بس شوي)، تعني أن نحفز المحسنين، وأن نبادر لتقديم الشكر لهم، والثناء عليهم بشتى الطرائق والسبل، ونبارك فعلهم، ففي الحديث (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).

(بس شوي)، تعني أن نسعى للالتزام بشيء من أذكار الصباح والمساء ولو قلّت عبارتها، وقصر وقتها، وشيء من التلاوة لكتاب الله، ولو كانت أحرفاً يسيرة، ففي الحديث (من قرأ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ "الـم" حرفٌ ولكنْ "ألفٌ" حرفٌ و"لامٌ" حرفٌ و"ميمٌ" حرفٌ).

(بس شوي)، تعني أنه يمكننا أن نصلي صلاة الوتر ركعة واحدة ونكتفي بها، وأن نصلي الضحى ركعتين فحسب، فندرك أجر القيام وأجر الضحى.

(بس شوي)، تذكرنا أن المحافظة على الفرائض وحدها دون أي نوافل، تدخل الجنة، كما في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ  ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال ﷺ ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق).

(بس شوي)، تجعلنا نسعى لأن نضرب مع كل محسن بسهم، وفي كل مشروع خيري أو تطوعي بأي مساهمة ممكنة مالية كانت أو فكرية، أو في الدلالة عليه، فإن (الدال على الخير كفاعله).

(بس شوي)، تجعلنا مبادرين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق المستطاع، وبأجمل كلمة، وألطف عبارة، ولا ننتظر استجابة أو قبولاً، بل نكتفي بمجرد البلاغ (معذرة إلى ربكم).

(بس شوي)، تجعلنا نتواصى في بيوتنا بالبر والتقوى، ولا نحتقر كلمة نقولها، أو موعظة نلقيها، ولو كان مستمعوها اثنان أو ثلاثة..

إنني هنا أوصي نفسي، وأوصيك أيها القارئ الكريم بأن تعوّد نفسك على بذل الإحسان اليسير، وفعل المعروف اليسير، والمساهمة بسهم في كل مشروع خيري تراه، أو إحسان إلى عباد الله، وان تشيع ذلك في كل مجتمع تعيش فيه، فالمجتمع المتكافل المتعاطف الباذل وفقاً لإمكانياته وفق المستطاع والمتاح هو مجتمع حيوي فاعل نشط مبارك.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

1 / 7 / 1445 هـ

ديسمبر 26, 2023

الانعتاق

تحدث ابن خلدون -رحمه الله- عن التأثير الواقع على المغلوب من الغالب بحديث عجيب، يصف فيه دواخل النفوس، وطباع البشر، وكأنه يصف حالنا الناس اليوم مع سائر الأمم الغربية، إذ أشار إلى أن "المغلوب" مولع أبداً بالاقتداء بـ "الغالب" في شعاره وزيّه و نحلته وسائر أحواله و عوائده، فالنّفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبداً بالغالب.

إن الانعتاق من رقّ الأجنبي، والخروج من الصورة النمطية للمغلوبين يعدّ خطوة مهمة جداً نحو النهضة، ذلك أن المقلّد مهما أبدع وأجاد فإنه يسير تابعاً، ويبقى في الذيل، ولا يمكن للتابع أن يتقدم على المتبوع.

ومن أجل التقدّم على المتبوع، وتجاوز هذه الحالة النفسية، يجب أن نستشعر أن لدينا من الإمكانات، والقدرات، والثقافة، والمرجعيات، والوعي، والأصالة، ما يجعلنا قادرين على أن نقدم للبشرية نموذجاً أفضل وأرقى، نموذجاً يتوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

إنها حالة من "التعالي المحمود" على تلك المجتمعات المنسلخة عن القيم والمبادئ، تلك المجتمعات التي تعيش مرحلة عظيمة من التيه، وفقدان البوصلة نحو السعادة في الدارين، تلك المجتمعات التي هي أشبه بالمدمن الذي يستمر في كل مرة بأخذ المزيد من جرعات المخدر، لأن المقدار الحالي منها لم يعد كافياً لتحقيق الإشباع، ولذا تراهم يتنقلون في دركات الانحدار القيمي والأخلاقي بشكل مريع وسريع في الوقت ذاته.

لقد تجرّد العالم الغربي اليوم من كل ما جاءت به الأنبياء من تعاليم روحية، وفضائل أخلاقية، ومبادئ إنسانية، وأصبح لا يؤمن إلا بملذاته ومنافعه المادية، وانقلب على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، واستهان بالغايات و المآلات، ونسي مقصد الحياة، وتمكن منه الشيطان، وحقق فيه وفي من يتّبعه وعوده، وخطته الاستراتيجية، (ولأضلّنهم، ولأمنّينهم، ولآمرنّهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله)، نعم، لقد (استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله)، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإذعان للشيطان: الخسارة الكبرى، (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).

إننا بحاجة إلى الوعي بذواتنا، وإدراك مواضع قوتنا، واستشعار أننا وحدنا نتملك مرجعية أصيلة نقية سالمة من التحريف، نحن -فقط- من يمتلك البوصلة الربانية للرشاد والفلاح في الدارين، أما المرتهنون للمبادئ الأرضية، والنظريات والتفسيرات البشرية للحياة والكون، فإنهم في ضلال، إذ هي تفسيرات مبنية على القصور في الإدراك، والقصور في الوعي، والقصور عن معرفة سر النفس البشرية، ودواخلها، ومؤثراتها المترسخة فيها، وهي نظريات مشبعة بالتحيّز للميول الذاتية، والهوى، والمصالح الذاتية، إنها نظريات تفتقر إلى (الدليل الإرشادي) المرسل من الخالق سبحانه، والذي يوضح فيه طبيعة هذا المخلوق، وميوله، واتجاهاته، وما يصلحه، وما يفسده، وهو الدليل الإرشادي الذي لا يمكن العمل إلا من خلاله، وكل تفسير لا يستند إلى هذا الدليل فإنه تفسير قاصر، الخطأ فيه أكثر من الصواب.

إن الحديث عن ضرورة الانعتاق من ذلك الرق، والخروج من حالة التبعية والإعجاب، هو الخطوة الأولى في سبيل النجاح والحرية والتميز والتفوق، ليأتي بعدها فتح مجالات التفكير والإبداع لبناء فكري وثقافي وعلمي وحضاري جديد، منبثق من مرجعياتنا، مستفيد من كل معرفة لدى الآخر غربياً كان أم شرقياً، غير أن الاستفادة في بعض الجوانب ممن هو أقل منك شيءٌ، والاستلاب والنظر إليه بإعجاب وتسليم شيء آخر تماماً، ففي الحالة الأولى نحن في موضع الفحص والتقييم، ثم اتخاذ القرار، وفي الحالة الثانية، نحن في موضع القبول المطلق، والتقدير الكبير.

إننا بحاجة – على سبيل المثال - لإعادة النظر بشكل شامل في أساليب التعليم المتبعة لدينا، وطرائق المناهج، وأنواع التخصصات، وعدد السنوات، وكيفية التعلّم، وتحديد المهارات والمجالات الأولى بالعناية، وفق ما نراه نحن لا وفق ما يرون لنا، ووفق ما نحتاجه فعلياً لا وفق ما يقولون إننا بحاجة إليه، والأمر نفسه يقال في الإعلام، والإدارة، والثقافة، والأدب، والرياضة، وسائر المجالات المجتمعية المختلفة.

لقد التقيت بعدد من الخبراء الأجانب في القطاع غير الربحي، ذوي العيون الزرقاء، وسمعت و قرأت عن مشاريعهم، ووجدت أن كثيراً منها غير متسم بالتميز، ولا بالجودة، غير أنهم أحسنوا توظيف الإعلام في الإعلاء من شانهم، وإيهام الناس أن لديهم مايستحق الاحتذاء والاقتداء، وصدق الناس ذلك!.

وقد وقفت شخصياً على جمعيات إسبانية تمت زيارتها في برنامج زمالة القيادة في المنظمات غير الربحية، فوجدت عملاً عادياً بل اقل من العادي، ثم أجلت النظر في قطاعنا الخيري بالمملكة العربية السعودية، فوجدته يقدم نموذجا حقيقياً على التطوير والتحسين والتجويد والابتكارالمستمر.

لقد آن الأوان  لنا لكي  نتسنّم كرسي الأستاذية للعالم، ذلك أن الغربيين اليوم -وفقاً للحالة المزرية التي وصلت إليها مجتمعاتهم - في حاجة ماسة للتتلمذ على أيدينا، والتعلم منا، واتخاذنا قدوة أخلاقية لهم، فحجم السقوط الذريع الذي وقعوا فيه كبير جداً، وهو انحدار لا يعرف له قاع، يسير الواحد منهم مثل المنكّس لرأسه فلا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو حري بالسقوط، والوقوع في الهاوية، (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)، وأن لا نصدّق ما يضخمه الإعلام الغربي اليوم من عيوبنا ونقائصنا، ذلك أنه يبصر الشعرة في عيوننا، ويغفل عن الجذع في عيونهم.

وحضارتنا الإسلامية - بطبيعتها- حضارة جاذبة، ذات معانٍ، وقيم، وأصالة يمكن لها أن تنتشر اليوم بذات السرعة التي انتشر بها الإسلام في القرون الأولى، حين بلغ أقاصي الأرض، شريطة أن يتم الرجوع إلى ذات الأخلاق والمنطلقات والقيم التي كان عليها الرعيل الأول، فالعالم الذي يعيش هذا الخواء الروحي الضخم، لا يستطيع الصمود أمام روح الحضارة الإسلامية الناصعة.

وحال تلكم المجتمعات وحالنا، كما قال الشاعر:

ونحن اليوم كالأسرى بـ قيد * وفي يمناك مفتاح القياد

نعم، بيدنا المفتاح - لو أردنا- الذي يمكننا من أن نفتح العالم مجدداً بأخلاقنا وقيمنا ومبادئنا، ومرجعيتنا القائمة على الوحي المطهر، تلك الميزة التي لا يملكها اليوم أحد من العالمين.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض حرسها الله

14 / 6 / 1445 هـ

ديسمبر 16, 2023

تجربة الفِطام الذاتي!


خاض جميعنا تجربة الفطام من الرضاعة، وكانت تجربة متعبة في بدايتها، غير أنها ممتعة في عاقبتها، وبدلاً من الاكتفاء بمشروب واحد في البكرة والعشي، أصبح المتعرض للفطام قادرا على الأكل من أنواع المأكولات والمشروبات، مستمتعاً بالكثير من النعم.

وحديثي هنا ليس ذلك الفطام، بل عن فطام من نوع آخر، وهو لون من الحرمان الاختياري، والقرار الشخصي بالتوقف عن شيء ما.

ومن المهم لكل من أراد التحكم بذاته، وإدارة نفسه، وسلوكياته، وتحقيق النجاحات الكبرى أن يكون قادراً على فطام النفس عن بعض مشتهياتها متى ما أراد، فلا يكون منساقاً لها دون قيود أو حدود.
وهاهنا يروق لي ذلك البيت من الشعر النبطي :
مايذوق العز خمّام الوسايد * والرجل ماينفعه كثر التمني

والذي يوضح فيه الشاعر أن الاستسلام للملذات، ومنها النوم مثلاً، ليس طريقاً سالكاً نحو العز، والجاه، والمكانة، فتلك الدرجات الرفيعة تتطلب قرارات جريئة بإهمال وترك جملة من الأشياء، واعتزالها.
ولعل من ذلك أن يراجع المرء وقته، ومضيعات الوقت الأكثر تأثيراً عليه، ثم يفطم نفسه عن بعض تلك المضيّعات زمناً، ليكسر حاجز الاعتياد والتعلق.

ومن نماذج ذلك في مجال الأجهزة الذكية: أن يحذف الواحد منا (بعض) التطبيقات التي وجد أنه بات يمضي عليها (الكثير) من الوقت دون جدوى، والتي أصبحت تؤثر على أهدافه الأخرى، ومستوى إنتاجيته، وكل واحد منا أدرى بالتطبيق الذي يستغرق عليه أوقاتاً طويلة، حتى ولو كان ذلك الحذف مؤقتاً بأيام أو أسابيع، ذلك أن الانقطاع حيناً يورث تقليل الإدمان دون شك.

ومن الفطام المحمود، فطام النفس عن اعتياداتها السلبية، كاعتياد النوم الكثير، والكسل الذهني والجسدي، واعتياد الراحة، والخلود إلى سلوك الانزواء وعدم الفاعلية والرضى بالدون في كل مجالات الحياة.

ومن ذلك فطام النفس عن أصحاب الهمم الدنيئة، والاهتمامات السطحية، واتخاذ القرارات الحاسمة بتقليل الوقت المخصص للجلوس معهم إلى أضيق ما يمكن.  
وفي ذلك كله يصدق قول الشاعر :
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على * حبّ الرضاع، وإن تفطمهُ ينفطِـمِ

ولست أنسى الإشارة إلى لون آخر من ألوان الفطام ، لا يقل أهمية عن سابقه، وهو فطام يمنحنا متعة الحياة، ويجعلنا نسعد بها دوماً، وهو فطام النفس عن مواصلة الانغماس في محبوباتها المباحة، إذ الواجب المحافظة على عدم التشبع التام من تلك المتع التي نحبها، فإن الإكثار منها سبب للملل منها، والعزوف عنها، والهدف من عدم الاسترسال في تلك المتع أن تبقى متعة ممارستها، ولا تزول عنا لحظات انتظارها، والشوق إليها.

فمتعة السفر– مثلاً- والتي يعدّها الناس أحد أفضل المتع، ويبذلون لها الأوقات والأموال، حينما تكثر وتزداد في حياة المرء، ويغمر بها كل الأوقات، ويتواصل تكرارها بشكل متتال، فإن ذلك سيؤدي  - دون شك -  إلى فقدان مشاعر البهجة، والمتعة، والترقب، حينما تقرر سفراً آخر، وسيقل شعورك بتفاصيل الرحلة، من المطار، إلى الطائرة، إلى الإقلاع والهبوط، إلى لحظات الاستكشاف لأول مرة، ورهبة البدايات، وغيرها من المتع التفصيلية للأسفار، وستنخفض كثيراً متعة السفر وحبه وانتظاره، ويتحول إلى روتين غير مثير للسرور.

والأمر ذاته حينما نتحدث عن (متعة التسوق) فالذين يشترون كل ما تطمح إليه نفوسهم، أو يأكلون كلما تشتهيه أجسادهم دون تردد لمجرد قدرتهم المالية على الشراء، فإنهم سيشعرون بالتشبّع بتلك المتعة، لدرجة الملل منها، فاستمرار المرء في إشباع رغباته دون توقف، يجعل تلك الرغبات تبلى وتذبل، ويجعل تلك المتع تزول لذتها، فيصبح تحقيق السعادات الصغيرة أمراً غير يسير.
والناجحون والسعداء لديهم القدرة العالية على تحمل تأجيل إشباع الحاجات، وتباعد أوقاتها، والتوازن في التعامل معها، لأنهم ينظرون إلى مشهد الحياة ككل، وليس إلى اللحظة الحاضرة فحسب، ويخططون للمحافظة على رونق تلك المتع المختلفة، ويدركون أنه كلما استزاد الإنسان من المتع المادية المحسوسة تراجعت درجة استمتاعه بها.
ومن العجائب أن ذلك الأمر لا ينطبق إطلاقاً على المتع الروحية، فإن زيادتها تؤدي إلى مزيد من التأثير الإيجابي الذي تحدثه، والاستغراق فيها يزيدها بهاء، فتزداد مشاعر البهجة في كل مرة، فالأشخاص المهتمون بإرواء أرواحهم، وإشباعها، من خلال الدعاء، والصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفعل المعروف يكونون أقدر على التغلب على التوتر والأمراض البدنية، ويكونون أكثر سعادة وسروراً حتى ولو كانت المتع الجسدية لديهم منخفضة للغاية.

والحديث عن الفطام برمته يأتي استجابة للأوامر والنصوص الكثيرة الداعية إلى الاعتدال في كل شيء، والاتزان في كل شيء، كما في حديث النبي ﷺ : (حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِ) ، وقوله ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)، ويتوافق مع المقولة الشهيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم"

محمد بن سعد العوشن
3 /  6 / 1445  هـ
الرياض 
حرسها الله

ديسمبر 16, 2023

التخطيط الاستراتيجي و كسـر الصندوق

حينما استمعت إلى أمين عام اللجنة الإستراتيجية في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية (الجهة التي تولت إصدار وثيقة رؤية المملكة 2030)، وهو يتحدث عن كواليس ولادة الرؤية، وكيف أن العمل في إعدادها كان خارج المألوف والمعتاد في أسلوب العمل الحكومي، أدركت عن كثب، كيف يمكن تحقيق النجاح في التخطيط الاستراتيجي.

ومن هنا وددت أن أسجّل جملة من الدروس المستفادة من هذه الرحلة، لتكون أنموذجاً للعمل في مشروعاتنا، ومنظماتنا على اختلاف تخصصاتها حينما ترغب في إحداث أثر فاعل، وتغيير جوهري.

الدرس الأول: أهمية العمل التشاركي في بناء الخطة، فالعمل في الخطة الاستراتيجية لم يكن مسؤولية جهة واحدة (الجهة المعنية بإدارة الخطة مثلاً)، بل كان مسؤولية الجميع، وكان العمل على الاستراتيجية بإشراف مباشر، ومتابعة مستمرة من رأس الهرم، فيحضر، ويستمع، ويناقش، ويطرح. 

الدرس الثاني: أهمية أن تحلم عند بناء الخطة بلا سقف، وأن تخطط بلا حدود تمنعك من التفكير، وأن تعمل وطموحك عنان السماء. ذلك أنك حينما ترفع سقف أحلامك، وتقرر المضي قدماً إلى أماكن ومساحات عمل جديدة، وغير مألوفة، فقد تنجح، وقد تخفق، وهو الأمر نفسه لو اخترت المضي إلى أماكن وأساليب وأدوات تقليدية ومعتادة، فاحتمالية النجاح والفشل قائمة في كليهما، غير أن اتخاذ القرار الجريء بالسير قدماً نحو الأحلام العظيمة، يقود غالباً إلى تحقيقها أو تحقيق جزء منها، وهو ما يعدّ نجاحاً غير اعتيادي. وتذكرت حينها المقولة الشهيرة لـ پي تي بارنم: "ليكنْ طُموحك الوصول للقمر، حتى وإن لم تبلغه فمكانك بين النجوم".

الدرس الثالث: أهمية حشد العقول المتميزة لإنتاج خطة متميزة، فذلك الحشد يعدّ من عوامل النجاح الكبرى، فإحسان اختيار المواهب والطاقات، والتكشيف عنها، وتوظيفها، وإطلاق العنان لتلك العقول لتفكّر، وتخطط، وتبتكر، وتحلم، يجعلك تحصد نتاجاً مختلفاً، وأفكاراً نوعيّة، ومقترحات خلاّقة.

الدرس الرابع: أن النتيجة المنشودة لهذا الجهد الكبير، هو خارطة طريق للمستقبل، وأن تكون نتيجتها رؤية (نجمية) بعيدة المنال، وهدفاً مختلفاً كلياً يتم السعي إليه، ومحاولة تحقيقه، فلا يصلح ان تكون خاتمة هذا العمل الدؤوب والمنظّم، والجهد المتواصل، والمركّز، مجرد خطة استراتيجية محددة بسنوات قليلة.

الدرس الخامس: أهمية متابعة العمل على تنفيذ الخطة، فبينما تثبت الدراسات أن كثيراً من الخطط الاستراتيجية تفشل حينما تنتقل من التنظير إلى التطبيق، فإن الخطوة التي تم اتخاذها في النموذج المشار إليه قد اتخذ خطوة مهمة لضمان عدم الوقوع في ذلك، من خلال إنشاء مكتب مستقل لإدارة الاستراتيجية، يشرف ويتابع ويقدم تقاريره بشكل متتابع، وأفرز ذلك عن إطلاق برامج كبرى، ومستهدفات محددة لكل الجهات، وتجمعاً لكل القطاعات والجهات المتشاركة في الهدف، وتحول واقع العمل  من كونه (جزراً مستقلة) تعمل كل واحدة منها بمفردها، إلى (العمل المشترك) فالجميع يعمل مع الجميع لتحقيق مستهدفات الجميع، لقد كان العمل استراتيجياً في التخطيط، وإبداعياً في التنفيذ.

الدرس السادس: أن الخطة الناجحة ليست تخص جزءاً من المنظمة، من خلال إدراك أن المسؤولية عنها ليست مهمة (جزء) من المنظمة تسعى، وتحاول، وتبذل قصارى جهدها، بينما يكتفي البقية بالجلوس على مقاعد المتفرجين، كلا، فهي مسؤولية المنظمة برمتها، وتشعر جميع الإدارات والجهات المختلفة بأنها شريكة في هذه الخطة الاستراتيجية، وأن عليها جزءاً من المسؤولية نحو تحقيقها وفقاً لطبيعة اختصاصها، وحجم تقاطعها مع مستهدفاتها.

الدرس السابع: أن الخطة الناجحة ليست نخبوية، فيجب الحشد والترويج لها، والتوعية بها، ذلك أنها خطة الجميع، وهو ما يجعلها على لسان كل أحد، ويجعل مفرداتها محل حديث جميع أصحاب المصلحة والمستفيدين الداخليين والخارجيين، ويكون ذلك الحشد سبباً في دفع الجميع لتبنيها، وسعيهم للتوافق معها، فتصبح محل عناية الجميع، ومعرفة الجميع،

الدرس الثامن: أن الخطة الناجحة هي التي يتم تبنيها من أعلى سلطة تنظيمية، فتتحدث عنها القيادة العليا بكل فخر، وتبشر بها، وتعلن التبني الكامل لها، والثقة الكبيرة في تحقيقها، وإيضاح أنها ستكون مسار العمل للجميع دون استثناء، فذلك أقوى طاقة يمكن بثها في عروق الخطة لتنمو وتكبر وتتحقق.

الدرس التاسع: أن الخطة الاستراتيجية الناجحة عي التي تغيّر ثقافة المنظمة ، ولذا في نموذج الرؤية 2030م شاعت مفاهيم ومصطلحات كثيرة عل  السنة الجميع، وأصبحت مفردات مثل (المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، والمكانة الدولية والمؤثرة، وتنويع مصادر الدخل، وبرامج الإسكان، والقدرات البشرية، والخدمات اللوجستية، وجودة الحياة، والحوكمة، والتطوع، والعمل التنموي، والاستدامة) متداولة وشائعة، فأسهمت الرؤية في ذيوعها، والتوعية بها، وكذلك كل رؤية استراتيجية لمنظمة، يجب أن تستطيع نشر وإشاعة المصطلحات الحديثة المرتبطة بها، وتثبيتها في نفوس الجميع.

و ختاماً: فإنني أدعو نفسي وأدعو كل قارئ، إلى أن تكون هممنا وخططنا طموحة دوماً، وأن تكون أعلى وأفضل من واقعنا الذي نعيشه، وأن نردد قول الشاعر :

إذا غامرت في شرفٍ مروم * فلا تقنع بما دون النجوم

نعم، نحن بحاجة إلى الخروج من الصناديق التي وضعناها لأنفسنا، بل كسرها، وتجاوز الحدود التي قيّدنا بها طموحاتنا.

نحن بحاجة إلى خطط شخصية، ومؤسساتية، تحمل في جعبتها أهدافاً تشكّل تحدياً فعلياً لقدراتنا وإمكاناتنا، بما يدفعنا لبذل المزيد من الجهود من أجل تحقيقها، ولو كان في ذلك شيء من المشقة المؤقتة لأجسادنا

وإذا كانت النفوسُ كباراً * تعبت في مرادها الأجسامُ

وبمثل تلك الخطط الطموحة، والعملية، والتشاركية، يمكننا الصعود إلى أعلى القمم، وتحقيق أكبر النجاحات.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

الرياض - حرسها الله -

23 / 5 / 1445هـ

ديسمبر 05, 2023

الاستثمار في الأعمال الخيرية

       يحرص الكثير من المستثمرين الهادفين للربح المحض لتحديد شريحة المستهدفين لديه، وينتقيهم بعناية، وهو ما يعين على تحقيق المزيد من الأرباح نتيجة التخصص.
 وقد وجد بعض أولئك المستثمرين أن العمل مع الجمعيات الخيرية أو مع فاعلي الخير يحقق لهم بغيتهم ومقصودهم الربحي بامتياز، لأن ذلك القطاع بحاجة إلى شراء الكثير من المنتجات والخدمات .
وترى الكثير من أولئك يقدمون الخدمات للقطاع بسعر السوق أو زيادة، وبجودة السوق أو أقل، وهم في ترويجهم لمنتجاتهم وأعمالهم لا يكلّون من استخدام النصوص الشرعية لحث الناس على التعاقد معهم!.

        فتراهم يتحدثون عن فضل سقيا الماء وماورد فيه من الأجور، ويتحولون إلى واعظ في شأن السقيا، لا لشيء إلا لأنهم يبيعون كراتين المياه المعبأة، ويوصلونها للمساجد أو لغيرها من الأماكن التي يريدها المتبرعون أفراداً أو مؤسسات.

         وتراهم كذلك يتحدثون عن أهمية العناية بالعمال المساكين الذين يعانون من البرد الشديد القارس، لأنهم في الواقع يسوّقون للحقيبة التي أسموها (كسوة الشتاء)، والأمر نفسه يقال عن إطعام الطعام، وتوزيع السلال، والتمور..

        ولأن العمل تجاري صرف، فإنهم لا يقومون هم أو كثير ممن يتعامل معهم بالتدقيق في مجال جودة المنتج، وفائدته للمستفيد النهائي، ومدى الحاجة الفعلية إليه، والأمر نفسه يقال عن الكثير من الخدمات التي يحرصون على التكسّب من خلال بيعها باسم البحث عن الخير وابتغاء الأجر.

        ومن الطريف كذلك أن ترى ذلك المستثمرالتجاري يتحدث بين الحين والآخر عن دوره الكبير في (العمل الخيري)، وحرصه عليه، وإنجازاته في توزيع أكبر عدد ممكن من سلعته باسم (الخير).

      وربما سعى للحصول على المزيد من العقود باعتباره أولى من غيره، لأنه من (رجال العمل الخيري) – على حدّ زعمه- مع أنه في هذه الحالة ليس سوى أحد المستفيدين من العمل الخيري، المتكسّبين منه، وهو مقدم خدمة ليس غير، هدفه الرئيسي تحقيق الربح المالي، وتأتي باقي الأهداف الأخرى – إن وجدت – تبعاً لذلك الهدف.

       لذا تراه لا يتغاضى عن أي شيء من الأرباح لصالح العمل الخيري، ولا يقبل بتأخير شيء من الدفعات، بل ولا يكلف نفسه بذل مزيد من الخدمة من حيث النوع أو الكم أكثر مما هو متفق عليه، فضلاً عن أن يتبرع بجزء من موارده للمشروع الذي يقدّم المواعظ الناس بشأنه.

     إن قيام رجل الأعمال بتحديد مجال عمله في خدمة قطاع ما، لا يجعله بالضرورة من رجالات ذلك القطاع، ويجب ألا يعتبر جهده التجاري ذاك عملاً تطوعياً يفاخر به، بل هو عمل تجاري صرف، فالمقاول الذي جعل اختصاصه بناء المساجد، أو الشركة التي تخصصت في إنتاج البرمجيات التعليمية، أو إصدار المواد الإعلامية الهادفة، أو تجهيز الاستوديوهات للمؤسسات غير الربحية، كل أولئك (رجال أعمال) يبحثون عن الربح الخالص وقد وجدوه هناك.

         ومن الخطأ أن نتعامل معهم كما نتعامل مع منظمات القطاع الخيري، من حيث مبدأ التجاوز وعدم التدقيق، وقبول المتاح، واعتبارهم محتسبين في خدمة العمل، ذلك أن أولئك المستثمرين حينما يكون الأمر مرتبطاً بحقوقهم ومصالحهم -عند التعاقد- فإنك تراهم تجاريين جداً ، ودقيقين جداً، فإذا جاء وقت الاستلام منهم، ومراجعة أعمالهم، لبسوا لباس التطوع والعمل الخيري، مطالبين بالمراعاة والتسهيل.

        إنك حين تقدّم الخدمة بشكل تطوعي صرف  لا تبتغي منها جزاءا ولا شكورا، فإنه ينطبق عليك قول الله تعالى ( ما على المحسنين من سبيل)، فعملك مشكور، وسعيك محمود، وبذلك للوسع كاف تماماً.

       أما حين تقدّم تلك الخدمة بمقابل مادي تكسب من خلاله، فإن الأمر مختلف كلياً، ويعتبر إخلالك بالعمل أو تقصيرك فيه مرتبطاً بأكل الأموال بالباطل.

        وما من شك أن احتساب الأجر في كل عمل يقوم به الإنسان أمر محمود، حتى ولو كان أمراً دنيوياً صرفاً، لكن ذلك شيء بين المرء وبين الله، لا يمكن الاطلاع عليه، ولا الاستيثاق منه، لأن محله القلب، ودعوى الاحتساب فيه غير كافية لقبول الإخلال بالأعمال والعقود، أو المطالبة بما هو غير مستحق، وخصوصاً حين يكون المال مال الله، ناتج عن تبرعات الناس وصدقاتهم، فإن التحرز فيه يجب أن يكون عالياً ، وأن يأخذ المرء فيه بالعزيمة لا بالرخصة، فـ (كل جسد نبت من سحت؛ فالنار أولى به).  

        وحديثي هذا عن المستثمرين هو حديث عن عدد غير قليل،  وإن كانت الوقائع تثبت قيام (بعض) أولئك، بإطلاق مشروعاتهم الخيرية الخاصة في مجال تخصصهم، وبذلهم في ذلك من مالهم الخاص، وهو أمر يذكر فيشكر.

        كما أنني لا أشك أن الكثير من الجمعيات العاملة في القطاع حريصة دوماً على الحصول على أفضل المنتجات، بأفضل الأسعار المتاحة، إدراكاً منهم للمسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه هذا المجال، وتجاه المستفيدين، وتجاه المتبرعين كذلك.

        جعلنا الله وإياكم من المباركين، ومن المتورعين عن أخذ ما فيه شبهة، فضلاً عما لا يحل، وجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

        دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

21 - 5 - 1445 هـ

الرياض (حرسها الله)

نوفمبر 25, 2023

لنبدأ في مسار المنظمة المتعلّمة

تفشل الكثير من المنظمات، حينما يكون نمو الأفراد فيها نمواً مستقلاً عن نمو المنظمة.

فيبقى كل واحد منهم أشبه بالجزيرة المنفصلة عن الآخرين، فمعلوماته وخبراته وتجاربه يحملها بداخله، ويحتفظ بها لنفسه، حتى إذا غادر المنظمة يوماً ما، غادرت معه كل تلك المعارف والخبرات، واحتاجت المنظمة إلى إعادة بناء المعرفة مرة أخرى، مع الموظفين الجدد، وهي عملية تراكمية طويلة مكلفة في واقع الأمر.

وتستمر المنظمة مرة بعد أخرى في مسلسل إعادة البناء.

ورغم أن مفهوم "المنظمة المتعلمة" قد برز منذ سبعينيات القرن الماضي، على يد عالم الإدارة الأمريكي " بيتر سينغ " إلا أن الواقع الفعلي للكثير من المنظمات اليوم هو بعيد عن مفاهيم المنظمة المتعلمة، نظرياً وعملياً، فهي لا تطبق الممارسات الفضلى في إدارة المعرفة، مما يفقد المنظمة الكثير من مكتسباتها.

ويمكن تعريف (المنظمة المتعلمة) بأنها التي يعمل موظفوها على زيادة قدراتهم ومعارفهم التي تساهم في تحقيق النتائج، ويتم تشجيعهم على العمل وفق نماذج تفكير جديدة، وتصحيح نماذج التعلم لديهم، والنقطة المهمة جداً في ذلك : فتح المجال للموظفين للتعلم من بعضهم البعض، وتناقل الخبرات فيما بينهم، وإيجاد آلية لتقييد الخبرات وحفظها وأرشفتها وتيسير الوصول إليها.

وبعيداً عن التنظير الطويل بشأن المنظمة المتعلمة والمنهجيات العلمية في ذلك، والسعي للحصول على شهادات متخصصة في مجال المنظمة المتعلمة، فإنني أقترح ان يكون التركيز - في بداية الأمر – على نشر المبادئ الرئيسة، قولاً وعملاً، وإيجاد المبادرات العملية للبدء بالتطبيق والممارسة على أرض الواقع، ولو كانت خطوات يسيرة وجزئية، فإن البداية هي النقطة الأهم، كما أن النجاح الجزئي سيدفع إلى خطوات أكبر وأشمل.

ولعل من وسائل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يلتزم كل فرد من فريق العمل بكتابة تقرير منشور ومتاح للجميع عن كل لقاء يحضره، أو زيارة يقوم بها، أو فعالية يشارك فيها، أو مشروع يتم الانتهاء منه، برنامج تدريبي التحق به.

إن وجود هذه المعرفة المجزأة في بداية الأمر، وشيوع تطبيقها،  وزيادة محتواها يوماً بعد آخر، سيبني معارف كثيرة، يمكن العمل – في المرحلة التالية – على تنظيمها وتقسيمها، وفهرستها، ووضع الكلمات المفتاحية له، ثم إعادة توظيف تلك المعارف الجزئية لتكوين صورة أشمل، وأكثر سهولة للتداول والنقل.

ومالم تبدأ المنظمة بخطوات يسيرة على أرض الواقع، فسوف تظل إدارة المعرفة حلماً بعيد المنال، وأمنية تنتظر دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على تحقيقها.

دمتم بكل خير .

محمد بن سعد العوشن

12 / 5 / 1445

(الرياض) حرسها الله


نوفمبر 20, 2023

وماهو بهيّن!

نتوقع أحياناً أن الأعمال الكبيرة والمؤثرة بل والخطيرة كذلك هي أعمال "عظيمة الحجم"، أو "كثيرة العدد" بالضرورة، وهو توقع غير صائب، فهي أحياناً تكون شيئاً يسيراً، لكنه يحدث أثراً عظيماً يصعب إزالة آثاره.

غير أن التشبيه الرائع في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الشهير عن حال أهل السفينة الذين نزل بعضهم أعلاها، ونزل بعضهم أسفلها، ثم إن الذين نزلوا أسفلها اقترحوا اقتراحاً مفاده لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. 

فكان النص الحاسم هنا (فإن تركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) يجعلنا دوماً نعيد النظر في الفعل ذاته، وفي آثاره المتعدية بعد ذلك، بالنظر في مآلات الأمور ونتائجها الإيجابية أو السلبية قبل أن نقرر أن الأمر هين ويسير، وليس الحديث مقتصراً على الجانب السلبي، إذ الأمر ذاته ينطبق على أفعال الخير والإحسان، فرب فعل يسير استهان به صاحبه، وظن انه لا يصنع أثراً، لكن بركته وأجره وتأثيره كانت عظيمة.

فلا تستهن بأي إحسان تصنعه، أو صدقة تنفقها في سبيل الله ولو صغرت، فقد دخلت امرأة بغيٌّ مِن بني إسرائيل الجنة بسبب كلب أسقته على حين ظمأ، فوقوفك مع المسكين والمحتاج ولو بالشيء اليسير، قد يكون فيه خلاصك، وفي الحديث (اتقوا النار ولو بشقّ تمرة)، كما ثبت في الحديث كذلك (سبق درهم مائة ألف درهم)، وفي المتفق عليه صال صلى الله عليه وسلم : (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة).

ولا تستهن بأي تأثير إيجابي تحدثه، أو عمل مبارك تقوم به، واحذر من التقاعس عنه بسبب قلة المستفيدين، فالعدد ليس المعيار الوحيد في الحكم على الفاعلية والتأثير، ورب كلمة لم يستفد منها إلا شخص واحد، غير أنها أثرت عليه وصنعت منه إنساناً مختلفاً، وربما أحدث بعد ذلك آثاراً عظيمة ناشئة عن تلك الكلمة اليسيرة.

ولا تستهن بأي نصيحة تقدمها للغير، ولا تهوّن من تأثير كلمة الحق التي تقولها، فرب كلمة جاءت بغير إعداد مسبق، وبشكل عفوي، أحدثت تغييرا جذريا في الآخرين، وكان بها خلاصك وخلاصهم.

ولا تستهن بتفاصيل البر بوالديك، وتتبع ما يرضيهما، وتفقد صغائر احتياجاتهما، ولا تستهن بالوقت الذي تمضيه معهما، فكم من حسرة ستعانيها حين يفارقان الحياة وأنت مقصر في حقهما، وتذكر أن القرآن الكريم نهى عن صغائر الأمور معهما، ( ولا تقل لهما أفّ).

ولا تستهن بالدقائق والسويعات التي تذهب هباء، فإن العمر هو تلك الدقائق التي تمضي، وإنما السيل اجتماع النقط، وتفريطك وتهاونك مرة بعد مرة يجعل سنوات عمرك تتصرم، وانت على نفس حالك.

ولا تستهن باي خطوة تقوم بها لتخفيف الإدمان الإلكتروني، والتخلص من عبودية الجوال والإنترنت.، فكل خطوة -ولو صغرت- يمكنها أن تمنحك وقتا إضافيا تصرفه في جوانب الحياة الأخرى المهمة، ولا يغرنّك كثرة المدمنين، فهم متورطون وإن تظاهروا بغير ذلك.

ولا تستهن بدقائق معدودة تنفقها في تلاوة آيات من الذكر الحكيم، أو السجود لله، أو حمده وشكره عل نعمه، وتسبيحه وتعظيمه، والتأمل في عظيم صنعه.

ولا تستهن بالحديث الإيجابي للتخفيف عمن وقعت عليه مصيبة، أو حلت به كارثة، ذلك أن جبر الخواطر، ومشاركة الناس همومهم من أعمال البر المحمودة، وفي الحديث (لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق).

ولا تستهن بأي معصية ترتكبها، وتعتبرها هيّنة يسيرة، و تذكر (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض)، ففكّر دوما في عظمة وجلال من عصيت.

ولا تستهن بالمجاهرة بالمعاصي أمام الناس، ففعل المعصية ذنب، غير أن المجاهرة بها ذنب آخر، وربما كان أكبر من الذنب الأصلي ذاته، ففي الحديث (كل أمتي معافى إلا المجاهرون).

ولا تستهن بكلمة تثبيط أو تحطيم توجهها لمبادر اجتهد في عمل يقوم به، أو مسعى بذل فيه وسعه، فكم من كلمات كانت أشد من اللكمات على وجوه المبادرين.

لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

ولا تستهن بالخوض في أعراض الناس، ونواياهم، وإصدار الأحكام عليهم، وتذكر قول الله تعالى (وتحسبونه هيّنا، وهو عند الله عظيم).

وفي حديث تقشعر له الأجساد، يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم.).

ولعلي أكتفي بتلك النماذج المشار إليها،إذ يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، جعلنا الله وإياكم من المعظمين لشعائر الله، الحريصين على ما يرضيه، المجتنبين لمواضع سخطه وغضبه.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

5 / 5/ 1445 هـ


نوفمبر 18, 2023

لست وحدك | النهيدي

نعم،  ففي الخير ( لست وحدك )

فلا تمنن فهناك الكثير يعملون بصمت يقدمون ولا يمنَّوُن يتسابقون للعطاء ويحزنون إن فاتت عليهم الفرص ثم ينزوون كأن لم يعملوا شيئا {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير }.

و في البلاء ( لست وحدك )

فهناك أناس يُبتلَون بأكثر مما أنت فيه ويصبرون، ويشير المصطفى ﷺ إلى ذلك في حديث خباب «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري

وفي الإبداع ( لست وحدك )

فهناك مبدعون كثر، تعريجك عليهم وعلى إنجازاتهم يجعلك تستصغر عملك وتتطلع للمزيد، وبعدم الإلتفات إليهم يتسرب إليك الغرور فيفشلك.

وفي الإخفاق ( لست وحدك )

فهناك الكثير فشلوا وحاولوا ونجحوا ولو بعد حين وهناك فاشلون سقطوا وأحبطوا وكانت النهاية، كلاهما يعطيك حافز لأن تقوم من عثرتك أقوى ما تكون فلست وحدك.

و في الخطأ ( لست وحدك )

فلا تجعل الخطأ يقودك إلى الخطأ الآخر والأصغر إلى الأكبر فمعظم النار من مستصغر الشرر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» رواه مسلم

وفي الإصابة ( لست وحدك )

فهناك موفقون مسددون ملهمون يقولون الحق ويهدون الرشد فلا تكن وصيا على الناس فلست وحدك  وكأن لا حجة على الخلق إلا أنت, ولا موافق للشرع إلا فعلك 

فتيقن دوماً أنك ( لست وحدك )


بقلم المغرّد : عبدالله النهيدي
5 / 5/ 1445 هـ

نوفمبر 14, 2023

||| تحديث على المدونة |||


 أخي الزائر الكريم .
يمكنك الآن التعليق على التدوينات المنشورة .
ممتن لنقدك الهادف، ومقترحاتك، وإضافاتك النيّرة.

                            محمد

نوفمبر 13, 2023

الصديق الحقيقي!

لطالما كانت أوقات الرخاء والمسرات والسعة أوقاتا يتكاثر فيها الرفاق، ويشعر المرء أنه محاط بالكثير من الأصدقاء، والزملاء، من الأقارب، أو سكان الحي، أو من تعرّف عليهم في مراحله التعليمية المختلفة، أو عمل معهم في وظيفة ومنظمة واحدة.

وربما ظن المرء أنه حين يجد الجد، ويقع المكروه، وينشد "الفزعة" منهم، فإن تلك الأعداد غير المحدودة، جاهزة للمبادرة، تنتظر الإشارة منه، بل ربما توقع أن يسبقوا لذلك دون انتظار النداء.

والحقيقة أن هذا وهم كبير، فالناس الذين تعرفهم أو عشت معهم، أو تزاملت معهم في دراسة أو عمل، يتعايشون معك بوصفك جزءاً من مجتمعهم، وهم يعدونك جزءاً يسيراً من علاقاتهم الكثيرة، فلا تتوقع أن تكون لدى كل واحد منهم في المنازل الأولى، وأنه ينظر إليه كأقرب صديق، ذلك أن تلك التوقعات حين يجد الجدّ ستكون مؤلمة جداً.

لذا فإن من المهم لك أن تفرّق جيداً بين الزملاء والأصحاب الكثر، والذين تتعايش معهم، وتأنس بهم، وتمضي جملة من الأوقات معهم، وبين الأصدقاء الحقيقيين الذين تدّخرهم للنوائب، ممن سيتفانون في تقديم الخدمة لك، وسيسعون بكل جهدهم لمساعدتك على النهوض بعد الوقوع، وسيلازمونك ملازمة الأخ الشقيق، وسيتألمون مثلما تتألم، فـ"الصديق وقت الضيق" كما يقول المثل الشائع.

وما أجمل بيت الشاعر عبد الله بن عون في هذا التفريق المهم بين الأصحاب، حيث يقول:

بعض العرب للتمشية والتساهيل  * وبعض العرب للمعضلات وخطرها

ومثله بيت الشاعر فهد الصميدي، الذي يقول فيه:

أحدن أجيه اضيع الوقت واياه * واحدن إلى ضيعني الوقت جيته

إنه أسلوب حياة في التعامل مع الآخرين، يقتضي وضع كل واحد منهم في منزلته التي تليق به، وهو يعني الانفتاح واللطف مع الجميع، مع إدراك أن ذلك يأتي من باب الإحسان وفعل الخير، وبذل المعروف، الذي يرجى نفعه في الدنيا، وأجره في الآخرة، فالتبسم في وجوه الآخرين، وأن يكون المرء ممن يألف ويؤلف هو أمر ممدوح ومرغّب فيه، غير أنه في الوقت نفسه يجب الانتباه جيداً لتلك  القلة القليلة، والنخبة المنتقاة من الأصدقاء الصدوقين المقرّبين، الذين يعلم المرء أنهم أهل لهذه المنزلة، وأنهم جديرون بتخصيصهم بالبذل والوقت والاهتمام والعناية، هؤلاء القلة جديرون بأن يحظوا بامتيازات خاصة، لا أن تعاملهم كما تعامل بقية الرفاق.

وفي الوقت الذي تتساءل وتتلفت في وجوه أصحابك متسائلاً في نفسك: أيهم "للمعضلات وخطرها"؟  وأيهم إذا ضيّعك "الوقت جيته"؟ وهو تساؤل مشروع ومطلوب؛ عليك أن تسأل نفسك: أي أولئك ينظر إليك تلك النظرة ذاتها، ويعلّق عليك الآمال حين تنزل به النازلة، أيهم سيقصدك قبل أن يفكر في سواك، وأيهم سيلجأ بعد الله إليك، وأيهم يؤمل أن تبادر لـ"الفزعة" معه قبل أن يسأل؟ وهل ستكون عند حسن ظن أصدقائك بك، أم أنك وقت حاجتك كثير الإلحاح، ووقت حاجتهم كثير الأعذار.

إن من الحصافة والحكمة أن يختار المرء أصدقاءه الخلّص، وأن يفي للصداقة بحقوقها، وأن يسأل الله تعالى ألا يحوجه إلى أحد، لكنه حين يحتاج فسوف يراهم إلى جانبه وقوفاً، لا تصرفهم عنه المعاذير، والجزاء من جنس العمل.

أيها القارئ الكريم.. إنني أدعوك لأن تكون لطيفاً مع الكل، لكنك أكثر لطفاً وأثراً مع أولئك النفر القليل، وأدعوك لأن تكون كريماً، لكنك أكثر كرماً مع الأصدقاء الحقيقيون، وأدعوك لأن تكون ذا نجدة، وفزعة، ونصرة لمن تستطيع، لكنك أكثر وأسرع إلى الثلة المختارة. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

29 ربيع الثاني 1445

الموافق 12 /11 / 2023

أكتوبر 16, 2023

تدارك العافية

في كل لقاء تسمعه أو تشاهده مع الأشخاص الذين تعرضوا للإعاقة جراء حادث مروري أو سقوط من مكان عال، أوإصابة بمرض مقيّد للحركة، تجد علامات الندم واضحة في ثنايا حديث أولئك المبتلين و تنهداتهم أثناء روايتهم لتفاصيل حياتهم قبل الحادث وبعده..
وتدرك -بكل وضوح - ندمهم على التفريط في أوقات العافية والصحة والنشاط، وأمنياتهم العميقة بالشفاء لكي يوظفوا كل تلك الطاقات التي كانت لديهم في مكانها الصحيح، ويستثمرون أوقاتهم بما يليق بها، ولسان حال الواحد منهم : ليتني أعود إلى النشاط والصحة، ففي جعبتي الكثير مما كان يفترض بي أن أصنعه، وسوف أصنعه لو تحقق لي ذلك.

إن ما نعتبره اليوم من البديهيات التي لا نعيرها بالاً، ولا نلتفت إليها، ولا نشعر بها من كثرة المماسة، هي من أهم المهمات، وأغلى الأمنيات لدى أولئك المبتلين.

فصعود سلم المنزل -مثلاً- لأجل السلام على الوالد أو الوالدة، والبقاء بجوارهما، وتقبيل رؤوسهما، فضلاً عن السفر بهما، أو قضاء حوائجهما، هي أمور لم تعد متاحة لأولئك المبتلين  -شفاهم الله - ، ولسان حال الواحد منهم : والله لإن شافاني الله مما أصابني ليرين الله ما أصنع من البر والإحسان لهما.

أما تفقد حال الأبناء، والذهاب بهم للمدرسة، أو المستشفى، والسفر بهم، واللعب معهم، وحملهم بين الأذرع، وإدخال السرور عليهم بأنواع الحركة، فكلها أمنيات يعجز الكثير منهم عن القيام بها، ويأمل أن يصنعها ولو لمرات محدودة في حياته بعد أن حرم منها.

وأما القيام للصلاة، والذهاب للمسجد، والسجود المتكرر، والإمساك بالمصحف، والحج والعمرة، وأعمال كثيرة من أعمال الخير والإحسان التي يودون لو أنهم قادرون على فعلها، وإنفاق الوقت والجهد عليها، فلا تسل عن الحسرة التي تجتاح قلوبهم على عدم القدرة، ولا تسل عن مشاعر الحزن التي تجتاحهم وهم  يرون جموع الطائفين والعاكفين والركّع السجود على شاشات التلفاز، ولذا لا ينفك الواحد منهم يدعو الله ويلح في الدعاء ليتمكن من السجود بين يديه، ويتمنى أن تقبض روحه وهو ساجد لله تعالى.

ويصبح تبادل الزيارات مع الأحبة، والأنس بهم، والذهاب معهم للبرية، والاستمتاع بتفاصيل تلك الرحلات، أمراً عسيراً، إذ أن كثيراً منها مما يصعب القيام به أصلاً، أو يمكن القيام بهم مع مشقة وجهد كبير على المبتلى وعلى أصحابه في الوقت ذاته.

أما ركوب السيارة فضلاً عن قيادتها -وهي من أيسر الأمور على الصحيح المعافى- فتغدو أمراً بالغ الصعوبة، وجهداً يتطلب السؤال المكرر: هل هناك حاجة فعلية للركوب، وهل يستدعي الأمر تحمل ذلك العناء، فتراه يقوم بالكثير من المقاربات والتحليلات قبل اتخاذ قراره بالخروج من المنزل.

كما أن ارتداء اللباس وخلعه يغدو هو الآخر هماً إضافياً يسبق كل مناسبة، أو ما يستدعي الخروج من المنزل، إذ تكتنفه الكثير من المصاعب، والحاجة للمساعدة، أما الذهاب للخلاء، فأمر عسير، ومجهد ومحرج في الوقت ذاته، فالكثير من البيوت والمساجد والمرافق العامة لم تصمم لتخدم هذه الفئة أصلاً، ولذا فهو محتاج إلى المساعدة في الوصول إلى دورة المياه، ودخولها والخروج منها.

وكل ما ذكرته من نماذج وأمثلة ليس سوى رأس هرم الجليد، فالخافي أعظم، ومالم أذكره هو أضعاف ما ذكرته، أسأل الله بلطفه أن ينزل عليهم الشفاء والعافية، ويرزقهم الصبر والإعانة، ويضاعف لهم الأجور.

إن حديثي السابق ليس موجهاً لأولئك المبتلين الصابرين، وإنما أوجهه للأصحاء المتعافين، الذين منّ الله عليهم بالعافية، والقدرة المطلقة على الحركة، ويسر لهم الكثير من النعم المتتالية، بحيث لم يعودوا يستشعرونها، أو يقدروها، ولا يشكرون الله عليها إلا قليلا، وبات تعرض الواحد منهم لنزلة برد، أو جرح يسير، أو إلغاء مشروع ما، أمراً يجلب لهم الكدر، ويعيّشهم مشاعر سلبية مبالغ فيها، لأنهم عاشوا اللحظة التعيسة بعمق، ونسوا المحيط الضخم من النعم التي يرفلون فيها.

ولذا فإن رؤية المبتلين، وسماع أحاديثهم من شأنه أن يجدد لدينا الامتنان لله تعالى، واستشعار النعم، ويعيد ترتيب الأولويات لدينا، ويدفعنا إلى التعجيل بالعمل وترك التسويف، والمبادرة اليوم بصنع كل ما نستطيع صنعه، وإدراك أن ما يمكننا القيام به اليوم، ليس بالضرورة مما يمكننا القيام به غداً، فحوادث الزمان تأتي دون إشعار مسبق، تأتي فجأة فتحبس المرء في مكانه، وتوقفه عن كثير من أعماله، فيزار ولا يزور، ويتلقى الخدمة بدلاً من أن يقدمها للآخرين.

وما أحوج كل واحد منا إلى وقفة مراجعة شاملة لمسيرته، وأعماله، وواجباته، والتزاماته، ووقته، وأمنياته، وإنجازاته، وإعادة التخطيط لحياته، مركزاً فيها على الأولويات، مستغلاً فيها للنعم والأعطيات، مستصحباً أن دوام الحال من المحال، وأن وقوع البلاء ممكن، وأن السلامة غير مضمونة، فليتدارك العافية مادامت موجودة ومتاحة، فإن النعم سريعة الزوال.

ولنتذكر سوياً ذلك الحديث العظيم الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)؛ أخرجه الحاكم وصححه الألباني.

ولنستشعر كذلك أن المؤمن أمره خير كله فمتى ما كان محسناً عاملاً باذلاً وقت صحته وسلامته، فإن الله يجازيه بمثل صنيعه حين يصيبه البلاء، ويعجز، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري.

أيها القارئ المبارك.. اعمل اليوم كل ما تستطيع عمله، واستثمر كل ما أعطاك مولاك، بما يسعدك، ويزيل عنك كل آلام التقصير، وتأنيب الضمير، ولا تنس قبل ذلك وبعده أن تسأل الله دوام العافية، وسلامة الجوارح، وأن يحفظها الله لك حتى تلقاه سليماً معافاً، حامداً شاكراً بالقول والعمل. 

دمتم بكل خير.

محمد بن سعد العوشن

(الرياض) حرسها الله

2 ربيع الثاني 1445 الموافق 17 /10 / 2023